فتحت البنت بقها، وكانت حمرة الخجل تكسو غمازتي كرزها. "اسمحلِي أدهم بيه أتكلم بحرية؟ رعد بص على البنت بنظرة مهتمة. حط رجل على رجل، وضم طرفي بدلته السوداء. يارا اكتفت بابتسامة خفيفة، بينما أدهم بيه رفع إيده. "اتفضلي! "كون حضرتك أدهم بيه وابنيك اخترتوا لي الأسماء مسبقاً، دا يعتبر تجنّي على رأيي وتناقض واضح من المقصد العام اللي هو حريتي! إزاي حضرتك تطلب مني أختار اسم من بين أسماء معينة وتعتبر دا نوع من الحرية؟
برقت عينَي رعد ورفع حاجبه بغضب، وكان مستعد للانقضاض على البنت دي وتوبيخها وربما طردها خارج الفيلا. لكن والده أدهم بيه اداله إشارة واضحة بالصمت، وهز دماغه بتفهم. "سامح للبنت تكمل كلامها." "إذا كان من حقي أختار اسم، فأنا بفضل يكون من اختياري أنا. وأنا مع فكرة حضرتك. أنا أرحب باسم السيدة Nothing." وسط اندهاش رعد ويارا، سأل أسماء أدهم بيه. "لكن انتي مش شايفة إن اسم السيدة نكرة دا صعب شوية ويحمل بين طياته إهانة مستترة؟
كلام رجل أعمال محنك، التجارة علمته يكون لين وخبير في الإقناع. البنت ابتسمت. "أنا متفقة مع حضرتك جداً. أنا هختار الاسم اللي حضرتك قلته، نيرة." "قبل ما تمشي يا نيرة، عندي تساؤل ممكن تردي عليه؟ "اتفضل أدهم بيه." "إزاي عرفتي إن اسم نيرة من اختياري؟ ليه ما يكونش اختيار رعد أو بنتي يارا؟ قالت البنت وهي بتستعد للحركة. "بصفتك رب الأسرة، طبيعي يكون أول اسم من اختيارك، واللي يليه اختيار رعد بيه، وآخر اسم من اختيار يارا."
"ماشي، ممكن تتفضلي تمشي يا نيرة دلوقتي! بعد ما نيرة مشيت، رعد ظهرت ابتسامة على فمه. كان بيفكر في نفسه إنها بنت ذكية. لكن أدهم بيه طلب منهم يركزوا معاه بعد ما جمعهم حواليه وبدأ يتكلم بصوت واطي أشبه للهمس.
"أنا عايزكم تعاملوا البنت دي كويس. طريقة كلامها لا تدل أبداً على أنها مشردة، تربية شوارع. أكاد أجزم إنها ابنة عائلة مثقفة وحاسس إن وراها قصة كبيرة وعجيبة. أنا كنت هطردها مع بداية كلامها لصفاقتها، لكن النبرة دي والقدرة على الإقناع مش متكلفة أو مصطنعة، دي محفورة جواها. الإنسان ممكن يفقد ذاكرته فعلاً، لكن يظل السلوك والثقافة واضح وظاهر مع كل حركة بيقوم بيها. البنت كانت بتعبر عن رأيها بكسوف تكاد تنفجر من الخجل، لأنها إنسانة اتربت على حرية الرأي. أنا مندهش إزاي رعد عثر عليها في الشارع؟
وكان رعد سارح بيحاول يلاقي احتمال معقول ومقبول لوجود بنت تعتبر مثقفة مرمية على ناصية طريق بتطلب صدقة أو حسنة. وانتبه لما والده وجه له الكلام يطالبه إنه يقص عليه إزاي عثر على نيرة وإيه اللي حصل وخلّاه يحضرها معاه للفيلا. وبدأ رعد يحكي لوالده وأخته اللي حصل بينه وبين نيرة عند إشارة المرور. ***
نيرة خرجت من عندهم وقصدت المطبخ. قعدت على مقعد مهمومة ومنكسرة، ومرتبكة أكثر من اللازم. لما دخلت الفيلا كانت مقررة إنها مش هتفتح بقها بأي كلمة معارضة بعد ما لقت مكان يلمها من الرصيف. إنها مش هتقول غير حاضر وبس. لكن اللي حصل غير كده، والظاهر إنها لخبطت الدنيا كلها، وده خلى الهم يركبها. أسماء دخلت عليها لقيتها في الحالة دي، دماغها وسط ركبتيها وعمالة تعيط وتبكي. "إيه فيه تاني يا بنتي؟ بتبكي ليه؟
"أنا ما كانش قصدي أزعلهم مني والله يا أسماء. الكلام خرج غصب عني." "متخافيش، أدهم بيه دماغه كبيرة وقلبه طيب. ولو كان مضايق منك كان قالك في وشك بصراحة." "ما هو ده اللي مضايقني. أدهم بيه شخص محترم جداً وأنا بكل حماقة قمت بإزعاجها." "والنبي يا نيرة، لما تتكلمي معايا بلاش الكلام المعقد ده. كلميني عربي. ودلوقتي يلا لازم نلم السفرة بسرعة قبل ما الباشا يطلب القهوة؟! "حاضر."
