الفصل 5 | من 41 فصل

رواية المعلم الفصل الخامس 5 - بقلم تسنيم المرشدي

المشاهدات
29
كلمة
3,750
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

أوصدت باب غرفتها بعد أن أخبرته بعدم ملكيتها لرقم مصري، جلست على الفراش تستنشق أنفاسها وتحاول ترتيب أفكارها جيدًا، قبل أن تشرع في البدء فيما تريد. نهضت وتوضأت ثم شرعت في الصلاة بإتقان تناجي ربها أن يلهمها الصواب في قرارها. ذهب ياسر إلى معرض ريان لكنه قد أُغلِق منذ زمن، حتمًا سيكون مغلقًا في مثل هذه الساعة، تنهد مستاءً ثم سحب هاتفه من جيب بنطاله، قام بالاتصال على ريان الذي أجابه بصوت ناعس: خير يا ياسر حصل حاجة؟

حمحم ياسر بحرج بائن، لم يأبَ أن يضع نفسه في مثل ذلك الموقف المخجل لكن لا بد وأن يفعلها، سحب نفسًا عميقًا وقال بارتباك خجل: خير مفيش حاجة بس أنت كنت قولتلي هتزود لي القبض وأنا محتاج فلوس لأن بنت عمي ااا.. قاطعه ريان بنبرة رخيمة: هو المعرض قفل صح؟ أجابه ياسر بتهكم وهو يطالع باب المعرض الموصد: آه أنا واقف قدامه أهو. اعتدل ريان في جلسته وفرك ذقنه براحتي يده وقال مختصرًا حديثه: طيب تعالى تحت البيت وأنا هقابلك.

التوى ثغر ياسر بامتنان شديد، تنهد براحة ممزوجة بالسعادة التي تغلغلت لأعماق قلبه: متشكر يا ريان أنا مش عارف أقولك إيه، أنت ونِعْم الأخ. ردد ريان باقتضاب: ده حقك، يلا تعالى. نهض ريان بكسل وقام برش بعض المياه على وجهه لكي يستعيد وعيه كاملًا بينما أسرع ياسر خطاه إلى منزل ريان. أنا محروج منك قوي بس حقيقي مضطر لولا وجود بنت عم.. هتف ياسر بحرج بائن بينما قاطعه ريان بنبرة جدية:

يابني مش مضطر تشرح أنت أخويا الصغير يا ياسر، مش الصغير قوي يعني أنا كده كبرت نفسي قوي. هتف ريان مازحًا بينما انفجر ياسر ضاحكًا على دُعابته وربت على كتفه ممتنًا: ربنا يخليك ليا يا ريان أنا أبويا نفسه مش بيعمل معايا اللي أنت بتعمله ده.

(ياسر منصور العراقي، يبلغ من العمر السادس والعشرين، طويل القامة رفيع الجسد، يمتلك عيونًا رُدميّة اللون ذات لمعة مميزة، بشرته حنطية وشعره فحمي طويل بعض الشيء، الابن البكري لوالديه ولديه شقيقة تدرس الإعدادية تُسمى (أماني) ابتسم ريان بتكلف وردد متسائلًا: يلا روح شوف أنت رايح فين. شكره ياسر مرارًا ثم غادر، يريد شراء كل ما يوجد أمامه فقط من أجل ابنة عمه التي هزت كيانه منذ اللقاء الأول لهم.

تقوس ثغره بحماس بعدما أنهى جميع مشترياته وتوجه مباشرة إلى الفندق، قرع بابها بعد أن استأذن من موظف الاستقبال بالصعود إليها معلنًا عن هويته. توجست خيفة في نفسها أثر طرقات الباب في ذلك الوقت المتأخر من الليل، تمنت لو أن بإمكانها الاتصال بياسر حتى تكون في حمايتها، ماذا؟ ياسر؟ لِمَ تفكر به الآن؟ ازدردت ريقها بخوف أكبر عندما تكررت الطرقات، زفير وشهيق فعلت هي بتوجس، توجهت نحو الباب بخطى متمهلة وهتفت متسائلة: مين؟ أنا ياسر.

