الفصل 31 | من 41 فصل

رواية المعلم الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم تسنيم المرشدي

المشاهدات
23
كلمة
3,596
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

وقف أسفل صنبور المياه الدافئة التي تنسدل أعلاه بغزارة، يحاول جاهدًا أن يتناسى ما حدث قبل قليل. يشعر بأنه قد خان صغيرته بقربه من دينا، استنكر تفكيره الساذج فهي بالأخير زوجته لكن شعور خيانته لعنود يزداد أكثر.

أغلق المياه وولج سريعًا إلى الخارج، وارتدى ثيابه قبل أن تدلف دنيا من المرحاض الآخر، وهم بالصعود إلى الأعلى. فتح الباب برفق وتوجه مباشرة إلى غرفتهما، كانت لا زالت هي على وضعها كما تركها، غافية لا تشعر بما يدور حولها. تنهد مستاءً من ذاته وسار نحوها بخطى متمهلة، يريد أن يعتذر منها على ما اقترفه لكن ليس للاعتذار صحة من الأساس فلديه حقوق نحو الأخرى كما عليه حقوق تجاه عنود.

أزفر أنفاسه بضيق شديد ثم اقترب منها، لن يستطيع الصبر لأكثر وحاول إيقاظها بهدوء بتمرير أنامله على وجنتها قائلًا بنبرة حنونة: حبيبي اصحي. سرت رجفة قوية في أوصالها الساكنة إثر لمسته على وجهها، استيقظت وهي تتثاءب بكسل، شكلت ابتسامة على ثغرها عندما رأته أمامه. طبع ريان قبلة رقيقة على طرف شفاها وهتف بافتقاد: مش عايزك تزعلي مني بس أنا كنت هتجنن أنك واقفة مع واحد غيري! التوى ثغرها بابتسامة خجولة وأردفت متسائلة بفضول أنثوي:

بتغير عليا؟ خفق قلبه بشدة إثر سؤالها ثم ضمها بكل قوته إلى حضنه، دفن رأسه في عنقه وسحب نفسًا عميقًا وهتف بثقة: ده أنا بموت عليكي من الهوى الطاير. أخرجت عنود تنهيدة حارة ثم عانقته بقوة، جذب انتباهها ما في عنقه، تراجعت قليلًا لكي تتأكد مما رأته، صعقت عندما رأت ما يغزو عنقه، تعالت وتيرة أنفاسها ولم تستطع السيطرة على وضعها.

خفق قلبها بحزن عارم وشعرت بالنفور الشديد منه، دفعته بعيدًا عنها ثم انتفضت من مكانها وولجت داخل المرحاض تحاول السيطرة على دموعها التي تترقرق في عينيها وتهدد بالنزول. لم تتمالك دموعها لأكثر وانفجرت باكية عندما أوصدت الباب خلفها، وضعت يديها على فمها لكي تمنع تسلل نبرتها إليه، لكن هيهات لنبرتها التي دوت في المكان بألم شديد، تفاجأ ريان من نفورها المفاجئ منه وركض خلفها لكي يفهم حقيقة الأمر.

طرق الباب بخفة ثم توقف عندما أصغى لبكائها، دنا من الباب ووضع أذنه عليه لكي يتأكد من حدسه، وتفاجأ بصوتها الذي تحاول منعه من الخروج، ازدادت طرقاته بعنف وهتف بنبرة متوجسة: عنود افتحي الباب ده! بعد إلحاح كبير منه فتحت هي على مضض وأبت أن يقترب منها، تراجعت للخلف عدة خطوات وأردفت من بين بكائها: خليك عندك! سحب ريان نفسًا عميقًا لكي يستطيع مواصلة الحديث معها دون أن يظهر غضبه من نفورها منه وردد بحدة: انتي بتهربي مني ليه؟

رمقته هي لبرهة وأردفت بفتور: لما أنت كنت معاها جاي تترمي في حضني ليه؟ حسنًا! لقد استشف الأمر كاملًا، أخرج تنهيدة بطيئة مليئة بالضجر ثم اقترب منها بخطى متريثة ولم يصغِ لهرائاتها السخيفة التي تحثه على التوقف وعدم تقربه منها، انحنى بجسده ومد ذراعه أسفل ركبتيها والآخر خلف خصرها وحملها بين ذراعيه. وضعها في المغطس الرخامي وقام بفتح صنبور المياه أعلاها، شهقت عنود بصدمة كبيرة ورددت بعدم استيعاب لما يفعله: انت بتعمل إيه؟

