الفصل 6 | من 41 فصل

رواية المعلم الفصل السادس 6 - بقلم تسنيم المرشدي

المشاهدات
21
كلمة
3,928
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

جلس ريان أمام والده وطلب من شقيقه المكوث معهم، تنهد ثم قال بنبرة تريد الخلاص: _أنا جبتلك شقة بعيدة عن هنا نص ساعة، مفتاحها أهو تقدروا تروحوا في أي وقت. اتسعت مقلتا هاني بدهشة وهتف بعدم تصديق ممزوج بالذهول: _بجد؟

أومأ ريان رأسه مؤكدًا حديثه، نهض هاني بحماس جلي، تقوّس ثغر ريان بابتسامة ظنًا أنه سيبادله عناق، نهض هو الآخر حتى يعانقه، لكنه تفاجأ بولوجه داخل غرفته، ارتخت ملامح ريان بيأس وفقدان أمل فهذا هو أخوه ولن يتغير قط. ولج هاني لغرفته مسرعًا، اقترب من زوجته الحبيبة وحاوطها من ظهرها ثم رفع يده أمام عينيها: _مفتاح شقتنا يا روحي. اتسعت خضراواتها بدهشة واستدارت إليه بجسدها ورددت بعدم تصديق: _بجد؟ ريان وافق يعطينا الشقة اللي فوق؟

هز هاني رأسه بإنكار وقال موضحًا: _لا دي شقة تانية بيقول بعيدة عن هنا نص ساعة، بس مش مهم المهم إن بقي لينا شقة لوحدنا. استشاطت غيظًا مما يفعله ذاك الريان حتى يبعدها عنه، لكن لا لن تخضع إلى تصرفاته الحمقاء وتعلن استسلامها بتلك السهولة التي يتوقعها فالطريق ما زال طويلًا حتى تصل إلى قلبه ولن تتركه قط. تنهدت بغضب ثم أخذت المفتاح من بين يدي زوجها بعصبية ودلفت إلى الخارج مندفعة بريان قائلة بوقاحة:

_متشكرين يا معلم ريان إحنا مش بنشحت منك، أنا مبسوطة هنا ومش همشي بالسهولة اللي أنت مفكرها دي، أخوك عندك أهو لو عايز يمشي هو يتفضل لكن أنا لأ. اقتربت منه وانحنت بجسدها لتكون في مستواه وأمسكت بيده ثم وضعت بها المفتاح وهي ترمقه بنظرات مشتعلة ثم ولجت داخل غرفتها مرة أخرى أسفل نظرات هاني المصدومة. بربك ماذا تفعلي أيتها المجنونة البلهاء؟ أترفض الآن وهي من طالبت بتلك الشقة؟

أليست هي من أذاقته مرارة الحياة فقط لكي تحصل على تلك الشقة؟ لقد افتعلت العديد من الأكاذيب الفارغة لكي تمنعه من التقرب منها حتى تملك تلك الشقة! إذًا ماذا حدث الآن؟ ولج خلفها وطرق الباب بعنف واندفع بها بنبرة حادة: _ينفع أفهم إيه اللي أنت عملتيه ده؟ مش دي الشقة اللي كنتي هتموتي عليها. رمقته شزرًا وهي تسحق أسنانها بغضب وصاحت به: _أنا عايزة الشقة اللي فوق مش التانية. رفع حاجبيه بذهول مستنكرًا تصرفاتها المبهمة بالنسبة

له وتمتم بعدم تصديق: _يا سلام! هي فرقت يعني؟ فوق من تحت مش المهم إننا في الآخر هنتلم لوحدنا في شقة. تأففت رنا بضيق بائن ثم أولته ظهرها متوعدة لريان متمتمة بداخلها: _ماشي يا ريان عايز تبعدني عنك، ده بعدك، بكرة أنت اللي هتجيلي تتمني رضايا استني عليا بس مش رنا الدمنهوري اللي يتضحك عليها. خارج الغرفة.. تنهد ريان مستاءً، وهتف بتهكم: _أنا كده عملت اللي عليا يا حج. _عداك العيب يابني.