هتف بها ياسر بنبرة متحمسة لرؤية طيفها بفارغ الصبر، وضعت عنود يدها على صدرها وازفرت أنفاسها براحة ثم فتحت الباب بعد أن عدلت من حجاب رأسها واستقبلته مرحبة بخجل، تقوس ثغر ياسر عفويًا منه عندما ظهرت أمام مرأى عينيه. رفع المشتريات بالقرب منها بينما ضاقت بعينيها عليه بغرابة: إيه ده؟ ابتلع ريقه وأجابها بتوتر جلي قائلًا: ده أكل أكيد مأكلتيش بقالك فترة، وده خط اشتريته عشان لو احتجتي لأي حاجة تكلميني. ابتسم وتابع مضيفًا:

أنا ركبته على موبايلي وسجلتلك رقمي عليه. ابتسمت عنود رُغمًا عنها، لا تدري لِمَ يضحكها هذا الشاب باستمرار، تصرفاته العفوية التي يتعامل بها تجبرها على الابتسام وربما بعض الإعجاب. دقت أسارير السعادة قلبه عندما ابتسمت، لا يدري معنى تلك الابتسامة التي رُسمت على شفاهها الورديتين لكن يكفي أنها ابتسمت له فقط. أخذت عنود الحقائب البلاستيكية ورمقته ممتنة: متشكرة جدًا You are very Kind أنت لطيف جدًا! فغر ياسر

فاهه ببلاهة وردد بسعادة: أنتِ ألطف. انفجرت عنود ضاحكة على أسلوبه الطريف بينما شعر ياسر بالحرج وهتف مختصرًا حديثه: طيب أنا همشي لو احتجتي حاجة رقمي معاكي. هزت رأسها بإيماءة خفيفة بينما أولاها هو ظهره ثم توقف واستدار إليها قائلًا بلُطف: تصبحي على خير. ألمعت بندقتاها وأجبرت شفاهها على الابتسام ورددت بخجل: Good night ياسر.

يا لروعة اسمه، يا لجمال حروفه، شعر بأنه يمتلك اسمًا ملكيًا بعد نطقها لاسمه، كم نطقته بلُطف ورِقة، أراد أن يسمعه مرة أخرى، كأنها تعزف سيمفونية وليست فقط تنطق اسمه، أهو يبالغ أم تلك هي لوعة الحب؟! توردت وجنتيها بالحُمرة الصريحة خجلًا من أنظاره المثبتة عليها، كما تعجبت أيضًا من تركيزه الشديد بها. أنت روحت فين؟ هتفت متسائلة بحياء وهي تشير بيدها أمام وجهه، ردد ياسر عفويًا منه بنبرة رخيمة: فيكي!

اتسعت حدقتاها بذهول مما تفوه به لتوه، وهربت ببصرها بعيدًا عنه، انتبه ياسر لما قاله وقد تلونت وجنتيه بالحُمرة بسبب ذلة لسانه التي أوقعت به وبدا كالطفل أمامها. حمحم بحرج واستأذن بالمغادرة وركض مهرولًا خارج الفندق. أوصدت الباب بإحكام ووقفت خلفه تبتسم على ما بدر منه، نظراته لها وعفويته معها تسبب لها حالة من الغرابة الممتعة أو ربما تعجبها! ضربت رأسها بخفة مُشكلة ابتسامة متهكمة: إعجاب إيه بس، روحي نامي أحسن لك.

ألقت بجسدها المتهالك على الفراش وعانقت وسادتها بقوة حتى باتت في ثُبات عميق دون بذل مجهود. عاد ريان لمنزله على مضض، أوقفه حارس البناية قائلًا بصوت متحشرج: ريان بيه الأسانسير اتصلح. أومأ إليه ريان برأسه ثم سار باتجاه المصعد وولج داخله، ضغط على زر الطابق الذي يقطن به. تفاجأ بتوقف المصعد عند طابق منزل والده، كاد أن يضغط على زر الصعود ربما حدث عُطل ما لكنه صعق عندما رآها أمامه بتلك الهيئة.

لا بد وأنها جُنّت تمامًا، أهي واقفة أمامه بقميص نومها الذي يظهر أكثر مما يخفي! أوصد عيناه وهتف بعصبية: "امشي غوري من قدامي أصل ورحمة أمي هفضحك وما هيهمني حد." لم تعبأ لتهديداته وولجت داخل المصعد وهي تتغنج بكل وقاحة، ضغطت على زر الصعود للطابق العلوي (السطح) واقتربت منه بدلال مشكلة ابتسامة ماكرة: "أنت يعني لما تغمض عينك مش هقدر أقرب منك؟!