وقف هو الآخر في منتصف المغطس وفك أزرار قميصه سريعًا أسفل أنظارها المثبتة عليه بغرابة من تصرفاته المبهمة، بينما لم يعبأ ريان لنظراتها وواصل ما يفعله في صمت، ألقى القميص بعيدًا عنه ثم اقترب منها وأزاح عنها ثيابها المبللة. حاولت هي مقاومته لكن قوته مضاعفة لها وفشلت هي بإبعاده عنها، حاوطها هو وباتت هي حبيسة ذراعيه وأردفت بحنق: ممكن أفهم انت بتعمل إيه؟ انحنى برأسه على عنقها يلثمها بقبلاته التي سببت لها رجفة في

جسدها وأجابها بنبرة تائهة: عايز أشيل أي أثر عليا لواحدة تانية غيرك! رفعت بصرها عليه وابتلعت ريقها بارتباك خجل وهتفت بعتاب: بس أنت كنت معاها و.. وضع ريان إصبعه على فمها وتابع هو حديثه بنبرة متحشرجة: ششش مش عايز أكون غير معاكي أنتي وبس. لقد تبخرت مقاومتها له تمامًا، حبها له قد غلب ألمها التي شعرت به منذ قليل وتاهت هي بين لمساته وكلماته التي يردفها من حين لآخر كدليل قاطع على عشقه لها وحدها.

حل الليل سريعًا، جلست عنود على قدمه تضع الطعام في فمه بيدها، رفض ريان أن يأكل بيده لكي يتلذذ بالطعام داخل فمه من يدها الناعمة. طرق الباب فنهضت عنود وولجت داخل الغرفة بينما توجه ريان نحو الباب وفتحه وتفاجأ بتلك اللعينة واقفة أمامه وخلفها زوجها، رمقهم بجمود بينما استشاطت رنا من مظهره، لأول مرة تراه على هذا الوضع لم يكن يرتدي سوى شورت قصير وعاري الصدر.

بربك أيها الرجل، أليس من حقي التمتع بهذا المظهر قليلًا، حاولت السيطرة على نبضات قلبها التي ازدادت عن معدلها الطبيعي وهتفت بنبرة جهورية: البيت ده بيتي وأنا مش عايزة ناس حثالة زيكم موجودين فيه. اتسعت حدقتا ريان بصدمة لنبرتها الوقحة معه وصاح بها هادرًا: ما أنتي لو معاكي راجل كان عرف يلمك. أجبرها هاني على التنحي جانبًا ووقف عن مقابل ريان يطالعه بنظرات متشفية وأردف بجمود:

اهدى على نفسك لما نشوف في الآخر مين فينا اللي راجل! رفع هاني أوراقًا عديدة أسفل أنظار ريان المصدومة، لم يستوعب بعد ما قرأه لتوه، تعالت وتيرة أنفاسه بغضب وصاح مندفعًا: الورق ده مزور أنت متعرفش تعمل كده! التوى ثغر هاني بابتسامة متهكمة وهتف بتشفٍ: أثبت أنه مزور وعليّ لما تثبت مش عايز أشوفك جوه بيتي!

انقض عليه ريان وأمسكه من تلابيب قميصه ثم لكمه بقوة وهو يشعر بأنه يحلم، حتمًا أنه كابوس وليس حقيقة، ارتفع صوت ضجيجهم، لم يستطع ريان السيطرة على غضبه الذي تحول إلى صراخ دوى في السلم من شدته.

تجمع من في المنزل إثر صوتهم، حاول يحيى فض اشتباكهم لكنه فشل فريان كان أقوى مما رآه من قبل، صراخه ألم قلوب الجميع وهم غير عالمين بحقيقة الأمر، دوت صرخات عنود ودينا وهن يحاولن مع ريان أن يترك أخيه لكنه يدفعهم بكل قوته ويعود إليه مرة أخرى، لا يكتفي من لكمه.

