دخلت غرفتها وهي في حالة عدم تصديق لما يحصل. ما كل ذاك الاهتمام؟ لما يورط قلبها الصغير في دوامة حب لا تعرف قرارها؟ اندست في فراشها تحضن نفسها خوفا من مشاعر تقارب على الانفجار. يوم العطلة. كم هي سعيدة لتخرج خارج القصر وتستمتع بحياتها خارج نطاق المسؤوليات والأوامر. تقف أمام باب القصر الضخم تتمعن النظر في ضخامته بفستانها الخفيف. شعرها الذهبي يتراقص بفعل الريح. تتشبت بحقيبتها الصغيرة الطويلة وهي كالأميرة بلباسها الطفولي.
تبتعد مهرولة لتعانق يوم الحرية بسعادة. تضع يديها على وجهها لتقهقه وتصرخ بخفة أنثوية: "سأبتاع ملابس جديدة بمالي الخاص." نظرت لحقيبتها لتضمها وتهمس: "إن الراتب ضخم. سأنفق بعضه والباقي سأدخره للدراسة." بعد رحلة الحافلة والهمسات وملاحظات الإعجاب من الشبان، تترجل لتنظر بأعين متسعة لذاك المحل الغالي. ليس همها المحل وإنما الفستان الموضوع في واجهة المحل. أسرعت بدون تفكير لتدخل بسرعة مندفعة تتفحص الفستان.
استدارت بلهفة لتسأل الموظفة التي ترمقها بنظرات احتقار لم تلحظها سما بفعل سعادتها. ابتسمت بخفة لتسأل: -كم ثمنه؟ أهدتها الموظفة نظرة شاملة من أخمص قدميها لتجيب بتعالي: -لا أظنه يناسبك. أو تستطيعين دفع ثمنه؟ تجهم وجه سما لتجمع يديها على شكل قبضة وتجيب باندفاع: -لا أظن أن مهمتك تقييم الناس. فل تختصري حوارك وأجيبي بكم الفستان؟ احمر وجه الموظفة لتمسك يدها وتحاول إخراجها بالقوة وهي تهتف بغضب:
-أخرجي حالا. لو كنت آخر مشترية لليوم فلن تحظي بشرف ارتداء فستان من محلنا المشهور. أبعدت سما يدها لتوقف الموظفة بإشارة بيدها لتهمس بكبرياء: -ولو كان محلكم آخر محل يعرض فساتين فلن تحظوا بشرف ارتدائي لثيابكم. أغمضت الموظفة عينيها بنفاذ صبر كإشارة منها لتخرج سما. وبالفعل خرجت سما ولكن ما إن خطت خارجاً حتى أدمعت عينيها لتغمضهما بقهر وكأن السعادة تجلت في ذاك الفستان وقد تلاشت بفعل احتقار الموظفة لها.
ابتعدت لتصطدم بصدر عريض استلقى رأسها بين ذراعيه. تنفست عبير عطر ليس بغريب عن حواسها. أحست بيد ضخمة تربت على رأسها كمواساة لها. ما إن رفعت رأسها حتى صدمت بعينيه تنظران لدموعها ليتجهم وجهه ويبعدها قليلا بيديه وكأنه يتأكد مما يرى. خرج صوته حنونا مستفهما: -لما تبكين؟ لم تستيقظ بعد من صدمتها لترمش عدة مرات وكأنها تستوعب ما ترى لتجيب بهمس: -لا شيء. ضغط على كتفيها بيديه وكأنه يحثها على الإجابة: -أجيبي حالا لما تبكين؟
أطرقت رأسها لتهمس بخجل: -أحببت الفستان. شعرت بيده تخفف من ضغطها لتنزل لكفها ويقبض على يدها ليجرها خلفه. أدخلها لنفس المحل وأيديهما متشابكة. فجأة ابتسمت الموظفة في وجه آسر لتصل ابتسامتها لأذنيها وتقف متأهبة كأن الملك قد شرف بزيارة ميمونة. لكن تعابير وجه آسر لم تدل على أي تأثر بذاك الترحيب ليوقف الموظفة بصوت قوي واثق: -أين صاحب المحل.
