عندما تتعطل الصفقات تظهر المشكلات داخل الشركات، تيمور كان عصبي جدًا، فهو غير مستعد لفقد الصفقة مهما حدث. شكل لجان فحص وتدقيق، استأجر مهندسين من خارج الشركة. ظهرت بعض الأسباب المرجحة للتأثير على جودة المنتج في المكونات أو في الآلات، وكان التخلص منها يحتاج بعض الوقت والتكاليف. في مرحلة ما لابد أن تمضي الحياة بكل شخص نحو وجهته. كانت بتول تتمتع بالحماسة والمثابرة. البرنامج
الذي وضعته لنفسها: الاستيقاظ باكر، الركض، العمل، المذاكرة، كورسات اليوتيوب. تفعل كل ذلك بصبر. كائن في منتهى الخفة يعيش بين الناس لكنه غير ملحوظ. غير مهتمة بما يحدث في الشركة، فهي مجرد موظفة، سكرتيرة تحديدًا، تفعل المطلوب منها، لا زيادة ولا نقصان. رغم كده، لما كانت تلمح الحزن والهم والشرود، كانت بتحس بالزعل. كانت عايزة تتكلم معاه وتهديه وتطمنه.
لكن يمكن القول أن بتول لديها مشكلة في التعبير عن أفكارها. وكلماتها تميل إلى الوقوف طريقها. وكل ما حاولت تتكلم مع تيمور مش بتقدر. كانت عارفة أنها هتبوظ الدنيا، أو أن الأمر سوف ينتهي بتعنيف وصراخ تيمور في وجهها، وربما يحرجها ويصرخ: "ملكيش دعوة". في وقت البريك، خرجت بتول تأكل في الجنينة الساندوتشات اللي بتحضرها بنفسها في البيت. وهي قاعدة في أمان الله، لقيت تيمور خارج من الشركة. ولما شافها مشى ناحيتها وقعد جنبها.
"إزيك يا بتول؟ "الحمد لله تيمور بيه، كويسة." "سيبك من تيمور بيه دي يا بتول، إحنا لوحدنا." شعرت بتول بالحزن في نبرة تيمور. "مالك؟ فيه إيه؟ "مفيش، شوية مشاكل في الشركة مش عارف أخلص منها." وضع تيمور دماغه بين إيديه. "مصيبة كبيرة لو الصفقة باظت. أنا ما صدقت أخلصها، وواخد قروض من البنك بضمان الصفقة." "بتول، إن شاء الله كل حاجة هتبقى كويسة." "هتبقى كويسة إزاي بس؟ وكل اللجان مش عارفة المشكلة فين."
"تيمور، هو أنا ممكن أطلب منك حاجة من غير ما تزعق أو تحاول تهيني؟ "تيمور، اتفضلي." "بتول، أنا عايزة أشارك في التحقيق ده، أعتقد إني ممكن ألاقي الحل." "تيمور، يا بتول، دي مش لعبة، ده منتج ومحتاج متخصصين." "أنت مش هتخسر حاجة يا تيمور لو وافقت." "تيمور، بلا اهتمام، ماشي. لكن أنا عندي شرط يا تيمور." "شرط إيه يا بتول؟ "لو حليت المشكلة، هتفضل تسخر مني وتعاملني كويس؟ "تيمور، ده لو انتي حليتي المشكلة، أنا هشيلك فوق دماغي."
"اتفقنا"، همست بتول بخجل وهي تتأمل ملامح تيمور التعيسة. بعد ما تيمور ما مشى، خرجت بتول الأوراق اللي كانت شغالة عليها. الدراسات اللي كانت شغالة عليها بقالها مدة طويلة وتتبع خط سير الإنتاج. المنتج تدهور على فترات، مش مرة واحدة. ده كان واضح من ردود أفعال المشترين. ودا اللغز اللي كانت شغالة عليه بتول. نزلت بتول منطقة الإنتاج وطلبت الأوراق الخاصة بالمنتج.
ملفات وأوراق كتيرة جدًا أخدتها مكتبها وسط نظرات السخرية من المهندس ناجي والعمال. في مكتب السكرتاريه، فرشت الأوراق قدامها. ولما صوفيا سألتها، كدبت عليها. قالت دي مهمة كان طالبها منها تيمور. عدى اليوم بسرعة. "أنا ماشية يا بتول، هتيجي معايا أوصلك في طريقي؟ "لا، أنا هقعد شوية، لازم أخلص الشغل اللي معايا." رحل موظفو الشركة واحد ورا التاني.
جلست بتول في مكتبها بهدوء، محاطة بكومة من الأوراق والملفات. كانت تعلم أن نظرات السخرية من المهندس ناجي والعمال تعكس شكهم في قدرتها على حل المشكلة، لكنها لم تهتم. كانت ثقتها قائمة على شيء واحد: قدرتها على رؤية الأنماط وسط الفوضى.