قالها ماهر بأسى لما يحدث، بينما استأذن ريان ثم صعد إلى الأعلى، كاد أن يفتح الباب لكنه تراجع وفضل المكوث مع صديقه قليلًا، قبل أن يقابل ذات الرداء الفضفاض، ظهرت على ثغره ابتسامة ساخرة عندما وصفها بذلك الوصف. هبط سريعًا إلى الأسفل قبل أن تشعر بوجوده، وقام بالاتصال على صديقه خالد قائلًا: _إيه يابني أنت فين؟ _أنا في البيت في حاجة؟ قالها خالد وهو يقبِّل وجنتي آية (زوجته) بحب، أجابه ريان بتوسل:

_طيب ما تنزل تقعد شوية على القهوة، أنا مش عايز أطلع البيت من بدري كده! رمقته آية بنظرات رافضة تمامًا لتلك الفكرة، ابتسم خالد على تصرفاتها ثم هتف قائلًا: _خمس دقايق وهتلاقيني عندك، سلام. ابتعدت عنه وقد اعتلى الغضب تقاسيم وجهها وصاحت به: _هتنزل وتسيبني يا خالد، ماشي براحتك يلا قوم روح لصاحبك. تعالت ضحكاته ثم جذبها لأحضانه مرة أخرى، حاولت التملص من بين ذراعيه لكنه أبى أن يتركها قائلًا بحدة مصطنعة:

_ما تهدي بقى، ريان مش بيطلب نقعد في القهوة غير قليل جدًا، وغالبًا بيكون مخنوق من حاجة فطبيعي أقف معاه ولا إيه يا يويو؟ تنهدت مصطنعة الحزن: _خلاص خلاص أنا لحظة كمان وهشفق عليه. لكزها خالد في ذراعها قائلًا بمزاح: _اتلمي يابت ويلا قومي حضريلي هدوم على لما آخد دوش سريع. غمز إليها بعينيه بينما هي قهقهت بدلال، بادلها خالد الضحك هو الآخر وهتف مازحًا: _العب يا سمك.

نهضت آية من جانبه وتعمدت أن تتغنج أمامه ربما يشعر بالندم حيالها، استدارت إليه ورمقته بطرف عينيها: _أنت الخسران أصلًا مش أنا. زم شفتيه بحزن زائف وردد مستاءً: _عارف والله بس خليها عليكي المرة دي، يلا بقى اعملي اللي قلتلك عليه بسرعة. أرسل إليها قُبلة في الهواء ثم ولج داخل حمامه لينعم باستحمام سريع. أنهى حمامه ودلف للخارج، ارتدى ثيابه التي أحضرتها آية ثم اقترب منها وقبّل طرف شفتيها بنعومة شديدة: _سلام يا حبيبي.

اقتربت هي منه وقبلته في وجنته قائلة برقة: _ما تتأخرش. أومأ رأسه ثم غادر المنزل متوجهًا إلى المقهى الذي يجلسان به دومًا، وصل إلى ريان وجلس مقابله وقال متسائلًا باهتمام: _مالك يا بني أنت مش بتطلب نقعد هنا غير لما بيكون في حاجة؟ زفر ريان أنفاسه بضجر بائن وهتف مغيرًا مسار الحوار: _لا عادي عايز أسهر معاك بس مش أكتر. رفع خالد حاجبيه بعدم تصديق: _مممم هحاول أصدقك، تلعب طاولة؟ ظهرت ابتسامة عريضة على ثغر ريان قائلًا بغرور:

_وحشتك الخسارة؟ انفجر خالد ضاحكًا وأجابه من بين ضحكاته: _ده أنا هقطعك يا عراقي بس اصبر عليا بس. مر ياسر وألقى التحية عليهم وردد مرحبًا: _مساء الخير يا رجالة. التوى ثغر ريان بابتسامة وسأله بفضول: _راجع منين كده في الوقت ده؟ اقترب ياسر منهم وسحب مقعد وجلس بينهم وأجاب ريان قائلًا بتهكم: _مفيش كنت عند بنت عمي في الفندق. ضيق ريان عينيه عليه عاقدًا حاجبيه بغرابة وسأله متعجبًا: _هي بنت عمك قاعدة في فندق ليه؟

حمْحم ياسر بحرج وهتف موضحًا: _أهلي مش قابلينها مع إن هي والله محترمة جدًا وهادية وتتحب و... صمت ياسر من تلقاء نفسه عندما أدرك وقوعه بالحديث ورأى كلًّا من خالد وريان يرمقانه بنظراتهم المتعجبة ثم انفجرا كليهما ضاحكين، أسرع خالد بالحديث ساخرًا: _ده العراقي الصغير وقع ولا حد سمى عليه. تابع ريان مضيفًا على حديث صديقه: _أنت نويت يابني على الجواز بالسرعة دي؟ عقد ياسر حاجبيه بتعجب وتساءل بفتور:

_هو مش مسألة جواز أكيد في الوقت ده، ده أنا لسه عارفها من يومين بس أنا مرتاح لها دي كل الحكاية. ردد خالد وهو يكمل لعبه مع ريان دون أن ينظر إلى ياسر: _مرتاح وبعدها مرحلة إعجاب وبعدها تدخل على الانجذاب وهوبا تقع في الحب يا عزيزي. تقوس ثغر ياسر بابتسامة خجولة وقد تلونت وجنتيه بالحمرة خجلًا، ثم تساءل ريان بغرابة: _وليه يعني ما يتجوزهاش على طول بدل اللفة دي كلها؟

رمقاه كليهما بنظرات مبهمة لم يستطع تفسيرها حتى شعر ريان أنه قد فعل شيء فادح بسبب نظراتهم، ابتلع ريقه وتساءل بحيرة: _في إيه بتبصولي كده ليه؟ أجابه ياسر موضحًا: _جواز من غير حب إزاي، دي تبقى حياة شكلها إيه دي؟ أضاف خالد لحديث ياسر قائلًا بنبرة متريثة: _يابني في ناس بتدخل حياتك تتحكم في دقات قلبك، تلاقي قلبك هادي وأول لما يشوفهم يعمل مهرجانات جوة كأنه مش بيشتغل غير في وجودهم. ردد ريان ساخرًا:

_ياسلام هو البني آدمين كمان اللي بقت بتتحكم في دقات القلب يا سبحان الله! عقد خالد ما بين حاجبيه بغرابة وهتف متسائلًا بفضول شديد: _أنت ما حسيتش الأحاسيس دي مع المدام قبل الجواز ولا إيه؟ شعر ريان لوهلة بالخجل الشديد لأنه لا يعلم عن ماذا يتحدثون، انجذاب وإعجاب ماذا؟ أليس مفهوم الحب هو الزواج؟ أهناك شيئًا آخر يجهله؟

كاد أن يسألهم لكنه تراجع فمن الممكن أن يقع في موضع سخرية بينهم، لا ليس من الضروري أن يسألهم شيء، تنهد بضجر وشد تعابير وجهه وتلك كانت طريقته دومًا للفرار من أي حوار، بينما ضحك خالد على حالته وأردف بثقة: _عارف أنا الوش ده طالما خَشَب كده يبقى إحنا دخلنا في منطقة محظورة، كمل لعب يا ريان أحسن. واصل كليهما اللعب بينما استأذن ياسر وهم بالمغادرة وتركهم يكملوا سهرتهم بمفردهم.

استيقظت بنشاط في الساعة السادسة صباحًا، ارتدت ثيابها التي أعدتها أمس استعدادًا للتقديم بالجامعة، ابتسمت متحمسة وهي لا تطيق الانتظار لأكثر من ذلك. أمسكت بهاتفها وضغطت على زر الاتصال بياسر، وقفت في الشرفة قيد انتظار إجابته بفارغ الصبر، لم تمر إلا ثوانٍ معدودة حتى استمعت لنبرته الرخيمة: _عنود أنتي كويسة؟ ابتسمت لاهتمامه بها وأجابته بنبرة رقيقة: _الحمدلله، بس أنا كنت عايزة منك طلب!

اعتدل من نومه وأجبر جميع حواسه على الإصغاء لها لتضيف هي قائلة: _الدراسة قربت تبدأ وأنا محتاجة أقدم وإلا السنة هتروح عليا ينفع تساعدني لأني طبعًا ما أعرفش الأماكن هنا. ابتسم بسعادة لأنه أول من لجأت إليه وطالبت بمساعدته، ربما لأنها لا تعرف شخصًا آخر، تجهمت تعابير وجهه عندما صارح نفسه بتلك الحقيقة، تنهد بحرارة ثم أجابها: _تمام خمس دقايق وهكون عندك.

نهض وهو يتثاءب بكسل ثم ولج داخل الحمام، سكب بعض المياه على وجهه ومن ثم عاد لغرفته وارتدى سريعًا حتى يذهب إلى تلك الصغيرة التي سلبت عقله تمامًا. التوى ثغره بابتسامة عذبة عندما تذكر ملامح وجهها الخجولة وأخرى لابتسامتها الرقيقة التي لا تتعدى شفتاها الورديتان. شعر بنبضات قلبه التي تزداد عُنفوانًا عن ذي قبل وتمنى لو يحطم تلك الجدران التي تفصل بينهم ويصل إليها في أقل من الثانية.

