الفصل 20 | من 28 فصل

رواية القصه واللي كان الفصل العشرون 20 - بقلم رحاب القاضي

المشاهدات
20
كلمة
12,601
وقت القراءة
64 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

فتح يحيي عينيه بانزعاج من ضوء الغرفة، لاحظ ذلك الرداء الطبي الذي يقيد حركة ذراعه، ثم نظر حوله ليعلم أنه بالمستشفى. وجدها تجلس على المقعد بجواره وتحتضن نفسها بذراعيها ونائمة بهدوء. حاول النهوض كي يجلس ولكنه شعر بألم شديد برأسه وجسده، فتأوه بصوت عال. انتفضت هي بفزع مستيقظة، قائلة بقلق: "كويس؟ أجابها بهدوء وهو يغمض عينيه بألم: "أيوه كويس، بس دايخ أوي. هو أنا نايم من امتى؟ مسحت على عينيها بملامح نائمة وأجابته:

"بقالنا يومين هنا، وكأنك مصدقت تنام." نهضت وتابعت بجمود: "روح أناديلك الدكتور يشوفك." تابع هو ذهابها، وبعد قليل عادت للداخل وخلفها ذلك الطبيب الوسيم الذي كان يتحدث معها بابتسامة واسعة. أردف الطبيب وهو يتقدم منه: "الحمد لله على سلامتك يا أستاذ يحي." نظر يحيي إلى سالي بجمود ولم يجب على ذلك الطبيب، فحين تابع الطبيب فحصه ليحي بهدوء. سالي بقلق: "هو ممكن تكون الدوخة دي ارتجاج خفيف يا دكتور سيف؟ أجابها سيف بهدوء:

"لا، موصلتش لكده. هي بس الخبطة كانت جامدة وهو كان نايم، تأثير الألم اللي نتج من كسور جسمه، فده سبب الدوخة. إنما مفيش حاجة خطيرة، متقلقيش." سالي بارتياح: "الحمد لله. وشكراً يا دكتور، تعبناك معانا." أجابها بنبرة جدية: "لا، هنا مفيش شكراً، ده واجبنا. بعد إذنكم." ذهب سيف للخارج، فحين جلست هي على مقعدها مجدداً بصمت. يحيي بهدوء: "هو أنا هخرج من هنا امتى؟ أجابته بجمود: "تقريباً يوم أو اتنين." أردف بخبث:

"سالي، هو انتي زعلانة إني قومت؟ نظرت له بغضب قائلة: "لو هزعل مكنتش فضلت جنبك وأنا بموت من القلق عليك. بس انت مش بيفرق معاك حاجة أصلاً." تنهد بضيق وأردف: "أنا آسف." أجابته بدموع: "آسف على إيه بالظبط؟ على قلقي عليك؟ ولا آسف إنك سبتني ونزلت وأنا شايفة مجرمين محاوطينك من كل ناحية؟ أنا حسيت إني روحي بتتتسحب مني. أنت حطيتني في موقف أنا طلبت منك أكتر من مرة إني مش عايزة أكون فيه. زعلي بيهون عليك أوي يا يحيي." يحيي بضيق:

"إنتي عارفة حياتي من الأول و.." قاطعته بحدة: "لا، مكنتش أعرف. مكنتش أعرف إني ممكن في لحظة كل حاجة تنتهي بسبب تسرعك وأنانتك وإنك مش شايف إن في حد وراك. لو انت جرى لك حاجة هيموت عليك. مكنتش أعرف يا يحيي." نظر لها مطولاً وأجابها: "واهو عرفتي."

كانت نظراته لها جامدة بمعنى ماذا تريدين أن تفعلي، ولكن بداخله يموت رعباً من الذي سوف تتحدث به. ابتسمت هي بسخرية ونظرت للجهة الأخرى بصمت ودموعها تهبط على وجنتيها بلا توقف. كاد أن يتحدث ولكن صدح صوت طرق خفيف على باب الغرفة، وتابعه دخول صفية، ولكنها كانت بهيئة مختلفة وهي ترتدي فستاناً بأكمام طويلة ضيق بعض الشيء يصل لمنتصف ساقها من اللون الرمادي، وتترك شعرها البني ينفرد على ظهرها لتبدو رائعة للغاية. ابتسم يحيي بهدوء وهو ينظر لها، فحين رمقته سالي بغيظ.

صفية بهدوء: "ألف سلامة عليك يا يحي. معلش جات متأخرة، بس انت عارف الظروف." يحيي بهدوء: "الله يسلمك. وأنا اللي معلش، معرفتش أكمل اللي اتفقت معاكي عليه." أجابته بجدية: "لا، أنت كده كتر خيرك أوي. أنا بخلص كل حاجة فاضلة لوحدي." سالي بغيظ: "هو في إيه وانتوا بتتكلموا عن إيه بالظبط؟ يحيي بهدوء: "بعدين أبقى أحكيلك." رمقتها سالي من أعلى لأسفل قائلة بسخرية: "بس إيه التغيير ده كله يا صفية؟ صفية ببرود: "أديكي قولتي تغير، عقبالك."

سالي بابتسامة صفراء: "لا شكراً، أنا مش محتاجة أغير حاجة فيا عشان ألفت نظر حد." مسح يحيي بيده السليمة على وجهه بنفاذ صبر من غيرة سالي المبالغ بها من وجهة نظره. أردفت صفية بهدوء: "أنا مش هرد عليكي احتراماً ليحي واللي عامله معايا. بس مش لايق عليكي تتكلمي بالطريقة دي يا دكتورة." قطع حديثهم مجدداً صوت طرق على باب الغرفة، فأذنت سالي لمن يطرق بالدخول، وكانت الصدمة حليفتهم جميعاً عندما وجدوا عمر عزام يقف أمامهم.

يحيي بنفاذ صبر: "أنا إيه اللي خلاني أقوم بس ياربي." عمر بسخرية وهو ينظر لصفية: "أي ده! ده الحبايب كلهم هنا." يحيي بجمود: "خير، عايز إيه؟ أبعد عمر نظراته عن صفية التي ظهر عليها بعض الخوف، وأردف بهدوء: "جاي أطمّن عليك يا يحي، ونتكلم سوا كلمتين." يحيي بهدوء لسالي التي كانت تنظر له بقلق: "سالي، خدي صفية وخليها تشرب حاجة في الكافتيريا تحت." سالي بقلق: "مش هينفع أسيبك، أنت تعبان." مالت عليه وهمست له بهدوء:

"عشان خاطري المرة دي، خليه يمشي وخليني معاك." ابتسم لها بهدوء وأجابها: "أوعدك والله المرة دي مش هيحصل حاجة. عشر دقايق وتعالي." لكمته بهدوء في ذراعه السليم، وذهبت للخارج وخلفها صفية تحت نظرات عمر المتابعة لها. عمر وهو يجلس على المقعد بحوار فراش: "بيحبك أوي المدام وخايفة عليك." يحيي بجمود: "قول اللي عندك وخلصنا." عمر بجدية:

"اللي بيعجبني فيك يا يحي، إنك مش بتخاف من حد ومش بتعمل حساب لحد وواثق في نفسك. وعشان كده جيتلك بنفسي." يحيي بهدوء: "وعايز إيه بقى؟ عمر بثبات: "فخري اعتبره عندي في المخزن، هيلمّهولك هو ورجالته، واعمل فيهم اللي عايزه. والمبلغ اللي عايزه هتاخده، بس تبقى معايا." ابتسم يحيي بسخرية وأجابه: "انت جاي تعرض عليا أبقى معاك في وقت م السوق كله مضروب والبضاعة عمالة تتسرق ومنعرفش مين اللي بيعمل كده." عمر بجمود:

"ده وقته اللي بيحصل. ده بيقلل من مندور في السوق. ولو ممسكتش الفرصة دي مش هلاقي غيرها عشان أبقى الكبير على الكل." يحيي بخبث: "معنى كلامك ده إنك إنت اللي بتعمل كده عشان توقع مندور وتبقى الكبير؟ عمر بثبات: "لو أنا اللي بعمل كده مش هتدارى. مش طريقتي إني أتخبى، أنا بضرب في الوش على طول. بس منكرش إن اللي بيحصل في مصلحتي. ووقت ما ألاقي حد بيأذيني هوقفه بطريقتي. ها، إيه رأيك؟ هتبقى معايا ولا مع مندور اللي في آخر أيامه؟

يحيي بهدوء شديد: "اسمع يا عمر، أنا لو بحترم مندور ومكبره، فده عشان ليه خير عليا كتير، وراجل كبير في مقام أبويا، ويعتبر متجوز واحدة من بناته. إنما أنا محدش كبير عليا، لا أنت ولا هو ولا أي حد خلقه ربنا يقدر يعمل كبير عليا." عمر بغيظ: "يعني ده آخر كلام عندك؟ يحيي بجمود: "أيوه. وشكراً على الزيارة دي، تتردلك قريب إن شاء الله." نهض عمر وأردف بحدة: "إنت حر، بس مترجعش تبكي لما تضلم على الكل وأولهم إنت."