يشعر بغضب عارم لو خرج منه لحرق الأرض بمن عليها، لا يصغي إلى أصوات الجميع التي تحثه على التوقف والابتعاد، فقط يزداد عنفًا وقسوة ربما يستيقظ من ذاك الكابوس السخيف، لكنه لا يستيقظ لأنه بالفعل في أمر حقيقي وليس حلمًا. توقف فجأة ووضع يده على قلبه الذي آلمه بشدة، مرر أنظاره على الجميع لا يرى أي ملامح أمامه فلقد تشوشت رؤيته تمامًا إلى أن ارتطم جسده بالأرض وبات في عالم آخر لا يشعر بما يدور حوله.

يركض به فريق من الممرضين مع بعض الأطباء وهو موضوع على النقالة الطبية، كما يركض خلفه يحيى وخالد وعلي من جانب ومن الجانب الآخر تركضن دينا وهاجر وعنود. صوت بكائهم يدوي في المكان وجذب الأنظار المشفقة عليهم، أغلق أحد الممرضين الباب بعدما ولجوا داخل غرفة الطوارئ بينما وقف الجميع في حالة مزرية غير مصدقين ما يحدث.

وقفت عنود أمام الباب قيد انتظار دلوف أحدهم فقط لتطمئن عليه، لن تتحمل خسارة أخرى ستنهار خلفه، لن يسع قلبها كل تلك الآلام التي تأتي خلف بعضها. وضعت يدها على قلبها عندما شعرت بوخزة قوية فيه، عليها الصمود إلى أن تطمئن عليه، تشعر بأنها ستنهار من الآن خشية أن تلقى مصرعها، هزت رأسها مستنكرة تفكيرها ولم تستطع الصمود خلف ذلك الباب اللعين لأكثر. فتحته بكل قوتها وولجت إلى الداخل، ركض نحوها أحد الممرضين وأردف بحدة:

لو سمحتي مينفعش كده اتفضلي بره. دفعته عنود بعيدًا عنها وتابعت سيرها بالقرب من ريان وهي تجهش باكية، هرول خلفها معترضًا طريقها وردد بنبرة صارمة: اتفضلي برا! صاحت به عنود وهي ترمقه بغضب: مش خارجة. انتبه الطبيب لصراخها وأشار إلى الممرض أن يتركها وهتف: مدخلش حد تاني.

أومأ الممرض رأسه بطاعة ثم توجه نحو الباب ورفض دخول أشخاص آخرين وأغلق الباب ثم أوصده لكي يضمن عدم ولوج أحدهم كما فعلت تلك الفتاة، توجهت عنود نحو ريان وأمسكت بيده وظلت تبكي بمرارة. لقد توقف نبض قلبه! التفتت عنود إلى الجهاز الطبي الذي يظهر مؤشر نبضات القلب بصدمة عندما أصغت إلى صوته اللعين الذي يدل على توقف نبضات قلبه، واقتربت منه وظلت تلكمه بيدها هاتفة: "لا لا لا اشتغل تاني عشان خاطري اشتغل تاني."

أسرع الطبيب بوضع جهاز صدمات القلب وقام بأول صدمة لإعادة نبضات قلبه لكن دون جدوى، ازداد نحيب عنود وسقطت على الأرض بإهمال فاقدة الأمل في عودته للحياة مرة أخرى. ركضت نحوها ممرضة وتساءلت باهتمام: "أنتِ كويسة؟ رفعت عنود بندقيتها عليها وهتفت بنبرة موجوعة: "قولي له يصحي عشان خاطري! ترقرقت العبرات في عيني الممرضة وانحنت بجسدها نحوها تربت على ذراعها بقلة حيلة، بينما زاد الطبيب من معدل الجهاز وقام بصدمه مرة ثانية.

