انتظرته حتى يأتي، فقد أخبرتها حماتها بقدومه اليوم ولكن بساعة متأخرة، لكنها لم تكترث وبقيت تنتظره. ذهبت والدته في سبات عميق، إذ أن الساعة الآن تشير إلى الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، فيأست من حضوره ونامت. تنهدت تمارا باحباط وامتعاض جلي ونهضت من مكانها حتى تغادر إلى شقتها، ولكنها توقفت مكانها وابتسمت باتساع عندما سمعت صوت الباب وهو يحاول فتحه.
تجمد عابد بمكانه عندما شاهدها، لأول مرة منذ زواجه بها، تبتسم له. بدت وكأنها تنتظره. شرد بخياله بعيدًا إلى إحدى أمانيه عندما شاهدها لأول مرة في خطبة ابنة عمها "سيلين". عاش معها بخياله، تخيلها وهي تنتظره بإحدى ابتساماتها التي تسلب لبه بدون شك عند عودته من العمل. ولكن جميع أمانيه وما بخياله تبخر عندما... "هتفضل واقف عند الباب كتير كده؟
قالتها تمارا بهدوء وابتسامة صغيرة على شفتيها، وأخرجته مما شرد به ربما لدقائق ولم يشعر. استعاد رباطة جأشه وعادت الجدية إلى ملامحه ثم قال: "لا أبدًا... أكيد هدخل يعني، بس اتفاجئت كده. فكرتك مثلًا مستنياني." فتحت فمها تنوي الرد، لكن صوت والدته الملهوف قاطعها وهي تندفع إلى أحضان صغيرها. "وحشتني أوي يا حبيبي... كده كده يا عابد، يومين بحالهم مشوفكش يا ابني."
بادلها عابد العناق بقوة وربت على رأسها مقبلًا إياها، ثم أبعدها عنه وجلس على المقعد قائلًا بقوة هادئة: "هو أنا مش قايل متنزليش هنا إلا لما تقوليلي؟ كلامي مبيتسمعش ليه؟ سارعت والدته بالرد وهي تربت على كتفه قائلة بنبرة مدافعة: "لا يا حبيبي مش ذنبها... أنا كلمتها قولتلها إني تعبانة، أنت عارف السكر بقي على عليا فجأة كده واتصلت بيها عشان تلحقني، لكن هي متقدرش تكسر كلمتك طبعًا." عابد بلهفة:
"انت كويسة دلوقتي يا أمي ولا تروحي لدكتور؟ ردت والدته مطمئنة إياه: "لا يا حبيبي تسلملي، أنا تمام. تمارا الله يبارك لها لحقتني بالعلاج. تعالى بقي اتعشى معانا." انتهيا من تناول العشاء الذي أعدته تمارا في دقائق وجلسا سويًا لبعض الوقت، وبعدها نهضت والدته من مكانها وهي تقول إليهم وتشير إلى باب المنزل: "يلا يا حبيبي خد مراتك واطلع شقتك. أنا خلاص هدخل أنام مع حبايبي. تصبحوا على خير." عابد/تمارا: "وانت من أهل الخير يا أمي."
لم يستطع عابد مجادلة والدته بشأن صعوده إلى منزله، فهي لا تعلم شيئًا عما قالته تمارا بذلك اليوم، لذلك فعل ما طلبته والدته بصمت تام وتبعته هي بسكون. بالشقة... دلف عابد إلى غرفة أطفاله واستعد للنوم بها حتى يذهب صباحًا إلى العمل. بعد قليل، دلفت إليه تمارا بعد أن دقت على الباب تنتظر إذن الدخول. "ياااه... بتقدري الوقت صح أوي. استنيتي لما غيرت هدومي وبعدين دخلتي. المهم خير؟ شبكت كفيها ببعضهما دلالة على توترها وقالت:
"كنت عاوزة أستأذنك إني أروح النادي مع زمزم." قطب عابد جبينه قليلًا ثم هتف باستغراب: "نادي!! ده من امتى أصلًا. وعاوزة تروحي ليه؟ "عادي... أنا بفضل قاعدة هنا الـ 24 ساعة وأنت مبترضاش إني أخرج إلا معاك لما تكون موجود. لكن زمزم عمو قدري ميخرجهاش إلا بالحراسة عشان لو حصل حاجة لاقدر الله." "اممم... فانت شفتي إنها فرصة كويسة خصوصًا إن مش هيبقي فيه مبرر لرفضي." أسرعت تمارا تقول بلهفة: "لا... لا والله مش قصدي...