جميع علامات الخوف ظهرت على وجه الموظفة لتنتبه ليد آسر الممسكة بذراع بيضاء والجسد مختبئ وراء ضخامة جسد آسر. بعد الإمعان ظهر على وجه الموظفة استيعاب لما يحصل وهوية الذراع البيضاء لتشهق بصدمة وكأن حكم الإعدام نفذ في حقها. ابتلعت ريقها لتهمس بترج: -آسفة. آسفة. لم أعرف. حقاً لقد تسرعت. أنا آسفة. كيف أعوض خطأي سيد آسر. حقاً إنه أكبر غلط ارتكبته طوال الخمس سنوات بعملي. لم يتأثر بترحيبها ليصرخ بصوت أقوى من سابقه:
-أريد المدير حاااالا. فأنت لست أهلاً لمخاطبتي أو مخاطبتها. ارتعشت الموظفة في مكانها وهي تحمل سماعة الهاتف لتطلب رقماً. ما إن وضعت السماعة ليبتعد آسر وبيده سما وهو ينظر بعينيه لجميع فساتين المحل ويلتفت لسما بنظرة عاشقة: -أي فستان في هذه الفساتين؟ احمر خدي سما لتشير بإصبعها لفستان جميل وكأنها تخجل من الفستان ومن الشخص المهيمن بجانبها وهو يلقي أوامره على الموظفة لتلبي رغباتها بكل إخلاص.
دقيقة أو دقيقتين وحضر صاحب المحل ليقدم ترحيباً ضخماً يليق بشخصية كآسر وقد حرص على تلبية رغبات سما بنفسه. ارتدت سما الفستان وقد كانت كالأميرة البريئة به لتجعل من ذاك الشخص المهيمن المسيطر عاشق جائع يحسد غيره ويرغب بتدمير جميع أعضاء جسده لاقترابه منها. -رائعة. كان ذاك صوت صاحب المحل ليلتفت له آسر ويهديه نظرة غاضبة تلجمه. ووراءه كانت الموظفة تفرك أصابعها بشدة تنتظر الطرد المفروغ منه.
تكلم آسر وهو يستقبل عدة أكياس تحتوي عدة ملابس لسما من صاحب المحل المبتسم: -للآن لم أوضح للآنسة المحترمة مكانة هذه الفتاة التي أبكتها للتو. أوشكت الموظفة على الإغماء وهي تنظر لغضب المدير اتجاهها. لكن ما لم تتوقعه وهو صوت رقيق من وراء آسر يدافع عنها: -لم تفعل شيئاً. أنا المخطئة. التفت آسر لتلك الكتلة الذهبية التي لا تتعدى كتفه وهي تدافع عن موظفة أهانتها للتو وقد ازداد إعجابه بتلك الصغيرة المذمرة.
ابتسم صاحب المحل وأطرقت الموظفة رأسها بخجل لتعتذر بعينيها لسما وبصدق. يحمل أكياس الملابس ليضعها بالسيارة وقد اكتشف شيئاً جديداً بفاتنته القاتلة. كانت تحمل كيساً صغيراً بيدها وهي تسترجع كل ما حصل ليتجهم وجهها وقد تذكرت تجارب آسر مع النساء وتصرفاته معها لتعود نفس الفكرة لمخيلتها ألا وهو هناك غرض معين وراء هذا التعامل. جاء صوته بجانبها ليوقظها: -هيا سما اركبي.
رفعت عينيها لتستوضح الأمر لكن صدمت به يفتح لها الباب لتركب بجانبه في السيارة وكأنها أميرة من طبقة مخملية. همست بخجل: -لا أستطيع. ضغط على مقبض باب السيارة ليتكلم بغضب واضح وباستعجال: -اركبي ياسما حالا. ابتعدت قليلا لتوقع كيس الملابس من يدها وتهتف هي الأخرى: -سامحني لا أستطيع. ذاك لا يجوز. لست. لم يدعها تسترسل في خطبتها المعتادة ليكمل بسخرية وهو يقلدها: -لست من ذاك النوع سيدي. نظر لرأسها المطرق بخجل ليبتسم ويكمل بجدية:
-أعرف. فقط اصعدي أو سأتعامل بأسلوب غير أسلوبي اللبق هذا. رفعت عينيها وكأن البدر اكتمل في أبهى حلة ليشهق بخفوت بينه وبين نفسه: "من هو ابن المحظوظة الذي امتلك هذه الحورية." لكن أفكاره ظلت حبيسة ليمسك يدها بتملك ويدفعها برقة للسيارة الفخمة ولكن لمسة يده لمعصمها الرقيق جعلت مشاعره تتخبط في صراع مابين العقل والقلب ليتجهم وجهه بأس. وقف بجانب مكان كالجنة.
قمة جبل عالٍ يطل على بحر أزرق جميل حوله العديد من أنواع الأزهار والشجر لتعطي المكان رونقاً وجمالية فريدة وكأنها لوحة فنان مرسومة بدقة. بعد أن ترجل من السيارة شعرت بيده تجذب معصمها برقة من الكرسي لتترجل هي الأخرى. سمعت صوته يتحدث بكل لباقة: -هذا ملاذي من كل شيء. هذا مكاني الخاص. أنت أول شخص أطلعه على مكاني هذا لأشاركك حبي لهذه الطبيعة الخلابة.