تنهد بحرارة وأغمض عينيه مُشكلًا ابتسامة على ثغره وهو يراها أمامه في عالمه الخاص به، فتح عينيه ليتفاجأ بوالدته ترمقه بغرابة من أمره وتساءلت وهي تضع يدها على ذقنها: _أنت واقف عندك بتضحك على إيه؟ ابتلع ريقه ثم غادر من أمامها دون أن يتفوه بكلمة، رمقته بتعجب وسارت خلفه هاتفة بغضب: _أنت هتفضل ما تكلمنيش لأمتى إن شاء الله، كل ده عشان حتة البت اللي لا نعرف أصلها ولا فصلها، حُكم ياما هنشوف. التفت إليها ورمقها بنظرات مشتعلة

وقال بغضب يحاول كبحه: _البت دي بنت عمي يعني عرضي وعرضكم قبل مني، دي حتى لو جاية من الشارع وما لهاش أهل وطلبت مساعدتنا لازم نعولها ونحميها، ما بالك بقى ببنت عمي يعني واحدة من العيلة تعملوا فيها كده؟ لو أنتم قاسيين أنا مش قاسي وهقف جنبها. وضعت يديها في منتصف خصرها رافعة إحدى حاجبيها مندفعة فيه: _مالك محموق لها أوي كده ليه أوعى تكون لعبت في دماغك يا حيلة!

أزفر أنفاسه بضجر بائن لذاك الحوار المثير للجدل، حاول أن يتحلى بالصبر قدر المستطاع وأجابها بهدوء: _البنت دي أنا هتجوزها يا أمي. شهقت سعاد بصدمة وهي تضرب بيدها على صدرها: _يلهوي تتجوزها، تتجوز تربية أجانب والله أعلم لو كانت بكيسها ولا لأ! ضيق عينيه بغرابة من أمرها وصاح بها مندفِعًا ولم يستطع السيطرة على كبح غضبه أكثر من ذلك:

_كيس إيه ومشمع إيه، تربية الأجانب دي أنا ما شفتش واحدة في ربع احترامها هنا في بلدي، وآه هتجوزها ما أنتم رافضينها وأنا لازم أقف جنبها بس مش بصفتي ابن عمها، لا بصفتي جوزها اللي هيحميها منكم. رمقها ياسر بنظرات تحدٍّ تدل على إصراره الكبير على قراره ثم تركها وغادر المنزل، لطمت هي على صدرها بقوة مرة أخرى ورددت بحسرة: _يتجوزها!

الحرباية لفت على ابني لحد ما وقعت الشاب اللي زي الورد، هتعمل زي أمها، أخدت أبوه من وسط عيلته ومات ومحدش يعرف عنه حاجة العقربة. اعتدلت في وقفتها لتكون أكثر جرأة وشموخ، وواصلت حديثها قائلة بتحدي: لكن ده بعدها الحرباية دي، ده الحيلة هو في غيره عشان تيجي تاخده كده على الجاهز. أسرعت خطاها وولجت داخل غرفتها، وقفت أمام زوجها وهتفت بصياح جلي:

أنت لازم تتصرف أنا ابني هيضيع مني، الحرباية لدغته بسمها وأنا لا يمكن أسيبه يضيع حياته بإيده. وضع منصور يده على فمها ليجبرها على الصمت وردد متسائلًا: ششش في إيه مسورة وانفجرت، حرباية إيه اللي بتتكلمي عنها؟ أزفرت أنفاسها وقالت بنبرة سريعة لم يفهم منها شيء: البت اللي بتقول إنها بنت أخوك دي. مالها؟ تسائل منصور بعدم استيعاب الأمر بعد، بينما أجابته سعاد وهي تسحق أسنانها بغضب عارم: ابنك عايز يتجوزها. إييييه؟

صاح بها مندفعًا وهو يسحق أسنانه بغضب، رمقها بنظراته التي لا توحي بالخير ثم صاح متوعدًا لها: ده يكون آخر يوم في عمرها، عايزة تعمل في ابني زي ما أمها عملت في أخويا. أنهى جملته ثم غادر سريعًا وهو يتوعد لها بداخله، تفاجأ ياسر بوقوفها على باب الفندق مُشكلة ابتسامة عذبة مختلفة تمامًا عن ذي قبل، مليئة بالنشاط والحيوية ظاهرة براءتها وكأنها طفلة. بربك ماذا تقول أنت؟ هي بالفعل طفلة، ابتسم لها وألقى التحية عليها بحفاوة:

أنت واقفة هنا ليه؟ زفيرًا وشهيقًا فعلت هي بحماس جلي في خلاياها محافظة على ابتسامتها الهادئة التي ازدادت إشراقة وأجابته بنبرة متحمسة: مش قادرة أستنى لحظة كمان، عايزة أروح أقدم حالًا أنت متعرفش أنا بحلم باللحظة دي من إمتى.