كاد أن يدلف للخارج ولكنه استدار له مجدداً وتابع بجمود: "خليك بعيد عن صفية يا يحي، ومش معنى إني طلقتها إنها متخصنيش." يحيي بنبرة غاضبة: "صفية استنجدت بيا وحمايتي، ولو قربتلها يا طليقها، هيبقى بينا مشكلة جديدة. وأظن أنت في غنى عن أي مشاكل من ناحيتي." عمر بغضب: "اللعبة كبرت بيني وبينك، والشاطر اللي يكسب." ذهب عمر للخارج، فحين تنهد يحيي بضيق وقلق، يعلم بأن القادم سيكون صعباً للغاية ويجب أن يتوخى الحذر في كل تصرفاته.

على الجانب الآخر، كانت تجلس صفية أمام سالي في تلك الكافتيريا الخاصة بالمستشفى. صفية بهدوء: "يحيي من لما خطبك وهو مش بيجيلي ولا بيتكلم معايا في حاجة غير المصلحة. وعمره ما خانك بكلمة ولا بنظرة حتى." سالي بحدة: "مش مستنية، تقولي على تصرفات جوزي." صفية بسخرية: "ومال لازمتها إيه الحركات اللي بتعمليها دي؟ أنا كنت قدامه وأنتي كمان، وهو اختارك إنتي." سالي بغضب: "وإنتي مش سايباه في حاله؟ ولا أفكرك عملتي إيه يوم كتب كتابنا؟

ولا حركاتك إنك تقربي منه؟ صفية بهدوء: "أنا فعلاً حاولت أبعده عنك وأخليه ليا عشان حبيته بجد وسلمتله نفسي وكل حياتي من غير ما أفكر في حاجة." نظرت لها سالي بغيظ، فتابعت صفية بدموع:

"بس هو محبنيش وحبك إنتي واتجوزك إنتي. ولما حاولت أبعده عنك، أثبتلي أكتر من مرة إنه حبك بجد ومبسوط معاكي مش معايا، فسكت وسيبته خلاص. ولو على اللي مخليني قريبة منه اليومين دول، فهو عشان جوزك جدع وبيساعدني. باع ليا القهوة للمعلم راضي بمبلغ كويس، مكنتش هعرف أبيعها بالمبلغ ده لوحدي. وكمان مرضيش يخليني أبيع بيت أبويا وجابلي محل تاني في حتة نضيفة وحلوة وبشتغل أهو عشان أعمله كافيه، وبعدين هشتري شقة وأظبط حالي وأخد أختي اللي شوقي زاللها وكاسر عينها وأمشي من الحتة كلها ونبقى لوحدنا بعيد عن أي حاجة وجعتنا وتعبتنا فيها، نعيش في حالنا بقى."

تابعت وهي تمسح دموعها: "أنا اتوجعت فوق ما تتخيلي يا سالي. كل مرة كنت ببين فيها قوية قدامك أو قدام غيرك، أنا كان من جوايا بكون أضعف من أي عيل صغير. وخوفي من عمر عزام هو اللي خلاني ألجأ ليحي عشان يساعدني من غير ما يقفلي زفت الطين ده زي الشوكة في الزور." سالي بحزن على حال تلك الفتاة: "اللي حصل حصل يا صفية. أنا هطلع أشوف يحي." صفية بهدوء: "وأنا همشي. وحقك عليا في أي كلمة أو موقف ضايقتك فيه."

ذهبت صفية للخارج من أمامها، فحين تنهدت سالي بضيق من تعاطفها معها، فهي تغار منها على زوجها وبقوة. وفي ذلك الوقت شفقت عليها من ما فعلته بها الحياة التي لم ترحم أحد. دلف شوقي لمنزله وهو غاضب بقوة، ليجدها تجلس مع صغيره ويشاهدون أحد البرامج الطفولية. شوقي بغضب: "يوسف، ادخل أوضتك عشان هتكلم مع ماما لبنى شوية." أخذ الصغير بعض ألعابه وذهب لغرفته، فحين جلس شوقي أمامها قائلاً بغضب: "أعمل فيكي إيه؟ يعني ضرب وضربتك؟

شتيمة من يوم ما اتجوزتك وأنا مهزأ اللي جابوكِ لحد ما اتعودتي. أعمل فيكي إيه؟ أجابته ببرود: "اختصرني، لا تكلمني ولا أكلمك، وكده هنريح بعض." شوقي بحدة: "أنا مش قولت زفت الطين الهام متشوفش الواد؟ بتاخديه من ورايا وتخليها تشوفه؟ إيه البجاحة دي؟ لبنى بهدوء: "مقدرش أحرم أم من ابنها." أردف بسخرية لازعة: "وانتي إيش فهمك إنتي في الحاجات دي؟ نظرت له بدموع وألم، فتابع هو بقسوة: "ولا من امتى الحنية دي مع الهام؟ أجابته بغضب:

"من يوم ما بقتش تفرق معايا يا شوقي. أصل لما فكرت فيها كويس لقيت إنك متستاهلش أعذب وأنكد على البنت الغلبانة بسببك." شوقي بغيظ: "هو أنا ليه مش قادر أطلقك؟ إيه اللي مانعني؟ ده إنتي بقيتي فقر ولا ليكي أي لازمة؟ حتى لما بطلب حاجة بتعمليها وإنتي قالبة خلقتك وحقوقي الزوجية مش بتديها لي، فإيه اللي جابرني أخليكي على ذمتي؟ مش عارف." أجابته بسخرية: "عياقة مخليني على ذمتك؟ عياقة يا خويا." شوقي بغضب:

"هي كلمة يا لبنى، لو عرفت إنك خليتيها تشوفه تاني، والله ما هخليكي تلمحي ضفر يوسف تاني. واتعدلي عشان أنا على آخري منك." نهضت وأجابته بجمود: "أنا رايحة أنام شوية، تحب أجهزلك الغدا ولا هتجهز لنفسك؟ أجابها بحدة: "هو بعد ما شفت خلقتك دي هيبقى ليا نفس آكل." قالت وهي تذهب لغرفتها: "طيب كويس إنها بسد نفسك عن الأكل، يارب دايماً." خلع حذاءه وألقاه عليها، فركضت كالعادة لغرفتها بخوف منه. وفي اليوم التالي صباحاً.

دلفت نور خارج غرفتها عندما صدح صوت طرق على باب المنزل. وضعت حجابها وفتحت الباب لتجده يقف أمامها وهو ممسك ببعض ملابسه وإحدى علب الصابون. نور بجمود: "عايز إيه؟ خالد بنبرة مشاكسة: "عرفت إنك قاعدة لوحدك، أمك في السوق وأبوكي في المصنع وسالي عند يحي في المستشفى ومرزوقة فوق بتنضف شقتهم." دفعها بهدوء ودلف للداخل وأغلق الباب خلفه وتابع بغمزة مرحة: "فقولت أنزل أستحمى هنا." نور بصدمة وغضب منه: "نعم ياروح أمك! هتعمل إيه؟

صفعها على كتفها بقوة قائلاً بثقة: "هستحمى. خدي بقي الليفة دي وتعالي ورايا عشان تلّيفيلي ضهري." ذهب من أمامها باتجاه المرحاض، فحين وقفت هي تنظر له ببلاهة، هل هذا يتحدث بجدية الآن أم ماذا يفعل. صاحت فيه بغضب: "خد يا أداة يا عبيط! إنت رايح فين؟ غور اطلع بره أحسنلك." خالد بابتسامة واسعة: "إيه يا نور؟ هو إنتي مش مراتي؟ يلا تعالي ورايا." خلع التي شيرت أمامه، فشُهقت بخجل واستدارت للجهة الأخرى. وأردفت بغضب:

