كانت مقيدة من يديها في خازوق معدني مغروس في الجدار، قيد يسمح لها بالجلوس وثني قدميها وركبتيها. تأملتها وهي راقدة، تبدو كالملاك. من النادر أن تبدو فتاة جميلة وهي نائمة، فإنهن في الغالب يمتلكن وجهًا مرعبًا أثناء نومهن ولحظة استيقاظهن. "كم مضى على بقائك هنا؟ "لا أتذكر! وغير مهتمة بالتذكر. كل ما أعرفه أنها حبست لفترة كافية تجعلها تتمنى معرفة سبب احتجازها في هذا المكان القذر.
"مستعدة لتنفيذ أي أمر تسمعه أذناها مني، بل أبعد من ذلك، أي كلمة أنطقها على الإطلاق! كل يوم أكتفي بمعاينتها. أحضر لها الطعام وأرحل. أستمتع بتوسلاتها: "من فضلك؟ أرجوك، قل فقط ما ترغب به مني؟ لقد تعلمت وأدركت وأيقنت أنني لن أرد عليها. الشخص الصامت الملثم الذي يحضر عندها يحضر لها الأكل ويكتفي بلمسة لخدها، أو تمريرة خاطفة على عمودها الفقري، وربما خصرها. بمضي الأيام، توقفت عن الصراخ وقت رحيلي.
واختفت نظرة الأمل من وجهها عند رؤيتي. أنا بالنسبة لها أنا مجرد شبح متخفٍ يظهر ويرحل فجأة. اقتربت منها، أسمع تأوهاتها الضعيفة. عينيها الضعيفة رمقتني بوهن. رمقت برعب يدي التي تحركت نحوها. نزعت ملابسها، مزقتها، وقبل أن تصرخ، وضعت قماشة في فمها. أحس قشعريرة جسدها الخائف المرتعش. سكبت الماء الدافئ على جسدها العاري ونظفته كله. حللت قيدها. نهضت وهي تترنح. ألقيت إليها ملابس جديدة. فهمت ما أريد، لبست الهدوم بسرعة.
أشرت للقيد، تحركت طواعية نحوه، كبلت يديها وجلست خلفها. أسرح شعرها الطويل، أمسده ببطء حتى انتهيت، ثم تركتها ورحلت. *** في غرفتها جلست نيرة. كان واضح أن جو الفيلا ملخبط بعد مشكلة الشركة وكانت عايزة تستعيد أعصابها. ولا يمكن أن يحدث ذلك دون موسيقى. مزاجية نيرة تستجيب للنغمات ودقات الهورن ووشوشة الناي ورقصات البيانو. وانطلق نغم بصوت واطي لمعزوفة قديمة لسترافنسكي، "فتاة وحيدة تعبر النهر للجهة الأخرى".
اضطجعت نيرة على السرير تحمل بين يديها لوحة رينيه ماغريت الأشهر "العشاق". ماغريت رسام الأسرار والألغاز. نيرة كانت بتحب اللوحة دي جداً اللي بتصور اندماج رجل وامرأة ملفوفان برؤوسهما بقطعة قماش بيضاء غارقين في قبلة. لوحة قد تبدو مبهمة. شاب وفتاة كل واحد منهم دماغه ملفوفة في قماشة بيقبلو بعض.
اللوحة اللي بتعبر عن وجهة نظر رينيه ماغريت بعمق عن عدم قدرة الإنسان على الكشف الكامل عن الطبيعة الحقيقية لعلاقاته حتى مع أقرب الناس. اللوحة تحمل أكثر من اسم، "قبلة من خلال قماش"، أو "فقدوا رؤوسهم من الحب". بس نيرة ليها وجهة نظرها الخاصة بالنسبة للوحة دي، كانت تعرف ماغريت جيداً. الرسام اللي والدته انتحرت وهو طفل ابن 14 سنة، وجدت جثتها في النهر. لما أخرجوا الجثة رينيه كان موجود وشاف القماش مغطي دماغ والدته.
من لحظتها ومعظم رسوماته تخفي الرأس. تخفي ألمه. ينجح كل إنسان في إخفاء ألمه بطريقة عجيبة. نيرة اللي كانت مدركة أن حتى الحب القوي غير قادر على إعطاء الفرصة لفهم الحقيقة ولا يمكن أن يعرف الناس بعضهم البعض تماماً. لو حسبت عدد الناس اللي تعرفك كويس هتندهش من قد إيه أنت إنسان وحيد جداً وليس لديك أصدقاء أو أحباء.
الكل يقول عن رينيه ماغريت شخص شريف ولم يكن لديه علاقة خارج أسرته، وأنه عمره ما عمل علاقة مع أي واحدة غير زوجته جورجيت. إلا نيرة اللي كانت فاهمة جداً علاقة رينيه مع البارونة آن ماري جيون كرويه. قال لها ماغريت عند لقائهم الأول: "أترين، لقد رسمتك قبل أن أقابلك". وده كان حقيقي لوجود بنت شديدة الشبه بماري ظهرت في لوحات ماغريت عدة مرات قبل ما يشوفها أو يعرفها.