شعرت بتلك الحرارة المنبعثة من وجهها عندما رأته يتعمد النظر إليها بعيناه اللامعة وكأنها تروي له قصة، لمَ كل هذا الاهتمام الذي يبادر به نحوها دائمًا، لم تنكر أنها أحبت نظراته التي تحمل الفخر كما كان يفعل والديها دائمًا بنظراتهم المرموقة قبل أن يؤدوا رأيهم. تنهدت وأردفت بارتباك خجل: هتفضل تبص لي كتير؟ لآخر يوم في عمري! قالها ياسر بلا وعي منه، رمقته باندهاش جلي لتصريحه لها، اتسعت مقلتيها بذهول كما خفق قلبها بعنف.

لم يكترث ياسر لما تفوه به ولن يعتذر هذه المرة، فتلك البندقتين تربكانه دائمًا ولا يدري ما عليه قوله أمامها، لكن تلك المرة لم يشعر بالضجر وكأنه يريد الخلاص من لهيبه المشتعل بداخله وليحدث ما يحدث. تعمد أن يطالعها بعذوبة عاشقة لذات البندقيتين التي أذابت قلبه وسار مُتيم بها، نعم أيام قليلة لم تجمع بينهم أي مواقف تتعدى حاجز المعقول، لكنه لأول مرة يسمح لفتاة بأن تسلب عقله وروحه بلا إرادة منه.

أحبها كما هي ولا يتمنى غيرها امرأته، هي صغيرة لكنها نجحت بعفويتها بسلب قلبه منه دون إرادة وكأن قلبه بات خاليًا من دونها. رفعت يدها الصغيرة أمام وجهه تشير إليه محاولة تنبيهه أو ربما إيقاظه من تلك الدوامة التي غرق بها، ابتلع ريقه وأردف بنبرة شغوفة: يلا بينا؟ أومأت رأسها برفض وتابعت متسائلة باستفسار: يعني إيه اللي أنت قولته حالًا؟

تعجب ياسر من سذاجتها أو ربما تعمدها لجهل ما قاله حتى تجبره على البوح بمشاعره، لكن لا ليس وقت مصارحة الآن، لننهي إجراءات التحاقك بالجامعة أولًا يا صغيرتي ومن ثم نبوح لاحقًا. يلا عشان ما نتأخرش. أردف بها وهو مشكل ابتسامة على ثغره أسفل نظراتها المبهمة عليه، حاول أن يتماسك أمامها قدر الإمكان حتى لا ينفجر ضاحكًا بينما لم تعلق عنود عليه ربما ليس بالوقت المناسب لتفسير ما قاله.

سحبت نفسًا عميقًا وسارت بجواره تاركة بعض المسافة بينهم وما إن خطت خطوة حتى شعرت بحرارة الصفعة التي دوت على وجهها. رفعت بصرها لتعرف هويته وتفاجأت بعمها منصور هو من صفعها، ترقرقت الدموع في عينيها وهي ترمقه بنظراتها البريئة بينما تفاجأ ياسر بفعلة والده، اقترب منه وهو لازال مصدومًا وهتف بعدم تصديق: أنت بتضربها ليه هي عملت لك إيه؟ أمسك منصور بذراعه وأجبره على الابتعاد عنها قائلًا وهو يرمقها بنظرات مشتعلة:

ده جزاتها لما فكرت تخطفك من أهلك زي أمها خطافة الرجالة اللي أخدت أخويا معاها ومنعته عننا. دنا منصور منها وأردف من بين أسنانه المتلاحمة: بس ده بعدك يا بت أنتِ، ابني خط أحمر، آخرك تحلمي بيه، تتمنيه، لكن تطوليه مش هنولهالك. أجهشت في البكاء وهي لا تعي عن ماذا يتحدث ذاك الرجل، لكنها لن تضعف أمامه مطلقًا، كفكفت عبراتها بأناملها ثم عدلت من وقفتها لتكون أكثر جرأة وشجاعة ورفعت سبابتها في وجهه محذرة:

أنا أمي مش خطافة رجالة، أنا أمي حبت أبويا، وده سبب أنه يسيبكم ويروح لها، بس أنتم هتعرفوا إيه عن الحب يا حرام صعبت عليا. صمتت من تلقاء نفسها عندما دوت صفعة أخرى على وجهها لكن تلك المرة كانت أشرس وأعنف، اقترب منها منصور وجذبها من حجابها هاتفًا بحنق: أنا هوريكي أنا هعمل فيكي إيه، عشان مش حتة بت زيك اللي تتكلم معايا أنا كده، أنا ما بصعبش على حد يروح أمك.