"والله يا خالد لو محترمتش نفسك ومشيت لهفضحك في الشارع كله." احتضنها بهدوء وهمس لها بصوت هادئ: "متتبقيش بومة ويلا عشان نستغل الوقت." انتفضت بخجل وحاولت الابتعاد عنه قائلة بتوتر شديد: "نستغل الوقت لإيه بالظبط؟ إنت اتجننت يا خالد؟ كتم ضحكاته وأردف بنفس نبرته: "نستغل الوقت في إني أستحمى يا مراتي." لكمته بزراعها بقوة في بطنه، فابتعد عنها متألماً، فحين ركضت هي وأمسكت بتلك المزهرية قائلة بغضب شديد:

"والله يا خالد لو مطلعش بره لهفتح دماغك بيها." خالد وهو يقترب منها بخبث: "طيب، بوسة واحدة." نور بخجل شديد وهي تتراجع للخلف: "هضربك يا خالد والله." تابع هو بغمزة مرحة: "طيب، حضن." نور بغيظ: "مستحيل، واحترم نفسك أحسنلك." خالد بغيظ: "طيب، امسك إيدك، أي حاجة. أنا بقالي سنين مستني اللحظة دي." أردفت بغضب وخجل شديد: "البس هدومك وامشي قبل محد يجي أحسنلك، وروح يا سكر لحبيبة القلب اعمل معاها اللي عايزه." خالد بخبث:

"طيب، أروح للحرام ليه وأنا عندي الحلال؟ نور بغضب شديد: "امشي يا خالد بقولك." اقترب منها قائلاً بجدية: "مش همشي يا نور." ولكن قبل أن يقترب منها ألقت عليه تلك المزهرية، فانحنى هو بجزعه العلوي سريعاً للأمام لترتطم بالحائط. نظر لها خالد بصدمة قائلاً: "دي كانت هتيجي فيا ي مجنونة." نور بغضب وهي تمسك بمزهرية أخرى أكبر منها: "إنت لسه شفت جنان؟ بقول اطلع وإلا والله المرة دي هخبطها فيك." ذهب وأمسك التي شيرت وارتداه قائلاً

بغيظ: "ماشي يا نور، بس إنتي الخسرانة." نور بغضب: "أنا هبقى خسرانة لو طاوعتك في اللي عايزه." أردف بحدة: "فكرة إنتي مراتي ومستعد آخد منك اللي عايزه غصب عنك، بس أنا بحبك يا حيوانة وهسيبك براحتك." نور بفضول: "مراتك دي على الورقة اللي معاك، إنما مش هتطولي مني شعرة واحدة طول ما أنا مش فهماك ولا عارفة عنك حاجة كده. أنا بجد حساك غريب عني وواحد معرفوش." اقترب منها بهدوء قائلاً:

"أنا خالد يا نور، ولو اتغيرت مع الدنيا كلها، باجي عندك إنتي وبكون خالد وبس، من غير ما أكون خالد اللي شغال مع أبوكي واللي بيعرف جيدا، ولا أي حاجة. ببقى خالد بتاع نور وبس." نور بدموع: "وأنا مش تحت رحمة مزاجك؟ تبقي معايا لوحدنا بحال، وقدام الناس تبقي بحال تاني؟ وطول ما إنت كده هتفضل بعيد عني." أجابها بجمود: "براحتك يا نور، بس إنتي مراتي قدام الكل وغصب عن أي حد." آتي ليغادر، فاردفت هي بهدوء: "استنى." ابتسم باتساع واستدار

لها وهو يتصنع الحزن: "استنى لي؟ مش إنتي مش عايزاني؟ نور بخبث: "آه مش عايزاك، بس نسيت الليفة بتاعتك، خدها." أجابها بغيظ: "خليها لكِ يا نور، نضفي بيها قلبك من ناحيتي." ذهب للخارج وصفع الباب خلفه بغضب، فضحكت هي بقوة. قائلة لنفسها بخبث: "إنت اللي بدأت يا خالد، واللي ميزعلش."

وفي مكان آخر، ذهبت مي إلى ذلك الكافيه ووجدت محمد يجلس على طاولة ما منعزلة ويبدو عليه الحزن والإرهاق بقوة. تنهدت بضيق، كانت تود أن لا تأتي، ولكن نبرته الحزينة عندما أخبرها أنه يريد أن يراها كثيراً وأنه بحاجة لها، جعلتها ترمي بكل كبريائها أرضاً وجاءت إلى هنا. والآن هيئتها جعلت قلبها يتألم أكثر. ذهبت له وجلست أمامه قائلة بهدوء: "نعم يا محمد، في إيه؟ نظر لها بدموع متحجرة وأردف:

"شكراً إنك جيتي، بس أنا مليش غيرك أقدر أكون معاه دلوقتي." مي بقلق: "في إيه يا محمد؟ مالك؟ هبطت دموعه وأجابها بنبرة باكية: "ابني مات يا مي، مات بسببي، مات بسبب غبائي وعصبيتي، مات من خوفه مني." انتفضت بفزع من ما تفوه به قائلة بعدم تصديق: "إنت بتقول إيه يا محمد؟ إزاي تعمل كده؟ محمد ببكاء مرير:

"أنا اللي أستاهل كل ده من البداية. أنا اللي اتجوزت فرح وهي مبتحبنيش وبتحب واحد غيري. أخدتها غصب عنها عشان أرد كرامتي وكبريائي من رفضها ليا، وعشان أكسرها زي ما كسرتني، دمرتها. وفضلت دايماً بشك فيها وبضربها وبهينها، ومكنتش باخد بالي إني بعذب ابني معاها. أنا حاولت أبقى كويس معاها وأتعامل كزوج كويس، بس أنا وحش، أنا واحد حقير وفضلت قاسي عليها. وآخر مرة هي مكنش قصدها حاجة، أنا اللي ظلمتها كالعادة وطلعت غيظي وحقدي وأنانتي

عليها. والنتيجة ابني كان هينتحر عشان خايف على مامته، وأنا بغبائي بدل ما أطمّنه، خوفته أكتر، خليته اتنفض ووقع اختفى من قدامي في لحظة. في لحظة واحدة كان ابني واقع على الأرض غرقان في دمه بسببي. نظرة الخوف اللي كانت في عينيه مش مفارقاني. نظرة اللوم اللي في عينين فرح ليا وهي بتقولي إنت السبب، إنت اللي موته، بتقتلني من جوه. أنا كرهت نفسي، أنا مستاهلش أتحب حتى من نفسي، أنا مستاهلش كريم، عشان كده هو راح مني."

كانت تستمع له ودموعها تهبط بصمت، وقلبها الصغير يتألم بقوة على ما يحدث لذلك الرجل الذي تعشقه بكل ما فيه من نور أو ظلام. هو الآن يخبرها أنه لا أحد يحبه حتى نفسه، ولكن ماذا عنها وهي لا تستطيع كرهه أو نسيانه حتى. أمسك يدها قائلاً بنبرة مليئة بالرجاء: "متسبنيش المرة دي يا مي، أنا مليش غيرك دلوقتي، عشان خاطري خليكي معايا."

دون أي مقدمات احتضنته بقوة، فضمها هو أكثر له، متناسياً أين هم، دفن وجهه داخل أحضانها واستسلم لبكائه وهو يغمض عينيه. شعر وكأنه الآن ذلك الطفل الصغير الذي كانت تعنفه والدته على عدم حصوله على الدرجة النهائية وحصول صديقه عليها، وتارة أخرى وهي تقوم بمعايرته بأصدقائه الأفضل منه، وتارة أخرى بأنها تخبره أنه يجب أن يكون الأفضل ويحصل على كل شيء، وأن تركه شيء سوف يدمره ولا يجعل لأحد الحصول عليه. رأى أمامه ذلك الطفل الصغير الذي كان يبكي بغرفته يريد أن تحتضنه والدته وتخبره أنها بجانبه وتحبه وتتقبله دون تصنع ودون نجاح. تقبله بكل شيء، ولكنه الآن يحتضنها ويفرغ كل تلك الآلام التي يكتمها بداخله.