التصقت بصدره البارز أسفل ذاك القميص الرمادي، سمحت ليدها بالتسلل أسفل ثيابه وتلمست صدره بنعومة. شعر هو برجفة قوية في أوصاله أثر لمستها عليه، خفقات قلبه تزداد عنفًا مع مرور يديها على جسده. أوصدت رنا عينيها في بتلك اللحظة التي لا تحدث كثيرًا، أمسكت بيده ووضعتها على خصرها وأطلقت آنة لم تدرِ سببها أهي من فرط السعادة أم بسبب ضغطه على خصرها.

فتحت عينيها لتتفاجأ بسودتاه يرمقانها بغضب عارم كاد أن يفتكها من شدته. دفعها ريان مستنكرًا تصرفاتها الوقحة التي تعدت اللامعقول ودلف خارج المصعد وهبط إلى منزله هاربًا منها. وقف خلف الباب يتنفس الصعداء، تلاحقت ضربات قلبه بعنف، حاول أن يمحي تلك اللعينة من ذاكرته لكنها لا تذهب، لا تبرح عقله، خيالها يراوده حتى وهو موصد العينين، لمستها هزت جوارحه.

هز رأسه طاردًا تلك الأفكار التي حتمًا ستهلكه، سحق أسنانه بغضب شديد وهو لا يدري ماذا يفعل حتى يهدئ من روعه، لا بد وأن يفرغ تلك الشحنة مع زوجته، نعم هذا الحل الوحيد أمامه. ولج داخل غرفته ولعن تلك العباءة التي تمنى أن يشقها نصفين حتى لا تعود وترتديها مرة أخرى، اقترب منها بتهمل، جلس بجوارها على الفراش وتلمس قدمها من أعلى ثيابها. وما أن لمس طرف ثوبها حتى استيقظت دينا في ذعر وأعادت تغطية قدميها مرة أخرى وهتفت بحنق:

"في إيه أنت بتعمل إيه؟ اقترب منها وتلمس قدميها برغبة يحاول خلع العباءة لكنها أبت وابتعدت عنه متسائلة بجمود: "في إيه يا ريان مالك؟ رمقها بنظرات مشتعلة، جامدة لا تلين بشتى الطرق، لم لا تفعل مثل اللعينة رنا؟ أهي لا تعلم كيفية إغراء زوجها مثل رنا؟ نفخ ريان بضجر لأنه بسبب تصرفاتها يعود تفكيره بالأخير إلى رنا. نهض وهو يتأفف بغضب عارم وولج داخل حمامه ثم فتح صنبور المياه الباردة ووقف أسفلها لعله يهدأ قليلًا.

عادت إلى غرفتها يائسة من ذاك الذي أرهق قلبها، جلست على الفراش وأغمضت عيناها وهي تعيد ما حدث منذ قليل. سرت رجفة قوية في أوصالها لم يسبق لها وأن شعرت بها من قبل حتى مع زوجها الذي يتفنن لكي يرضيها فقط. شعرت بيداه الغليظة تتلمس ذراعها والأخرى تداعب خصلاتها المحررة، ابتسمت بسعادة لينهل على عنقها بقبلاته الناعمة التي تحولت إلى عنيفة بعض الشيء وهتف باسمها الذي يعتبره لغة عشق بينهم: "رنا."

اتسعت مقلتيها بصدمة عندما وقع على مسامعها نبرته التي تحفظها جيدًا، أصاب حدسها الأنثوي فهو هاني زوجها وليس ما تمنته. شهقت بصدمة متمتمة بعدم تصديق: "أنت!! ابتسم لها ببلاهة وقد عاد لما يفعله: "أيوه أنا أومال هيكون مين يعني؟!

حاولت الفرار من بين قبضتيه لكنه أبى فهو لن يبتعد عنها قبل أن يكمل ما بدأه، لم تعد تنجح في مسايرته وكأنه يأبى لمساته عليه بعد لمسات ريان التي أجبرته هي على فعل ذلك. انسدلت دموعها رغماً عنها وهو لم يعبأ لقطراتها الموجوعة قط. أشرقت الشمس وملأت الأرض بنورها، استيقظ ريان على أثرها، وضع يداه أمام عينه يحاول حجب ذاك الضوء. نهض من مكانه شاعرًا بصداع شديد يعتلي رأسه.