تفاجأ الجميع بمرور منصور في المنطقة وبيده فتاة صوت صراخها عالٍ يدوي في المكان، حاول ياسر منعه مرارًا لكن محاولاته باءت بالفشل الذريع، فوالده أقسم أن يهينها أمام الجميع لكي تترك تلك البلدة وتفر هاربة خشية من أفعاله معها. ألقى بها منصور في منتصف المنطقة، تجمع حشد كبير من أهالي المنطقة أثر صياحهم ليعلموا حقيقة تلك الضجة. هتف ياسر بتوسل: يا بابا كفاية اللي بتعمله ده أنا عمري ما هسامحك أبدًا.

رمقه منصور شزرًا وقد لوى ثغره متصنع الحزن وخيبة الأمل وصاح بنبرة مرتفعة: سمعتوا يا ناس، سمعتوا ابني الحيلة بيقولي إيه، عشان حتة بت جاية تخطفه زي ما أمها خطفت أخويا قبل كده، شاهدين على اللي بيحصل عشان محدش يلومني على اللي هيحصل مني، ده مهما كان ابني برده، ابني اللي بيقولي مش مسامحك عشانها. وقعت على مسامع ريان تلك الضجة الخارجية، نهض وتوجه إلى الخارج حيث تفاجأ بالحشد الهائل من سُكان المنطقة واقفين التي أمامه.

نادى على أحد عماله بصوت جهوري متسائلًا عما يحدث: هو في إيه يا ابني، إيه اللمة دي؟ رفع العامل كتفه وأردف: مش عارف بس بيقولوا الحاج منصور بيتخانق. عقد ريان ما بين حاجبيه ثم سار مهرولًا نحوهم، اجتاز ذاك الحشد الهائل بصعوبة بالغة، وأخيرًا وصل لآخر نقطة ليتفاجأ بمنصور يصفع فتاة مُلقاة على الأرض تصرخ بشدة. ركض نحوهم وأمسك بذراع منصور قبل أن يصفعها للمرة التي لا يعلم كم عددها، رمقه ريان بنظرات مشتعلة وصاح به هادرًا:

إيه اللي أنت بتعمله ده يا عم منصور، أنت بتضرب بنت في الشارع وفي منطقتي؟ ابتلع منصور ريقه وحرر ذراعه من بين قبضتي ريان، وعاد ببصره إلى عنود وبصق على وجهها بتقزز، صعق ريان من تصرفاته الوقحة وأسلوبه المهين حيال تلك الفتاة. وقف ريان مُشكلًا حاجز بين منصور وبين الفتاة وأجبره على الابتعاد قائلًا باندفاع: احترم نفسك بقى، لولا صلة القرابة اللي بينا كان ليا تصرف تاني معاك. احتدت نظرات منصور على ريان وهتف بغضب:

أنت إزاي بتكلمني كده المفروض تحترمني ده أنا راجل كبير قد أبوك. سحق ريان أسنانه لهذا المختل وأجابه بنبرة حادة ممزوجة بالخجل لكونه قريبه: وهو في راجل كبير يمد إيده على بنت في الشارع كده وسط الناس؟ أجابه منصور بحنق يريد إنهاء هذا التحقيق السخيف: بنت أخويا وبربيها محدش له دعوة. اتسعت حدقتي ريان بصدمة جلية وأردف ولازال في حالة ذهول تام مسيطر على تقاسيم وجهه: بنت أخوك! يعني عرضك وتعمل فيها كده في الشارع؟

حاول منصور العودة إلى عنود، لكن منعه ريان وأبى أن يفتح له مجالًا للعودة إليها، واضعًا إحدى يديه على صدر منصور محذرًا: اقف مكانك يا راجل يا كبير يا عاقل. بحث ريان بسوداوية على ياسر، وما إن رآه حتى صاح به مندفعًا بصوت جهوري: تعالى هنا!

حرر ياسر نفسه من بين ذراعي هؤلاء الرجال الذي أمرهم منصور بالإمساك به، حتى لا يمنعه عما يفعله بتلك اللعينة. أسرع ياسر نحو عنود مباشرة وجلس القرفصاء مقابلها. انسدلت قطرة من عيناه على حالتها المزرية، لم يتمنى أن تهان بهذا الشكل مطلقًا. أزفر أنفاسه بضجر بائن وردد بنبرة محتقنة: أنتِ كويسة؟

لم ترفع بندقيتاها هذه المرة وظلت تبكي بحرقة. لم تكن بتلك الشجاعة التي ظنت أنها تمتلكها. كيف ستواجه كل هذا الحشد من الناس بعد أن هانها ذاك الرجل المدعو عمها بهذا الشكل المشين؟ أين كرامتها؟ أين كبرياؤها التي تتحلى به؟ لم تتوقف قطرات عينيها عن النزول مطلقًا. يا ليته طعنها بخنجر ولم يفعل ذلك بها. خد بنت عمك وامشوا يا ياسر وادخل عندي المكتب. قالها ريان بنبرة آمرة ليومئ ياسر رأسه موافقًا، ثم مد يده إليها: تعالي معايا.

