بعد مرور شهر...
دلف إلى المشفى ركضاً حتى يلحق بها قبل أن تخرج من المشفى.
فقد هاتفه طبيبها يطلب منه الحضور لاستلامها كما طلب عند تعافيها.
وللصدفة استمعت هي إلى حديثه وأصرت على الخروج وحدها.
_ أنا هخرج... أنا مش فاقدة لـ الأهلية عشان تمنعوني. وحضرتك يا دكتور واقف تتفرج!! قولهم يسيبوني.
حاول باران تهدئتها قائلاً:
_ يا زهرة اهدي... دلوقتي جوزك ييجي ياخدك وتحلوا مشاكلكم مع بعض.
صرخت هي بحدة وغضب:
_ وأنا مجبتش سيرة أي مشكلة بيني وبين جوزي. أنا قولت عاوزة أخرج من هنا.
في تلك اللحظة كان ناير وصل إليهم.
لم يكن من الصعب الوصول إليها فقد اخترقت أذنه صوتها الغاضب وهي تنهرهم لمنعها من الخروج.
اقترب منها وجذبها من يدها على حين غرة والتفت برأسه قائلاً:
_ دكتور باران أنا همشي دلوقتي وبكرة إن شاء الله هاجي عشان الإجراءات.
وخرج دون أن يأخذ إجابته منشغلاً في تلك المخلوقة التي تحاول الفرار منه بشتى الطرق.
إلى أن وصلا للسيارة فدفعها وأغلق الباب.
_ مش عاوزاك يا ناير ابعد عني وسبني في حالي بقي.
نظر إليها بحدة وغضب قائلاً بهدوء ظاهري:
_ مش عاوز أسمع صوتك لحد ما نروح البيت. تمام؟
حولت بصرها نحو زجاج السيارة تتابع حركة السيارات حتى يصلوا إلى المنزل.
******************
أغمضت عينيها بتوتر وهي تقف على ذلك الجهاز لقياس الوزن.
شهران من المجهود المضني حتى تفقد وزنها.
كان من المفترض أن تقيس وزنها كل شهر لكن خوفها من الإحباط منعها.
لكن اليوم زارتها زمزم وجلبت لها هدية وأصرت أن تقيس وزنها.
ضحكت زمزم بقوة وقالت:
_ يا بنتي خلاص فتحي عينك. خسيتي.
فتحت عينيها بسرعة عندما استمعت إلى الكلمة الأخيرة وهي تقول بلهفة:
_ بجد!! وحياة أمك خسيت؟
أومأت برأسها بسعادة بضحك مشيرة إلى الشاشة الصغيرة:
_ أهو شوفي كنتِ كام وبقيتِ كام.
وأمدت يدها وأخرجت كيس صغير من حقيبتها.
_ خدي. اكوي ده والبسيه بقي. هيبقي حلو أوي عليكي.
أنا هقضي اليوم معاكي النهاردة وهتصل بالزفتة ديه أشوفها اتأخرت ليه.
أخذته تمارا منها ودلفت إلى الغرفة وقامت بكيه وارتدته.
ظلت تدور حول نفسها بانبهار وهي تتفقد الثوب.
فقدت الكثير من الوزن.
نظرت إلى شعرها بالمرآة وابتسمت وهي تمد يدها نحو ربطة شعرها وحررته ثم خرجت من الغرفة.
خرجت زمزم من المطبخ بيدها زجاجة ماء قاطبة جبينها باستغراب:
_ البت ديه مبتردش بـ تكنسل.
وأصدرت صفيراً دلالة على إعجابها بشقيقتها.
_ إيه الجمال ده!! أيوة بقي هي ديه تمارا. مش فاهمة أنا إيه القرف اللي كنتِ عملاه في نفسك ده.
اقتربت تمارا من زمزم وعانقتها بقوة وبادلتها زمزم العناق.
_ يلا، يلا روحي اقعدي عقبال ما أشوف الزفتة ديه فين.