ضغط براحتي يده على رأسه ربما يقلل من هذا الألم لكنه فشل، ولج داخل غرفته وفتح درج الكومود وسحب منه أقراص مسكنة وتناول قرصين ثم ارتشف بعض المياه ورمق زوجته النائمة شزرًا فهي لم تشعر من الأساس بعدم نومه بجوارها ألهذا الحد لا تعبأ له؟ شعر بالضيق يتغلغل تدريجيًا بداخله حتى تملك منه الغضب الشديد، أسرع في ارتداء ثيابه وهم بمغادرة المنزل قبل استيقاظها.

نهضت من جانبه وهي تشعر بآلام متفرقة في جسدها بسبب الرجل البغيض الذي تسبب في ذلك، ولجت داخل حمامها وحظت باستحمام سريع. دلفت خارج الغرفة قبل أن يستيقظ وتُجبر على مسايرته لحين ذهابه، تقابلت مع يحيى في الممر الجانبي للغرف. ابتسمت بتهكم وهتفت باهتمام زائف: "أحضرلك الفطار؟ رمقها يحيى بنظرات تحمل من التقزز الممزوج بالاحتقار قدرًا، شعرت بالغرابة من أمره فهي لم تعتد تلك النظرات. عقدت ما بين حاجبيها وتساءلت بفتور:

"في إيه بتبصلي كده ليه؟ كاد أن ينفجر بها ويعترف بأنه رأى قذراتها التي تفعلها مع أخيه لكنه تماسك حتى لا تقلب عليه الطاولة حتمًا تلك العقربة ستلدغ من يهد عشها. تنهد بضيق وحاول أن يجمع كلمات ليقولها: "أصل أنتِ عمرك ما حضرتي الفطار دينا اللي بتنزل تحضره فاستغربت." ابتسمت رنا بتهكم وأجابته باقتضاب: "أنت حبيبي يا يحيى ليك معزة خاصة عن الكل، ها تحب أحضرلك الفطار؟ اتسعت حدقتا يحيى بصدمة أهذا بمثابة اعتراف لحبه هو الآخر؟

ماذا تنوي فعله تلك اللعينة بعد؟ تركها وغادر سريعًا دون أن ينبس بحرف أسفل نظراتها المتعجبة من تصرفاته المبهمة التي تشهدها لأول مرة، لم تبالِ كثيرًا وتابعت سيرها بتغنج نحو الباب لعلها تلمح طيف ريان وتهدئ من لهيب عشقها. استيقظت بشعور مختلف كليًا، أتلك علامة على مكوثها أم ماذا؟

لا لن تتسرع في حكمها بالتأكيد ستظهر علامات أخرى تثبت أن مكوثها هنا الأفضل لها، لم تفكر فقط بالمكوث وليس بالمغادرة وكأن فكرة العودة قد حذفت من عقلها تمامًا. تنهدت بحرارة ثم ارتدت ثوبًا فضفاضًا نوعًا ما، وقفت في شرفة الغرفة ذات المساحة الصغيرة التي تطل على جميع زوايا الحي التي تقطن به. سمحت لعينيها بمشاهدة الأماكن جيدًا وكأنها تحفظ معالمه لكي يسهل عليها التحرك بها. سحقًا لماذا يعود تفكيرها دائمًا بالمكوث؟

طردت أفكارها لكي لا تتسرع في أخذ قرارها، يجب التأني قبل أي خطوة مقبلة عليها كما تعلمت من والدها. شكلت ابتسامة على محياها عندما تذكرتهم وهتفت بألم: "ربنا يرحمهم ويسكنهم الفردوس الأعلى." عاودت لتفحص كل ركن في المنطقة البسيطة التي لازالت بعض منازلها بالحجارة الحمراء ويفصل بين الحجارة والأخرى لون رمادي. والبعض الآخر من المنازل تقف على محارتها رمادية اللون، لمحت تلك اللوحة الضخمة التي يتوسطها اسم (آل الريان)

للأثاث. رفعت بصرها على البناية الضخمة التي تعلو جميع البنايات الأخرى، وأيضًا يعتليها (آل الريان) بالتأكيد نفسه صاحب معرض الأثاث. صغت إلى قرع الباب، توجهت نحو الباب بخطى متريثة ورددت متسائلة بنبرة مرتبكة فهي لم تعتد المكان بعد: "مين؟ "أنا ياسر." هتف بنبرة متلهفة بينما فتحت له الباب بابتسامة لم تتعد شفاهها، بادلها ياسر ابتسامة شغوفة ورفع يده نحوها قائلًا: "فطار بسيط."

