وضع خالد الهاتف على أذنه ثم هتف قائلًا: "ألو؟ تنفست بعمق ثم قالت: "خالد أنا سهر." لم يستوعب خالد للحظة: "سهر؟! إنتِ كويسة؟ طب رهف كويسة؟ قالت: "إحنا بخير يا خالد." قال خالد بلهفة: "ابعتِ اللوكيشن بسرعة." كانت سهر على وشك إرسال الموقع عندما انتزع جاسر الهاتف من يدها بحدة، ثم وضعه على أذنه: "معلش، بنتي الصغيرة كانت بتلعب أنا آسف." أغلق الهاتف، ثم التفت نحو سهر بوجهٍ غاضب وقال بقوة وهو ممسك ذراعيها:
"عايزة تهربي مني أنا؟! أجابته بدموع: "إنت إيه يا أخي؟ سيبني في حالي! أجبرها على الجلوس ثم قام بتكتيف يديها وقدميها بقسوة. "أنا غلطان كان المفروض أكسرك من الأول علشان متعرفيش تتكلمي معايا تاني." تركها وذهب إلى غرفته يتمتم لنفسه بغضب: "غبي... غبي يا جاسر إيه اللي قلته دا؟ هانت وكل حاجة تنتهي." دخل خالد الغرفة على عجلة: "آدم تعالى بسرعة أنا محتاجك." قال عمار: "مالك يا خالد؟ وشك ماله؟ قال خالد: "سهر كلمتني من تليفون."
قالت جميلة بدهشة: "إزاي؟ جلس خالد بهدوء جوار عمار ومراد ثم بدأ بسرد ما حدث: "اتصلت بيا وقالتلي إنها كويسة وكنت بطلب منها تبعت اللوكيشن لقيت حد شد التليفون منها وقال إن بنته الصغيرة كانت بتلعب." قال آدم: "طول ما التليفون شغال هعرف أجيب موقعه استنى بس أجيب اللاب من العربية." قال عمار: "وأنا هجيب حاجة ناكلها واضح إننا هنحتاج طاقة." عاد آدم باللاب، وجلس يعمل عليه بتركيز بينما يتناول الطعام الذي أحضره عمار.
نظر آدم إلى خالد قائلًا: "خالد هات الرقم اللي اتصل عليك." قال خالد: "012... بدأ آدم في تحديد الموقع، نظرت يارا إلى مراد الجالس جوارها على الفراش وقالت: "مراد المفروض هنرجع القاهرة بكرة صح؟ قال: "آه هروح أجيب إذن خروج من المستشفى." وقبل أن يغادر، طرق علي باب الغرفة ودلف. وقف الجميع وأدّوا التحية العسكرية. قال علي: "بجد إنتو أبطال التصدي للهجوم الإرهابي مش حاجة سهلة ربنا يحميكم." قال الجميع: "دا واجبنا يا فندم."
قال علي: "المقرّ الرئيسي في القاهرة محتاجكم قريب مصطفى وقاسم هيسافروا لأمريكا لتدريب القوات هناك لو احتجناكم هترجعوا على طول." تقدم علي من يارا وقبل رأسها قائلًا: "حمدلله على سلامتك." ابتسمت له: "الله يسلمك." قاطع آدم هذا الصمت بعدما استطاع تحديد المكان فقال بحماس: "كل تحت القلق لا داعي للسيطرة." نظر له الجميع بعدم فهم فقال مبررًا: "أقصد المكان تحت السيطرة بضحك معاكم." تنفس علي قائلًا: "مكان إيه؟ قال: "مكان إخواتي."
قص عليهم خالد تفاصيل المكالمة مسرعًا. قال عمار: "هنتحرك إمتى؟ قال علي: "أول ما نرجع القاهرة بيومين هبقى معاكم لكن قاسم هيجهّز نفسه للسفر مع مصطفى." قال قاسم: "تحت أمرك يا فندم." في منزل صالح الألفي كان صالح وزوجته سارة يشاهدان التلفاز عندما ظهرت الأخبار العاجلة عن الهجوم الذي حدث في المكان الذي تعمل به أبنتها فصرخت وقلبها انفطار على أبنتها حينما رأت أسمها يكتب على شريط الأخبار. قالت: "بنتي!