خرجوا للرواق، نيرة وأسماء وقاموا بجمع الأطباق وتنظيف الطاولة. نيرة تولت غسل الأطباق وتكفلت أسماء بصنع القهوة. نيرة رصت الأواني في غسالة الأطباق وقامت بغسلها وشطفها ورصها في مكانها. وكانت أسماء لسه ما عملتش القهوة. اتأخرت شوية على بال ما رعد طلب منها تحضر القهوة. بعد ما خلصت تحضير القهوة، أسماء تذكرت حاجة مهمة وطلبت من نيرة تقدم القهوة بدل منها. "قدمي القهوة وارجعي بسرعة من غير كلام. كفاية أوي اللي حصل من شوية."
"حاضر." "قدمي قهوة أدهم بيه الأول." "بعده رعد بيه، بعده يارا هانم. مفهوم جداً، لازم الفتاة تكون آخر شخص في العائلة." حملت نيرة صينية نحاسية مرصوص فوق منها فناجين القهوة ومشيت بهدوء ناحية الرواق. كان أدهم بيه ورعد ويارا بيتناقشوا مع بعض في أمور عادية. نيرة كانت باصة على الأرض، لكن أول ما وصلت الرواق رفعت عينيها ناحيتهم.
وتوقف الزمن لحظات. عين نيرة وقعت على لوحة "سيدة كليمت". السيدة ذات المروحة اليدوية المعلقة على الجدار فوق دماغ أدهم بيه. امرأة ذات شعر داكن مجهولة الهوية، تذكرها بنفسها، ترتدي ثوب فضفاض عاري الكتفين في إيدها مروحة، وراها تحفة كليمت، عصافير زرقاء وخضراء وزهور بأنماط من الألوان على خلفية صفراء.
ضيقت نيرة عينيها. الخطوط الخفيفة لرموش سيدة كليمت وشفايفها المغلقة اللي زادت اللوحة جمال وابهار. وعدى الوقت بسرعة. دقائق ونيرة مثبتة عينيها على اللوحة بتتفحصها بدقة. تحت اللوحة على طاولة واطية على الجانب الأيمن لأدهم بيه، منحوتة جياكوميتى الأشهر "الكلب". اللي قال عنها جياكوميتى: "هذا أنا، رأيت نفسي ذات يوم أتسلق في الشوارع."
تسمرت نيرة منبهرة. المنحوتة دي تمثلها. لطالما شعرت في الشهر الماضي إنها كلبة متشرّدة تلف في الشوارع تنام على الأسفلت وتحت الكباري. أثناء شرود نيرة، تذمر رعد وكاد ينهض ويصفعها لتعود لرشدها وهو يتمتم: "البنت دي مجنونة، القهوة هتبرد؟ يارا كمان أكدت على كلامه: "القهوة باظت، أنا مش فاضية." وحده أدهم السلحدار ظل ثابت بلا حركة، محذراً أبنائه الاتيان بأي حركة ضد نيرة، سامحاً لها تأخذ الوقت الكافي لتأملاتها واستغراقها.
متحلياً بالصبر، مقتنع إنه حتى لو تلف أو سُكب أو باظ، إنه مجرد فنجان قهوة في نهاية الأمر. نزلت دموع نيرة، سقطت على الأرض، بللت الصينية النحاسية وسبحت دموعها بين فناجين القهوة مجرى متعرج بلا نهاية. فجأة ارتجف جسد نيرة. قالت بنبرة أقرب للصراخ وهي بتجري ناحيتهم: "آسفة." "آسفة جداً، عارفة إن دي حماقة كبيرة لا تُغتفر. آسفة بجد، أرجوكم سامحوني، أنا تعديت حدود كوني خادمة."