شعرت عنود بالخجل تجاهه لا تدري لمَ، لكن يوجد به شيء يثير ارتباكها، شعرت بتلك الحرارة المنبعثة من وجهها فتأكدت أنه صار كالبندورة من فرط الخجل. استشف ياسر خجلها من تورّد وجنتيها، أسرع بالقول متسائلًا: "ها قررتي هتعملي إيه؟ رفعت بندقيتاها عليه بغرابة وأردفت: "لا لسه مش عارفة أكيد يعني مش هلحق أقرر في الكام ساعة اللي أصلاً أنا كنت نايمة فيهم." تنهدت ثم واصلت حديثها المسترسل:

"بس أكيد هاخد قرار سريع عشان الدراسة قربت تبدأ وأنا لازم أقدم." رمقها ياسر بنظراته المبهمة التي لم تستطع عنود تفسيرها، تابع هو متسائلًا بفضول: "أنتِ عندك كام سنة؟ أجابته بتلقائية عابثة: "18 سنة." اتسعت حدقتا ياسر بذهول وتمتم دون وعي منه: "18! انتي صغيرة أوي! ابتسمت عنود بعذوبة وقد شعرت ببعض الحرج، ليتابع ياسر مضيفًا: "آه شكلك صغير بس بصراحة متوقعتش أنك تكوني أقل من 20 سنة، وأنا اللي كنت ها...

صمت من تلقاء نفسه، بينما رفعت بندقيتها عليه ورمقته بعدم استيعاب وأردفت متسائلة: "ها إيه؟ هز رأسه رافضًا متابعة حديثه وحاول تغيير مسار الحوار: "لا ولا حاجة، أنتي معاكي رقمي لو احتجتي لحاجة كلميني هجيلك على طول." حركت رأسها بإيماءة خفيفة ممتنة له، أولاها ياسر ظهره وكاد أن يغادر لكنه توقف والتفت إليها: "هستنى مكالمتك! عقدت عنود ما بين حاجبيها بغرابة: "ليه؟ حمحم بحرج بائن وأردف بنبرة متحشرجة: "تعرفيني قرارك!

التوى ثغرها بابتسامة بشوشة بينما غادر وهو يشعر بالسعادة قد دقت طبول قلبه لظهور تلك الصغيرة في حياته، لكنها أصغر مما توقع فبأي صفة ستقبل به في حياتها؟ وبأي صفة يريد هو التقرب منها، كأخ لها أم شيء آخر كحبيب مثلًا أو ربما زوج. انفجر ضاحكًا على تفكيره الساذج وما زاده إلا حماس لما هو آت. وصل ريان إلى ورشته الصغيرة التي بدأ منها، رحّب به المسؤول عنها (رفعت) بحفاوة واستقبله استقبالًا حارًا:

"معلم ريان بنفسه هنا دي الدنيا نورت والله، اتفضل يا معلم." ابتسم ريان بتكلف ثم جلس على المقعد الخشبي وأشار لرفعت بالجلوس أمامه. أمر رفعت أحد عماله بجدية: "هات حاجة سقعة للمعلم ريان بسرعة." رد عليه ريان مسرعًا: "ملوش لزوم يا معلم رفعت أنا جاي في حوار كده وماشي على طول." اعتدل رفعت في جلسته وأجبر حواسه على الانتباه جيدًا وسأله باهتمام: "خير يا معلم حوار إيه؟ تنهد ريان ثم ارتشف القليل من الماء الموضوع أمامه

وبدأ في حديثه مباشرة: "عديت بالصدفة على ورشة الحاج منصور ابن عم أبويا ولقيتها فاضية." صمت ريان من تلقاء نفسه عندما رأى علامات التوتر قد اعتلت وجه الآخر، أزفر أنفاسه بضيق وتابع حديثه مضيفًا بجدية حازمة: "ولما سألته الورشة فاضية كده ليه قالي أنك مش بتبعت له شغل، خير حصل حاجة عشان تمنع الشغل من عنده كده فجأة؟ شهيق وزفير فعل رفعت بتوتر ثم قرر مصارحته بحقيقة الأمور وله حرية التصرف:

"يا معلم ريان أنا كنت بعمل اللي أمرتني بيه، وكنت ببعت له بالعشر أوض في اليوم على إني أستلمهم آخر الأسبوع، آخر الأسبوع يجي وألاقيه لسه بيبدأ في أول أوضة وأنت عارف أن شغلنا بيكون اتفاقات على مواعيد معينة وكنا اتأخرنا في كذا طلبية والناس بقت تشتكي وهددوني أنهم مش هيتعاملوا معانا تاني، وقتها دورت على واحد بديل ليه وفي نفس الوقت ببعتله الأوضة اللي كان بيقعد فيها بالأسبوعين طالما كده كده مش بيعمل غيرها."