فتحت عينيها لتديرهما بين الأشجار والأزهار والمنظر الممتد على طول بصرها لتتحول للبحر الجميل إلى ذاك الفردوس الخلاب. وبقدرة قادر الجو في ذاك المكان كان مغايراً تمام لجو المدينة. تنفست الصعداء لتبتعد قليلا عنه وهي مرتدية لذاك الفستان الجميل الذي جعل منها حورية بحق. وقف على قمة المكان لتغمض عينيها وتفتح فمها قليلا تستقبل نسمات الهواء على كامل وجهها وشعرها المتطاير وجسدها. وفستانها الذي التصق بها بفعل الرياح
لتفتح عينيها وتهتف بسعادة: -إنه أروع منظر أراه بحياتي. لم تنظر لنظرة الحب والوله بعينيه وهو يتأملها منذ إغمضها لعينيها ومرور عينيه الخائنتين على جسدها ليتأوه بخفوت ويكرر هو الآخر موجها الوصف لها: -وأنا لم أروع من هذا المنظر بحياتي. بحياتي والله. همس بخفوت "ياسماي". ابتسمت لتلتفت له وتقترب منه وكأنها خائفة من ردة فعله مما ستقوله: -لقد كنت مخطئة بشأنك. أنت طيب سيد آسر. طيب جداً وأنا أحترمك.
ابتسم وهو يتأملها بكل ما فيها ليتجهم وجهه قليلاً وكأنه أدرك شيئاً ما وقد سأله بدون تحفظ: -هناك حزن بعينيك. هل تعانين من مشكلة ما؟ أطرقت رأسها لتهمس لنفسها: -وما فائدة إخباري بيتمي وبعذاب فقداني لعائلتي. وما فائدة إخباري بفقداني لحضن يحتويني وأنا لازلت محتاجة للحنان وبشدة. بشدة. لم تفض بأفكارها لتبتسم قليلاً بخجل: -ستموت بشرى لو كانت مكاني. عقد حاجبيه ليسأل باهتمام: -من بشرى؟ ابتسمت لتجيب بخفة: -لا عليك.
لكنه في لحظة نسي موضوع حوارهما ليقترب أكثر ورغبة تلح عليه بتحسس بشرتها الجميلة. يمرر يده على خدها بكل حنان العالم وكأنه يؤكد لنفسه أن هذه القطعة من الجمال موجودة أمامه تنظر له بكل خجل وبريق سعادة يظهر بوضوح على بحر عينيها. همس كأنه يعيش حلماً جميلاً: -لما لم ألتق بك قبلًا. ابتلع ريقه ليتكلم بشيء من الغضب والحسرة: -حقاً تقتلني الفكرة. مجرد تخيلك مع.
أغمض عينيه يوقف كلماته وهو يتأمل عينيها وكأن العالم توقف به ليسبح أعمق في بحر حب لها ليس فقط جمالاً وإنما خجلها رقتها أنوثتها طيبتها ضعفها. كل ما فيها يجذبه بقوة ليجد نفسه غريقاً فيها. سمع صوتها كهمس قطة وديعة تسأله بخجل: -أنت السيد آسر أليس كذلك؟ ابتسم بغرور ليرفع رأسه قليلاً: -بشحمه ولحمه وتحت خدمتك.
تلقائياً رفعت يدها الرقيقة لتضعها على فمها وتخفي ضحكتها الجميلة وكأنها هي الأخرى تعيش حلماً كان بعيداً كل البعد مستحيلاً ولا تصدق مجرى الأمور. شعرت بإصبعه على يدها الموضوعة على فمها لتوقف ضحكتها وتتأمل إصبعه وكأنها تتساءل عن مغزى تصرفه لكن الإصبع تبعه الكف والأصابع ليقبض على يدها الصغيرة ويحملها بحركة رومانسية جداً لفمه ويهديها قبلة خفيفة جعلت نبضات قلبها تتسارع بشكل مخيف. ملمس شفتيه على كفها كالمرهم.
ولكنه لم يتوقف عن ذلك وهو يشبك يديها بيده وكأن الموقف طبيعي ليجرها خلفه يتمشى بخفة بين المنظر الجميل الخلاب الرومانسي. جميع الظروف تساعده على ضمها وتقبيلها وإشباع غضب وقهر وكبت يخفيه عنها لكي لا تخاف من ه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!