نهض أدهم السلحدار، الباشا، المليونير من مكانه ومشى قابل نيرة وخد منها الصينية ووضعها على الطاولة. "اعتذارك مقبول يا نيرة، انتي بتبكي ليه؟ لحد دلوقتي نيرة ما كانتش لاحظت إنها بتبكي ولا إن دموعها بللت السجاد والصينية اللي عليها الفناجين. "فيه أحيان دموع بتنزل رغم عنا يمكن من غير ما نشعر. دموع صامتة بتحكي مأساة مرت بينا، لحظات انكسار وهزيمة. مذبحة من مذابح الحياة."
"أنا آسفة والله يا أدهم بيه، منحوتة جياكوميتى ذكرتني بنفسي وحياتي التعيسة اللي مالهاش أي معنى." منبهر بص أدهم بيه السلحدار على أولاده اللي كانوا أكتر اندهاش منه وعينيه بتقول: "مش قولت لكم يا أولادي، فيه حاجات أهم من القهوة؟ "وانتي تعرفي جياكوميتى من فين يا نيرة؟ "أنا بحب جياكوميتى جداً، بالذات منحوتة الراجل الماشي. ولما شفت لوحة كليمت عيني وقعت على المنحوتة." "وبتحبي إيه كمان يا نيرة؟ نيرة حطت صباعها على شفايفها.
"كلود مونيه، لوحة بركة زنبق الماء. رينيه مارغريت، إمبراطورية الضوء. بحبها جداً وممكن أقعد يوم كامل أبص على الشارع المظلم والبيت بنوافذه المضاءة. كنت أتمنى أكون البارونة ماري جيون كرويه. وبانكسي، الحب في سلة القمامة." رعد، يارا. الأشخاص اللي كانوا من لحظة مستعدين لتمزيق نيرة بالإهانات، فضّلوا يستمعوا باندهاش لفتاة مشردة بتسرد عليهم تاريخ أعظم رسامين أوروبيين. خايفين حتى يصحوا ويقاطعوا تأملات نيرة وحديثها العذب.
نيرة لما رجعت لنفسها قالت: "أنا آسفة، أنا غبية جداً. القهوة بردت وباظت. آسفة يا يارا هانم، آسفة يا رعد بيه. آسفة يا أدهم بيه." ابتسم أدهم السلحدار. "اتفضلي انتي يا نيرة ومن فضلك بلغي أسماء تعمل قهوة جديدة وتجيبها بنفسها. مش عايزين القهوة تبرد تاني يا ستي." وقعد يضحك. لما نيرة أدته ضهرها، كان أدهم السلحدار بيفكر في نفسه عن السبب اللي دفع نيرة بالاعتذار ليارا بنته قبل رعد، ولرعد ابنه قبله هو شخصياً عن تلف القهوة.
وبقى دقيقة بيفكر لحد ما وصل للسبب. لحظتها ابتسم وقال لأولاده: "ها، إيه رأيكم؟ "غريبة جداً يا بابا، البنت فعلاً غير عادية. أنا معرفش نص الكلام اللي قالته." "ولا أنا." قالت يارا رغم شعورها بالضيق. "من شوية كانت بتتكلم عن فاغنر اللي محدش من صديقاتي يعرفها أصلاً، ودلوقتي كليمت!
قال أدهم السلحدار: "كل حاجة هتبان في وقتها. دلوقتي من فضلكم نفذوا اللي طلبته منكم. عاملوا نيرة بطريقة كويسة، البنت مسكينة تشعر بالوحدة والضياع. عن إذنكم أنا هطلع غرفتي أريح شوية." "والقهوة يا بابا؟ أدهم السلحدار وهو طالع السلم: "قلتلكم القهوة ممكن تنتظر، أنا مش محتاجها دلوقتي."
نيرة رجعت على غرفتها. لأول مرة تكون سعيدة من مدة طويلة. كان جواها حاجات كتير محتاجة تخرج، تتنفس. وطلعت جزء منها. ولاول مرة تحط دماغها على وسادة وجسمها على سرير بعد ما الأسفلت أكل جسمها في الشهر اللي فات. ***
مر شهر تاني ونيرة مقيمة في الفيلا. بقيت حافظة شغلها كويس، وحريصة إنها ما تسرحش أو تشرد. كل يوم بتعيد ترتيب السفرة بشكل مختلف. لحد ما في يوم أدهم بيه استدعاها هي وأسماء وقال كلام محدد واضح. بمناسبة صفقة ناجحة أبرمها هيقيم حفلة كبيرة في الفيلا، ونيرة هتتولى التنسيق والأمور الإدارية وطلب منها إن تبهر الضيوف زي ما نجحت في إبهاره في الفترة الماضية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!