الفصل 24 | من 24 فصل

رواية القرية الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
19
كلمة
1,845
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

لم يكن قصر مليكة يعرف النوم. الحجر الأسود الذي بُنيت منه الجدران كان يتنفس توترًا، كأن القصر نفسه أدرك أن شيئًا ما يُكسر في توازن العالم. وقفت مليكة أمام النافذة العالية، ظهرها مستقيم، شعرها القاتم منسدل كراية حرب صامتة. الليل أمامها لم يكن ليلًا عاديًا. كان ممتدًا، كثيفًا، يبتلع الجبال واحدة تلو الأخرى.

خلفها، كانت القاعة تمتلئ ببطء. مصاصو دماء من جهات لم تطأ أرض القصر منذ عقود. سلالات قديمة، وجوه لم تعد تُرى إلا في المخطوطات، عيون تعرف معنى الدم حين كان حكمًا لا خيارًا. دخلوا واحدًا تلو الآخر. سيدات بملابس سوداء مطرزة برموز عتيقة. محاربون بصمتٍ ثقيل، أسلحتهم لا تلمع، بل تمتص الضوء. كهنة دم، يحملون أوعية مغلقة، لا يُفتح غطاؤها إلا إذا سُمِع اسم الألفا بصوتٍ عالٍ. لم ترحّب مليكة، لم تلتفت. وجودهم كان إجابة كافية.

قالت بصوتٍ هادئ، لكنه اخترق القاعة كما يخترق الخنجر الجلد: "الذئب الحارس خرج عن حدّه." تحرّك الهمس. اسم عوني لم يُذكر، لكنه كان حاضرًا في كل نفس. تابعت، دون أن ترفع صوتها: "ليس ألفا عاديًا. هو لا يطلب الولاء، هو ينتزعه." تقدّم أحد القادمين، عجوز بوجهٍ محفور بالزمن: "سمعنا أنه هجين." التفتت مليكة أخيرًا، نظرتها كانت كافية ليصمت الجميع. "نعم، وهذا ما يجعله خطرًا."

رفعت يدها، فأُسدلت الستائر، وانغلقت الأبواب الثقيلة دفعة واحدة. القصر أصبح عالمًا مغلقًا. في الأجنحة السفلية، كانت الاستعدادات تأخذ شكلًا آخر. لم يكن صراخ ولا تهديد، بل تنظيم، بارد، محسوب. أُعيد فتح غرف الدم القديمة. تم إيقاظ الحراس الذين لم يُستدعَوا منذ عهد الملكة الأولى. تسللت رسائل غير مكتوبة عبر الأنفاق، لا يقرؤها إلا من يحمل الدم الصحيح.

في الساحات الداخلية، درّبت مليكة نخبتها بنفسها. أعادت ترتيب السلالات، لا حسب العمر، بل حسب الطاعة. كل من تردّد، أُبعد. كل من أظهر تردّدًا في عينيه، لم يُسأل، فقط اختفى من الصف. قالت لإحدى قائداتها، بصوت منخفض: "لن نهاجم أولًا." ثم أضافت، بابتسامة خفيفة لا تحمل دفئًا: "سنتركه يعتقد أن القصر صامت." ***

وفي جناحها الخاص، حيث لا يدخل أحد إلا بإذنٍ مباشر، جلست مليكة أمام المرآة. لم تكن ترى وجهها، كانت ترى قطيعها، وترى الذئب الذي يظن نفسه سيد الجبال. همست، وكأنها تخاطب ظلًا لا يُرى: "ألفا حارس، أم ألفا يتوهّم الحراسة؟ ثم نهضت، وأغلقت المرآة بيدها. "ليأتِ بقوته، سأريه معنى أن تُقاوم حتى النهاية." وخارج القصر، كانت الرياح تتغير اتجاهها ببطء، كأن العالم نفسه يستعدون أن تُعلن الحرب بعد.

لم يكن القطيع الذي التفّ حول عوني يشبه أي قطيع عرفته الجبال. لم يكونوا أبناء القصور ولا ورثة الدم النقي. كانوا الطريدة. مصاصو دماء شُرّدوا، لُعنوا، طُردوا من السلالات الكبرى لأن دماءهم لم تكن “نظيفة” بما يكفي، أو لأنهم رفضوا الانحناء في الوقت الخطأ. ظهروا واحدًا تلو الآخر. من أطراف الغابات المحترقة، من الكهوف المنسية، من مدن دفنت أسماءهم في سجلات العار.

حين وصلوا، لم يطلبوا حماية، لم يعرضوا ولاءً. كانوا يعرفون من هو عوني، أحد أسياد مصاصي الدماء، والحارس الذي لا يعترف بالحدود. ركعوا دون أمر، لا أمام قوته فقط، بل أمام حقيقة أنه لم يطردهم يومًا. وقف بينهم، جسده ساكن، عيناه تقرأ الوجوه كما تُقرأ الخرائط القديمة. قال بصوتٍ سمعه الجميع: "من تبعني، لا يعود طريدة." ساد الصمت. ثم ارتفع صوت واحد، خشن، صادق: "نموت خلفك، ولا نُطارد مرة أخرى."

لم يبتسم عوني، لكنه أشار بيده، ومنذ تلك اللحظة، لم يعودوا مشردين. *** جاءت فاطيما إليه عند الفجر، عباءتها تلامس الأرض، عيناها لا تزالان تحملان بقايا الرؤى. قالت بهدوء العرافات: "الطريق المكشوف سيأكلك، لكن تحت الجبال... هناك أنفاق." رفعت يدها، ورسمت بإصبعها خطًا في الهواء، كأنها تفتح ذاكرة الأرض. "أنفاق قديمة، حُفرت قبل أن تولد مليكة، لا تعرفها حراساتها الجديدة، ولا تسمعها جدران القصر." نظر إليها عوني طويلًا.