بكاؤه ابتعدت عنه وأردفت ببكاء وابتسامة حزينة: "أنا معاك والله مهسيبك. إنت مراتك فين دلوقتي؟ مسح دموعه وأجابها بحزن: "مامتها جات من المنيا وأخدتها وقاعدين عند بيت أخوها. وأنا قاعد في أوتيل مش طايق الشقة ولا الشارع كله مش عارف أعدي فيه. أصلاً المرة دي أنا هطلقها ومش عشاني عشانها هي. هي مش هتقدر تعيش مع واحد كان سبب في موت ابنها الوحيد. والمرة دي مش هجبرها عليا ولا على أي حاجة، كفاية أوي كده." أردفت

بهدوء وهي تتمسك بيده بقوة: "كل حاجة مع الوقت هتتحسن. وابنك نصيبه كده. إنت كنت سبب في اللي حصل، بس اللي حصل ده كله ليه سبب برضو من ربنا عشان تفوق يا محمد وتصلح من نفسك وتروح لربنا، وإنت كويس وهناك هتلاقي ابنك مستنيك وهيسامحك." ابتسم لها بحزن قائلاً: "إنتي لسه بتحبيني يا مي؟ ابتسمت له مزامنة مع هبوط دموعها وأجابته: "إنت لو بصيت ورايا هتلاقي كرامتي عمالة تلطم على اللي جوايا ليك دلوقتي."

ضحك بهدوء رغماً عنه، وأخذ يتحدثان سوياً، وحاولت هيشتى الطرق أن تهون عليه جرحه وألمه، ولكن هذا الجرح يبدو أنه سيظل نقطة سوداء بحياته. وفي المساء، وصل ياسين إلى ذلك الحي الخاص بمندور العشري. أخذ يحاول أن يتذكر مكان منزل مندور، فهو لن يأتي إلى هنا إلا مرة واحدة، فأصبح غير متذكر مكان المنزل بالتفصيل. ياسين بضيقه: "هو كان هنا، بس فين بقى؟

أمسك رأسه بألم، ثم لاحظ تلك الصيدلية التي توجد في منتصف الحي، ذهب إلى هناك ليجد أميرة تقوم بوضع بعض الأدوية بمكانها غير منتبهة لدخوله. فأردف هو بهدوء: "لو سمحتي، عايز برشام مسكن صداع." استدارت له أميرة وأجابته بهدوء: "حاضر." ابتسم ببلاهة قائلاً: "لا خلاص، الصداع راح." أميرة بعدم فهم: "نعم؟ يعني حضرتك عايز برشام دلوقتي ولا لا؟ ياسين بمشاكسة:

"والله أنا كنت داخل مصدع ومش شايف قدامي وجاي آخد مسكن، بس طلتك البهية دي أجدع من أي مسكن." نظرت له بغضب قائلة: "اطلع بره." ياسين بهدوء: "أهدي طيب، هو أنا عملتلك حاجة؟ وبعدين إنتوا بتعاملوا ضيوفكم كده؟ أجابته بحدة: "والله الضيف المحترم بنشيله فوق راسنا، إنما اللي مترباش، فلو مطلعش بره، هقلع اللي في رجلي وأنزلها على دماغه." ابتسم باتساع قائلاً: "قمر بس شرسة." تنهدت بقوة قائلة بغيظ:

"اطلع بره أحسنلك، بدل ما والله مهتطلع على رجلك. إيه البلاوي دي اللي على المسا؟ ياسين بهدوء: "يا ستي هطلع خلاص، بس سؤال؟ أميرة بحدة: "معرفش، واتفضل امشي." ياسين بغيظ: "جرا إيه يا بت! إنتِ أنا عندي استعداد دلوقتي أجيب الدكتور اللي مشغلك وأخليه يطلعك إنتي بره." أميرة بحدة: "تمام، اعمل كده يلااا ونشوف مين اللي هيزعل." ياسين بهدوء: "هو أنا قولت إيه عشان تتعصبي كده؟ أومال لو قولتلِك إنك زي القمر وعسل و...

قبل أن ينهي حديثه، صمت عندما ارتطمت يدها بوجهه وصفعته بقوة، فأحتدت ملامحه بغضب، وقبل أن يتحدث بشيء، دلف خالد للداخل. قائلاً بقلق: "إيه يا أميرة؟ تابع وهو ينظر لياسين: "إنت بتعمل إيه هنا يا ياسين وجيت إمتى؟ أميرة بغضب: "إنت تعرف الحيوان ده يا خالد؟ خالد بحدة: "حيوان! هو عملك حاجة ولا إيه؟ ياسين بغضب مكتوم:

"ولا عملت أي حاجة يا عم. أنا جيت أطمّن على يحي أخويا بس نسيت مكان البيت بالظبط وعندي صداع، قولت آجي هنا أجيب برشام وأسأل عن مكان البيت، فدخلت لقيت الآنسة بتظبط في الحاجة، مرضيتش أزعجها. شوية والصداع راح، فبقولها خلاص مش مصدع، قامت زعقت وفكرتني بعاكسها." أميرة بعدم تصديق وغيظ: "ده إنت مكانك السينما مش هنا بجد." خالد بجمود: "خلاص يا أميرة، حصل خير. هو ميّعرفش المكان هنا." تابع وهو ينظر لياسين:

"تعالى ورايا يا عم، أوديك لأخوك." ياسين بخبث: "طيب، دقيقة هاخد برشام صداع." خالد بغيظ: "إنت مش قولت الصداع خف؟ نظر لها ياسين بغيظ وأجابهم: "هو رجع تاني من كتر القسوة." خالد بنفاذ صبر: "معلش يا أميرة، اديله برشام صداع." صدح رنين هاتف خالد، فذهب للخارج كي يجيب عليه، فحين تنهدت أميرة بضيق وذهبت لتحضر له ما طلب تحت نظراته الغاضبة لها. وضعت أمامه البرشام قائلة بجمود: "اتفضل." ياسين بغضب:

"خليكي فاكرة القلم يا أميرة، وإن الموضوع مخلصش هنا." أجابته بسخرية: "يا ماما خوفت. هروح ألم هدومي وأطفش من الحتة بقى عشان موضوعك اللي مخلصش." دلف في ذلك الوقت رجل إلى الصيدلية واردف بهدوء: "عايز العلاج اللي في الروشتة دي يا دكتورة أميرة." أميرة بابتسامة رقيقة: "حاضر يا حج عبده. وألف سلامة عليك." عبده بهدوء: "الله يسلمك ويراضيكي يا بنتي." نظر لها ياسين بتعجب واردف: "وكمان طلعتي دكتورة." استدارت له أميرة قائلة بغيظ:

"إنت لسه واقف هنا ليه؟ خالد مستنيك بره." ياسين بابتسامة صفراء: "نسيتي تاخدي تمن البرشام." أخرج لها بعض النقود ووضعهم أمامها وذهب للخارج، فتنهدت هي بضيق من ذلك المتطفل، وأخذت تحضر علاج ذلك الرجل، وتلقائياً ما ابتسمت بهدوء وهي تتذكر ما حدث منذ قليل. خالد وهو يسير معه باتجاه منزل مندور: "إنت مين قالك على اللي حصل؟ ياسين بهدوء:

"سالي قالتلي. وأنا مقولتش لحد في البيت واتحججت بإن جاي أخلص حاجة في رسالة الماجستير هنا وجيت أطمّن على يحي." خالد بجدية: "طيب كويس ومقولتش لحد. كانوا هيقلقوا على الفاضي." ياسين بمرح: "يقلقوا بس ده كان زمانهم جايين في دليلي دلوقتي." خالد بابتسامة هادئة: "يعم كانوا نورونا." تابع وهو يعطيه مفتاح شقته: "خد المفتاح بتاع شقتي. أول ما تطمن على أخوك ابقى روح شقتي نقعد سوا. وسيب أخوك ومراته براحتهم." ياسين بهدوء:

"ملوش لزوم. أنا أصلاً همشي كمان شوية عشان شغل الورشة والحج والبيت لوحدهم." خالد بجدية: "عيب الكلام ده والله. بات النهارده وبكرة أمشي." ياسين بهدوء وهو يذهب داخل المنزل: "ماشي يا خالود، شكراً." دلف ياسين للداخل، ثم ذهب لشقة أخيه، فتحت له سالي الباب ورحبت به جيداً، ثم أخذته إلى غرفة يحي. ياسين وهو يحتضنه بقوة: "سلامتك يا غالي. تتقطع إيد اللي عمل فيك كده." يحيي بالما: "وعاي يا زفت! إيه مش شايف إيدي المكسورة؟

ياسين وهو يكتم ضحكاته: "واحشني يا عمم." سالي بضحكة هادئة: "روح أعملك حاجة تشربها يا ياسين لحد ما أكمل تجهيز العشا." ذهبت سالي للخارج، فذهب ياسين وجلس بجوار شقيقه. قائلاً بجدية: "خليل ساب المنيا وأخد أمه معاه. شكله مش ناوي يرجع تاني." يحيي باهتمام: "قصدك إنه هيعيش هنا في القاهرة يعني؟ ياسين بهدوء:

"مش عارف، بس تقريباً أيوه. وكمان الواد صاحبي اللي أبوه لواء هنا، لما قولتلُه يجيبلي آخر أخبار محمد البحيري زي ما أنت قولتلي، قالي إنه اتنقل أسيوط في حتة كلها تار ومشاكل." يحيي بتفكير: "إزاي ده؟ محمد يعتبر شغال مع عمر عزام. إزاي يبعتوه الصعيد؟ أومال مين اللي بقى معاهم هنا؟ يلسين بعدم فهم: "مين عمر عزام ده؟ يحيي بشرود: "خليل نقل القاهرة وهيستقر هنا. ومحمد اتنقل أسيوط. يبقى الاتنين قلبوا على بعض بقي." ياسين بغيظ:

"يعم فهمني، إنت بتتكلم في إيه؟ يحيي بهدوء: "متشغلش بالك إنت. أنا فهمت اللي فيها." ياسين بجدية: "طيب المهم بقى، أنا عايز أتّجوز." يحيي بابتسامة هادئة: "طيب والله كويس. اتجوز يا عم، بس مين اللي أمها داعية عليها دي؟ ياسين بابتسامة واسعة: "واحدة من هنا من المنطقة دي. أنا معرفش غير اسمها ومكان شغلها بس، والباقي عليك." يحيي بغيظ: "هو بعيد إنك عايز تشغلني خاطبة؟ إنت تعرف مين هنا ولا جيت كام مرة عشان تلحق تبص على البنات؟

لا وكمان نقيت عروسة." ياسين بقلق: "والله العظيم مبصيتش على بنات. هي وحدة بس خطفتني كده من أول قلم." يحيي بضحكة هادئة: "هي كمان فيها قلم؟ اسمها إيه دي وشغالة فين؟ ياسين بابتسامة هادئة: "أميرة، وهي دكتورة في الصيدلية اللي تحت." اختفت ابتسامة يحيي وأجاب شقيقه بجمود: "إنسى يا ياسين." ياسين بضيق: "في إيه يا يحي؟ البنت باين عليها غلبانة ومحترمة؟ ولا في حاجة تاني؟ يحيي بجدية:

"لا، مفيش حاجة تاني. وهي الحتة كلها هنا تشهد على أخلاقها وإنها بنت ناس محترمين. بس أمك لو انطبقت السما على الأرض مش هتجوزك دي." ياسين بغيظ: "ليه يعني؟ مالها دي؟ دي حتى دكتورة وحلوة، وأديك قلت أخلاقها كويسة وأهلها كويسين. مش هتوافق ليه؟ يحيي بجمود: "لأن أمك لو عدت حتة إنها أكبر منك بـ 3 أو 4 سنين، مس هتعدي ولا هتوافق تخليك تتجوز واحدة أرملة." تهجمت ملامح ياسين قائلاً بعدم تصديق: "أرملة دي؟ أرملة؟ يحيي بهدوء:

"إنت خلي أمك تنقيلك عروسة حلوة." ياسين بجمود: "وفيها إيه أرملة؟ ده قضاء وقدر. مفيش مشكلة معايا." يحيي بضيق: "ياسين، طلع الموضوع من دماغك، إنت فاهم." دلفت في ذلك الوقت سالي وهي تحمل بعض العصائر على الحامل المعدني، ووضعتهم أمام ياسين قائلة بهدوء: "اشرب العصير لحد ما أجهزلك العشا عشان تتعشى معايا أنا ويحي." نهض ياسين وأجابها بجمود:

"لا شكراً يا سالي. أنا بس تعبان من المشوار وهروح أرتاح شوية. خالد اداني المفتاح، هروح أرتاح عنده." سالي بقلق وهي تنظر ليحي: "لا مينفعش، أتعشى الأول و... يحيي بهدوء: "سيبيه يا سالي براحته." تابع وهي يرمق أخيه بجمود: "وإنت بطل تسرع واوزن الأمور قبل ما تاخد فيها قرار." نظر له ياسين بضيق ثم ذهب للخارج. سالي بقلق: "هو في حاجة حصلت؟ إنتوا اتخانقتوا ولا إيه؟ يحيي بهدوء: "مفيش حاجة يا سالي." أومأت برأسها قائلة بجمود:

"طيب أجهزلك العشا دلوقتي ولا كمان شوية؟ أجابها بهدوء: "كمان شوية. وتعالي باتي هنا يا سالي، ومتروحيش تنامي في الأوضة التانية." تنهدت بضيق قائلة: "عشان تبقى على راحتك." اعتدل في جلسته قائلاً بحدة: "فكرة إني اعتذرتلك بدل المرة عشرة على اللي حصل، وإنتي برضه لسه لاوية خلقتك عليا وبتتهربي من أي حاجة أكلمك فيها." نظرت له بحدة قائلة: "وإنت عايزني أتكلم؟ أجابها بهدوء: "أيوه، على الأقل أعرف مالك وأنا عملت إيه؟ أردفت بحدة:

"إنت مش عارف إنت عملت إيه؟ بعيد عن اللي حصل لك ده وإنه عدى، إنت طول الشهور اللي عدت مكنتش بتسأل عليا، بس كنت مشغول مع صفية ومهتم بيها، مع إني أنا اللي كنت محتاجة الاهتمام ده وأنا في بداية حملي الأول وبحس بحاجات غريبة. ومش هقولك بقى كام مرة تعبت واتمنيت بس تيجي تطمن عليا. وضحكت عليا وقولتلي إنك نسيت فرح وكان ماضي، وأول ما شفتها وقدام جوزها نسيت إني موجودة معاك أصلاً. تحب أقولك قلت اسمها كام مرة وإنت تعبان في المستشفى؟

أنا لو قاعدة معاك لحد دلوقتي، فهو عشان إنت تعبان. إنما بعد ما تخف، فكل واحد فينا يروح لحاله ونخلص القصة دي، عشان أنا مش هقعد مع راجل في حياته مليون واحدة غيري وعايش معايا وقلبه مع واحدة تانية." ابتسم بسخرية غاضبة قائلاً بحدة: "لا، وكمان مخططة هتعملي إيه؟ وأنا اللي فاكرك زعلانة شوية وهتتراضي، بس الله وأكبر عليكي، وخدة القرار من بدري." سالي بجمود: "بلاش تريقة يا يحي، وخلينا نخلص الموضوع من غير ما نزودها على بعض."

صاح فيها بحدة: "موضوع إيه اللي يخلص يا سالي؟ بطلي تفسري كل حاجة على مزاجك، ومش في كل مشكلة هتحصل بينا تقوليلي نطلق، وفكري إننا كمان كام شهر هيبقى بينا طفل، ولا إنتي مبتفكريش غير في نفسك وبس." أجابته بغضب: "أنا اللي بفكر في نفسي وبس. هو إنت ليه مبتحطش نفسك مكاني؟ ولا إنت عاجبك اللي أنا فيه؟ اهو لاقي حد خايف عليك وبيهتم بيك كزوجة وخلاص، تروح وتعمل اللي إنت عايزه وهي هتروح فين؟

ماهي مرزوعة. تفضل مخلص لحبك القديم وهي تحط جزمة في بوقها وممنوع تتكلم عشان متبقاش غبية وأنانية." تنهد بضيق قائلاً:

"اسمعي يا سالي، أنا آخر مرة هقولك الكلام ده. فرح كانت حكاية وراحت لحالها. مش هكدب وأقولك مبحبهاش ونسيتها، بس هي حكاية وخلصت. صفية بقى، دي واحدة استنجدت بيا وأنا ساعدتها، وأقسم بالله مفي كلمة اتقالت بينا بعيد عن الشغل والحاجة اللي كنت بساعدها فيها. إنما بقى إني عايش معاكي وقلبي مع غيرك، فده ملوش تفسير غير إنك غبية." نظرت له بغضب قائلة بغيظ: "أنا غبية عشان حبيتك واحد زيك، والله." ضحك بهدوء وأجابها:

"والله بحبك يا سالي، والكام شهر اللي عدوا دول لولا إني كنت مضغوط وملتهي في الشغل، أنا كنت متت في غيابك. واسألي نور، أنا كام مرة أكلمها وأطمّن عليكي وأقولها متقولكيش لحد ما أفضي وأجي صالحك بنفسي. بس أنا بجد كنت مدايق منك عشان موضوع بيني وبينك كبرتيه وخلتيه وصل لخالك ومرات خالك. وأول ما فضيت على طول جريت عليكي إنتي وعمال أتحايل عليكي عشان تتراضي، وإنتي سايقة الدلع عليا أوي." مسحت دموعها قائلة بهدوء:

"أنا هروح أجهزلك العشااا." أردف بهدوء: "سالي." نظرت له بحزن، فامسك يدها بيده السليمة قائلاً بنبرة صادقة: "متزعليش، ووعد مني إني مش هعمل أي حاجة تاني غير لما أكون قايلك عليها. ولو كان أي حاصل في الشغل مش هبعد كده تاني ولا أبطل اهتمام بيكي. وصفية مش هحتك بيها خالص، ولو لازم الأمر هاخدك معايا وأنا بقابلها، بس متزعليش عشان خاطري." أجابته بهدوء: "خلاص يا يحي، أما نشوف بقى هتنفذ كلامك ولا هيطلع كلام وخلاص."