وعادت الاتصال بها من جديد لكن هذه المرة أغلق الهاتف تماماً.
**********
على الجهة الأخرى.
خطف ناير الهاتف من يد زهرة وأغلقه.
_ إيه اللي انت عملته ده؟ أنت اتجننت؟
صف السيارة بغضب محدثاً صريراً مزعجاً والتفت إليها بغضب.
_ انزلي.
نظرت حولها باستغراب تحول إلى خوف وتوتر وهي تشاهد المنزل الذي سبق واختطفت به.
تابع ناير تعبيراتها باستغراب ثم تحولت ملامحه إلى الألم وشتم نفسه على نسيانه مثل هذا الشيء الهام.
كيف نسي حادثة اختطافها بهذا المنزل!
عاد يأمرها بصوت أقل حدة.
_ انزلي يا زهرة.
فتحت الباب بأيادي مرتعشة تشعر بحاجتها إلى الراحة.
تشعر أن قدميها ستخذلها.
أمسك بيدها حتى يدلفا إلى المنزل.
تركها ناير بعد أن أجلسها على الأريكة وذهب حتى يجلب لها ماء.
_ خدي. اشربي واهدي كده.
أخذت منه الكوب وتجرعته كاملاً ثم وضعته على الطاولة أمامها والتفتت إليه حتى تبدأ العراك.
_ أنت جايبني هنا ليه؟ أنا مش عاوزاك يا ناير. حاول تنساني. طلقني وانساني.
من الغباء الآن أن يستخدم أسلوب الشدة معها.
ببداية زواجهم رفضته صراحة بسبب عمله وأنها تخاف من ضباط الجيش والشرطة ولكنه وعدها أنها ستكون خارج دائرة الخطر تماماً.
ورغم اعتراضها بوقتها إلا أنه وجد والدها يهاتفه يتفق معه على موعد حفلة الزفاف.
_ يا زهرة أنت بتحاسبيني على إيه؟ أنا أمنت البيت كويس. بس اللي ربنا كاتبهولك أكيد هتشوفيه حتى لو أنا عملت إيه.
دمعت عيناها وهي تتذكر حديثه معها وانتهاءه باعتذاره عن إنقاذها.
_ بحاسبك على إيه!!! بحاسبك أنك بديت شغلك عني وسبتني في إيديهم. أنت متعرفش كانوا بيعملوا فيا إيه. أنا مبقتش مدمنة وبس. لا أنا كنت يومياً بـ أتألم إلا الـ كام يوم اللي قبل ما تلاقيني فيهم. كنت بترجاهم عشان يريحوني يا أما يدوني الجرعة يا أما يموتوني. بس كانوا بيستمتعوا وهما شايفني بتلوى.
فاكر قولتلي إيه لما اتصلت عشان تتصرف وتنقذني؟ قولتلي إيه؟ كل ده تليفونات عندي شغل.
سبني أمشي يا ناير أنا مش عاوزاك.
طوال فترة حديثها كان ينظر إلى الأرض لم يستطع رفع بصره إليها.
خذلها كثيراً ويعلم ذلك.
_ أمشي يا زهرة.
نظرت إليه مصعوقة من تخليه عنها بهذه السرعة.
ثم تداركت نفسها سريعاً وأخذت هاتفها وحقيبتها وخرجت حيث أختيها.
********************
انتقل ناصر النوساني إلى منزله بعد أن انتهى من توضيبه.
لم يستطع البقاء بمنزل أخيه وهو يرى معاملة ابنته له وتجنبها إياه في كافة تصرفاتها.
كما أنه غاضب حقاً من وقاص ولا يريد رؤيته.
انتقل إلى منزله منذ أسبوع فقط.
كان يحاول معرفة كل شيء عن حياة بناته.
صعق عندما علم أن عابد وناير متزوجان على بناته.
لكن ما دهشه أكثر هي زهرة.