هتف أحد الممرضين قائلًا: "النبض رجع يا دكتور." أزفر الطبيب أنفاسه براحة ثم أعاد الجهاز مكانه ومسح حبات العرق التي انسدلت من جبينه حامدًا الله على عودة نبضات ريان للحياة. نهضت عنود بصعوبة بالغة، تعثرت قدماها وسقطت أرضًا، لم تعد لديها القدرة على الوقوف بمفردها من فرط الخوف، ساعدتها الممرضة في الوقوف والتوجه إلى ريان، ثم انحنت هي عليه برفق وقد انسدلت دموعها على صدره العاري وأردفت بألم: "عشان خاطري متسبنيش."

انسحب الجميع واحدًا تلو الآخر إلى أن باتت الغرفة خالية إلا من ريان وعنود، سحبت مقعدًا، وجلست أعلاه وظلت تطالعه قيد انتظار عودته إليها بفارغ الصبر. ولج الجميع داخل الغرفة لكي يطمئنوا عليه، جلس كلا منهم في مكان قيد انتظار عودته إليهم، مر ما يقرب من الساعة ثم استعاد ريان وعيه، أول من لاحظت كانت عنود لأنها لم تبعد بصرها عنه قط، نهضت مسرعة وابتسمت بسعادة غامرة وانحنت على يده ووضعت قبلات عديدة عليها وهي تنهمر في البكاء.

اقتربت من وجهه وتحسسته بأناملها وهتفت متسائلة باهتمام: "أنت كويس؟ في حاجة بتوجعك؟ حاسس بإيه؟ لم ينبس ريان بشيء فقط كان يطالعها بنظراته لا أكثر، كما انسدلت أسئلة الجميع عليه: "ريان أنت كويس؟ الحمد لله على سلامتك، خضيتنا عليك" وغيرهم من ذاك القبيل.

مال برأسه إلى الجانب وأوصد عيناه لا يريد التحدث فقط يريد البقاء بمفرده يتحسر على مصيبته التي تسبب بها شقيقه الأكبر، حضر الطبيب عندما قام خالد بندائه لكي يطمئنهم على حالة ريان، طلب الطبيب من الجميع أن يخلوا الغرفة لكي يجيد عمله بإتقان.

أبت عنود ترك يده ووافق الطبيب على مرافقتها لهم دون غيرها، فحص ريان ثم حاول التحدث معه لكن دون جدوى، رفض ريان أن ينبس بشيء، تنهد الطبيب بحزن ودلف إلى الخارج لكي يعلم سبب ما تعرض إليه ريان. قص يحيى مختصرًا ما حدث سريعًا، هز الطبيب رأسه بإيماءة خفيفة عندما استشف الأمر وأردف موضحًا حالة ريان:

"المريض اتعرض لصدمة شديدة أدت لوقوف قلبه ومن لطف ربنا إننا قدرنا نسيطر على الوضع لكن طبيعي أنه يرفض يتكلم في الفترة دي لأن عقله لسه مستوعبش الصدمة اللي اتعرض لها، طبعًا لازم نوفر له بيئة خالية من التوتر وشد الأعصاب ونحاول نتجنب أي ذكر للموقف اللي حصل، ضروري هو يتأقلم مع الوضع من نفسه، هياخد فترة على لما عقله يستوعب اللي حصل ويبدأ يتأقلم ويرجع طبيعي تاني." أسرع خالد بالحديث متسائلًا بشفقة:

"الحالة دي ممكن تطول يا دكتور؟ أجابه الطبيب بعملية: "حسب البيئة اللي هيكون فيها والدعم اللي هيقابلوه من اللي حواليه ضروري يكون موجود وسط ناس بيحبوهم وبيحبوه ويخافوا عليه ويحاولوا يحسنوا من حالته بكل الطرق الممكنة بس طبعًا بطريقة غير مباشرة." أومأ خالد رأسه بتفهم بينما تابع الطبيب حديثه متسائلًا: "هي مين البنت اللي معاه جوه دي؟ أجابه خالد بتلقائية: "دي مراته! هز الطبيب رأسه متفهمًا وأردف بجدية:

"أنا لاحظت أنه مش بيرفض قربها زي ما رفضني ياريت هي اللي تكون جنبه الفترة دي وأي حد محتاج يوصله حاجة يكون عن طريقها عشان يتقبلها." غادر الطبيب بعد أن ألقى بتعليماته، جلست دينا على أقرب مقعد قادتها قدماها إليه، شعرت بخيبة أمل كبيرة هي من يجدر بها العناية به وليست تلك الفتاة هي أحق منها بمرافقته وليست هي، لم تشعر بعبراتها التي انسدلت رغماً عنها ألمًا على حالها.