أنا مش عايزة أخسرها زي أختها! حاول صالح تهدئتها: "اهدِي خليني أكلم مراد ونعرف الحقيقة." اتصل صالح بابنه. قبض مراد ما بين حاجبيه ثم أجاب بعدما تنفس بعمق: "الو إزايك يا بابا؟ قال: "قولّي أختك كويسة؟ قال: "أيوة يا بابا اطمّن هي كويسة." تناولت سارة الهاتف بخوف: "مراد خليني أكلمها قلبي واجعني أسمع صوتها بس." بالفعل أعطى مراد الهاتف إلى يارا عندما سمعت سارة أنفاس أبنتها تنفست براحة. قالت: "يارا إنتِ كويسة؟ قالت:
"أنا بخير يا ماما متكبّريش الموضوع." قالت سارة: "بس الأخبار... قالت: "يا ماما صدقيني أنا كويسة وكمام جاية بكرة جهّزيلي مسقعة" ضحكت سارة رغم دموعها: "مسقعة؟ يا بنت الفقريّة! في الطريق كان الجميع في السيارات بعدما جلب مراد الدواء إلى شقيقته كان الجو متوتر لكن يارا وجميلة كانتا تحاولان كسر الصمت بأحاديث خفيفة. قالت جميلة: "يارا غني حاجة الجو كئيب." قالت: "مش قادرة صوتي وحش أصلاً." قالت جميلة ضاحكة:
"عمار صوته حلو هيغني معانا." قال عمار مبتسم: "إيه الشغل دا؟ أنا هنا سواق مش مغني." ضحك الجميع للحظة لكن ظلت أعينهم على الطريق، منتظرين الوصول لحسم الأمور. وبعد وصولهم إلى المقر فتح مراد باب السيارة إلى شقيقته ليساعدها على الخروج من سيارة استجابت له وسارت جواره فصعد معها حتى غرفتها وقف أمامها قائلًا: "يارا تلفونك جمبك لو احتاجتِ حاجة رني عليا ماشي؟ قالت: "حاضر يا مراد ممكن بجد تبطل قلق ؟!
دا دراعي يعني بسيطة انا كويسة." قبل رأسها بهدوء وقال: "تصبحي على خير." خرج مراد من الغرفة فوجد جميلة تقف بالخارج نظر لها باستغراب قائلًا: "واقفة بره ليه؟ تقدمت قليلًا وأشارت إلى الغرفة بعينيها ولسانها يتحدث: "يعني حسيت إنك عايز تتكلم معاها ، ما انا كنت هموت عليها من القلق زيك بالظبط." ابتسم لها ابتسامة جانبيه: "ممكن تكوني قريبة منها بس مش أكتر مني ، هي شكلها بتحبك وإنتِ كمان بتحبيها ربنا يخليكم لبعض." ثم أكمل حديثه:
"الجو برد أدخلِ علشان الساقعة شكلك بترتعشي." نظرت إلى يدها التي كانت ترتعش بالفعل فقالت له: "تصبح على خير." رد عليها بابتسامة هادئة: "وإنتِ من أهل الخير." دلفت إلى الداخل وعقلها مشوش قليلًا وقلبها لا يتوقف عن النبض لكنها فاقت على سؤال يارا المكرر مرتين لها: "جميلة في إيه ؟ كنتِ فين ؟ يا جميلة." قالت: "ها أنا هنا أهو في إيه؟ تنفست يارا: "راجعة سرحانة كده في إيه ؟ قالت:
"مفيش يا حبيبتي انا هدخل الحمام أغير هدومي وأرجع أجهز شنطتي وشنطتك تمام؟ قالت: "خلاص ماشي وانا هنام شوية." دلفت جميلة للمرحاض ونظرت لذاتها في المرآة قائلة: "في إيه ؟! إنتَ لسا مصمم؟ الوجع الأول لسا متنساش علشان يكون في وجع تاني." كان باسل يدرب جومانا على القتال اليدوي في ساحة التدريب داخل الفيلا الأجواء مشحونة بالتركيز لكن خطوات جمانة كانت مرتبكة وضرباتها أقل دقة من المعتاد. قال باسل: "جومانا ركزي المهمة دي مش لعب."
