كانت الحفلة راقية، مما جعل أدهم السلحدار يفخر بفقراتها، والتي لم يكن يفهم معظمها. لكن أدهم السلحدار قرر بينه وبين نفسه أنه يومًا ما سيسمح لنيره أن تأخذه في رحلة في عالم الفنون. كان يريد أن يعرف الخلفية الفنية لنيره، من أين أتت. لا يمكن لشخص أن يتحدث الإسبانية بين ليلة وضحاها، حتى لو كان كاتب القصة نفسه.
فالسلحدار رجل أعمال، الصفقات والمناورات التجارية أخذت معظم عمره، ويرغب في أخذ عُزلة، لكن بعد أن يطمئن على رعد ويارا ابنته. وكان هناك شيء مهم شاغل باله، ولا يمكن أن يقول عليه لأي شخص. حمل ثقيل كُتب عليه أن يحمله بمفرده. فك شفرات لغز نيره، كيف نيره كانت حامل؟ ومن مين؟ راقب أدهم السلحدار الحفلة بعيون ثعلبية، وأدرك تمامًا أن اقتراب مهند مدكور من نيره لم يكن ليحدث صدفة أبدًا.
وشوشات مدكور النمروسي مع ابنه، نظرات الغضب الشيطانية التي رسمت على ملامحه، كانت كافية لإدراك أن هناك علاقة تجمع نيره بمهند ووالده. جلس أدهم السلحدار بمفرده بعد انتهاء الحفلة، رفقة فنجان قهوة ساده. قلبه دق من أول مرة رأى فيها نيره، وهذه حاجة غريبة. البنت دخلت قلبه بلا استئذان، ويشعر بالحزن كلما رآها ترص الأطباق. ولولا إثارة الشكوك، لما تركها خادمة، بل كان سيتركها في الفيلا كفرد منهم، واحدة من العائلة.
وفعلًا، أمر مكتب عمل أن يحضر خادمة جديدة، حتى تخف الأشغال من على ظهر نيره بصورة غير مباشرة. بعد يومين من الحفلة، اصطحب أدهم السلحدار نيره لطبيب مخ وأعصاب مشهور. أخضعها لفحص شامل، وشخص حالتها بفقدان ذاكرة طويل الأمد. ورغم تطور الطب، فإن استعادة ذاكرة نيره مرهون بمعجزة إلهية. أدهم السلحدار رجل مؤمن، ومدرك أن الله سبحانه وتعالى لديه خطط لعباده، وأنه رحيم بهم.
الدكتور: "البنت يا أدهم بيه تعرضت لضرب مبرح، ضرب موت. أنا مندهش أنها عايشة زينا، ولسه ما ماتتش. آثار الضرب واضحة جدًا في عظم الجمجمة وتقعصاته، زي ما تكون دخلت مفرمة. لكن تذكرها للغة معينة بادرة خير، كونها لسه حافظة ما درسته عن الفنون أمر مدهش، وهذا معناه أن الماضي لسه داخله."
"لكنه بيقودنا لمشكلة أصعب، معضلة لا يتمناها أي طبيب. أن يكون عقلها الباطن الرافض لحدث معين قرر أن يمسح موقف معين من حياتها. في هذه الحالة، نيره عقلها اقتطع ما تعرضت له في لحظة معينة من قسوة أو عذاب أو مهانة، أو حتى تحرش أو اغتصاب، أو فقد شخص عزيز جدًا من حياتها. الموقف الذي لم تقوى على تحمله، محاه عقلها، بينما سمح لأشياء تحبها أن تظل على حالتها. وهذا بنسميه فقدان ذاكرة نوعي، أو اختياري، ولا يمكن مطلقًا أن نحدد موعد شفاء له."
كان أدهم السلحدار يستمع للدكتور لطفي بانتباه، وهو يفكر: "إيه الشيء القبيح، القاسي إلى ممكن يحصل لإنسان، للدرجة اللي لا يمكنه فيها تحمله، فينهار عقله دفعة واحدة ويسقط ذلك الحدث من عقله؟ وحس بالهم. كل النتائج بتقول أن نيره تعرضت للاغتصاب، وهذا الاحتمال الأقوى بالنسبة لحالتها.
وكان متأكد جدًا أن نيره مش فتاة شوارع متشرده، أو بنت سيئة السلوك، بل وريثة عائلة أرستقراطية محترمة جدًا، مهتمة بالأدب والفنون. أحسنوا تربيتها وتعليمها فن التعاملات الراقي. وطاف بعقله كل الأحاديث التي دارت بينهم، ولغتها الحوارية الأنيقة غير المتكلفة.