نظر لها بغيظ قائلاً بحدة: "تتلمي بقى يا بت! إنتِ عمال أثبت فيكِ من أسبوع وإنتي العند برضه راكبك، مش كده ي شيخة؟ راعي حالتي إني متجبس وعضمي متكسر، إتقي الله فيا شوية." ابتسمت بهدوء رغماً عنها، فاقترب منها أكثر وهو يبتسم لابتسامتها الكفيلة على أن تنسيه العالم بأكمله، قائلاً لها بصوت هادئ: "كان يوم حبك أجمل صدفة، ياللي قابلتك مرة صدفة. ياللي جمالك أجمل صدفة." أردفت بضحكة هادئة يكسوها الخجل: "ده عبد الحليم صح؟

أجابها بهدوء وهو يمرر يده بين خصلاتها الطويلة: "أيوه، هو بعينه." تابع بنبرة شبه حادة: "عارفة يا سالي، لو جبتي سيرة الطلاق تاني أو فكرتي بس تبعدي عني، هنفخك." ابتعدت عنه بخجل من لمساته لها قائلة بتوتر: "بطل تضايقني ومش هقولها." أردف بخبث: "طيب إنتي قومتي لي؟ ماحنا كنا حلوين؟ تورّدت وجنتاها بخجل شديد قائلة وهي تتجه للخارج: "روح أجهزلك العشا عشان في علاج هتاخده دلوقتي." كتم ضحكاته وأجابها متعمد أن يجعلها تخجل أكثر:

"طيب بسرعة عشان بعد العشا هتيجي تنامي في حضن جوزك اللي غايبه عنه بقالك شهور يا هانم." نظرت له بغيظ وخجل شديد قائلة: "والله مشوفت بربع جنيه تربية." ذهبت للخارج تحت ضحكاته المرحة على خجلها الشديد الذي يعشقه ويزيدها جمالاً منذ أن رآها. وبعد مرور أكثر من شهر. وفي المنيا، في منزل أهل فرح، كانت تجلس بجوار والدتها والحزن يخيم على ملامحها بدرجة كبيرة. وخليل شقيقها يجلس أمامها ويرمقها بحدة قائلاً:

"اللي قولته هيتسمع يا فرح، وهترجعي لمحمد بالجزمة. أنا صبرت عليكي أهو أكتر من شهر وقولت ابنك مات وتهدي وتعقلي وسيبتك ترجعي المنيا مع ماما، إنما طلاق وفضايح مستحيل." نوال بغضب: "يا خليل، هو مش محمد قالك إنه مستعد يطلقها؟ هنجري وراه إحنا؟ خليل بغضب: "قال مستعد أطلقها لو هي عايزة، إنما فرح مش عايزة تطلق." صاحت فيه فرح ببكاء: "إنت عايز مني إيه؟

إنت السبب في كل اللي بيحصلي ده. أنا حياتي اتدمرت بسببك، ودلوقتي جاي عايز ترجعني للراجل اللي كان سبب في موت ابني وحرقة قلبي عليه." أجابها بجمود: "باستثناء كلامك البايخ ده، بس ابنك نصيبه كده. ومحمد مكنش يقصد يموت ابنه، وحالته زي الزفت هو كمان، فاعقلي وارجعي بيت جوزك يا فرح." أجابته بحدة: "مش هرجع. أنا عندي أموت ولا أرجع لمحمد يوم تاني. وإنت سيبني في حالي، وإلا والله يا خليل هقتلك، إنت فاهم."

جذبها من شعرها بقوة، فحين وقفت والدته تحاول إبعاده عنها ولكنه لا يهتم، وأخذ يصفعها بقوة قائلاً بغضب بعد أن دفعها على الأريكة: "بنتك هتفضل طول عمرها قليلة ترباية. وأنا ربنا يطول في عمري وأربيها. أقسم بالله يا فرح، محمد لو جه يرجعك ورفضتي ترجعي معاه، أنا اللي هخليكي تتمني الموت ومش هتنوليه، فاهمة يا أختي يا حبيبتي." تابع ببرود:

"أنا راجع القاهرة عشان عندي شغل، وهكلم محمد عشان يجي ياخدك، ويا ريت كلامي ميتنفذش يا فرح عشان أعرف أربيكي بمزاج." ذهب خليل للخارج، فحين تقدمت منها والدتها وهي تحتضنها ببكاء على حال ابنتها الغير مُسر إطلاقاً. نوال ببكاء ونبرة حزينة:

"معلش يا فرح، مفيش في إيدينا حاجة نعملها. أخوكي مستقوي علينا أوي. كله بسببي أنا. أنا اللي دلعته وربيته على إنه هو اللي كلمته تمشي على الكل. أنا اللي معلمتوش يبقى حنين. افتكرت كده هخليه راجل وشخصيته قوية. سامحيني يا بنتي، أنا آسفة." ابتعدت عنها فرح قائلة بخوف شديد: "مش هسمحلهم يدمروني أكتر من كده تاني. مش هخليه يرميني عند محمد تاني." نوال بقلق: "طيب وهتعملي إيه يا فرح؟

لم تجبها، فقد ذهبت وارتدت حذاءها وذهبت للخارج غير عابئة بنداء والدتها لها. ذهبت إلى ذلك المنزل ودلفت إلى الورشة التي توجد بأسفله، لتجد ياسين يعمل على إحدى السيارات وبجواره أحد العاملين. مسحت دموعها وأردفت بصوت هادئ: "ياسين." رفع رأسه ونظر لها بعدم تصديق من أنها أتت إلى هنا: "فرح! إنتي بتعملي إيه هنا؟ فرح بنبرة غير متزنة: "ممم، ممكن كلمتين؟ أقولك نتكلم يعني."

نظر لها بقلق من هيئتها الباكية وأجابها بإيماء وهو يأخذها إلى تلك الطاولة الموجودة بالجهة الأخرى من الورشة: "طيب، اهدي وتعالي نقعد." تابع بنبرة حزينة: "البقاء لله في ابنك. أنا لسه عارف اللي حصل من كام يوم، وبجد كلنا زعلنا أوي عشانك." أغمضت عينيها بألم قائلة بجدية: "أنا عايزة رقم يحي." ياسين بقلق: "وإنتي عايزة يحي في إيه يا فرح؟ أجابته ببكاء:

"أنا عارفة إني زمان سببت له وجع ومشاكل كبيرة جداً، بس دلوقتي أنا عارفة إنه اتغير. وسمعت محمد وخليل وهما بيتكلموا عليه وخايفين منه. وأنا محتاجاله أوي دلوقتي، محدش غيره هيقدر يساعدني." ياسين بجمود: "مش عارف أقولك إيه، بس أنا خايف على أخويا منهم يا فرح. أياً كان هو بقى إيه دلوقتي، بس معلش يعني دول شياطين وإنتي أكتر حد تعرفهم." فرح بحدة: "إنت هتديني رقمه ولا أمشي؟ ياسين بهدوء:

"هديهولك يا فرح، عشان يحي لو عرف إنك جيتي وطلبتيه مني وأنا مديهوش ليكي، هيعمل مني بطاطس محمرة." أخرج هاتفه من جيبه وقام بإعطائها رقم يحي، وذهبت هي للخارج سريعاً دون أن تتحدث بشيء آخر. زفر هو بضيق قائلاً: "ربنا يستر من اللي جاي." وفي مكان آخر، كانت صفية تقف وتشرف على العمال الذين يعملون على تجهيز الكافيه الجديد الخاص بها، غير منتبهة لذلك الذي جاء ووقف بجوارها. أردف بجمود: "حلو الكافيه ده، بس جبتي تمنه منين؟

