انتى يا بت يا زفت انتى، أجرى اعمليلى قهوة بسرعة ومتتأخريش!! حاضر. مشت بتول بسرعة ناحية المطبخ وجلس يراقبها للحظة. لا تجيب بتول إلا بكلمة واحدة مهما كان الأمر الذي تتلقاه، مقتصدة جداً في الكلام ورسمية جداً في التعامل. فمنذ حضرت إلى البيت الكبير وهي ليست كبقية الخدم، اللاتي يحاولن منافقته أو الكلام معه أو حتى الجري وراءه. وهو سيد البيت ولن تكسره خادمة وسيخضع الجميع له.
لأنه يتعمد أن يعاملها بقسوة، ويتعمد أيضاً أن يعامل بقية الخدم بلطف وإنسانية. لكن بتول لا تتذمر أبداً. فهو يتذكرها عندما حضرت إلى البيت وكانت صغيرة في الخامسة عشر، بمثل عمره. قبلها والده قبل وفاته، فقد كانت يتيمة توسط لها أحد المعارف لتعمل عنده لأنها بلا عائلة. وقتها كان يراها ويرى وجهها وشعرها قبل أن تتحجب. وبعد مرور خمسة أعوام لا يزال جسدها نحيل، لكنه لا يتذكر ملامحها ولا يعرف أي أنثى أصبحت.
وقد وضع لنفسه قواعد في التعامل مع الخدم ورثها من والده ولا يكسرها أبداً. لا يطرد أحد تعسفاً، لا يشتم، ويدفع المرتب كل مطلع شهر مع زيادة وعلاوة، وكلما مضت عدة أعوام على وجود خادمة لأنهم يتغيرون باستمرار. البعض يتزوج والبعض الآخر يجد عمل آخر يرفع مرتبها. حضرت بتول القهوة ووضعتها على الطاولة. تقف دائماً بعد ذلك بثبات لا متناهي حتى يطلب منها أن ترحل. أو يقول: خلاص، أنا مش عايز حاجة تانية.
وهذا ما يغيظه من بتول، أنها لا تقول أبداً: عايز حاجة تانية يا بيه؟ مثل بقية الخدم. فيتركها واقفة بعض الوقت قبل أن يحرك يده لترحل. لأنها أنشط واحدة في الخدم ولا تتوقف عن العمل مطلقاً. وكلما نزل الرواق وجدها تعمل، تنظف أو تمسح أو ترتب شيئاً قبل أن تذهب لغرفتها. فقد حدد لها والده دون عن كل الخدم غرفة بمفردها. يتذكر أن والده قال: إنها فتاة ستكبر وتحتاج خصوصية. وعندما كان طفلاً سأل والده: لماذا هذه بالذات؟
قال والده: لأنها بلا عائلة وقريباً ستنضج وليس لها والدة تعتني بها، وأن جسدها سيتغير وهي لا تعرف ذلك وسيكون الوضع محرجاً لها. ولا يعرف لماذا حتى الآن يحافظ على عهد والده ولم يحاول أن يكسر كلمته، أو يجعلها مثل بقية الخدم رغم تذمر كبيرة الخدم عنايات أكثر من مرة. وقد لا يراه لمدة أسبوع أو أكثر، لكنه عندما يراها يعاملها بتلك الطريقة. وقد لاحظ شيئاً عليها أنها دائماً نظيفة في نفسها وأنيقة رغم أن كل الخدم كذلك.
ورغم مرور السنين لم يسأل أحد عنها، فهو لم يرَ لها قريب أو أهل. إنها وحيدة جداً، مثله بالضبط بعد أن توفى والده. ترك الجرنال مرمياً على الطاولة، ثم خرج إلى سيارته وذهب إلى العمل. تتولى بتول ترتيب الفوضى التي يتركها تيمور خلفه. وفي الغالب يترك أشياء معينة بالقصد، خاتم، ساعة، لفافة تبغ، قلم، منديل، ملحوظة. وعندما يعود يجد كل شيء في مكانه. تأوي بتول إلى غرفتها في الساعة السابعة مساءً ولا تخرج منها إلا صباح اليوم التالي.
غرفتها واسعة ولها شرفة. لديها تلفاز خاص وراديو وكتب تحضرها من مكتبة البيت الكبير. لديها حمام خاص وخزانة ملابس كبيرة. وأول شيء تفعله في الصباح الذهاب إلى الحديقة ورؤى الورود التي تزرعها باستمرار. طلبيات الورود النادرة التي تصلها تزرعها حتى حولت جزءاً من الحديقة للوحة جميلة من الأزهار. ثم تجلس تحت أحد الأشجار على الأريكة لبعض الوقت، شاردة مع كتاب حتى تصرخ عليها عنايات أو تلمح تيمور يدلف إلى البيت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!