"هل تخرجني إلى داخل القصر؟ هزّت رأسها. "تُخرجك إلى حدوده، والباقي... لك." أمر بالتحرك. دخلوا الأنفاق بلا ضجيج، لا نباح، لا صدى خطوات. الممرات كانت ضيقة، رطبة، تتنفس تاريخًا من الدم والعظام. مصاصو الدماء الطريدة تحركوا كأنهم يعودون إلى رحمٍ يعرفهم، وعوني في المقدمة. لم يلمس الجدران، لكنه كان يشعر بها ترتجف، كل خطوة كانت إعلانًا غير منطوق: الحارس قادم.

حين خرجوا، لم يكن القصر أمامهم مباشرة، كان هناك الفراغ أولًا، حدود غير مرئية، هواء أثقل من المعتاد. الأرض نفسها بدت مترددة في السماح لهم بالتقدم. توقف عوني، رفع يده، فتوقفت كل الأنفاس خلفه. أمامهم، ارتفع قصر مليكة... أسود، صامت، محاطًا بحراسة لا تتحرك، لكنها ترى. لم يصدر أمرًا بالهجوم، لم يرفع سلاحًا. اكتفى بالوقوف. الحارس لا يقتحم، الحارس يُشعر خصمه بأنه أصبح داخل نطاقه. قال بصوت منخفض، لكنه وصل إلى القصر:

"أنا هنا." وعرف الجميع، في الداخل والخارج، لم تبدأ الحرب بنداء ولا بصرخة تحدٍ، بل بدأت حين فُتح باب القصر الأسود ببطء، وكأن المكان نفسه يعرف أن ساعة الحساب قد حانت. خرج أسياد مصاصي الدماء القدماء واحدًا تلو الآخر، وجوههم جامدة كالأزمنة التي عاشوها، وأجسادهم تحمل ثقل قرون من الدم والقتل والهيمنة. وقفوا أمام عوني في صف واحد، وكانت الأرض تحت أقدامهم تنحني اعترافًا بقِدمهم، بينما الهواء اختنق بثقل حضورهم.

تحدثوا بصوت واحد تقريبًا، أصواتهم متكسرة، لكنها واثقة، يعلنون أن الحارس خطأ قديم يجب محوه، وأن دمه ملوّث، وأن قوته مسروقة من مذابح منسية. لم يجبهم عوني، لأنه لم يكن هنا ليجادل، بل ليُنهي. تقدم خطوة واحدة فقط، وكانت تلك الخطوة كافية ليتمزق الليل وتنفجر الحرب.

اندفع الأسياد عليه بقواهم الكاملة، نيران سوداء، تعاويذ عتيقة، ومخالب صنعتها كراهية القرون، وكل ضربة كانت كفيلة بإبادة جيش كامل. لكن عوني لم يتراجع، لأن الحارس لا يعرف معنى التراجع. ضرب أولهم فسُحقت عظامه وتفكك جسده كأنه لم يكن سوى ظل متجمد، ثم التفت للثاني وأغرقه في الأرض حتى ابتلعته الصخور، أما الثالث فحاول الهرب بقوة قديمة، لكن قبضة عوني سبقته وأنهت وجوده في لحظة.

استمرت المعركة، وسالت دماء عوني لأول مرة، لا لأنه أضعف، بل لأن خصومه كانوا أسيادًا حقيقيين. وفي تلك اللحظة، تحرك ما يسكن داخله. ارتفعت همسات لم يسمعها سواه، أصوات بريئة، مكسورة، أصوات أطفال لم يعرفوا الحياة يومًا. أرواح أطفال البئر، الذين قُدمت دماؤهم قربانًا، والذين سُلبت طفولتهم، استيقظت داخله في اللحظة الحاسمة.

تحول دمه إلى نور قاتم، وظهرت الأطياف من حوله، أيدٍ صغيرة متشابكة، وعيون واسعة لا تحمل خوفًا بل يقينًا. وحين هاجم الأسياد مرة أخرى، لم يصطدموا بجسد، بل بقوة الأرواح المتحدة مع الحارس. احترق أحدهم من الداخل حتى تلاشى، وذاب آخر كالشمع تحت شمس محرمة، بينما حاول ثالث الفرار فشدته الأرواح إلى ظلام لا عودة منه.

ركع أحد الأسياد، لكن الركوع لم ينقذه، فسحقه عوني بقدمه دون كلمة. بقي الأخير واقفًا، يتراجع بعينيه قبل جسده، ولأول مرة عرف الخوف. سأل بصوت مكسور عن ماهية عوني، فجاءه الرد وصوت الأطفال يخرج معه: إنه خطيئتهم التي كبرت وعادت. ضربه عوني ضربة واحدة، ولم يبقَ شيء بعدها.

حين انتهت الحرب، ساد صمت لم يعرفه الجبل من قبل، وسقط عصر كامل في تلك الليلة. وقف عوني وحده، والأطياف من حوله بدأت تخفت، فنظر إليها وأذن لها بالرحيل دون أمر أو قيد. اختفت الأرواح، وبقى الحارس واقفًا بين أنقاض الأسياد، وقد حُسمت الحرب، وبقى هو سيد القوة التي لا تُقهر.

هربت مليكة من داخل القصر، لم يعثر عليها رجال عوني. فاطيما أخبرته أن مليكة ذهبت لطلب المساعدة من مصاصي الدماء الأصليين في كل قلعة دراكولا وأنها ستعود مرة أخرى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...