صباح اليوم التالي... كانت تمارا تقف أمام المرأة تحاول وضع عدستها اللاصقة حتى تداري بها لون عيناها، غافلة عن ذلك الذي يقف مستندًا على إطار الباب يراقب خلجاتها بشغف لم يستطع إخفاءه، ولم يستطع البوح به أمامها. تأففت بضيق، راحت تستغفر بصوت مسموع عندما فشلت لأكثر من مرة في ارتدائها. اقترب منها عابد ووقف خلفها وهتف: -طب بتلبسيها ليه أصلًا؟
أنا أعرف إن البنات بتلبسها عشان تغير لون عينيها من البني للأزرق أو الأخضر، إنت عاوزة تداريها وتخليها بني؟ رفعت كتفيها بلامبالاة وهتفت: -أنا مبحبش أخرج بيها، بتكسف لما الناس بتركز فيها فبداريها. -اممم... وجهة نظر برضو. النشاط ده كله عشان راحة النادي مع زمزم؟ أومأت برأسها بابتسامة على شفتيها وعادت لتضع العدسة، ولكنها لم تستطع. فاقترب منها عابد وأمد يده لها قائلًا: -تعالي أما ألبسهالك. نظرت إليه بذهول ثم هتفت بضحك:
-عاوز تضيعلي عيني خالص؟ لا بلاها أحسن. توقفت مكانها وسكنت ضحكاتها وتحولت إلى تمثال من الرخام لا يتأثر بشيء عندما هتف هو: -براحتك. أنا أصلًا بركبها لزينب علطول. يلا أنا نازل رايح الشغل... سلام. كانت تقبض على يدها بعنف شديد، فهو يتعمد إثارة غضبها، يتعمد قهرها وتجريحها. تجاوزت ما حدث والتفتت حتى تكمل ما تفعله، لكنها تفاجأت بأنها أتلفت العدسة، إذ أنها تقبض عليها طوال هذا الوقت. رمتها أرضًا بعنف وغضب وهي تقول:
-والله ما أنا لبساكي لا دلوقتي ولا بعدين، أوف. وأخذت حقيبتها وخرجت من المنزل حتى تأخذ طفلتها من الطابق أسفلها. *** بقصر النوساني... نزلت زمزم إلى الأسفل حتى تذهب إلى موعدها مع ياسر. بالأمس دعاها لتناول الغداء، فلم تفعل شيئًا سوى أن خرجت من غرفته ركضًا على قدر ما أسعفتها قدمها ولم ترد عليه. بقي ساعات الليل كاملة يحاول الحديث معها وبعث إليها برسائل الأسف وعدم التكرار مجددًا، ولكنها كانت تزداد خجلًا واحمرارًا.
اليوم قررت ترك شعرها حرًا بدلاً من ربطه. لا تعلم، فقد خالجها شعور أحمق خاص بفتيات المراهقة، تلك الفتيات التي تترك خصلاتها طويلة عندما تحب شخصًا ما، وعندما يتبادلا الكلام الرومانسي تترك شعرها حرًا وتتلاعب به باللعبث. هزت رأسها حتى تبعد تلك الأفكار عن مخيلتها ووقفت تنظر إلى هيئتها في المرأة الموجودة بالبهو الكبير. ترينج أبيض اللون له سويت شيرت من نفس لونه بخطين أسودين من الجانب وتركت شعرها البرتقالي حرًا.