تفاجأ ريان بحديث رفعت فياسر لم يبلغه بالأمر كاملًا، ربما ليس لديه علم وإلا كان أخبره به، تنهد بضجر بائن ثم نظر إلى رفعت قائلًا بنبرة متريثة: "أنا لأني بحترمك وعارف أنك قاصد مصلحة الشغل مش هطول في الكلام بس بعد كده أي حاجة تحصل ترجعلي فيها قبل ما تاخد قرار من نفسك، والكمية اللي كنت بتبعتها ابعتها تاني وأنا هتكلم معاه بنفسي." أومأ رفعت رأسه بالإيجاب بينما نهض ريان وقال: "بعد إذنك."

غادر المكان سريعًا وركب سيارته وعاد بها إلى معرضه ليختلي بنفسه قليلًا لكي يرتب حسابات حياته التي انقلبت رأسًا على عقب. انتهزت رنا فرصة انشغال دينا في إعداد الغداء وأخذت مفاتيح منزلها ودلفت إلى الخارج بهدوء لكي لا يلاحظها أحد. صعدت إلى الأعلى وفتحت باب المنزل وولجت إلى الداخل بخطى متمهلة، أوصدت الباب خلفها برفق ثم تسللت داخل غرفته وما إن وقفت في منتصفها حتى تغلغلت رائحة عطره التي تعشقها إلى أنفها الصغير.

اقتربت من خزانته وفتحتها، أخذت تتلمس ثيابه وجميع أشيائه بيدها، جذبت أحد قمصانه وعانقته بشدة كأنه هو من يعانقها وليس مجرد ثوب خالي من البدن، توجهت نحو المرآة وأمسكت بعطره، رفعته بالقرب من أنفها وظلت تستنشق عبير رائحته التي بالتأكيد ستجن قريبًا إن لم يسمح لها بالتقرب منه والاستمتاع بكل أشيائه. أعادت العطر مكانه، وتفحصت الغرفة سريعًا ثم هبطت إلى الأسفل قبل أن يُفضح أمرها.

جلس ريان على مقعد مكتبه يرتشف قهوته الخالية من الدسم، نظر إلى حيث الباب عندما سمع طرقاته، سمح للطارق بالدخول وإذا به يحيى، التوى ثغره بابتسامة باهتة وأشار إليه بالجلوس، جلس يحيى بالمقعد المقابل له وتعابير وجهه لا تبشر على الخير. وضع ريان فنجان قهوته على مكتبه ونهض من مكانه وجلس بالمقعد المقابل لأخيه وتساءل بتوجس: "في إيه وشك مقلوب كده ليه، حصل حاجة؟

تنهد يحيى بضيق عارم ممزوج بالخجل، كيف له أن يصارح شقيقه الأكبر في هذا الموضوع، هو ليس بتلك الجرأة حتى يتحدث معه بتلك الخصوصية، لكن لم يكن أمامه سوى أن يبوح بما يوجد داخله ربما يدله ريان على الصواب. رفع عيناه على ريان وأردف بحرج: "أنا سمعت كل اللي رنا قالته إمبارح! اتسعت مقلتي ريان بصدمة جلية، أيعقل أن رآه معها في تلك الحالة التي كانت عليها، ابتلع ريقه وهو لازال مندهشًا ولا يدري ماذا يجيبه. تابع يحيى حديثه

وهو يفرك أصابعه بعصبية: "كنت طالع لك السطح وسمعتها وهي بت... لم يستطع يحيى إكمال حديثه بينما تنهد ريان ببعض الراحة لأنه لم يرَ ما حدث في المصعد حتمًا كان سيصعق أكثر من ذلك. مال ريان بجسده للأمام لكي يكون أقرب إليه، وضع يده على فخذ يحيى قائلًا بنبرة متريثة: "أنت جايلي ليه يا يحيى، أكيد شوفتني وأنا بصدها ولا أنت شاكك فيا و... قاطعه يحيى مبررًا قصده:

"لا لا شاكك فيك إيه بس، أنا مصدوم الموضوع مش سهل عليا وبصراحة أنا م عدتش طايق أبص لها بقيت قرفان منها أوي، ومش عارف هقدر أمثل في تعاملي معاها لحد أمتى، ريان أنا جيلك عشان أقولك إديهم الشقة أنا م عدتش عايز أشوف وشها تاني." سحب ريان نفسًا عميقًا وعاد بظهره للخلف ورد على أخيه بتهكم:

"سبق ورفضت بحجة أنها شقتك بس الصراحة إني مش عايز البني آدمة دي في البيت أصلًا، ما أنا كنت قلتلهم ماشي خدوها وكنت جبتلك واحدة أحسن منها بمليون مرة بس أنا مش قابلها في البيت ولو كنت مش قابلها قيراط الوقتي مش قابلها 24 قيراط، أنا عايز أبعدها عني بأي طريقة وفي نفس الوقت هاني صعبان عليا أنه يعيش مخدوع مع واحدة زي دي بس أنا عارف أنه مش هيصدقني لو قلتله، فأنا اللي هقدر أعمله حاليًا إني أجيبله شقة بعيدة، وبعيدة أوي كمان."

أومأ يحيى رأسه مؤيدًا قرار أخيه: "أيوة يا ريان يا ريت في أقرب فرصة، يا ريت قبل ما الكلية تبدأ لأني مش عايز حاجة تشغلني عنها." ربت ريان على فخذ يحيى مشكلًا ابتسامة عريضة على ثغره: "أيوة بقى يا باشمهندس، أوعى تيأس في يوم أنا في ضهرك ديمًا لحد ما تخلص دراستك." ابتسم يحيى بامتنان ووضع يده على يد أخيه الموضوعة على فخذه وأردف بحنو:

"ربنا يخليك ليا يا ريان أنا من غير تشجيعك ووقفتك جنبي مكنتش دخلت الكلية اللي بحلم بيها من صغري." نهض ريان واقترب منه وجذبه من ذراعه وعانقه بشدة: "أنا شايف نفسي فيك يا يحيى، أنت بتعمل اللي أنا مقدرتش أعمله، بنجاحك مش ه ندم في يوم إني مكملتش تعليمي وحصل اللي حصل عشان أشوفك ناجح." شد يحيى على ظهر أخيه بقوة وأردف بحماس: "ربنا يقدرني وأفرحك يا حبيبي."

وقفت عنود تضبط حجابها بعدما انتهت من ارتداء ثيابها، قررت أن تحاول ثانية مع عائلة والدها ربما تلين قلوبهم وتتغلب صلة الرحم عليهم ويقبلوا بها بينهم. وقفت أمام ذاك الباب التي غادرته أمس بعد أن تلقت صفعة قوية على وجهها، شعرت بنفس ألم الصفعة وتحسست وجنتها بحزن وكادت أن تغادر لكنها صمدت فهي ستحاول لآخر لحظة فتلك وصية والدها. قرعت الجرس، وبعد برهة فُتح الباب من قِبل فتاة صغيرة، ابتسمت لها عنود ثم قالت:

"ممكن أقابل أونكل منصور؟ رمقتها الفتاة بتفحص ثم تساءلت بفضول: "أنتي مين وعايزة بابا في إيه؟ اتسعت ابتسامتها عندما تأكدت من هوية الفتاة، كم تمنت أن تمكث بينهم أفضل لها من أن تعود وتمكث بمفردها، تنهدت بحرارة وأجابتها قائلة: "أنا عنود بنت ع... قاطعتها سعاد مندفعة بها: "أنتي تاني، أنتي محرمتيش يا بت أنتي، عايزة تتضربي تاني عشان تخلي عندك دم؟

صُدمت عنود من ذلك الهجوم عليها، حاولت أن تتماسك قدر المستطاع فهي أولًا وأخيرًا تحاول فقط من أجل والدها، وإذا فشلت بمحاولاتها ستعود إلى حيث جاءت على الفور. تنهدت ثم ردت عليها باحترام: "لو سمحتي اسمعيني أنا مش عايزة حاجة منكم، أنا بس عايزاكم تقبلوني بينكم ومش هكلف أي حد حاجة أنا هشتغل وهصرف على نفسي بس يكفيني إني أكون وسط أهلي مش أكتر." وضعت سعاد يدها في منتصف خصرها رافعة إحدى حاجبيها:

"لا يا بت صدقتك أنا، ده أنتي تربية أجانب يا بت يعني الله أعلم أنتي بنت سيف ولا بنت واحد تاني." اتسعت مقلتي عنود بصدمة أكبر، أغمضت عينيها تحاول جاهدة ألا تذرف دموعها وتظهر ضعيفة أمامها، فتحت عيونها على صوته الجهوري: "أنتوا واقفين على الباب كده ليه؟ تساءل منصور ثم صُدم عندما رآها مرة أخرى، تجهمت تعابير وجهه وصاح بها هادرًا: "أنتي جاية تعملي هنا إيه؟

ما تغوري للمكان اللي أنتي جاية منه ومتقرفيناش معاكي ومش عشان ابني حنين معاكي تفتكري إني هسمح لك تضحكي عليه لا أنسي." صمت منصور لتتابع سعاد مضيفة بتهديد: "ده أنا آكلك بسناني لو فكرتي تقربي من ابني." أجهشت عنود في البكاء لأولئك الناس عديمي الرحمة، لكن لا لن تسمح لهم بإهانتها فلقد بلغت ذروة تحملها، كفكفت عبراتها بأناملها. اعتدلت في وقفتها أمامهم بشموخ: "أنا مش همشي من هنا دي بلدي زي ما هي بلدكم!

رمقتهم عنود بنظرات مشتعلة ثم غادرت سريعًا هذا المكان الذي يسبب لها الضيق، عادت إلى غرفتها بالفندق واستلقت بجسدها على الفراش وهي تعيد ما قالته متعجبة من أمرها: "أنا ليه قلتلهم إني هقعد هنا، مش ده خالص اللي كنت مخططاله، أنا كنت همشي لو فشلت معاهم ليه قلت كده، وليه أصلًا عايزة أكمل هنا، وأنا متأكدة إني هقابل مشاكل كتير."

أوصدت عينيها مخفية بندقيتها خلف جفنيها تحاول فهم ذاتها، نهضت وتوجهت إلى شرفة الغرفة واستندت بمرفقيها على سور الشرفة وهي تطالع المنطقة بشغف: "ربنا أراد إني أكمل هنا فيكي، يا ترى هيحصلي إيه؟ هزت رأسها برفض لما تقوله متمتمة بندم: "أستغفر الله العظيم إيه اللي أنا بقوله ده، ربنا يدبرلي أمري." عادت لتستكشف ثغرًا آخر في ذلك الحي البسيط التي ستمكث بها.

حل الليل سريعًا، علم ياسر ما حدث لعنود من شقيقته الصغرى، تدفقت الدماء في عروقه غضبًا لما فعلاه والديه بتلك الصغيرة. سحق أسنانه بغضب ثم دلف خارج المنزل متجهًا إلى الفندق القاطنة هي به، طرق بابها ووقف قيد انتظار ظهورها، فتحت هي دون أن تعرف هوية الطارق وكأنها تثبت لنفسها مدى قوتها وتغلبها على خوفها. شكلت ابتسامة على ثغرها عندما رأت ياسر، فهي كانت على دراية بأنه من يطرق بابها، بينما تعابير وجه ياسر لم تتغير كثيرًا

وتحدث بنبرة محتقنة: "أنا عرفت اللي عملوه فيكي أنا آسف... قاطعته ورددت قائلة: "متتأسفش لو سمحت ده مش ذنبك هما اللي المفروض يعتذروا، والأيام بينا طويلة يمكن يندموا في يوم ويعتذروا." ضيق عينيه عليها متسائلًا باهتمام: "أفهم من كلامك إنك هتقعدي هنا ومش هترجعي؟ أومأت رأسها مؤكدة حديثه، انعكست ملامحه إلى السعادة وهتف بنبرة مرتفعة بحماس شديد: "كويس إنك قررتي تفضلي هنا، أنا كنت هزعل أوي لو رجعتي." ضيقت بندقيتها

عليه متسائلة بفضول: "هتزعل! ليه؟ نظر إليها بحرج فهو منذ أن رآها لا يفعل شيئًا سوى أن يقع بلسانه معها. تنهد ثم حاول تغيير مسار الحوار بنبرة خجولة: جبتلك عشا، أنا عارف إن الغدا على الفندق عشان كده مجتش وقت الغدا أوعي تفتكري إني نسيتك. أنا قولتلك إنتي في حمايتي ولسه عند كلامي.

تقبلت عنود تغييره للحوار وبادلته ابتسامة عذبة لحديثه الذي لم يفشل قط في إسعادها. شكرته ممتنة لاهتمامه وذوق تعامله معها ثم أوصدت الباب بعدما تأكدت من مغادرته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...