في بيت قديم كانوا يجلسون مرتدين لون واحد وهو الأسود. إحداهن: صعبانين عليا أوي. فجأة افتقروا وجم عاشوا هنا. وشوية وجوزها يموت ويفضلوا كده. الأخرى: أنا اللي صعبان عليا أكتر البت الكبيرة. دلوقتي لا أم ولا أب، اتيتمت من الاثنين. الأولى: يعني مراته مش أمها؟ الأخرى: لا، مرات أبوها. الأولى: كنت فاكراها أمها لأنها بتعاملها كويس قدامنا. الأخرى: ده قدامنا بس، الله أعلم بتعمل فيها وإيه وهم لوحدهم.
الأولى: لا ياستي، ده عندها بنت تانية، وأكيد بتراعي ربنا عشان خاطر بنتها دي. الأخرى: الله أعلم... يلا ربنا يصبرهم. وانتهى العزاء سريعًا، ولم يتبقَ سوى ميلان، التي مازالت ممسكة صورة والدها وتنظر لها. وزوجة أبيها ميرفت، التي تنظر للفراغ وتفكر كيف ستعيش بعد الآن. كانت تنعم في ثراء زوجها، والآن ذهب الثراء وذهب زوجها، فماذا ستفعل؟
ومريم ابنة ميرفت، التي عمرها عشر سنوات فقط، ولا تفهم شيئًا سوى أن والدها سافر ولن يعود مرة أخرى. ميرفت: قومي يا ميلان، خدي مريم وادخلوا ناموا يلا. ميلان بهدوء: حاضر. أخذت أختها ودخلت الغرفة، وتركت ميرفت غارقة في أفكارها. .................................... مرت الأيام، وبدأت ميلان بالذهاب لمدرستها الحكومي تبعًا لتغير ظروفهم المادية، بالإضافة أنها لن تستطيع أخذ دروس مثل باقي زملائها. واتى يوم تغير فيه كل شيء.
المدير: كل حاجة تمام؟ المدرسة: أيوه يا مستر، كله تمام. المدير بجدية: الموافي بيه جاي النهارده علشان التبرع، مش عاوز غلطة. المدرسة: متقلقش. المدير: طب يلا ننتظره على البوابة. وقفوا ينتظرونه، مرت نصف ساعة. ثم أتت سيارة سوداء فخمة، وخلفها سيارة أخرى يوجد بها البودي جارد. نزل البودي جارد أولاً، ثم فتح أحدهم باب السيارة الأولى، ونزل منه رجل يظهر عليه الشدة والصرامة، كبير في السن في الخمسينات من عمره. مدير المدرسة
وهو يقدم بوكيه ورد له: أهلاً بالباشا، الشارع والمدرسة نوروا بوجودك النهارده. أحد البودي جارد يأخذ الورد منه ويلقيه بعيدًا. الموافي يدخل وهو يمسك عكازته الخشبية التي يتكأ عليها نتيجة إصابة قديمة في رجله. الموافي بحدة: أي الأخبار؟ المدير بقلق: كل حاجة تمام يا باشا. التبرع اللي بتسيبه بيدخل للمدرسة طبعًا. اتفضل معايا في المكتب وأوريك الورق. الموافي: لا، أنا هاُمر في المدرسة الأول. المدير بتوتر: أكيد زي ما تحب، اتفضل.
يمر الموافي على الفصول دون أن يتحدث، ثم يمر من أمام المعمل، ولكن استوقفه حديث المدرس لأحد الطالبات. فوقف يستمع والباب مفتوح قليلاً. المدرس بسخرية: لا، ده إحنا معانا عالمة في الكيميا واحنا مش عارفين. يضحك عليها باقي الطلاب. ميلان بتوتر: والله زي ما بقول لحضرتك يا مستر. لو غيرنا العنصر هينفع تبقى معادلة تانية نقدر نستخدمها في صنع قنبلة صغيرة لهدم البيوت القديمة أو في الجبل.