بنفس الوقت كان وقاص يمسك بيد زوجته وينزلان. لمحها وقاص وهي تضع إحدى يديها بخصرها وتنظر إلى نفسها بالمرأة ومن الواضح أنها تتأكد من روعة طلتها. -هعمله في الجنينة يا حبيبي، بس طبعًا صحباتي هييجوا لي الصبح هنا كام واحدة كده القريبين مني... و... واسترسلت شيماء في الحديث غافلة عن شرود زوجها في تلك الواقفة بالأسفل وتعبث بخصلاتها. -ها بقي إنت إيه رأيك؟
لم تتلق شيماء ردًا على سؤالها ونظرت إليه، وعندما شاهدت نظره مثبتًا على بقعة ما، نظرت إليها تلقائيًا لتشتعل غضبًا. سرعان ما سيطرت عليه وهتفت بأعلى صوتها قائلة: -زمزم حبيبتي... صباح الخير. إيه الشياكة دي كلها؟ أكيد معاد الدكتور ياسر النهاردة مش كده؟
استطاعت تلك الجبيثة جذب انتباه كليهما بما قالته، فقد فاق وقاص من تحديقه بها وتوحشت عيناه بعد ما قالته زوجته، إذ أنها بهذه الطلة التي أقل ما يقال عنها أنها تخطف الأنفاس حتى تذهب إلى جلستها فقط. أما زمزم فقد هوى قلبها بقدميها من فرط ذعرها عندما شاهدت هيئة ابن عمها، لكنها هتفت بكل ما تستطيعه من ثبات: -آه فعلًا... النهاردة معاد يا... دكتور ياسر، بس أنا رايحة النادي مع أختي وبعدين أنا لابسة تريننج عادي.
لم يفته زلة لسانها وهي تنطق اسم ذلك الطبيب مجردًا، ولكنه بلعها بكيفه. في ذلك الوقت جاءت سيلين وأصدرت صفيرًا عاليًا وهي تنظر إلى زمزم بإعجاب: -وااااو يا زوزة... مكنتش أعرف إنك مزة كده. ولكزتها في ذراعها قائلة: -عشان تعرفي بس ذوق بنت عمك. قعدتي تقوليلي الأسود الأسود عشان رجلك، وأهو الأبيض مش مبين حاجة ومخليكي ملكة جمال أهو.
انتبه وقاص بجميع حواسه إلى ما تقوله شقيقته، فهي خرجت من المنزل وتبضعت لاول مرة منذ أن دخلت إلى هذا المنزل عندما بدأت بالعلاج الطبيعي مع ذلك المدعو ياسر. هناك سر في الأمر برمته ولكل فرد من عائلته دورًا بها. أبيه تخلى عن الدفاع عن زمزم، شقيقته كلامها مع زمزم يدل على وجود أسرار بينهما، والدته تكن مشاعر الكره والاحتقار لزمزم حتى قبل أن تصبح زوجته. عليه أن يحل اللغز وبأسرع وقت حتى يعلم ما تفعله زمزم بمساعدة شقيقته. ***
يجلس بجانب هاتفه الخلوي ينتظر أي مكالمة من الخاطف، ينتظر أن يساوموه حتى على حياته. يريدها أن تعود سالمة إلى أحضانه، وهذه المرة سيأخذها أينما ذهب، لن يتركها مرة أخرى. استجاب الله لدعاءه وتصاعد رنين هاتفه. طالع المتصل ووجده رقمًا غير معروف، ضغط زر الإيجاب مسرعًا ورد بلهفة: -ألو. رد عليه الطرف الآخر ببرود صقيعي:
-المعلومات اللي عندك يا حضرة الرائد عن عملية المخدرات. نفذت اللي قولته مراتك هترجعلك سليمة من غير خدش واحد. اتفرعنت كالعادة، انساها، حتى جثتها مش هتاخدها. معاك مهلة يوم واحد.
أغلق الخط مرة أخرى. خارت قواه وجلس على المقعد بتثاقل. عليه الآن أن يختار بين حبه لوطنه وحبه لزوجته. هو حتى لا يعلم من الرجل الذي قام باختطافها. هذه العملية بعد يومين هي حصيلة تعبه طيلة شهرين من العمل الدؤوب والجهد الخرافي، بها سيكون ساهم ولو قليلًا بإنقاذ الكثير من الشباب الحمقى من الوقوع في التهلكة.
