ظلت عزه واقفة جوار الرجل، وكان الليل يتوغل في الظلمة، وريح خبيثة تحشجر بين أوراق الأشجار. المطر يدق في كل وجه علامته، أهل القرية يختبئون داخل منازلهم، مجتمعين حول الحطب في دفء وحميمية. هرب حراس السكن الجامعي من المطر والتجأوا بجدار تسقفه شرفة. "أنت حي؟ "كيف لإنسان أن يكون حي وهو فقط يتنفس؟
تكاد تشعر عزه أن الرجل فاقد الوعي، نعم، لكنه لا يعاني من علة ويبدو طبيعياً. حاولت انعاشه، رفعت رأسه هكذا وهكذا، وكلما تأملته ازداد أناقة. "أرجوك افتح عينيك؟ وكان القصر يستمع، والجدران تتحرك، والسقف المزخرف يتراقص فرحاً بالزائر الجديد. لكن عزه، فتاة قلبها خفيف، لم تقو على الاستمرار أكثر. هربت من القصر، فأرتج القصر غضباً، اهتزت اللوحات المعلقة وتحركت الأثاث وغمر الرواق سحابة رمادية.
وصلت عزه غرفتها، كانت مرتعشة من البرد. بدلت ملابسها، أخرجت دفترها ودونت خلاله ما حدث معها، ثم أخفته في مكانها السري. وكادت أن تنام وهي تلقي نظرة على القصر. ظهرت فتاة مائعة بشعر أحمر، حضرت من الطابق العلوي منتشية تتراقص على نغمات الموسيقى. تأملت الأربعين دقيقة، ثم قبلته وجذبت يديه، فنهض، ثم رقصا معاً. اشتعلت عزه من الغضب، نسيت كل المحاذير وتذكرت أمر واحد: لماذا يعرض عنها؟
ليس هناك شيء أشد وقعاً على الفتاة من الامتلاء. أغلقت عزه الشرفة، لا مكان لها داخل القصر، لن تعود هناك أبداً. رغم ذلك، اليوم التالي تأنقت عزه وقصدت القصر. صفعتها رائحة زهور الحديقة وهي تدلف داخل القصر. اقتربت من الرجل. "أعرف أنك واعٍ، هي افتح عينيك، دعنا نتحدث." ثم جذبت مقعداً وجلست قرب الرجل. "افتح عينيك قلت؟ همس القصر. "أنت لا تريدين ذلك." سمعت عزه الصوت الهامس القادم من جدران القصر. بكل عناد صرخت:
"افتح عينيك، ستراني كما أراك." تحركت لوحة فتاة على الجدار، لوحة جدارية لفتاة عادية. التقطها القصر قبل أن تختفي. كان وجه الفتاة متجهم كأنه يرفض إلحاح عزه. "افتح عينيك!! فتح الرجل عينيه، كانت أجمل عينين رأتهم عزه في حياتها، ومعها ارتج القصر وابتلعها. مع كل مرة تشير الدلائل نحو القصر عندما تختفي فتاة، لكن ما من دليل، القصر يخفي كل ما يؤدي إليه.
أصدرت السلطات بياناً شديد اللهجة يحذر الفتيات من التجول ليلاً داخل القرية، بعدما أثبتت كاميرات المراقبة رؤية عزه تتسلل من السكن الجامعي وتختفي داخل الحقول. كسا الحزن سكن الطالبات، ومرت شهور ثم سنين ونسي كل شيء. كانت هيسان تنظف الغرفة التي ستقطنها بمفردها عندما وجدت دفتر مخفى داخل الجدار خلف لوحة. نحت الدفتر جانباً وأكملت تنظيف الغرفة. لاحقاً عادت هيسان للدفتر، الذي كان يحوي مذكرات فتاة تدعى عزه.
كانت الفتاة تتحدث عن القصر بالتفصيل، عن الأشباح التي تظهر خلاله ليلاً. لم تقو هيسان على النوم حتى أنهت الدفتر وهي مقررة على دخول القصر. آخر شيء ذكرته عزه أنها ذاهبة لملاقاة حبيبها الأربعيني. تفحصت هيسان القصر، راقبته لكنها لم ترى أي شيء مريب. "أين الأشباح؟ لماذا لم تظهر؟ ضحكت هيسان. "عزه كانت عاشقة وهربت مع حبيبها، ليس هناك وجود للأشباح."
ارتج القصر بغضب، كان يسمعها ويقرأ أفكارها. اعتصر القصر نفسه وأخرج شاباً أنيقاً خمرى الوجه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!