بدأت بتول بمراجعة تقارير الجودة والتقييمات الواردة من العملاء خلال الأشهر الماضية. لاحظت نمطًا غريبًا: المنتجات التي تم تصنيعها في فترات معينة كانت تحصل على تقييمات أقل من غيرها. قررت أن تتحرى عن سبب هذا التفاوت.
فتحت الملفات التي تحتوي على تفاصيل توريد المواد الخام، وبدأت في تحليل البيانات. كانت هناك فواتير شراء من موردين مختلفين، وعند التدقيق، لاحظت شيئًا غير طبيعي. بعض المواد الخام التي وصلت خلال الأشهر الماضية كانت من مورد جديد وغير مألوف. "غريب... لماذا لجأوا إلى هذا المورد؟ "، فكرت بتول.
انتقلت إلى مقارنة الخصائص الكيميائية والفيزيائية للمواد الخام من الموردين المختلفين. استعانت بقاعدة بيانات الشركة لتجد أن المواد الجديدة كانت أرخص بكثير، لكنها أقل جودة بشكل واضح. المواد الأصلية كانت تتمتع بخصائص تجعلها تتحمل الضغط العالي وتدوم لفترات أطول، بينما المواد الجديدة كانت تُظهر ضعفًا في نفس الاختبارات.
تأخر الوقت، الساعة تعدت الحادية عشر ليلاً. غادرت بتول المكتب. وفي طريقها لاحظت حاجة غريبة، إنه فيه شخص بيراقبها من بعيد. حسّت بتول بالخوف، وقفت تاكسي وهربت من المكان. اليوم التالي في الشركة. لم تكتفِ بتول بالبيانات النظرية.
طلبت عينات من المواد الجديدة والقديمة، وذهبت إلى قسم الفحص في المصنع، حيث أجرت اختبارات بنفسها. وضعت العينات تحت اختبار التحمل الحراري والضغط الميكانيكي. كما توقعت، انهارت المواد الجديدة تحت نفس الظروف التي اجتازتها المواد الأصلية بسهولة. بعد ساعات من العمل الدؤوب، اكتشفت بتول السبب الحقيقي
وراء تدهور جودة المنتج: الشركة قررت استخدام مواد خام منخفضة الجودة لتوفير التكاليف. هذه الخطوة، رغم أنها قللت النفقات على المدى القصير، كانت تدمر سمعة المنتج وتؤدي إلى خسائر أكبر على المدى الطويل. عادت بتول إلى مكتبها على وجهها ابتسامة. أخيرًا هتنال الاهتمام والتقدير اللي تستحقه. بدأت في كتابة تقرير شامل. لم تكتفِ بالإشارة إلى المشكلة، بل قدمت حلولًا عملية:
1. العودة إلى المورد الأصلي رغم ارتفاع تكاليفه، لأن الجودة التي يقدمها هي ما يميز المنتج. 2. تحسين عمليات فحص المواد الخام عند استلامها لضمان عدم تكرار المشكلة. 3. وضع نظام رقابة أكثر دقة على خط الإنتاج لضمان توافق المنتج النهائي مع المواصفات. فكرت بتول إن تحمل التقرير إلى تيمور صباح اليوم التالي. لأن الوقت كان ليل وكل الموظفين رحلوا.
بعد كده خطرت في بالها فكرة جديدة إنها تعملها مفاجأة لتيمور. استخدمت المفتاح اللي موجود في السكرتاريه لفتح مكتب تيمور وحطت التقرير فوق المكتب مع رسالة صغيرة. "أنا وفيت بوعدي، لما أشوف هتوفي بوعدك ولا لأ يا تيموو." في منتهى السعادة غادرت بتول المكتب والشركة. وأول ما نزلت الشارع أقنعت نفسها إنها بحاجة لوجبة عشاء مكافأة على كل المجهود اللي بذلته في اليومين اللي فاتوا. ولم تلحظ تلك الأقدام التي تراقبها من بعيد.
بعد أن أنهت بتول وجبة العشاء في مطعم صغير قريب من الشركة، شعرت بالاسترخاء والرضا. كانت تسير في الشارع الهادئ وهي تفكر في رد فعل تيمور عندما يقرأ التقرير صباحًا. تخيلت ملامحه المندهشة، وربما نظرة احترام أخيرًا نحوها. لكنها لم تكن تعلم أن ذلك الهدوء المحيط كان يخفي خطرًا قريبًا.
بينما كانت تقترب من زقاق ضيق يعبر إلى الطريق الرئيسي، شعرت بيد قوية تجذبها من الخلف. حاولت الصراخ، لكن قماشًا مبللًا برائحة نفاذة ضغط على وجهها. خلال ثوانٍ معدودة، خارت قواها وسقطت مغشيًا عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!