المدرس بحدة: وأنا ما قولتلكيش فكري، ولا سألتك عن رأيك. اللي أنا قلته في الدرس بس هو اللي يتذاكر، وهو ده اللي تعرفيه. ميلان بحزن: بس... المدرس: إنتي هاتردي عليا كلمة بكلمة ولا إيه؟ عقابًا ليكي هاتفضلي واقفة طول الحصة عشان تبقي تقولي رأيك تاني. ميلان: لا رد. وظلت واقفة. الموافي للمدير: البنت اللي واقفة دي اسمها إيه؟
المدير: اسمها ميلان، لسه محولة السنة دي. أبوها أعلن إفلاسه وبعدها مات، وهي حولت من إنترناشونال لهنا السنة دي. حتى مدخلها ضمن الحالات تحت تبرعك يا باشا. بس لو مضايقة حضرتك، أمشيها أو أحولها لمدرسة تانية، إنت تؤمر يا باشا. الموافي وهو يغادر: لا، سيبها هنا. ............................................... في اليوم التالي. رجعت ميرفت منهكة. ميرفت: ميلان! ميلان! إنتي يابني آدمة! ميلان: أيوه يا ماما ميرفت.
ميرفت: سخني الأكل عشان نتغدى. هاقع من طولي من كتر اللف على شغل. ميلان: طب الحمد لله، اشتغلتي؟ ميرفت: لا ياختي، الوضع زي ما هو... إنتي طابخة إيه؟ ميلان: رز وبطاطس وسلطة. ميرفت بتذمر وضيق: هو ده طبيخ؟ فين أيام ما كان يوم فراخ، يوم لحمة، يوم بط، وكنا بنهزق منهم، وعشان نغير نطلب دليفري. ميلان: طب أعمل إيه يا ماما ميرفت؟ هو ده اللي موجود في البيت. ميرفت: بطلي تردي الكلمة بعشرة وروحي حطي الأكل.
ثم تكمل قائلة: مريم رجعت من المدرسة؟ ميلان: آه ونايمة جوه... رجعت من المدرسة بتعيط ومفهمتش منها حاجة ونامت. ميرفت: أما أدخل أشوفها لحد ما تحطي الأكل. ميلان: ماشي. في غرفة كلا من ميلان ومريم. ميرفت: مالك يا حبيبتي؟ إيه اللي مزعلك؟ مريم: أنا مش عاوزة أروح المدرسة دي تاني. المدرسة دي وحشة وكل اللي فيها وحشين. ميرفت: ليه بس؟ إيه اللي حصل؟ مريم: مش مهم. المهم أنا عايزة أرجع مدرستي وألعب مع أصحابي.
ميرفت: مش هينفع يا مريم، وإنتي هاتفضلي في المدرسة دي على طول. مريم بحزن: ليه يا ماما؟ ميرفت: عشان مدرستك عايزة فلوس كتير، وإحنا فلوسنا ضاعت ومش معانا فلوس غيرها، ولازم تتعودي على مدرستك الجديدة. يلا قومي عشان نتغدى. مريم بضيق: مش عاوزة، مش جعانة. ميرفت بحدة: قومي يا مريم، مش ناقصة دلعك ده! هاخرج ألاقيكي ورايا. ثم غادرت، وخرجت من ورائها مريم. على طاولة الغداء. مريم بتذمر: إيه ده؟ مافيش لحمة ولا فراخ.
ميرفت بحدة: مريم، كلي بسكات. مريم بضيق: طيب. مرت الأيام وهما من سيء لأسوأ. وجدت ميرفت شغل في محل ملابس، ولكن يدوبك يكفي أكل وشرب وكهرباء ومايه. إلا أن أتى يوم كانت الساعة التاسعة مساءً. طرقت الباب سيدة بلبس أنيق ورسمي باللون الأسود. ميرفت: أيوه، إنتي عايزة مين؟ نجاة: إنتي مدام ميرفت؟ ميرفت: أيوه، إنتي مين؟ نجاة: طيب، ممكن ندخل نتكلم جوا. ميرفت: اتفضلي. نجاة بعد أن جلست على كرسي متهالك: أحم، أنا اسمي مس نجاة.
