كان أحد أيام شباط، الشمس لم تشرق منذ أسبوع، السماء رمادية قاتمة ومطر ثقيل يصفع الطرقات والمنازل. كانت الريح تعصف وضباب خفيف يحجب الرؤية. كانت الفتاة التي غمرها المطر وكادت أطرافها أن تتجمد تركض على الطريق الموحل نحو منزلها في القرية محاطة بظلام كالح. ورغم تعثرها عدة مرات إلا أن عزمها لم يتزحزح.
كان القصر ذو الشرفة الواحدة، والذي ينهض في الجهة الشمالية من القرية، قد لاح أمامها من بعيد وبصيص نور خفيف يظهر من النافذة المفتوحة. شعرت بالرعب عندما اقتربت من المنزل الغامض، والذي طوال عمرها لم ترَ هي ولا أي فرد من القرية أي شخص يدلف لداخله أو يخرج منه. المنزل الذي لا تضيئه إلا شمعة واحدة كل ليلة، ولا تفتح فيه إلا نافذة واحدة، ولم يُرَ بابه مفتوحًا أبدًا.
حاولت أن تركض، لكن الرعد والبرق كانا قد جن جنونهما، وكانت كل خطوة محفوفة بالمخاطر والرعب. أجبرها الريح على التوقف في أكثر مكان تكرهه في هذا العالم، المنزل ذو الشرفة الواحدة. ورغم أن المطر كان يصفعها، إلا أن هاجسًا وحيدًا كان يشغل بالها: شخص غامض سيخرج من القصر، يكمم فمها ويختطفها لداخل القصر.
إن القصص التي يرويها مزارعو القرية عن القصر دفعت كل الناس للهرب بعيدًا عنه. كانوا يقولون إن شبحًا يعيش بداخله، وآخرون ذهبوا لأكثر من ذلك، أن هناك قاتلًا متوحشًا يختفي داخل القصر، أو حتى مصاص دماء قادم من أوروبا للعيش بذلك القصر الريفي. جعلت ترتعش من البرد تحت هياج الريح وتوعد الرعد، وكان الطريق المختفي داخل ضباب كثيف غير واضح المعالم. اتكأت على سياج الحديقة رغمًا عنها من التعب والرعب، وكانت ترهف السمع لأقل حركة.
كان عليها أن تتقدم لأن المطر لن يتوقف، ولا الرعد والبرق. لكنها بعد عدة خطوات عادت للاحتماء بالسياج مرة أخرى. انفتح باب القصر بعد ساعة من وقوفها، وسمعت صريره المعدني، وسمعت موسيقى تصدح بالداخل، وشمعة تتوسط الرواق ترتعش من الريح. وضعت رأسها بين يديها من الرعب، وركضت خلال الوحل مدفوعة بجرعة من الرعب. لم يركض أي شخص خلفها. استمرت هي بالركض حتى لاحت مباني القرية ورأت أنوارها.
كان آخر شخص رآها تركض مبتلة بستاني القصر ذو الشرفة الواحدة قبل اختفائها. ورغم بحث الشرطة لعدة أسابيع لم تتوصل إليها، وأصبحت قصة اختفائها على لسان كل فرد من المجتمع المغلق. ورغم كل ما قيل، إلا أن مجموعة كبيرة من الناس ربطت بين اختفائها وذلك القصر الملعون.
مضت أعوام على تلك الحادثة، وكانت الحكومة المحلية قد قامت بإنشاء جامعة كبيرة بالقرية وبنت نزلًا كبيرًا لسكن الطالبات المغتربات. مدينة جامعية، والتي كانت تطل على القصر ذي الشرفة الواحدة. وكان حرس المدينة الجامعية يحذرون الفتيات من الاقتراب من القصر أو محاولة دخوله، لأنهم كانوا من أهل القرية وكانوا على علم بالقصص الغريبة التي تدور حوله.
لم تتمكن الحكومة المحلية من الاقتراب من القصر، لأن مالك القصر، الذي لا يعرفه أحد، ابتاع أراضي إضافية حول القصر ليمنع اقتراب أي منشأة منه عن طريق محامٍ مغمور اختفى بعد توقيع الصفقة. ظل للقصر كما هو، لا تفتح فيه إلا شرفة واحدة، ولا يسمع خلاله إلا نغمات السيمفونيات القديمة التي لا تتوقف طوال الليل، وكان صوتها يصل للمدينة الجامعية عندما يلفظ الليل أنفاسه ويحل الصمت. إحدى الغرف المطلة على القصر كانت
تقطنها ثلاث فتيات مغتربات: سماح، مديحة، ومروة. كن من محافظات مختلفة، لكن الفضول جمعهن لمحاولة دخول القصر. الفكرة التي تمخضت في عقولهن، لكنهن كن يتراجعن في آخر لحظة كل مرة. ذات ليلة ممطرة تأخر بهن القطار الذي يقلهن نحو الجامعة، ولم يصل إلا حدود الساعة العاشرة ليلاً. وكان عليهن أن يمرن من أمام القصر كالعادة. وكانوا يعدون الأعذار التي سيقدمونها لحرس الجامعة، لأن آخر موعد لدخول سكن الطالبات كان الساعة الثامنة ليلاً.
عندما مررن من أمام القصر، كان بابه مفتوحًا والأغاني تصدح كالعادة. لم يحتجن لأكثر من دقائق للتفكير قبل أن يقررن دخول القصر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!