كيف توافق على زواج ناير من أخرى؟
وكيف يستجري عابد أن يتزوج على ابنته التي سحرته من أول مرة رآها بها؟
دلف إليه الخادم يقول بتهذيب:
_ وصلوا يا فندم. أدخلهم؟
أومأ برأسه إيجاباً.
يجب أن يضع النقاط على الحروف الآن ويصلح ما أتلفه بحياتهم بجهل منه.
دلف ناير وعابد ووقاص إلى المنزل منهم من يشعر بخطئه في الزواج مرة أخرى ومنهم من يتبجح ويسير بكل عنجهية وغرور.
_ تعالوا اقعدوا. كلامنا احتمال يطول شوية فـ اللي عنده معاد.
توقف عن الحديث وحول بصره ناحية ناير الذي تهللت أساريره فـ من المؤكد أنه سيتحدث معه عن ابنته وهو غير مستعد الآن.
تابع ناصر حديثه بحدة وصوت مرتفع قليلاً.
_ يلغيه.
جلسوا جميعهم على المقاعد منتظرين حديثه.
إلى أن هتف بجدية.
_ تعالي ورايا يا وقاص.
دلفا إلى غرفة المكتب الخاصة به حتى يستطيعا التحدث بحرية.
_ اتجوزت على بنتي ليه يا وقاص؟ ناقصها إيه عشان تتجوز عليها؟
_ ناقصها إني أكون بحبها. ناقصها إني أكون قابلها كـ زوجة حتى. وأنا لا دي ولا دي. زمزم طول عمرها بنت عمي اللي مبشوفهاش نهائي عارف اسمها بس. فـ يوم وليلة أبويا يجبرني إني أتزوجها عشان عملت حادثة وبقت معاقة!!! مش ذنبي لا أنا اللي خبطتها ولا كنت السبب.
صدح صوت ناصر الجهوري بغضب أعمى.
_ بنتي مش معاقة يا وقاص. بنتي كاملة. المعاق صح هو أنت. أنا ندمت إني أجبرتها عليك. كنت فاكرك هتهون عليها وتخفف وجعها. مكنتش أعرف إنك هتسافر بعد جوازك منها بـ أسبوع عشان تجيب السنيورة مراتك.
ظهرت دهشة وقاص على صفحة وجهه بوضوح.
_ فاكر إن مكنتش هعرف. قبل ما أجيبك هنا أنا عرفت كل حاجة. طلقها يا وقاص وكل واحد يروح لحاله.
وقاص بعناد:
_ لا. طلاق مش هطلق.
_ يبقى تطلق الجديدة بكرة وبنتي بس اللي تفضل على ذمتك.
_ بردوا لا. مش هطلق واحدة منهم. بنتـك لسه زي ما هي. مبقتش مدام. وأنا مش هطلقها. اللي تستغفلني وتمشي مع واحد غيري وهي على ذمتي حقها عندي إني أصففها التراب لحد ما تقول حقي برقبتي.
لم يستطع تدارك الوضع كاملاً.
كيف تكون ابنته كما هي؟ متزوجة منذ عامان ولم يحاول وقاص الاقتراب منها!!! وكيف تخونه من الأساس.
_ يعني إيه... بـ بتستغفلك؟
أفلتت ضحكة ساخرة من وقاص وهتف:
_ يعني بتستغفلني. ماشية مع الدكتور بتاعها. بتاع العلاج الطبيعي.
_ أنت كداب. بنتي مستحيل تعمل كده.
قالها ناصر بغضب شديد وصوت مرتفع.
اشتدت عضلات فكه بغضب وهو يلقي على مسامع عمه ما فعله حتى يتأكد مما يقول.
_ كان نفسي أبقى كداب يا عمي. بس ديه الحقيقة. أنا بـ راقبها بقالي شهر ونص. بتخرج معاه ومش عاملة حساب إنها متزوجة حتى لو عـ الورق. دخلتلها امبارح عشان أخلي جوازنا عـ الورق وحقيقة بس رفضتني. طلاق مش هطلق إلا لما أتأكد إن أنا أول واحد بنفسي.