وضع رأسه بين كفيه حائرًا لا يعلم ما عليه فعله. مر اليوم الذي أعطاه له الرجل بتثاقل شديد، فقد دق جميع الأبواب التي قد تتمكن من مساعدته، لكنه لم يتوصل لشيء. وآخر ما سمعه من صديقه
المقرب ورئيسه بالعمل: "إحنا لما بنطوع في الجيش يا ناير بنقسم إننا هنحافظ على بلدنا حتى لو على حساب أرواحنا وأرواح حبايبنا. مش هأمرك بصفتي رئيسك في شغلك، بس هقولك مراتك واحدة بس. إنت دلوقتي بين نارين، اختيارين سيئين جدًا، ولازم تختار. فالحالة دي بتختار السئ فالأسوأ." وغادر المنزل تاركًا إياه في دوامته مرة أخرى. تصاعد رنين هاتفه بنفس موعد أمس، رد على الهاتف ببطء وخوف كامن في حدقتيه البنيتين:
-المهلة خلصت. عندك حاجة تقوليها لي؟ رد عليه ناير بصوت جامد: -افتح الاسبيكر. ثوانٍ وسمع ذلك الرجل يتحدث إلى زهرته التي استمع إلى نشيجها: -يلا جوزك عاوز يكلمك. قوليله بقي يخرجك من هنا بسرعة، إنت شفتي كرم ضيافتي، بلاش أوريكي الوش التاني. وصله صوتها الباكي وشهقاتها: -ناير... ناير عشان خاطري طلعني من هنا... ناير أنا خايفة. قالت كلمتها الأخيرة وبكت بقوة. جاءها صوته الثابت الجامد وهو يقول:
-زهرة أنا آسف، مش هقدر أنقذك. مش هقدر أنفذ اللي هما عاوزينه. أنا بحبك. ثوانٍ واستمع إلى صوت الرصاصة التي بالتأكيد أصابتها وأردتها قتيلة. سقط الهاتف من يده وبكى. بكى كما لم يبكِ من قبل. حب عمره، عشق شبابه، رفيقة دربه إلى نهاية الدنيا، وبالآخرة قتلت وستبقى يديه ملوثة بدماءها إلى يوم القيامة. *** -هااااي رحت فين يا عم الحج؟
قالها يامن صديقه بالعمل ورئيسه سابقًا. بفضل هذه العملية حصل ناير على ترقية جديدة بعمله وأصبحا بنفس المنصب الآن. -مفيش... رحت لزهرة يا يامن. اتكمشت ملامح يامن بأسف واردف: -هي لسه متعالجتش برضو؟ هز رأسه نفيًا بيأس وهتف بمرارة: -لسه... إنت عارف علاج الإدمان بياخد وقت، والمصحة كمان كانت السبب إنها ترجع تتعاطى تاني، يعني رجعنا للصفر من الأول. -طب المستشفى اللي راحتها دلوقتي مجابتش نتيجة؟ -لا هي حاليًا مش في مستشفى...
أنا خدتها البيت وحابسها في أوضة يدوبك بس بدخلها الأكل، مفيش لا علاج ولا مسكنات. اتسعت حدقتي يامن بذهول ثم هتف: -حرام عليك يا ناير... حرام عليك... إنت كنت شايفها عاملة إزاي وهي في المستشفى وبتاخد العلاج، أومال لما تمنعه منها هتبقى عاملة إزاي؟ احتدمت نظرات ناير وهتف بشراسة: -كنت عاوزني أعمل إيه يعني؟ أسيبها في المستشفى لحد ما تموت من جرعة زيادة؟ -طب اهدي... اهدي... أنا قصدي بس تتعالج صح...
على الأقل يبقى الوجع الطبيعي مش مضاعف. هاتلها دكتور في البيت طيب. تنهد ناير بتعب وأسند رأسه على ظهر المقعد قائلًا: -مش هأمن عليها مع حد يا يامن. وكمان خايف... خايف منها لما تخف لا تسيبني. خايف من حاجات كتير... مش عارف هبررلها إزاي إني سبتها في إديهم. مش عارف هبررلها جوازي إزاي واللي كان قبل يوم الحادثة بكام ساعة بس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!