"نيره أكثر رقي من بنتي يارا. عارف أنه أحسن تربية بنته جدًا، وكون نيره تمتلك تلك الدرجة من الأحاسيس النزيهة، ما لوش غير معنى واحد. البنت اتربت في بيت زي بيته، بل أكثر ثراء منه، وذا ميول أدبية. وهذا بالنسبة له بيقلل الاحتمالات كثير، وبيخلي الصورة تتضح أمامه." ورسم خطة في غاية الدهاء، قرر أن ينفذها ببطء وتروٍ. "أنه سيقوم بدعوة معظم العائلات إلى بيشك في نسب نيره لهم. ممكن حد يتعرف عليها."
لكنه اصطدم بمعضلة مرعبة. نيره في خطر محدق، ومش بعيد أنه بكده بيكون هو الشخص اللي بيجيب الخطر لحد عندها. *** تفاجأ رعد أدهم السلحدار أن مهند مدكور النمروسي يقوم بمهاتفته بنفسه. كان شاعر بغرابة من يوم الحفلة، لكن دلوقتي مش مصدق نفسه. مهند بنفسه بيتصل بيه ويكلمه. ورغم أنه كان حديث عادي في البداية، لكن مهند محاور محنك، وبيعرف إزاي يوصل لهدفه.
مهند: "بصراحة يا رعد بيه، من يوم الحفلة واندهاشي لم يتغير أو يقل بالخدامة بتاعتكم. أنا منبهر الصراحة بيها. يا أخي الواحد بيقابل بنات عائلات كتير وبنات رجال أعمال، لكن عقولهم فارغة. أنا فكرت فيها للحد اللي دفعني أني أنشئ متحف للفنون، أجمع فيه لوحات من كل بلاد العالم، وأعرض فيه رسومات عصرية لرسامين حاليين. معرض رسم يعني، وما فيش أفضل من نيره إنها تكون مديرة المتحف ده وتشرف عليه. الصراحة، البنت دي مش قدرها تكون خدامة، قدرها تتساب في مكان بتحبه وتظهر فيه مواهبها. أنا بطلب منك تعرض الفكرة عليها، ومستني ردك. أكيد أنت مهتم بمصلحتها زيي وأكثر كمان."
رعد: "والدي رافض إن نيره تسيب الفيلا. أنا اتكلمت معاه قبل كده وعارف قراره." مهند: "اتكلم معاه تاني يا أخي، فيه حاجات جديدة جدت، ويمكن الموضوع ده يكون فتح خير بينا." رعد: "هعمل اللي يقدرني عليه ربنا. مصلحة نيره تهمني طبعًا." خلصت المكالمة. مدكور النمروسي: "ها، الولد رعد قالك إيه يا مهند؟ مهند بتفكير: "بيقول إن والده رافض فكرة خروج نيره من الفيلا."
النمروسي بابتسامة ساخرة: "مش قلتلك يا ولد، السلحدار بيلعب بينا. مش موضوع خدامة مهم، إنه شاله حتى تكون وزيرة ثقافة. السلحدار عرف البنت وعرف قصتها، ومحتفظ بيها ورقة ضغط ممكن يستخدمها في أي لحظة. قال خدامة قال؟ رفع النمروسي هاتفه ووضعه على أذنه: "عايز قرصة ودن صغيرة يا هكه. نفذ اللي أمرتك بيه. ويا هكه؟ متحاولش تستخدم دماغك، فاهم؟ هكه: "فاهم يا باشا."
النمروسي: "وانت يا رعد، حاول تتقرب من بنت السلحدار. عايزك تلف البنت تحت جناحك، لازم نكون مستعدين لأي طارئ. عايز البنت تحبك وتبقى زي العجينة في إيدك." مهند: "يا با، أنا مش بطيق عيلة السلحدار ولا بطيق شكلهم. مش كفاية إنك تجبرني أكلم العيل رعد ده؟ وكمان إزاي البنت دي هتحبني وهي عارفة إننا ألد أعدائهم؟
النمروسي بغضب: "مهند، متنساش إن كل اللي إحنا فيه ده بسببك، وسبب طيشك وفشلك. لو كنت قتلت البنت، كان زمان كل حاجة خلصت. وبعدين، أي بنت في مصر تتمناك. كدب يا أخي، ما أنت بارع في الكدب. اخترع أي قصة، أقولك؟ قلها إنك مش موافق على اللي بيعمله والدك ومش متفق معاه، وإنك دايماً بتعارضني، وإني راجل ظالم، وأحيانًا بضربك بقسوة، وإنك قررت إنك تشق طريقك بمفردك."