ولجت هاجر برفقة يحيى ثم تبعها خالد وعلي إلى الداخل، تفاجأ الجميع بجلوس عنود على الفراش واضعة رأسها على صدره وتبكي في صمت، تضع قبلاتها الرقيقة على كف يده من حين لآخر. حمحمت هاجر بحرج واقتربت من ريان ثم قالت بحزن جلي على ملامح وجهها: "حبيبي أنت كويس طمني عليك يا ريان! لم يكترث لها ريان فهو لا يرى سوى الأوراق التي رفعها هاني أمام بصره، أخرجت هاجر تنهيدة بطيئة مليئة بالحزن الشديد وأردفت:

"اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف به ايه يا رب اللي بيحصل ده؟! جهشت هاجر باكية بمرارة بينما أسرع علي نحوها وأخرجها إلى الخارج وقال: "هاجر أنا مقدر زعلك بس أنتِ سمعتي الدكتور قال إيه لازم نبعده عن توتر امسكي نفسك شوية." ازداد نحيب هاجر بشدة وهتفت بألم: "غصب عني والله منظره وجع قلبي."

اقترب منها علي وضمها برفق إلى حضنه وربت على ظهرها بقوة ربما يقلل من حزنها قليلًا، بينما فر يحيى هاربًا إلى الخارج لأنه لم يتحمل رؤية شقيقه على تلك الحالة. وقف خالد يطالع ريان بأسى شديد ثم دلف إلى الخارج بخطى مهرولة قاصدًا الذهاب إلى ذاك اللعين الذي تسبب في فعل ذلك، لابد أن يعلم حقيقة الأمر حتى إن كلف الأمر قتله فلن يتردد.

صف سيارته في منتصف الطريق بإهمال وترجل منها بغضب شديد لدرجة أنه ترك الباب دون أن يغلقه، ولج داخل المعرض مهرولًا بخطى غير مستقيمة، ينطق الغضب من عينيه ولا يريد سوى أن يفتك برأس ذاك المختل. فتح باب المكتب بعنف واقترب منه وقبل أن يردف هاني بشيء كان قد لكمه خالد بكل ما أوتي من قوة، ظل يلكمه حتى أوسعه ضربًا وسالت الدماء من وجهه بغزارة. أمسكه خالد من تلابيب ثوبه وصاح به هادرًا: "أنت عملت كده ازاي؟

رمقه هاني مستاءً من سذاجته وأردف وهو يبتسم بتهكم: "أنت اللي ساعدتني، متشكر أنك نسيت التوكيل في المكتب! صعق خالد مما وقع على مسامعه وطالعه لبرهة غير مصدق ما سمعه لتوه، تركه ثم نهض وهو يتخبط بين أفكاره، دلف إلى الخارج بخطى هزيلة يجر قدمه بثقل، لم يستمع لأي من أسئلة العمال على صحة ريان، دلف إلى الخارج مطأطئ الرأس إلى أن وصلا إلى منزله سيرًا دون سيارته. تفاجأت آية بحالته المذرية وركضت نحوه بتوجس شديد وهتفت متسائلة:

"ريان حصله حاجة؟ ألقى خالد بجسده على أقرب أريكة قادته قدماه إليها، وضع كلتا يديه أمام وجهه وهتف من بين بكائه: "أنا السبب في اللي حصل! قطبت آية جبينها واقتربت منه بخطى متمهلة وجلست القرفصاء مقابله وأردفت بتوجس: "أنت السبب ازاي؟ بدأ يقص عليها ما أخبره به هاني، يزداد نحيبه كلما تعمق في الحديث أكثر، ناهيك عن شعوره القوي بأنه المتسبب الأساسي في حالة صديقه. نهضت دينا عندما رأت العم ماهر يقترب منهم برفقة أحد جيرانهم،

أمسكت بيده وأردفت: "أنت جيت ليه يا عمي حضرتك لسه تعبان." لم يعبأ ماهر لحديثها وأردف بنبرة حزينة: "ريان فين أنا عايز أطمن عليه." سألها معز (جارهم بالمنطقة وأحد عمال ريان) باهتمام: "المعلم ريان أخباره إيه؟ جهشت دينا باكية وقالت بأسى: "حالته صعبة جدًا رافض يتكلم مع أي حد فينا ربنا يعديها على خير." معز رأسه بأسى وحزن وهتف: "حسبي الله ونعم الوكيل."

