وهو متوقف في إشارة المرور، رعد كان بيقول في نفسه، أنا كرهت الشوارع المصرية من الأشكال اللي بتتحدف على كل صبح، المتسولين والمشردين بقوا أكتر من عساكر المرور! ودّي عايزة إيه كمان؟ كانت فيه بنت شابة لصقت إيديها المتسخة بزجاج سيارته المرسيدس، رافعة إيدها بتضرع بتطلب صدقة. بعد ما رعد تأمل وشها الطفولي، الجرح الحديث اللي قاطع خدها وهدومها المقطعة، صرخ: "انتي لو تعرفي إيديكي القذرة اللي وسخت زجاج العربية هتكلفني كام؟
ما كنتيش عملتي كده. ابعدي من هنا! البنت ما كانتش سامعة حاجة، لكن شايفة شفايف رعد بتتحرك بعصبية. بعدت عن العربية بخوف وقعدت على الرصيف. رعد مش متوعد على كده، اتعود إن المشردين عندهم لزوجة أكتر من دبان الشتا ومش بيتخلوا عن مطالبهم بسهولة. كمان دي كانت أول مرة يشوفها في إشارة المرور. ابعد نظره عنها وفضل منتظر إشارة المرور اللي اتأخرت جداً. كان فيه حادثة قريبة معطلة الطريق ورعد ما أخدش باله.
نزل رعد من العربية يشوف فيه إيه. صرخ على البنت اللي قاعدة على الرصيف: "انتي يا شاطرة تعرفي فيه إيه؟ البنت بصت لرعد ومتكلمتش، بصت ناحية الأرض وسكتت. رعد قرب منها: "أنا بكلمك مش بتردي ليه؟ البنت قالت: "أنا جعانة!! رعد: "لازم تكوني جعانة، هو اللي زيك حافظ غير الكلمة دي عشان تصعبوا على الناس؟ "من فضلك،" قالت البنت وهي بتتنفس بصعوبة، "سيبني في حالي."
تأملها رعد مرة تانية ورغم إنه مش بيحب يدخل في حوار مع ناس أوباش، إلا إن نبرة البنت وطريقتها أثارت فضوله. طلع ورقة بعشرين جنيه ورماها قدامها على الأرض: "روحي كلي! " وزقها برجله! البنت بصت لرعد بعيون مهزومة، وقالت: "متشكرة، خد فلوسك. أنا لو مت من الجوع مش هاخد فلوسك، أنا مش حيوانة يا أفندي." رعد فاهم حيل المتشردين كويس. الإشارة كانت فتحت، راح على عربيته وساب البنت والعشرين جنيه مرمية قدامها تحت رجليها ومشى.
بعد ما خلص شغل رجع رعد على الفيلا. في طريقه شاف نفس البنت قاعدة في مكانها. قال: "طبعاً العشرين جنيه مش كافية بالنسبة ليها، أكيد عايزة تجمع فلوس كتير." وقبل ما يعبرها شاف العشرين جنيه في مكانها تحت رجل البنت. ضغط رعد فرامل وسط الطريق وركن على جنب ونزل من العربية. مشي ناحية البنت اللي كانت باصة على الأرض، نايمة وراسها وسط رجليها. مس كتفها لحد ما فاقت. بصت البنت لرعد برعب: "انت عايز إيه مني؟
"انتي ما أخدتيش الفلوس ليه يا شاطرة؟ البنت بصت لرعد: "أنا قلتلك مش هاخد فلوسك حتى لو مت من الجوع." "إيه اسمك إيه؟ " سألها رعد بتوجس. البنت، هرشت دماغها: "مش عارفة، مش فاكرة حاجة." رعد: "انتي فاقدة الذاكرة؟ البنت: "مش عارفة، سيبني في حالي من فضلك." فكر رعد دقيقة، بص على الشارع اللي مليان ناس. وسألها بنبرة جادة: "انتي فعلاً مش عارفة اسمك إيه؟ البنت: "والله العظيم مش عارفة، أنا مش فاكرة حاجة." بنبرة كلها أمر،
رعد قالها: "تعالي معايا! البنت بخوف: "انت عايز مني إيه، سيبني أرجوك! رعد بنبرة فيها لطف: "متخفيش، أنا مش هأذيكي، تعالي معايا." البنت ببرأة: "احلف بربنا إنك مش هتأذيني؟ ابتسم رعد: "والله العظيم مش هأذيكي." ركبت البنت العربية مع رعد وقاد السيارة لحد ما دخلوا من بوابة الجنينة. قبل ما يوصلوا الفيلا، رعد طلب منها تنزل. البنت نزلت بخوف وجسمها مرتعش. رعد نده على واحدة من خدم الفيلا، طلعت بسرعة،
قالها: "خديها جوه وشوفي لها أي شغل في الفيلا." وسابها ودخل الفيلا. الخدامة سحبت البنت من إيدها وخدتها من باب الخدم. قبل ما البنت ما تدخل جوه، قلعت حذائها المتسخ وركنته على جنب، وقالت للخدامة: "أنا آسفة إني هوسخلكم الأرضية." تصرف ما توقعتوش الخادمة من واحدة متشردة. خدتها على الحمام. البنت غسلت نفسها وادوها هدوم جديدة غير هدومها الممزقة. وحطوا الأكل قدامها، أكل كتير، فراخ، لحمة، مكرونة، خضروات، فواكه.
الخادمة قالت لها بقرف: "كلي" وسابتها ومشت. حطت البنت فوطة فوق هدومها وبدأت تاكل بهدوء رغم جوعها. كانت بتاكل بطريقة منظمة، أنيقة لا تليق بمتشردة. ورغم كمية الأكل الكتيرة اكتفت بجزء صغير جداً جداً. الخدامة لما رجعت انبهرت من طريقة تعاملها مع السفرة، واستغربت إنها ما أكلتش إلا حاجات بسيطة جداً. الخدامة: "هانم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!