خرج النمروسي وساب مهند ابنه بيفكر هيعمل إيه. والده فتحله طريق، وكل اللي عليه إنه يمشي فيه. كان وصول مهند لجامعة يارا في منتهى السهولة. شخص يقود عربية مرسيدس أو بي إم دبليو وبيوزع الفلوس، مش ممكن حارس أمن لعين هيوقفه. حارس الأمن، ورجل المرور، والمخبر السري موجودين عشان صنف واحد من الناس، وهو مش واحد منهم. واستطاع بسهولة إنه يوصل ليارا ويراقبها من بعيد. كان عارف إن يارا تعرفه شكليًا، ومش ممكن تقبل أي تعارف بينه وبينه.
لكنه بسهولة وظف فتاة تربطها علاقة بيارا، أن تختلق عدة مناسبات يكون فيها موجود في نفس مكان تواجد يارا. وفي كل المناسبات دي، مهند كان بيتعامل برقي وتواضع مثير وملحوظ، حتى لشخص أعمى. وبدأت يارا تشعر إنه شخص مختلف عن ما يصوره والدها أمامها. وطرق فكرة عقلها: "ماذا لو كان والدها مخطئًا؟ ولما تعرفت على مهند النمروسي، اكتشفت إنه شخص مختلف، مش مغرور ومتعالي زي ما بيوصفه رعد أخوه، بل شخص في منتهى التواضع والرومانسية.
تندب المرأة حظها وتلعن الحياة، وتشعرك أن العالم كله تحطم فوق مخها بعد أي تجربة فاشلة يكون طرفها رجل. وتنسى منذ البداية أن الرجال متحولين، ويمتعتون بالقدرة على التمويه مثل الحرباء، ويمكنهم أن يكونوا رومانسيين عندما يرغبون بذلك. كان رعد يخبر نيره في حديث عابر بنبرة مزاحية عن إعجاب شخص مهم بها ورغبته في نيل خدماتها من أجل إدارة معرض للرسم ومتحف للفنون. متحف عالمي مثل متحف الفنون في أمريكا، أو متحف اللوفر.
أطرقت نيره باهتمام، وكانت على وشك إبداء رأيها عندما تدخل أدهم السلحدار وسأل رعد: "مين الشخص ده؟ قال رعد بضحك: "مهند النمروسي." السلحدار: "أنا مش قلتلك يا رعد تبعد عن الولد ده؟ ده ولد لئيم ماكر خبيث مثل والده." يارا، التي كانت قاعدة معاهم، تسمع كلام والدها بلا اقتناع، وفي داخلها شكوك كثيرة عن مهند، الذي بالنسبة لها شخص بسيط ومختلف جدًا عن الأوصاف المتجنيه هذه.
نيره: "أنا متأكدة أن أدهم بيه يفهم في طبيعة البشر أكثر مني، ومش ممكن أعارض رأيه مهما كان. أنا بعتبره زي والدي." الجلسة السعيدة دي تحولت لنكبة بعد ما تليفون وصل أدهم السلحدار يعلمه بتعرض إحدى شركات لسطو مسلح. مجموعة أشخاص مسلحين اقتحموا الشركة وحطموا الأجهزة والمعدات، وأحرقوا المنتجات التي كانت مجهزة للبيع. صفقات أبرمت والتأخر عنها يعني دفع شروط جزائية بمبالغ ضخمة. صرخ رعد من الغضب، وأخذ يسب ويلعن في كل جهة واتجاه.
بينما كان أدهم السلحدار يتمتع بثبات نفسي مزعج، ويفكر في صمت. أن النمروسي اتخذ أولى خطواته الانتقامية، وأن ما فيش شخص غيره ممكن يعمل كده. وكان محتار في السبب؟ يا ترى ده رد على الصفقة اللي هربت منه؟ ولا رسالة خاصة مشفرة خاصة بنيره؟ شركة بكاملها تحطمت، خسائرها تفوق المكاسب المرجوة من الصفقة الأخيرة. وسط الانفعال والصخب ده، كان السلحدار بيبص على نيره بتركيز وثبات.
تقريبًا توصل أدهم السلحدار لفك اللغز الذي حيره أيام طويلة. لقد عرف في هذه اللحظة من تكون عائلة نيره، ولم يتبق أمامه سوى رتوش صغيرة تشبه وضع النقط على الحروف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!