نظرت له بفزع قائلة بحدة: "إنت إيه اللي جابك هنا يا عمر؟ عمر بهدوء: "جايلك يا صفية، عايز نتكلم شوية." ابتسمت بسخرية وأجابته: "ياه! بقالي سنين مشوفتكش بتتكلم بالهدوء ده معايا. آخر مرة كلمتني بالطريقة دي قبل أبويا ما يموت، لما كنت بتوهمني بحبك ليا و بتمثل في لعبتك اللي عملتها عليا يا عمر." تنهد بهدوء قائلاً: "اللي حصل حصل زمان وخلص. وأظن إنتي الدنيا علمتك، وأنا الدنيا علمتني كتير." أردفت بجمود: "جاي عايز إيه يا عمر؟

نظر حوله بتوتر قائلاً بهدوء: "نرجع." ضحكت بقوة ثم نظرت بصمت وأشارت له بيدها بمعنى أكمل حديثك، فتابع هو بهدوء:

"أنا عارف إني أذيتك وجرحتك وخزلتك فيا، وربنا رده دلوقتي. لما حبيت واحدة من طرف واحد، دُقت من نفس الكاس. اللي حصل بيني أنا ونور خلاني أحس بيكي وأعرف غلطي يا صفية، وبصيت على اللي عدى، لقيت إن لو كنت كملت معاكي كان زماني أحسن. أنا أيوه كبرت في شغلي وبقيت من أغنى الناس في مصر، بس لسه ناقصاني حاجات معرفتش أحققها وخسرتها يوم ما آذيتك وسيبتك." امتلأت عينيها بالدموع وأجابته بنبرة مليئة بالانكسار:

"غلطتي الوحيدة زمان إني وثقت فيك وأديتك كل حاجة في حياتي، ومفكرتش للحظة إنك ممكن متكونش بتحبني. وإنت جيت ودبحتني بدم بارد. كرهتني في كلمة حب، خلتني أتحوج للي يسوى وميسواش. خليت أي كلب معدي يبصلي بقرف وإهانة، وجاي بعد كل ده بكل برود تقولي نرجع؟ أرجع لإيه؟ شوفت منك إيه خير؟ أرجعلك عشانه؟

أنا لو هتمنالك حاجة في الدنيا، هتمنالك تفضل لوحدك وعمرك ما ترتاح وتفضل تدوق اللي عيشتهولي يا عمر. أنا بكرهك وبكره اللحظة اللي حبيتك فيها زمان. بكره نفسي عشان سلمتهالك في يوم من الأيام."

أنهت حديثها وذهبت من أمامه داخل المقهى وهي تتحدث مع العمال، متجاهلة وجوده تماماً. فحين لاول مرة هبطت دموعه هو دون إرادة منه وهو ينظر لها بندم شديد. لاول مرة يرى حجم الخطأ الذي ارتكبه معها وكم الألم الذي مازالت تعاني منه بسببه. مسح دموعه وذهب إلى سيارته التي كان يقودها بمفرده ولا يوجد معه أحد من رجاله، وقادها مغادراً. فحين ذهبت هي للخارج وأخذت تنظر لأثره بدموع وهي تتذكر تلك اللحظات الجميلة التي كانت بينهم، وأيضاً تذكرت كل سوء فعله معها.

وفي حارة العشري، كانت نور تجلس بشرفة منزلهم وهي تدرس بعض موادها الدراسية، فقد بدأت الدراسة منذ أيام. ولكن لفت نظرها وقوف سيارة من اللون الأحمر والطراز الحديث أمام منزلهم وهبطت منها تلك الفتاة التي تدعى جيدا، ودلفت للمنزل. نور بغيظ: "لا كده كتير! كمان جايله لحد هنا عيني عينك كده."

نهضت من مجلسها وذهبت إلى خزانة ملابسها وارتدت حجابها، وذهبت للخارج فوجدت والدتها دالفة خارج المطبخ، فعادت إلى غرفتها سريعاً بهدوء قبل أن تلاحظ والدتها ذهابها وتمنعها. نور بغيظ: "يوه! يا ماما بتعملي إيه في المطبخ الساعة 10 بالليل بس؟

فتحت جزء من باب الغرفة فوجدت أن والدتها ذهبت إلى غرفة نومها، فتسللت بهدوء إلى الخارج وصعدت للأعلى، طرقت باب شقة خالد بغيظ وقوة، ولكنها لا يأتِ لها رد، واستمعت لصوته يأتي من الأعلى، فذهبت سريعاً للأعلى بهدوء دون أن تفكر بشيء، فقد كانت غاضبة من وجود تلك الفتاة. واستمعت لهم وهم يتحدثون دون أن يلتفتوا لها. خالد بغضب مكتوم: "لا يا جيدا، مش زعلان إنك جيتي، بس مكنش ينفع تجيلي هنا و... قاطعته بحدة: "وشو فيها إذا جيت لهون؟

مو أنا حبيبتك ورح نصير متزوجين؟ ليش مخليتني أدخل بيتك تحت وجايبتني لهون؟ من شو خاايف؟ مسح على وجهه بضيق وأجابه: "مينفعش. إحنا هنا في حتة شعبية ووجودك معايا من غير جواز غلط كبير، وأنا خايف عليكي حد يجيب سيرتك بشيء وحش." ابتسمت وحاوطت عنقه بيديها قائلة بهدوء: "إذا كان هيك الموضوع، ماراح أزعل. أنا فكرت بالاول إنك خايف منها لهديك البنت." كتم غيظه وابتسم رغماً عنه وأجابها: "أخاف منها إيه بس؟

وبعدين أنا مفهمك من الأول أنا متجوزها ليه." أجابته بخبث: "أي بعرف كرمال ترجع للشغل مع مندور، وبظن هلأ ما إلها داعي تكون مرتك." خالد بقلق: "يعني إيه؟ قبل أن تجيبه، أتت لهم نور ودموعها عالقة في عينيها وهي ترمق خالد بنظرات جامدة قائلة بهدوء: "أنا أفهمك يعني إيه يا خالد؟ أبعد خالد سريعاً جيدا عنه قائلاً بنبرة متوترة: "نور، إنتي فاهمة غلط وأنا... نور بابتسامة هادئة عكس الألم المميت الذي بداخلها:

"استنى بس أقولك المدام جيدا تقصد إيه، وبعدين فهمني. هي قصدها إنك رجعت الشغل مع أبويا، وإن جوازك المصلحة مني ملوش لازمة، فطلقني بقى وشوف هتكمل شغل مع بابا ولا هتاخدك تشغلك معاها في لبنان." تابعت وهي تنظر لجيدا ببرود: "مش ده اللي كنتي تقصديه يا سكر." جيدا بجمود: "خالد، أنا بنطرك تحت بعربيتي. بدك تيجي معي اليوم؟ لإن كتير مشتاقتلك."

أغمض هو عينيه بنفاذ صبر من ما يحدث، فحين ذهبت جيدا للاسفل وهي ترمق نور بسخرية، اقترب منها خالد قائلاً بهدوء: "نور، متفهميش أي حاجة. أنا هشرحلك الموض... قاطعته عندما صفعته على وجهه بقوة، فأغمض هو عينيه ببكاء، اردفت هي بنبرة حادة مزامنة مع هبوط دموعها: "من لما وعيت على الدنيا وأنا كبرت على حبك. لأول مرة في حياتي أحس إني بكرهك يا خالد."

لاحظ خالد وقوف جيدا خلف الباب وهي تستمع لهم، فتنهد بغضب شديد فقد فاض به كل شيء، قائلاً بجمود: "وأنا عمري ما كرهتك، وهتفضلي الحب الوحيد اللي في حياتي. واتجوزتك عشان بحبك وعايزك ليا يا نور." أنهى حديثه وذهب من أمامها وفتح الباب ليجد جيدا تنظر له بدموع وحزن شديد، فجذبها من يدها بهدوء واتجه بها للاسفل، تحت نظرات نور الباكية، فهي أصبحت لا تفهم ماذا يفعل؟ يقول إنه يحبها، والآن يمسك بيد تلك الفتاة ويذهب معها.

