كنت أشعر بصداع يكاد يفتك بذهني، أدهم بيه كان حريص جدًا أن الحفلة تظهر بصورة تفوق التوقعات وكان متأكد أنني سأقدر أفعل ذلك. في آخر كلمات أدهم بيه حسيت بدوار وكدت أن أسقط على الأرض، لكني تشبثت بآخر قواي وأبقيت قدمي ثابتة. يقول سالينجر في مطلع رواية اليوم المرتجى لسمك الموز أن الأمل يقتل صاحبه، ولم أكن مستعدة لفقد الأمل الذي منحه لي السلحدار. لقد كانت نظرته لي دائمًا نظرة أب عطوف، ولا يمكن لابنته البارة أن تخزل والدها.
كان علي أن أعيد ديكور الفيلا مرة ثانية، صحيح الألوان كانت متناسقة مع الأثاث، لكن كان ينقصها لمسة عجائبية. لما قعدت مع نفسي شوية لقيت كل الحاجات اللي محتاجها قدامي. وكنت محتاجة مجهود جبار عشان أنقل لوحة بركة زنبقة الماء لكلود مونيه الكبيرة في صحن الرواق عشان تكون أول حاجة يشوفها الضيوف. بعدها على طول وقع الاختيار على لوحة فتيات القارب لمونيه وحسيت إنها هتبقى مناسبة للتناسق.
أسفل منهم أحضرت طاولة أنيقة واطئة وحطيت فوقيها منحوتة جياكوميتي "الرجل الماشي". شخص طويل السيقان لدرجة إنه غير قادر على ثنيها، يظهر أنه مستعد للمشي لكنه لا يتحرك أبداً. بعدت شوية عشان ألاقي نظرة عامة على المشهد الفني، موسيقى فاغنر "الرجل الهولندي الطائر" هتكون مناسبة جداً لافتتاحية حفلة راقية. كان المشهد الأول اكتمل مع أضواء خافتة، ده كان تصوري. واحتار بعد كده أعمل إيه؟
كان لازم أحافظ على عنصر الإبهار بطريقة لا تعطل التناسق اللي رسمته في دماغي. وفكرت أن سيمفونية بيتهوفن التاسعة اللي قال عنها جيلانكومتي إنها موسيقى سماوية ممكن تكون مناسبة وشعرت بالشك للحظة. عمق الكونشيرتو هيكون غريب على حفلة روادها رجال أعمال، كل همهم الفلوس. قعدت على الأرض على السجادة أفكر، الناس دي مش جاية مركز ثقافي أو داخلة حفلة أوبرا ومحتاجة موسيقى منعشة ولازم تكون غير تقليدية عشان تناسبني أنا.
ودق في دماغي هوربورن تشايكوفسكي، كسارة البندق، نغمة تكاد تكون خفيفة واختيار ملائم. ونهضت بفرحة عشان أكمل شغلي، نطيت على ترابيزة وخدت لوحة كليمت عشان أحطها في منتصف الصالة. من تسرعي رجلي اتزحلقت ووقعت على الأرض، لكن قدرت أحافظ على اللوحة مرفوعة عشان ما تتكسرش. قمت بصعوبة والصداع لسه بيعصر دماغي، حطيت دماغي وسط إيديه وغمضت عنيه شوية. لما فتحتهم كانت فيه بقعة دم كبيرة على السجادة!!
دماغي سليمة، ما جرحتش، الدم ده جه منين؟ وقبل ما أتحرك شعرت بالدم بيسري على جلد ساقي قبل ما ينزل الأرض، دم كتير. معقولة دورتي الشهرية اللي اتأخرت شهرين تهاجمني في الوقت ده؟ معدتي بتتقطع، دوار، الدنيا بتلف بيا، أسندت على الطاولة ومشيت أحاول الوصول للحمام وأنا بأترنح. عندما وصلت الحمام وأغلقت الباب على نفسي شعرت أن معدتي كلها تسقط من خلالي. لا يمكن لأي كلمة أن تصف الألم الذي كنت أشعر به.
سقطت على البلاط، نصف ساعة كاملة قبل أن أستعيد وعيي. كانت ملابسي ملطخة بالدم وأسماء تضرب الباب بقبضتها تكاد تكسره وهي تصرخ: نيرة! نيرة! الحفلة دي مهمة جداً بالنسبة لي يا رعد يا ابني، دي مش مجرد صفقة كسبناها في السوق، الموضوع مش موضوع فلوس. انت عارف إن عيلة مدكور كانوا منافسين لينا في السوق وكنا ماشيين قصاد بعض خطوة بخطوة لحد ما استحوذوا على أكبر شركة في الشرق الأوسط شركة المرحوم علي الدرملي، بعدها الكفة مالت لصالحهم.