قالت جومانا وهي تحاول تحسين وقفتها: "عارفة يا باسل بس... حسيت بحاجة غريبة لما تسنيم كلمتني الكلام عن البنت اللي شبهي قلقني." قال باسل وهو يصوب حركة يديها: "جومانا ممكن يكون مجرد تشابه مش كل حاجة لازم يكون لها تفسير معقد دلوقتي ركزي.المهمة دي محتاجة استعداد ذهني قبل البدني." قالت جومانا بتحفز نفسها: "معاك حق... طب خليني أجرب تاني." بدأت جومانا تضرب بقوة أكبر لكن تركيزها ما زال مفقودًا. قال باسل
وهو يتجنب ضرباتها بسهولة: "جومانا لو كنت في ميدان القتال كنتي خسرتي نفسك وزمايلك لازم تسيطري على عقلك قبل ما تسيطري على خصمك." قالت جومانا بإحباط: "بس الكلام اللي قالته تسنيم مش قادر يخرج من دماغي... بنت شبهني بالظبط؟ معقول يكون مجرد تشابه؟ قال باسل وهو يمسك بيدها ليصحح وضعيتها: "بصي أنا فاهم إنك متوترة بس الميدان مش هيستناك تلاقي إجابة لكل حاجة تذكري هدفنا دلوقتي... نحمي الناس اللي محتاجيننا." قالت
جومانا بنبرة أكثر جدية: "تمام معاك حق ركزت." قال باسل بابتسامة خفيفة: "أهو ده الكلام يلا هنتدرب على الهجوم المضاد." استعادت جومانا تركيزها وبدأت تضرب بثقة أكبر، بينما كان باسل يصد ضرباتها بحركات مدروسة موجهًا إياها نحو تحسين أدائها التدريب استمر حتى أنهكها التعب، لكنها شعرت بشعلة تصميم جديدة داخلها. قال أحدهم: "هتعمل إيه ؟ نظر له مراد ثم أكمل ما كان يفعله أمام خزانته: "هجهز حاجاتي علشان بكره نمشي على طول وإنتَ؟
أمسك عمار هاتفه بملل: "أنا حضرت كل حاجة شوف قاسم." قال: "قاسم ..... قاسم ... إنتَ يا بني .... قاسم."
فاق قاسم من شروده نظر لهم الأثنين ثم تركهم وترك الغرفة بأكملها ورحل إلى الخارج يشعر بالأختناق حتى التنفس أصبح صعبًا وثقيلًا عليه ركض ركض بقوة لكنه ليس هروبًا من متوحش أو من عدو بل هروبًا من ماضي يلاحقه ليلًا ونهارًا ،هروبًا من ذكرياته المخزيه فهو السبب في كل ما حدث لها توقف يمسك ركبتيه يصرخ بصوتٍ مكتوم يصرخ ولا صوت يصدر منه يصرخ بإسمها صورتها لا تفارق خياله يتمنى لو لحظة فقط جوارها أن تأتي إليه في المنام لكنها لا تأتي هل هي غاضبة منه لهذه الدرجة ؟!