فتح لها باب السيارة قائلاً بجمود: "ارركبي يا جيدا." أجابته وهي تمسح دموعها: "روح امشي لحالي. ما بدي ياك تيجي معي." خالد بهدوء: "لازم نتكلم يا جيدا." صاحت فيه ببكاء: "ليش كذبت علي؟ ليش عملت فيني هيك؟ أنا بشو أذيتك لتضحك علي بشو؟ أجابها بحزن:

"أنا مضحكتش عليكي. أنا كنت ناوي فعلاً أسيبها وأبقى معاكي، بس مقدرتش. بعد ما وعدتك بالجواز وظبطت حياتي على إني أكون معاكي، عرفت حاجات مينفعش أعديها، ومقدرتش أسيب نور. أنا يا أكون مع نور يا مش هقدر أعيش أصلاً." نظرت له بحزن شديد قائلة: "وأنا شو ذنبي لتقرب مني حتى تنساها؟ وإذا ما نسيتها، بتتركني وبتملني وبتخليني أتجنن من قلقي عليك، وإنت هون معاها. أنا شو ذنبي خالد؟ تنهد بضيق وأجابها: "أنا أسف، بس مش هقدر أكمل يا جيدا."

ابتسمت بسخرية، ثم مسحت دموعها وجاءت لتهبط من السيارة، فامسك يدها قائلاً بهدوء: "استني، هوصلك." صاحت فيه بحدة: "بعد ايدك عني، إياك تقرب مني تاني أو حتى تخليني أشوف خلقتك. عم بتفهم؟ تركته ودلفت خارج السيارة وأخذت سيارتها وغادرت، فحين هبط هو من سيارته ودلف للداخل، وجدها تكاد أن تدلف إلى منزلها. فركض سريعاً وجذبها للخارج. نور بحدة: "وعاي يا خالد، وإلا هصحيلك بابا." خالد بهدوء:

"أقسم بالله من لما وعدتك إني هسيبها، وأنا بعيد عنها. ودلوقتي نهيت كل حاجة." جذبت يدها منه قائلة بسخرية: "بطل كذب، أنا سمعت كل حاجة وعرفت اللي فيها. وأقسم بالله يا خالد لو مطلقتني بالذوق، هخلعك." خالد بغيظ: "أنا قولتلها هتجوزك مصلحة عشان وقتها مكنش ينفع أسيبها. كنت محتاج منها معلومات." نظرت له من أعلى لأسفل بسخرية وأجابت: "مش قادرة أصدقك. وكلامك مش موزون. معلومات إيه اللي عايزها منها؟

دي كذبة بتثبتني بيها زي عادتك. بس خلاص، مبقتش أتصدّم من أفعالك." خالد بنفاذ صبر: "براحتك يا نور. أنا قولتلك اللي حصل، وقريب أوي هفهمي كل حاجة كويس." نور بجمود: "وهتطلقني إمتى؟ اقترب منها بغضب، فترجعت للخلف ببعض الخوف الذي تحاول إخفاءه، أجابها بحدة: "عند أمك ي نور."

تركها وذهب للأعلى، فضربت الأرض بقدمها بغيظ من ردوده المستفزة، ودلفت للداخل وبداخلها تريد تصديقه، ولكن عقلها أبى ذلك، فهناك جزء كبير مفقود من ما أخبرها به جعلها تظن أن ما استمعت له باكمله كذب. وفي منزل يحيي، كانت سالي نائمة على الأريكة وتضع رأسها على قدمه، وهما يشاهدان أحد الأفلام القديمة. فهبت جالسة بفزع قائلة بعدم تصديق: "بتهزر ي يحي؟ يعني نجاة خاينة؟ يحيي بهدوء:

"ده اللي اتنشر وقتها إن كامل الشناوي شافها في مكتب صاحبه وهما بيخونوه، فسكت ومتكلمش وكتب أغنية لا تكذبي دي." سالي بحزن: "وهي القادرة قبلت تغنيها عادي كده؟ يحيي بجدية: "هي أصلاً اللي طلبت منه إنها تغنيها وكانت فاكرها مغفل. وأول ما غنتها واندَمَجَت فيها، عرفت من نظراته إنه اكتشف خيانتها ليه مع صاحبه. وناس بتقول إنها انهارت من العياط في الاستوديو وهي بتغني آخر مقطع في الأغنية اللي بيقول: فلطالما باركت كذبك كله ولعنت ظني

ماذا أقول لدمع سفحتها أشواقي إليك ماذا أقول لأضلع مزقتها خوفاً عليك أأقول هانت؟ أأقول خانت؟ أأقولها؟ لو قلتها أشفي غليلي يا ويلتي.. لا، لن أقول أنا، فقولي.. لا تخجلي.. لا تفزعي مني.. فلست بثائر أنقذتني.. من زيف أحلامي وغدر مشاعري فرأيك أنك كنت قيداً حرصت العمر ألا أكسره فكسرته! ورأيت أنك كنت ذنباً سألت الله ألا يغفره فغفرته كوني كما تبغين لكن لن تكوني فأنا صنعتك من هواي، ومن جنوني ولقد برئت من الهوى ومن الجنون!!

"دي قصة حقيقية يا جماعة والله. الناس اللي بتحب الأغاني القديمة أكيد عرفاها." سالي بتأثر: "انهارت بعد إيه؟ وهي لسه فاهمة إنه بيلقح عليها. الغبية! مهو من أول الأغنية عمال يقول إني رأيتكما، إني سمعتكما. إزاي مفهمتش؟ يحيي بضحكة خبيثة: "غبيه بقى." لكمته في كتفه بغيظ: "قصدك إيه؟ يحيي بضحكة عالية: "ههههههههههه قصدى إن فهمها بطئ. متفهميش غلط." تمددت مجدداً على الأريكة وهي تضع رأسها على قدمه قائلة بغيظ:

"طيب اسكت خليني أكمل الفيلم. أنا بحب الشموع السوداء أصلاً عشان صالح سليم بجد يجنن." ضربها على رأسها بهدوء قائلاً بحدة: "اتلمي ي سالي طيب." سالي وهي تكتم ضحكاتها: "اتلم على إيه؟ هو أنا قولت حاجة غلط؟ يحيي بغيظ: "قولت اتلمي ومش هقول تاني يا سالي."

ضحكت بهدوء، ثم صمت الاثنين وهم يتابعون ذلك الفيلم. كانت هي تظن بأنه يتابع معها، ولكنه كان يمرر يده بين خصلات شعرها وهو ينظر لها بابتسامة هادئة وكأنه يحفر ملامحها بداخله. انفعالاتها مع المشاهد المؤثرة بالفيلم، تارة تبتسم بهدوء وأخرى حزينة، حتى غلبها النوم وغفت دون أن تشعر. وما زال هو ينظر لها بهدوء. صدح رنين هاتفه، فأمسكه سريعاً ووضعه على وضع الصامت وهو ينظر لذلك الرقم الغريب. تجاهل الإجابة عليه ووضع هاتفه جانباً، ثم نهض بهدوء وحملها بين ذراعيه بهدوء شديد ودلف إلى غرفتهم ووضعها على الفراش. فاستيقظت هي قائلة

بضيق وهي شبه تفتح عينيها: "يحيي، كنت صحيتني أجي لوحدي؟ إنت لسه دراعك واجعك؟ أجابها وهو يحرك يده ببعض الألم: "موجعنيش أهو زي الفل. كملي نومك إنتي. أنا هقفل التلفزيون بره والنور وجاي." سالي وهي تحتضن الوسادة وتذهب للنوم: "طيب هات معاك ميه." أجابها بهدوء وهو يذهب للخارج: "حاضر. وشيلي المخدة دي، مفيش حاجة بتتحضن هنا غيري."

ابتسمت بهدوء هي، فحين ذهب هو للخارج وأغلق التلفاز والضوء، وأخذ هاتفه ليجد ذلك الرقم يهاتفه مجدداً. جلس على الأريكة وأجاب بهدوء: "ألو." أتته صوتها الذي يتذكره وكأنه كان يحدثه منذ قليل وليس ما مر على غيابه سنوات. فرح بهدوء: "يحيي معايا؟ صمت وأخذ أنفاسه، ودقات قلبه تتسارعون وكأنهم الآن دخلوا منافسة. فرح بتوتر: "ألو، إنت سامعني يا يحي؟ وضع يده على فؤاده وأغمض عينيه بألم وأجابها: "أيوه سامعك، عاملة إيه يا فرح؟ مسحت دموعها

قائلة بنبرة يكسوها الحزن: "الحمد لله. أنا آسفة إني بكلمك في وقت زي ده." هبطت دموعها، وأخذت ذكرياته تهاجمه مجدداً، وأجابها بهدوء: "ولا يهمك، إنتي في أي وقت تقدري تكلميني." تنهدت بقوة قائلة بنبرة باكية: "أنا محتاجة أشوفك في أقرب وقت يا يحي." انت

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...