ودلوقتي جه الوقت اللي هنرغمهم فيه يشاهدوا نجاحنا. أنا واثق إن نيرة هتشرفنا ومش قلقان من الناحية دي. لكن أنا عايزك أنت تكون واثق من نفسك ومتستجبش لاستفزازات. الولد مهند مدكور، من فضلك عايزين الحفلة تعدي بسلام؟ حاضر يا بابا متقلقش، أنا هعمل كل اللي أمرت بيه. يا أدهم بيه؟ يا أدهم بيه؟ وصلت أسماء بتجري وهي بتصرخ على أدهم بيه: نيرة مغمى عليها في الحمام وبتنزف دم.
"لا حول ولا قوة إلا بالله"، رعد كلم الدكتور يحضر بسرعة وأنا هروح أشوف نيرة مالها. وصل أدهم السلحدار وساعد هو وأسماء نيرة تقف ووصلوها لسريرها وهي في قمة الإعياء والمرض. وصل الطبيب، متأخرش، كشف عليها وعلق لها محاليل وأداها حقن توقف النزيف. بعدها طلب أدهم بيه على انفراد. خير يا دكتور مهاب؟ شغلتني، ليه مش عايز تتكلم قدام الولاد؟ دكتور مهاب: البنت دي تقرب لك إيه يا باشا؟ جبتوها منين؟ أنا أول مرة أشوفها في الفيلا؟
أدهم السلحدار: دي بنت غلبانة، رعد ابني أشفق عليها وجابها تشتغل من الفيلا لما لقيها قاعدة على الرصيف في الشارع. دكتور مهاب: مم، رصيف؟ شارع؟ فيه إيه يا مهاب، مالك بتتكلم بالألغاز؟ قول لي فيه إيه؟ البنت كانت حامل وسقطت يا أدهم، لكن الحمد لله عدت على خير. صمت أدهم السلحدار، لم يكن قادرًا على استيعاب المفاجأة بعد.
إيده على كتف دكتور مهاب: من فضلك يا مهاب ياريت الكلام ده يفضل سر ما بينا، مش عايز حد يعرف عنه حاجة لحد ما أشوف هعمل إيه. أكيد يا باشا، عشان كده أنا فضلت أكلمك على انفراد. وصل أدهم السلحدار دكتور مهاب لباب الفيلا ورجع على غرفة نيرة. حط إيده على دماغها: متقلقيش يا بنتي هتبقى كويسة، الدكتور طمني، أنا عايزك تستريحي ومتبذليش أي مجهود خالص، فاهمه؟ رفعت نيرة وسطها: لكن الحفلة يا أدهم بيه؟
تتحرق الحفلة يا ستي أهم حاجة صحتك، أسماء خلي بالك منها ولبي كل احتياجاتها. خرج أدهم السلحدار من غرفة نيرة وحاجة واحدة شاغلة باله، نيرة ممكن تكون متجوزة لكن ده قبل ما تفقد ذاكرتها لأنه متأكد إن نيرة مش ممكن يكون ده حصل معاها في الشارع وإنها مش من الأشكال دي. وكان مندهش، إزاي بنت على درجة عالية من الثقافة تقبل إنها تتجوز في عمر صغير زي كده؟ ده اللي مقدرش يفلح في فك شفرته.
نيرة صباح يوم الحفلة كانت قدرت تتحرك بصورة طبيعية ورغم مطالبات أدهم بيه السلحدار ليها إنها تلزم السرير أصرت تكمل استعدادات ما قبل الحفلة ووعدت أدهم باشا إنها بعد ما تخلص التحضيرات وتتطمن مش هتشترك في الحفلة وهترتاح جسمها في غرفتها.
قبل الحفلة ما تبدأ كانت نيرة اتفقت مع مهندس الصوت على الموسيقى وترتيب السيمفونيات، فاغنر، تشايكوفسكي، شومان "رقصة الفراشات"، مدخل افتتاحي لـ "كارمينا بورانا" لكارل أورف، المقطع الثاني للآلات الوترية. وكتبت قائمة منسقة لأنواع المأكولات وكيفية تقديمها واختارت أزياء الخدم بعناية. قبل المغرب كل شيء كان تمام وزي ما نيرة وعدت أدهم السلحدار توجهت لغرفتها وقعدت فيها.
بدأت الحفلة، الضيوف توافدوا أفواج على مدخل الفيلا تستقبلهم موسيقى "الرجل الهولندي الطائر" ثم توالت فقرات الحفلة الناجحة. قبل نهاية الحفلة نيرة خرجت من غرفتها تلقي نظرة من بعيد على ضيوف الحفلة وكيفية سير الأمور. وقفت على بداية الرواق مدة دقيقة ترقب الضيوف، مهند مدكور غمز رجل والده بقوة: شايف يا بابا مين موجودة هنا؟ حاول تبص من غير ما تلفت النظر.
بص مدكور والد مهند ناحية نيرة، وشه تحول لكتلة من الغضب تكاد تنفجر في أي لحظة وشعر بلسعة صقيع في عموده الفقري. وهمس لمهند ابنه بغضب: إنت مش قلت البنت دي ماتت؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!