لم يشعر بشيء وكأن الساعة والدقائق والثوانٍ قد توقفت من حوله شعر بأحد وضع يده على كتفه من الخلف ،فُزع جسده ونظر خلفه لم يجد أحد نظر أمامه لم يجد أحدًا أيضًا لكنه سمع صوت همس له جوار أذنه: "مش ناسياك بس مستنية الوقت المناسب ، إنتَ قد المهمة دي متفكرش كتير علشان تركز." رحل الصوت وترك هذا العقل يفكر يفكر ولا يتوقف. في صباح جديد داخل قصر جاسر السيوفي استيقظ جاسر مبكرًا، لكنه لم يشعر بأي راحة.
رغم النشاط الظاهر في حركته،إلا أن عقله كان مشغولًا بأحداث الأمس. الكلمات التي دارت بينه وبينها لم تفارقه، وكأنها تنبئه بشيء قادم. بينما كان يستعد لبدء يومه صوّت هاتفه برنين متكرر مما زاد من توتره. قال: "مين اللي بيرن بدري كده؟ ده وقت؟ ترك ما بيده وخرج من الحمام بمنشفة تلف جسده أمسك الهاتف وأجاب بصوت غاضب: "عايز إيه؟ قال طه بنبرة مرحة: "إيه يا عم جاسر، صحيت ولا لسه بتحلم؟ قال جاسر بضيق واضح:
"يا طه أنا مش فاضي للهزار دلوقتي قولي بسرعة عايز إيه؟ قال: "كنت عايز أطمن عليك." قال: "سيبك مني طاهر عامل إيه صحيح؟ قال طه: "كويس مشغول بشغله إللي واخده مننا لكن ما تقلقش عليه." أنهى المكالمة سريعًا دون أن يمنح طه فرصة للرد، ثم ارتدى ملابسه بعناية، كأن تحضير نفسه بهذا الشكل محاولة للسيطرة على فوضى أفكاره.
قرر الاتصال بوالدته، ربما الحديث معها يخفف عنه. أخذ هاتفًا آخر وأجرى المكالمة فكانت أمه أصولها مصرية عكس والده الذي كانت جنسيته برتغالية. قال جاسر: "صباح الخير يا ست الكل." قالت مرفت بحدة مفاجئة: "صباح الخير؟ بعد ثلاث شهور مش بتسأل ولا حتى بترن فاكرني هفرح بمكالمة؟ قال جاسر: "يا ماما انشغلت شوية لكن إنتِ عارفة غلاوتك عندي." قالت: "آه غلاوة ظهرت فجأة؟ العيال مش بيسألوا عليك ولا حتى فاكرينك." قال جاسر:
"ماشي يا ماما لما أرجع هعوضهم المهم إنك تكوني بخير." أنهى المكالمة على وعد بالعودة القريبة، لكنه لم يكن متأكدًا متى سيفعل ذلك. قبل أن يتمكن من التقاط أنفاسه، جاءه اتصال آخر هذه المرة كان المتصل أكثر جدية. قال مدحت، بنبرة حادة: "إيه يا جاسر مش ناوي تحرك الشحنة الجديدة؟ قال جاسر: "هي الشحنة فين؟ قال مدحت: "مكانها جاهز بس فيه طلب." قال جاسر بحدة: "طلب إيه؟ قال مدحت: "البنتين اللي عندك... هيكونوا ضمن الصفقة."
صمت جاسر لثوانٍ، ثم رد بنبرة صارمة: "ولا في أحلامكم مش جاسر اللي يتساوم." قال مدحت: "ده كلام الراس الكبيرة، ولو رفضت في عواقب أخوهم ممكن ما يعديش الليلة." قال جاسر، بغضب: "بص يا دمحت انا لحد دلوقتي أخلاقي معاكم جميلة بس لو أتعصبت أكتر من كده جميلة دي هتبقى خالتك أنا قلت اللي عندي وأي تهديد مش هيغير موقفي." أغلق الهاتف دون انتظار رد، جلس على طرف السرير، يمسك رأسه محاولًا التفكير. قال جاسر، بصوت منخفض:
"ولاد الكــ،ـلب... سوريا وسهر كمان! كان يدرك أن اللعبة أصبحت أخطر، وأن القادم سيحتاج إلى قرارات مصيرية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!