تهدلت كتفيه بخزي من فعلت ابنته.
يعلم أنه أخطأ بحقها لكن ذلك لا يعطيها الحق أن تفعل تلك الفعلة الشنيعة.
كيف تخون زوجها. وإلى أي حد وصل الأمر بينهم قبل أن يشك بها وقاص؟
رفع رأسه نحو وقاص وعاد مرة أخرى ناصر النوساني القديم الصارم.
_ معاك أسبوع واحد. بكرة تجبلي اللي يثبت إنها بتخونك. وخلال الأسبوع ده تتصرف وتجيبها هنا وتخليها مراتك. عاوز أطمن بنفسي.
أومأ برأسه موافقاً وعقله يحيك لها الخطة من الآن.
ستدفع ثمن خيانتها له مضاعف.
بعد خروج وقاص تحولت ملامح ناصر إلى الوجع والخذلان.
وألمه بكافة أنحاء جسده.
زمزم الوحيدة بينهم التي بكت أمامه حتى يتراجع عن قراره.
حتى أنها بكت وأوشكت على تقبيل يده بتوسل حتى يتركها ولا يجبرها على شيء يوم زفافها عندما دلف إليها بالدفتر للحصول على توقيعها لكنه بقي جامداً حتى أنه لم يربت على كتفها يواسيها.
أن يقول لها أنه معها يساندها.
إلى أن انتهى بها الأمر تحمل لقب خائنة بسببه وبسبب طريقه معه وجموده.
لم تقو قدماه على حمله حتى يخرج ويستدعي ناير.
فنادى عليه من مكانه.
_ أنا مش هقولك اتجوزت على بنتي ليه. بس اللي أنا عاوز أفهمه إزاي زهرة وافقت وعاشت معاك؟
ظهر الارتباك على وجه ناير بوضوح.
_ زهرة متعرفش يا عمي.
قطب ناصر جبينه قليلاً وهتف.
_ إزاي متعرفش؟ مش اشتبهت فيك؟ ده أنت بقالك تقريباً أسبوعين مش بتبات في بيتك.
الرجل المكلف بجلب المعلومات عن ناير لم يستطع معرفة أكثر من ذلك.
لذلك أثر ناصر معرفة حقيقة الأمر من ناير نفسه.
تعرق جبين ناير وهو يرى تأزم الموقف وضرورة إخبار ناصر بحالة ابنته طوال الشهرين والنصف الماضيين.
_ أنا عارف إنها حاجة وحشة يا ناير. قولهالي وخلص. مش هتقدر تخفيها كتير. مفيش حاجة بتستخبي من الأساس.
هتف ناير بصوت مرتبك.
_ زهرة كـ كـ... كانت فـ... مصحة.
ناصر بلهفة:
_ مصحة إيه؟ هي تعبانة؟ قولي فيها يا ناير كفاية وجع قلبي عليها هي كمان.
أخذ ناير نفساً عميقاً والتفت له وتحدث دفعة واحدة.
_ مصحة إدمان. من حوالي أربع شهور زهرة اتخطفت وبعد شهر رجعتلي. بس رجعت مدمنة. أخدتها مصحة عشان تتعالج وهناك رجعت تتعاطي تاني فـ غيرتلها المستشفى. قعدت فيها شهر ونص ولسه خارجة النهاردة. طلبت مني أسيبها وأطلقها. وسيبتها الصبح وبعدها جيت لحضرتك لما طلبتني.
كانت الغرفة تدور به ووخزات قلبه أصبحت مميتة بالفعل.
لم يستطع التنفس.
ضاق صدره من كثرة سماعه بما حدث لبناته بسبب قراراته الخاطئة والتي تحملوا هم نتائجها.
دوار يجتاح جسده يجبره على إظهار عجزه.
ظل يقاوم ويقاوم لكن بالنهاية خذلته قوته وسقط على مقعده غائباً عن الوعي.