أنت تقدر تقولي لا بكل سهولة ومش لازم تقول أسباب كمان. بس أنا فعلاً لقيتها فرصة كويسة خصوصًا إني مبروحش لزمزم وده هيبقي تعويض. وكمان العيال مش هقدر أسيبهم لطنط فقلت النادي فرصة." ابتسم عابد بخفة وتمدد على الفراش قائلًا: "ماشي يا تمارا... وخذي الكريديت بتاعتك من المحفظة. يلا خدي الباب ف إيدك."
نظر لها عابد وهي تعطيه ظهرها بنظرات ممزوجة بالاحباط. خيبة الأمل، الخذلان، الوجع. فابتسامتها وهدوءها ورقتها معه اليوم لم تكن نابعة من داخلها. كانت فقط مجرد واجهة لما ستطلبه منه، ولذلك اقتضى ذلك توفيرها الراحة للزبون حتى تصل إلى مرادها وما تريده. تنهد بوجع وخيبة ورفع الغطاء عليه وأغمض عينيه حتى يستدعي النوم إلى جفنيه. ***
دلفت إليها سيلين على حين غرة، فشهقت بعنف من المفاجأة ونهضت مسرعة من مكانها، ولكنها تعثرت بسبب كومة الملابس التي تحتل أكثر من نصف أرضية الغرفة. اقتربت منها سيلين وهي تنظر للملابس الملقاة أرضًا بذهول قائلة: "إيه ده كله يا زمزم؟ مطلعاهم كلهم كده ليه؟ غرست زمزم أصابعها بخصلاتها البرتقالية وهتفت بنزق وملامح منزعجة: "مش عارفة ألبس إيه وأنا راحة عند ياسر. زهقت فنزلتهم كلهم."
ضحكت سيلين بقوة حتى أدمعت عيناها وهي تنظر إلى تلك الطفلة الحانقة أمامها، ثم تقدمت منها وجلست بالأرض: "ما لازم طبعًا متبقيش عارفة. أنت أصلًا هدومك كلها قديمة. مكنتيش بتجيبي لبس أساسًا." زمزم بحيرة: "طب أعمل إيه؟ رفعت سيلين إحدى حاجبيها بتفكير ثوان وأصدرت صوتًا بإصبعيها وهتفت: "لقيتها. شوفي يا ستي فاضل على معادك ساعتين بحالهم. إيه رأيك تنزلي معايا نروح نجيبلك طقم محترم كده تروحي بيه؟
أعجبتها الفكرة وتحمست كثيرًا، ثم عادت ملامحها إلى التجهم وهتفت: "بس الحاجات دي مين هيشيلها كده هتأخر." قالتها وهي تشير إلى الملابس الملقاة أرضًا. جذبتها سيلين من ذراعها وهي تقول: "سيبك من ده كله دلوقتي هبعت سمر عشان تشيل ده كله واحنا نخرج. ها يلا بقي ولا إيه؟ أومأت زمزم بسعادة وذهبت حتى ترتدي ملابسها. *** بغرفة وقاص وزوجته المصون...