غادر معز بينما ولج ماهر إلى غرفة ريان برفقة دينا التي تسانده، صعقت دينا من منظرهم الحميمي ووقفت تطالعهم لبرهة، ابتلعت ريقها مرارًا ثم أجبرت نفسها على السير فقط من أجل ماهر. "ريان يا بني أنت كويس؟

هتف بهم ماهر متسائلًا بشجن وهو يتحسس وجهه وذراعه باهتمام كبير، بينما لم يعره ريان أي اهتمام هو لا يشعر بهم من الأساس، أخرج ماهر تنهيدة بطيئة تحمل بين طياتها الأسى على حال والديه، فالكبير قد سرق الصغير والصغير في حالة لا يرثى لها من خلف تصرفات الكبير، يا ويلتاه كيف سيصمد أمام تلك المصائب؟!

جلست دينا على طرف الأريكة الجلدية تطالع عنود التي تبكي بمرارة ولا تكف عن تقبيل يد ريان تارة وتارة تحتضنها، كما لاحظت تحريك ثغرها كأنها تتلو آيات من القرآن، لماذا لم تفعل هي ذلك؟ لقد رفضت تقربه منها كلما كان يحاول معها، كانت تنفر منه دومًا بحجة حيائها، تبًا لها ولحيائها الذي ألقى بها على تلك الأريكة وامرأة أخرى هي من تحظى بقرب زوجها.

عادت هاجر إلى الغرفة عندما شعرت بتحسن قليل بعد سيرها في حديقة المشفى برفقة علي لكي يخفف من حزنها، تفاجأت بوجود والدها وأسرعت نحوه وألقت نفسها بين أحضانه وجهشت باكية وتناست تمامًا كلمات علي التي كان يحثها على الصمود، كما شاركها ماهر البكاء متحسرًا على والديه وكونه لا يملك إصلاح ما حدث.

عاد يحيى هو الآخر حاملًا زجاجات مياه ربما يحتاج أحدهم إلى مياه، ظل الجميع يطالع ريان الهزيل الذي لا يقوى على فعل شيء وهو بين أحضان زوجته التي تبكي وتقبل يديه وجبينه من حين لآخر. جلس على الأريكة بإهمال وهتف بنبرة محتقنة ممزوجة بالندم: "أنا حاسس أن اللي عملناه غلط أخويا بسببي في المستشفى الوقتي." أجابته رنا بجمود وهي مسطحة على الأريكة موصدة العينين تتلذذ بتلك اللحظات الثمينة:

"دي أحلى حاجة عملتها من يوم ما عرفتك حسيت النهاردة أنك راجل يعتمد عليه." رمقها هاني بغيظ عارم وهتف بحنق: "يعني أنا قبل كده مكنتش راجل مكنتش مالي عينك! فتحت عينيها ورمقته بطرفهما وأردفت بفتور: "لا مكنتش شيفاك راجل." صعق هاني لتصريحها الوقح واندفع بها هادرًا: "اتعدلي يا رنا بدل ما أعدلك." نهضت وسارت إليه وهي تتغنج، مالت عليه وحاوطت الأريكة بيدها وبات هو حبيس ذراعيها وهتفت بثقة: "متقدرش يا هاني."

التوى ثغرها على الجانب مشكلًا ابتسامة متهكمة ثم نهضت وأولته ظهرها لكنه لحق بها وجذبها من ذراعها قائلًا: "أنا هروح أرجع له حقه و.... صمت هاني عندما قاطعته هي بصراخها في وجهه: "ده يبقى آخر يوم بيني وبينك لو رجعت له حاجة، مش بقولك مش راجل! أزفر هاني أنفاسه بضجر بيّن وهتف بحنق: "أنا هوريك الراجل اللي مش عاجبك ده هيعمل إيه وأولهم مش هرجع له حاجة عشان بس تعرفي إني راجل أوي."