ميرفت: أيوه، مين يعني؟ أنا معرفكيش. نجاة: أنا سيدة منزل موافي بيه. ميرفت بتعجب: مين ده كمان!! نجاة: إزاي متعرفيهوش؟ ده رجل أعمال كبير ومعروف بأعماله الكتير في الخير. ميرفت: أيوه، أنا علاقتي إيه بكل ده؟ نجاة: اقعدي عشان نعرف نتكلم. ميرفت: قعدت... ممكن أعرف إيه الموضوع؟ نجاة: إنتي عندك بنتين، مش كده؟ ميرفت: أيوه، جوا بيذاكروا... متقولي من الآخر.
نجاة: أنا عارفة إنك كنتي هانم قبل كده، بتأمرين وأوامرك مجابة، وعايشة في بيت فخم، وعندك بدل العربية اتنين، وبناتك في مدارس خاصة فخمة، غير سفرات كل إجازة. الحال ده كله اتبدل في يوم وليلة، واللي زاد عليه موت جوزك. ميرفت بحدة: متقولي من الآخر، إنتي عايزة إيه؟ نجاة: عايزة أطلعك من كل ده، من العيشة الناشفة والبيت اللي عفشه كله قديم والحياة الصعبة اللي مش شبهك دي. ميرفت: ده اللي هو إزاي؟
نجاة: هاعطيكي 250 ألف جنيه، تقدري تعملي بيهم مشروع كويس تصرفي منه وترجعي بنتك مدرستها. ميرفت بشك: وده مقابل إيه؟ نجاة: بنتك ميلان، أو بمعنى أصح بنت جوزك. ميرفت: هاتعملي بيها؟ مش فاهمة. وبعدين إنتي عايزاني أبيعها!!! نجاة: ليه متقوليش هاتعطيها حياة أحسن من اللي عايشاها؟ ميرفت: أيوه، يعني هاتعملي بيها إيه؟ أيوه، إنتي قولتيلي شغالة عند موافي بيه، يبقى هو اللي عايزها في إيه؟
نجاة: متقلقيش، موافي بيه راجل كبير في السن ومش بيفكر في الجواز، وكمان ميلان في عمر أحفاده. ميرفت: يبقى عايزها ليه؟ نجاة: ده حاجة متخصكيش. اللي ليكي الفلوس، تاخديها وكاش. ميرفت: بس... نجاة: أنا هاسيبلك الكارت بتاعي قدامك يومين تفكري فيهم وتردي عليا. كادت نجاة أن تغادر، ولكن وقفت أمام الباب والتفتت. نجاة: فكري فيها بأنكِ ترمي ميلان، أو تغرقوا انتوا التلاتة. هاتختاري إيه؟ يلا سلام.
وغادرت، وتركت ميرفت داخل أفكار كثيرة. شيطانها يقول لها إنها فرصة العمر وفرصة خلاصها من الحياة الصعبة التي تعيشها، وهناك جانب آخر يقول لها كيف ستفرطين في ميلان وزوجها تركها لها أمانة. ظلت هكذا إلا أن غفت على الكرسي غصب عنها. ................................................ مرت يومين. ورفعت ميرفت الهاتف على أذنها. ثم قالت بتوتر: أنا موافقة، بس بشرط. نجاة على الجانب الآخر: اللي هو إيه؟
ميرفت: المبلغ يبقى الضعف. مبلغ 250 ده قليل عشان أعطيلك ميلان. نجاة: هابلّغ موافي بيه وأرد عليكي. بعد أن أغلقت الخط. صوت من ورائها: ميلان بكسرة وحزن: إنتي بعتيني؟! .................................. يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!