رفعت عنود رأسها ومررت أنظارها على الجميع بحياء شديد. صعقت من هذا الكم الهائل الذي يشاهدها. وضعت يدها أمام وجهها تخفيه من نظراتهم التي تتآكلها بشراهة ظاهرة. استشف ريان خجلها من خلف تصرفاتها. رفع بصره على الجميع وصاح هاتفًا بحدة: يلا كل واحد يروح مكان ما جه، مش عايز حد هنا. بدأ الجميع في الانسحاب واحدًا تلو الآخر حتى بات المكان خاليًا إلا من عنود وياسر وريان ومنصور. زفيرًا وشهيقًا فعل ياسر وأردف بنبرة موجوعة:

الناس مشوا تقدري تقومي. أزالت عنود إحدى يدها عن وجهها لتتأكد من صحة حديثه، وعندما تأكدت أزالت كلتا يديها عن وجهها. مد ياسر يده مرة أخرى بنية المساعدة لكنها أبت كعادتها ونهضت بمفردها أسفل نظرات ريان المتعجبة من تلك الفتاة التي ترفض ملامسة الجنس الآخر. تنهد وتحدث موجهًا حديثه لياسر قائلًا بنبرة آمرة: يلا يا ياسر ادخل المكتب وأنا جاي وراك حالًا. أومأ ياسر رأسه ثم نهض وأردف موجهًا حديثه إلى عنود بنبرة حنونة: تعالي معايا.

نظر ريان إلى حيث يقف منصور وقال بنبرة متريثة تحمل من العتاب واللوم قدرًا: إيه اللي عملته ده يا عم منصور؟ تضرب بنت أخوك بالمنظر المهين ده في الشارع وسط منطقتك؟ دي لو بنت من الشارع ما نعملش معاها كده، لكن دي عرضك ومن دمك وفوق كل ده أمانة أخوك إزاي تعاملها كده؟ تأفف منصور بضجر بائن وأجابه بفتور:

ريان اطلع أنت منها. واحدة عايزة تخطف ابني مني زي ما أمها سبق وعملتها، وأنا مش هسمح اللي حصل زمان يحصل تاني، مش هسكت ده ابني الوحيد. ضيق ريان عينيه على منصور بعدم تصديق، أيعقل أن الفتاة التي ترفض ملامسة الرجال وخصوصًا ياسر، لقد رآها بنفسه أكثر من مرة ترفض ملامسته، هي ذاتها من تريد سرقته من عائلته! تنهد بعدم راحة، فمهما يحدث لا يصح ما فعله ذاك المنصور بها. لا يليق ولا يتماشى مع عرفهم. ابتعد ريان عنه قليلًا وهتف بصرامة:

ده مش مبرر إنك تضربها. عمومًا أنا سمعت منك، هروح أسمع منهم ونحل المشكلة دي. بس لازم تعتذر لها على الأقل. انفجر منصور ضاحكًا وهتف ساخرًا: لا أنت ده اتجننت على الآخر. رمقه ريان شزرًا ثم أولاه ظهره وغادر وتركه بمفرده. انعكست تعابير وجه منصور إلى الغضب العارم وتوعد بداخله لتلك الفتاة اللعينة. فهي لم ترَ بعد ما سيفعله بها. عاد ريان بأدراجه إلى مكتبه وجلس على مقعده بعد أن طلب مشروبات طازجة مرحبًا بضيوفه. تنهد مستاءً

وتساءل باهتمام: ممكن أفهم أبوك إزاي يعمل كده؟ نظر ياسر إلى عنود التي كانت تجلس على طرف المقعد مقابله، تفرك أصابعها بتوتر شديد خافضة رأسها بخجل ممزوج بالصدمة التي لم تتعداها بعد. تنهد بألم لحالتها المثيرة للشفقة ثم أجاب ريان بنبرة محتقنة: مش عارف، مش عارف. معلش في اللي هقوله بس هو قالي إنه خايف تاخدك منهم. هو إيه اللي حصل عشان يقول ولا حتى يفكر في كده؟