وقفت في منتصف الردهة وصفقت بيدها ساخرة منه ثم ولجت داخل غرفتها لأنها بلغت ذروة تحملها من ذاك البغيض. بزغ نور الفجر وارتفعت أصوات تغريد العصافير على الأشجار المحاوطة للمشفى، كانت الغرفة خالية إلا من كليهما بعد أن أمرهم الطبيب بالمغادرة وترك مرافق واحد لريان، استيقظت عنود على ألم شديد في سائر جسدها بسبب غفوها على وضع غير ملائم، أخفضت رأسها لكي تطمئن على ريان وتفاجأت بعينيه تطالعها باهتمام. تقوس ثغرها

بابتسامة عذبة وأردفت: "أنت كويس يا حبيبي؟ أشار ريان إليها بأهداب عينيه مؤكدًا سؤالها ثم أشار إليها برأسه نحو الأريكة، نظرت إلى حيث ينظر واستشفت أنه يريدها أن تغفو عليها، عادت ببصرها عليه وأبت أن تنهض من مكانها قائلة: "أنا مرتاحة كده المهم أنت مرتاح؟ طالت نظراته عليها وقد لاحظت هي اعوجاجًا في فمه كما لا يستطيع فتح عينه اليسرى أيضًا، اقتربت منه قليلًا وأردفت متسائلة: "إيه ده؟

خفق قلبها ألمًا على حالته ثم وضعت رأسه برفق على الوسادة ودلفت إلى الخارج لكي تحضر طبيبًا، عادت إليه بعد دقائق معدودة وبدأ الطبيب بفحص ريان وحاول أن يتحدث معه لكنه واجه صعوبة بالغة معه، تنهد مستاءً ثم دلف إلى الخارج، تبعته عنود لم يكن لديها القدرة حتى تسأله عن وضعه لكن يكفي نظراتها التي تحثه أن يطمئنها على حالته. حمحم الطبيب وتحدث بجدية:

"للأسف المريض عنده العصب السابع أو بمعنى أدق شلل نصفي في الوجه وده لأنه اتعرض لصدمة شديدة." فغرت عنود فاها بصدمة كما انقبض قلبها بتوجس شديد حيال ريان وأسرعت بالحديث متسائلة: "يعني هو هيفضل كده على طول؟ أومأ الطبيب رأسه نافيًا حديثها وأردف موضحًا: "لا طبعًا بالأدوية والتمارين اللي هيواظب عليها هتروح هي مسألة وقت مش أكتر بس طبعًا لازم حالته النفسية تتحسن عشان يرجع طبيعي تاني."

أومأت عنود رأسها متفهمة ثم ولجت داخل الغرفة بخطى هزيلة حزينة على حالته التي تسوء عن ذي قبل، سحبت نفسًا عميقًا وسارت نحوه، جلست بجواره على الفراش واحتضنت وجهه بكلتا يديها وهتفت بنبرة متوسلة: "اتحسن بسرعة عشاني، أنا ماليش حد غيرك بليز ريان!

انسدلت دموعها بغزارة ألمًا على حالته، رفع ريان يده وكفكف عبراتها بأنامله كما انكمشت ملامحه بغضب، فأسرعت عنود في التوقف عن البكاء، استنشقت أكبر قدر من الأكسجين ثم مالت برأسها بحب على يده الموضوعة على وجنتها وأوصدت عينيها تستمتع بدفء يده. في تلك الأثناء صدح آذان الفجر، ابتسمت له عنود وعدلت رأسها ثم طبعت قبلة رقيقة داخل كفه وأردفت: "يلا نصلي، أنا عارفة إنك مش قادر تقوم هساعدك تتوضى وصلي وأنت قاعد تمام!