ولما راجل يقول لست أول مرة يشوفها في حياته أنه يعرفها حتى من قبل ما يتقابلو، مش الموضوع يتوقف عند النقطة دي. *** الشرطة متوصلتش لأي نتيجة في واقعة تحطيم شركة أدهم السلحدار. السلحدار وحده كان عارف مين الفاعل لكن مكنش عنده دليل. المجرمين كان عندهم وقت كافٍ ينظفوا آثارهم ويمسحوا البصمات. خسارة كبيرة مضطر يتحملها السلحدار في صمت.
السلحدار رجل الأعمال الشريف اللي كان بمقدوره ينتقم لخسارته، لكن كان مستحيل يستخدم طرق النمروسي الملتوية اللا أخلاقية. وكان كل الوقائع بتقول أن القضية هتقيد ضد مجهول. رعد قرب يفقد عقله ويطلق الاتهامات ووالده بيطلب منه الصبر. "لازم تكون راجل يا رعد، متسمحش لصفعة واحدة توقعك أو تغير قناعاتك." مضى أكتر من 15 يوم من غير جديد، والموضوع اتنسى.
خمسة عشر يوم يارا كانت بتقعد مع والدها وأخوها في صمت من غير ما تفتح بقها بتسمع اتهاماتهم لمهند مدكور وأبوه اللي تسببوا في تحطيم الشركة. أدهم السلحدار كان ملاحظ كده، صمت يارا بنته الغير معتاد، لكنه قال في باله أن بنته مش مهتمة بالمصانع والشركات ولا مشاكله الشخصية، وده أمر عادي. لكن اللي كان محيره شرود يارا، سرحانها، توهانها لأوقات طويلة. عدم ردها على كلامه بسرعة وقلة تركيزها.
في يوم على العشا رعد ووالده كانوا بيتحاوروا في موضوع الشركة كالعادة. رعد انفعل وأقسم أنه هيقتل النمروسي وابنه مهند. يارا بصت لرعد أخوها ووشها ضرب ألوان. مهند النمروسي مش بيخبي عنها حاجة، اعترف لها أن والده هو اللي حطم الشركة وأنه مستعد يشهد على كده في المحكمة. يشهد ضد والده عشان خاطرها، عشان بيحبها ومش مستعد يخسرها. ابتسمت يارا بلا هدف وهي بتتذكر كلام مهند مدكور النمروسي لما سألته هتقف ضد والدك عشاني.
"أيوه"، رد عليها مهند من غير تفكير، "عشان تعرفي أن حبي ليكي صادق ومش مسرحية. عشان تثقي فيا، أنا هروح معاكي الفيلا وأعترف لوالدك وأخوكي إن أبويا هو اللي دمر الشركة." يارا اللي صدت إصرار مهند واللي وضحت له أن اكتشاف والدها لعلاقتها معاه هيعمل مشكلة أكبر من ضياع شركة أو حتى عشرة. وتذكرت لمسته لإيدها لما ضم قبضته عليها، نظرته لعيونها وغرقها فيه.
مهند اللي مستعد يعمل أي حاجة من أجلها، يارا اللي دلوقتي بتعتبره مش حبيب بس، بل دنيتها كله. مهند لمحلها أنهم لازم يتجوزوا ويحطوا والديهم في الأمر الواقع. وده اللي كان شاغل تفكير يارا اللي طالبت مهند يصبر شوية. مهند قال لها: "مش قادر أعيش بعيد عنك." وقبلها. بكرة أو بعد بكرة مهند هيفرجها على الشقة اللي هيعيشوا فيها. مش هيروحوا بمفردهم طبعاً لأن البنت اللي عرفتهم على بعض هتكون معاهم.
السلحدار أمر رعد أنه ميذكرش الكلام ده تاني قدام أي شخص مهما كانت درجة قرابته. "حدود انفعالك ومحيطه جدران الفيلا دي يا رعد، فاهم؟ "فاهم يا بابا." "إحنا مش ممكن نكون زيهم يا ابني أو نتعامل بطرقهم، كن واثق أن النهاردة دنيا وبكرة آخره وعند الله تجتمع الخصوم." *** كان مهند في انتظار يارا بعد ما خلصت المحاضرات. خدها في العربية مع صديقتها أميرة ناحية الشقة عشان تتفرج عليها. الشقة كانت في الطابق الرابع في عمارة جديدة.
مهند كان معرف يارا أنه مش هيتجوز في قصر والده وأنه مقرر يعتمد على نفسه ويشق طريقه بمجهوده. الشقة كانت واسعة وجميلة وجاهزة تماماً للسكن، العفش كامل موجود بداخلها. أميرة قالت بالمناسبة دي: "أنا هنزل أشتري حاجة ساقعة وأرجع بسرعة." مهند أخد يارا جولة داخل الشقة. لما يارا شعرت بالعطش فتحت الثلاجة. واللي بالصدفة كانت مليانة حاجة ساقعة. لكنها فكرت أن مهند نسي. أميرة اتأخرت. مهند عرض على يارا يحضر لها مشروب من إيده.
يارا مرضيتش تقول لمهند أن فيه حاجة ساقعة داخل الثلاجة. كان عندها فضول تشرب حاجة من صناعة مهند وتتفرج عليه. صنع مهند عصير برتقال وناول يارا كوبها. تجرعت يارا العصير المثلج بسرعة. شعرت بدوران وسرعان ما فقدت وعيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!