قبل أن يدخلوا القصر، انغلق بابه من تلقاء نفسه، مما دفعهم للتيبس بمكانهم برعب. كانت لحظة واحدة كفيلة بركضهم تجاه السكن الجامعي. عندما لاحظ الحراس هلعهم، سمحوا لهم بالدخول. في الغرفة، بعد أن بدّلوا ملابسهم، راحوا يتناقشون فيما حدث. كانوا متأكدين أنهم لم يروا أي شخص بالداخل يغلق الباب، ولم ينكروا أنه كان غير مرحب بهم. عندما توصلوا لتلك النتيجة، ضحكوا. "هناك شخص يعيش في القصر على الأقل!
وليس شبحًا يتجول داخل قصر مجهول يختطف البنات العذراوات." غرفتهم بالطابق الأرضي، وكان التسلل منها نحو السياج سهلًا. فعلت ذلك سماح، ومن إحدى الشرفات راقبت ردهة القصر. تلصصت ربع ساعة قبل أن تعود بوجه مختلف. "هناك شخص ميت بالقصر." قالت. "كان جالسًا على مقعد فخم ولم يتحرك أبدًا! أبدًا، نصف ساعة، ساعة، لم يحرك طرفًا! "ربما كان نائمًا؟ " قالت أمنية. "كيف نعرف ذلك؟ " سألت مروة.
"ليس من عادتي أن أغض طرفي عن الأسرار التي تحيط بي." قالت سماح. "بالغد، سأدخل القصر وحدي إذا اضطررت! "وأنا." وافقت مروة وأمنية. جعلو يستمعون للموسيقى من داخل القصر حتى ناموا. هناك موسيقى تنبعث من داخل القصر كل ليلة. موسيقى عميقة، بعيدة، وتعيسة، وأحيانًا مجنونة. الموسيقى مرآة لحالة الإنسان.
بعد أن أنهوا فروضهم الدراسية، تلكأوا في العودة. كمنوا خارج القصر حتى اختفت الحركة. عبروا سياج الحديقة ومشوا فوق ممر الجص الأحمر المؤدي للقصر بين صفي أشجار مشذبة بشكل مثالي. كان باب القصر مفتوحًا تلك المرة ولم يغلق! "ولا تخشى في حياتك سوى الأبواب المفتوحة، سواء كان منزلًا أو شخصًا أو حتى…" بحذر، ارتقوا الدرجات السبع من الرخام وأصبحوا داخل القصر. كان المطر ينهمر بالخارج، لم يتوقف بعد، وكانت ملابسهم مبتلة.
"ألم أخبركم أن هناك شخصًا ميتًا؟ " قالت سماح وهي تشير لشاب جالس على مقعد فخم يعتمر قبعة تغطي وجهه. جسده رشيق، طوله معتدل، شعر رأسه ولحيته أصفر. وقفوا بمكانهم يعاينون الرواق الفخم ذو أرضية الرخام الفاخرة، والتي يغطيها سجاد إيطالي نادر، لوحات رائعة معلقة على الجدران، ثريات أثرية، مكتبة عملاقة، مائدة طعام ملكية، تماثيل لأقزام وحوريات وكائنات خرافية.
فجأة، ارتفع صوت الموسيقى الافتتاحية لسيمفونية كارل أوروف "كارمينا بورانا". أجفلهم الصوت الصادح والخبلي، والذي كان ينبعث من جهاز موسيقى تاريخي، جاراموف. موسيقى حماسية هادرة، بداية ملحمة. تقدمت سماح خطوتين نحو ذلك الشاب ولكزته في كتفه. "أنت؟ "ليس من الذوق أن تفعلي ذلك." "ميت؟ " سألت مروة، بينما تحسست مروة نبضه. "حي." نطقت مروة أخيرًا. "حي؟ كيف حي؟ ينام أربعة وعشرون ساعة؟
كان الشاب يرتدي زيًا رسميًا كاملًا، بزة إيطالية، ساعة ماركة سواتش، حذاء أسود أنيق. تنشقوا عطر سوفاج الذي يفوح منه. "يبدو لي كونت من العصور الوسطى." وضحكت سماح. ببطء، رفعت مروة قبعته ليظهر لهم أجمل وجه يمكنك أن تراه، شاب وسيم له لحية صفراء، عيون زرقاء، شعر ناعم طويل. "اللعنة، يبدو كنجم سقط من السماء." "هل هو نائم؟ " سألت سماح. مررت أمنية أصابعها في لحيته. "إن كان حقيقيًا، لابد أن له دهرًا لم يهذب لحيته."
"لماذا لا يتحرك؟ " سألت سماح بريبة. جذبت سماح مقعدًا وجلست قرب المدفأة. "لا يمكنني أن أفكر وأنا أرتعش من البرد." "ولا أنا." وجلست مروة بجوارها. كان الحطب يقرقر في المدفأة وغمرهم الدفء، ونسوا تمامًا أنهم في قصر غريب وهناك شاب يجلس خلفهم. "أحتاج فنجان قهوة!! "ثلاثة يا مروة، ثلاثة." "لست خادمتكم الفلبينية، دعونا نبحث عن المطبخ."
عبروا الرواق ببطء. في نهاية الرواق كان هناك مطبخ من خشب الماهوجني الأحمر مطرز بأزهار النرجس والفتون. كان ديكوره بغاية الروعة مما جعلهم يفرغون أفواههم. كانت كل قطعة من المطبخ تنطق بالفخامة، حتى الفناجين ذاتها والتي كانت غريبة ومزخرفة. صنعوا فناجين القهوة وجلسوا حول الشاب، والذي كان لم يتحرك بعد. "هل يمكنني أن أقبله؟ " قالت مروة. "اتلمي! " حذرتها سماح. "لا تنسوا أننا في أكثر الأماكن رعبًا في تلك المنطقة."
كانت الموسيقى قد تبدلت الآن وارتفعت نغمات لمودزرات. "يبدو كالأمير النائم، انظري لقسمات وجهه؟ "ما رأيك أن نشذب لحيته؟ " قالت أمنية دون تفكير. نظروا ثلاثتهم تجاه بعض وابتسموا. "لحظة واحدة." قالت سماح وهرعت تجاه نهاية الرواق وعادت بماكينة حلاقة حديثة. ربطوا قماشة حول صدره وسندت أمنية رأسه وهي تحدق بوجهه المبتسم. "هل كان مبتسمًا عندما حضرنا؟ "لا أدري." قالت مروة، "لم أنتبه." "ولا أنا." أكملت سماح.
"أشعر أن ما نفعله خطأ، لكنني أرغب بذلك." "لماذا لا يتحرك؟ " قالت سماح ووضعت إصبعها تحت ذقنها. "واقع تحت جرعة مخدر على ما يبدو! بعد أن انتهوا من تشذيب لحيته، بدا وجهه أكثر بهاء وجاذبية. "لن أتحمل أكثر من ذلك، سأقبله؟ "ابتعدي يا رعناء! " صرخت سماح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!