عقد ريان حاجبيه بغرابة فاستشفت هي قصده وهتفت موضحة: "في حديث عن الرسول بيقول (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) رمش ريان بعينيه متفهمًا ثم ولجت هي داخل مرحاض الغرفة وتوضأت ثم جذبت مياه في زجاجة بلاستيكية كانت موضوعة بالداخل وساعدته أن يتوضأ ويرتدي ثيابه لكي يخفي عورته ثم شرع كلاهما في الصلاة بخشوع. أنهت صلاتها ثم انتظرت أن ينهي هو الآخر صلاته واقتربت منه وأمسكت يديه وأردفت بنبرة حنونة:

"لعل الخير يكمن في الشر! لم يعِ ريان تفسير جملتها فتابعت هي حديثها بتوضيح: "الله أعلم يمكن اللي حصل ده وراه خير، أهم حاجة عندي أنك تكون كويس مش عايزة غير كده والله." انسدلت قطرة من عين ريان رغماً عنه فأسرعت هي بمسحها وهتفت متوسلة: "لا لا عشان خاطري بلاش كده."

يشعر ريان بأسى وحزن شديد لم يسبق له وشعر بهم، تسطح على الفراش ثم أولاها ظهره لكي يعيش حزنه بمفرده، لم تعقب عنود على تصرفه ربما عليها تركه يتعايش مع حزنه قليلًا لكي يخرج من صدمته التي انحشر داخلها.

جلست عنود على الأريكة المقابلة الفراش وقد شعرت بتشنج شديد في رأسها، حاولت التحمل فليس بوقت تعبها الآن، لكن الألم يزداد قسوة لدرجة أنها شعرت وكأنها صعقت بالكهرباء، ضغطت على رأسها بقوة لكي تمنع ذلك الألم إلى أن شعرت بتحسن قليل، أعادت رأسها إلى الخلف وأسندت على حافة الأريكة وأوصدت عينيها بتعب جلي تدعو الله بداخلها بمرور الشدائد عاجلًا.

استيقظت آية على رنين المنبه التي فعلته لكي توقظ خالد ويذهب إلى المشفى كما طلب منها، تفاجأت بعدم وجوده بجوارها، نهضت بذعر وبحثت عنه في المنزل، أزفرت أنفاسها براحة عندما وقع بصرها عليه جالسًا في الشرفة. اقتربت منه بخطى متمهلة وأردفت متسائلة: "أنت منمتش يا خالد؟ أجابها بحزن في نبرته دون أن يرفع بصره عليها: "لأ هنام إزاي وأنا صاحبي نايم في المستشفى بسببي! أخرجت آية تنهيدة بطيئة واقتربت منه، جلست القرفصاء أمامه وهتفت:

"أنت ملكش ذنب يا خالد أخوه هو اللي غدر بيه أنت كنت بتشوف شغلك وسيبت التوكيل في المكتب بحسن نية وأنت هتعرف منين إنه هيسرقه! رمقها خالد شزرًا وصاح مندفعًا: "أنا استهترت وسيبته في المكتب كان لازم أكون حريص أكتر من كده دي مش أملاكي عشان أكون مطمن للدرجة دي أنا غبي ومستاهلش ربع صحوبيته ليا." ربتت آية على فخذه وأردفت بحنو:

"بدل ما أنت قاعد تلوم نفسك كده قوم روح اطمن عليه وخليك جنبه هو محتاج لك الفترة دي أكتر من أي وقت تاني." التوى ثغر خالد بابتسامة متهكمة: "أكون جنبه بأي وش أقوله أنا السبب في اللي حصلك بس جاي أقف جنبك! تأففت آية بضجر بيّن وهتفت بحنق: "ريان عمره ما هيلومك على اللي حصل لكن هيزعل منك فعلًا لو موقفتش جنبه في محنته دي! نهض خالد من مقعده وأسند مرفقيه على حافة سور الشرفة وهتف بنبرة محتقنة:

"عارف أنه مش هيلومني وده اللي مضايقني إني هكون قاعد قدامه وشايف كل اللي حصله وبيحصله ومش قادر أعمله أي حاجة وأنا كنت السبب في... صمت من تلقاء نفسه وصاح عاليًا بغضب: "أوووف." اقتربت منه آية واحتضنته من ظهره ربما تخفف الهموم من على عاتقه قليلًا وأردفت: "اهدي يا حبيبي إن شاء الله خير."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...