كانت شيما تذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا بضيق وملامح غاضبة، وأمامها يجلس وقاص ينفخ بنزق، ثم هتف أخيرًا بحدة: "ما تقعدي على حيلك بقي خيلتيني." "مش هقعد... مش هقعد إلا لما أعرف السبب العظيم اللي مخليك مش راضي تعملي حفلة عيد ميلادي هنا في الفيلا. إيه قليلة؟ مينفعش أظهر قدام رجال الأعمال والمناصب اللي تعرفوها." صاح بها بغضب وصوت مرتفع: "يووووه بقي مش هنخلص ولا إيه؟
أنت مش صغيرة عشان أعملك عيد ميلاد. وبعدين مش لازم الناس كلها تحضر الحفلة، كان ممكن تكون الحفلة دي سبيشيال... لينا إحنا وبس." صرخت بعند وغضب: "وأنا مش عاوزاها سبيشيال. أنا من ساعة ما جيت هنا وأنا مبخرجش معاك أروح لقرايبك حتى ولا حد من معارفكو بييجي هنا ولا قلت لحد إنك متجوز أصلًا. الحفلة دي هتبقى فرصة ليا... وبصراحة رفضك ده مش مريح." غرس أصابعه الطويلة بخصلات شعره بقوة وابتسم بغيظ محاولًا إقناعها: "يا شيما...
يا حببتي أنا مبحبش جو الحفلات ده أصلًا وده اللي خلاني أعجب ليكي. الحفلات دي والجو ده كله بلاستيك وشوش منافقة هييجوا للمجاملات وبس." لم تقتنع، بل لم يزدها كلامه إلا عنادًا فوق عنادها. "اديك قلت مجاملات وده اللي أنا عاوزاه. عاوزة الكل يعرف إني بقيت مراتك الأولى والأخيرة." زفر بضيق شديد وهتف بنزق واضح بصوته: "طيب يا حببتي... هعملك الحفلة هنا."
اقتربت منه شيما واحتضنته بنعومة أثارت غريزته نحوها. كان يعلم جيدًا ما تفعله تلك الخبيثة، ولذلك تعمدت إثارته بمفاتنها الأنثوية حتى انتهى بهما الأمر على الفراش يمارسان الحب من وجهة نظره. بالغرفة الموجودة بها زهرة...
كانت لا تزال تصرخ بسبب ألم رأسها الذي يتضاعف أكثر وأكثر، خاصة مع صراخها المستمر. بعد مرور بضعة دقائق، خارت قواها وجلست بأحد أركان الغرفة تضم قدميها إلى صدرها وحولها خصلاتها الهائجة المشعثة. انتهت من الصراخ وتفرغت للبُكاء، ولاحت ذكرى عمرها أربعة أشهر فقط إلى ذهنها. عودة إلى وقت سابق...
ركضت بسرعة إلى هاتفها الموجود على الفراش والتقطته بأيادي مرتعشة جراء ما رأته من معركة طاحنة دارت بين الحراسة التي تحاوط المنزل وذلك الخنزير الملئ بالشحوم هو ورجاله. سقط الهاتف منها فجأة وهي تستمع إلى جملته التي خرقت أذنها: "عاوز مراته... والحراسة عاوزهم مصابين... محدش ييجي جنبهم. لموا التليفونات وأمنولي المكان جوة." عادت تلتقط الهاتف الذي سقط منها واتصلت به حتى ينقذها من براثن ذلك الذئب بالخارج.
رد عليها ناير بغضب ألجمها: "إيه؟ إيه؟ اتصالات اتصالات عندي شغل. مبتفهميش. مش فاضي يا زهرة. لو سمحتي اقفلي وأنا هقفل التليفون خالص لأني عارف إن إيدك هتاكلك وهتتصلي تاني بردوا." وأغلق الخط دون أن يتيح لها الفرصة للحديث. عادت زهرة تهاتفه من جديد قبل أن ينفذ تهديده ويغلق الخط، ولكن يبدو أنها تأخرت فقد أغلقه بالفعل.
انتفضت في مكانها عندما سمعت صوت الباب وأحدهم يحاول فتحه ويفسح المكان لذلك الرجل الشبيه بشعار "ميشلان". اقترب منها الرجل وابتسم باتساع مظهراً أسنانه الصفراء بفعل النيكوتين. ابتسامة أثارت التقزز في نفسها. جذبها من ذراعها وخرج من الغرفة لتبدأ رحلة عذابها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!