ازدرد ياسر ريقه بتوتر وهو يتذكر أنه صرح لوالدته عن فكرة زيجته من عنود. لم يتوقع قط أن تكون ردة فعل والده قاسية لهذا الحد. لعن غباءه لأنه من تسبب في وضعها في ذلك الوضع المشين. كيف له أن يخبره بأنه العامل الرئيسي لوضعها في ذاك الوضع؟ كيف سيواجه عينيها بعد ذلك؟ هل ستسامحه؟ أم ستعود من حيث جاءت وتتركه وحيدًا بعد أن وقع في حب تلك البندقيّتان ولا يتحمل بعدها بعد الآن؟ ما تلك الأنانية التي يفكر بها؟ أيفكر بنفسه فقط؟

لكن لا يجب أن يخبرها ويترك لها حرية التصرف، وإن عادت لبلدتها سيتمنى لها الخير دائمًا ويطلب من الله أن يرفق بقلبه وينزل سكينة عليه لكي لا يشعر بألم فراقها. أنا عارف هو عمل كده ليه، أنا السبب! صاح بها ياسر وهو يحاول الهرب من عينيها التي رمقته غير مصدقة ما قاله. بينما تساءل ريان بعدم استيعاب: بسببك! أنت عملت إيه بالظبط؟ سحب ياسر نفسًا عميقًا فالحديث بات ثقيلًا أمام بندقيّتيها. أزفر أنفاسه بخجل ثم وتابع مضيفًا:

أنا قولت لأمي إني هتجوزها. اتسعت مقلتا عنود بصدمة لما وقع على مسامعها. نهضت ورمقته بعدم تصديق وصاحت به بنبرة جدية: إيه اللي أنت بتقوله ده؟ جواز إيه اللي بتتكلم عنه؟ نهض ياسر هو الآخر بينما لم يبرح ريان مكانه يشاهد ما يحدث في صمت. ابتلع ياسر ريقه بحرج كبير وأردف موضحًا بنبرة شغوفة:

أنا حبيتك من أول يوم شوفتك فيه. والله أنا قولت كده عشان أخليكي جنبي وكمان عشان أحميكي منهم. إنك تكوني مراتي وقتها هيعملوا ألف حساب قبل ما يتكلموا بس معاكي. هقدر أأمن لك بيت تقعدي فيه وهساعدك وهقف جنبك وأنتِ حلالي.. بس أنا عمري ما فكرت في الجواز خالص. أنا كل هدفي إني أخلص تعليمي وبعدين أشتغل. وأنا عن نفسي مش عايزاك تساعدني، أنا أقدر أعمل كل حاجة لوحدي من غيرك. كفاية إهانة من وقت ما جيت مشوفتش غيرها.

هتفت بهم عنود بنبرة محتقنة ممزوجة بخيبة الأمل بينما شعر ياسر بغصة مريرة في حلقه. ابتلع ريقه مرارًا وأردف بتوسل: وافقي وأنا مش همنعك من أي حاجة. هخليكي تكملي تعليمك وهساعدك في كل حاجة. هعوضك عن غياب أهلك وهعملك كل اللي تتمنيه بس وافقي. رددت بنبرة جامدة ممزوجة بالغضب: أنا محدش يقدر يعوضني عن أهلي مهما كان مين. وأنا مش محتاجة مساعدتك متشكرة ليك. نهض ريان ورمقها بحدة وهتف بجدية:

أنتِ مش في أمريكا اللي جاية منها يا آنسة. أنتِ في مصر يعني محدش هيسيبك في حالك. قعادك لوحدك وخروجك ودخولك هيجيبلك صداع وكلام ملوش آخر. وهيطلع عليكي كلام ما تتمنيش إنك تسمعيه. الحل الوحيد إنك توافقي على جوازك من ياسر وأنا أضمنه برقبتي. مش عشان قرايب، بس هو فعلًا إنسان محترم وبيخاف ربنا وهيراعي ربنا فيكي. وأنا هساعدكم ومني ليكم شقة كاملة من مجاميعها هدية لأخويا الصغير. رمقه ياسر ممتنًا وأردف بشعور

من الأمل قد تجدد بداخله: متشكر جدًا يا ريان بجد مش عارف أقولك إيه. بادَله ريان ابتسامة متهكمة يريد التخلص من ذاك الحوار سريعًا. تفاجأ كلاهما بعنود مندفعَة بهم بتذمر: أنت بتشكره على إيه؟ وأنت شقة إيه اللي بتقول عليها؟ أنتوا بتبيعوا وتشتروا فيا بصفتكم إيه أصلًا؟

ألقت عنود بكلماتها ثم غادرت المكان مهرولة إلى الخارج تجر قدميها بثقل. تخبطت بين أفكارها ومشاعرها التي تجتاحها. تشعر أنها طفلة صغيرة تائهة تريد العودة إلى وطنها التي تنتمي إليها وإلى عائلتها تلقي بنفسها بين أحضانهم، لكن أين هم الآن؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...