الفصل 34 | من 41 فصل

رواية المعلم الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم تسنيم المرشدي

المشاهدات
21
كلمة
3,651
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

حل الليل سريعًا. أخفض رأسه لكي يختلس النظر إليها حينما شعر باستكانتها بين ذراعيه، وضع رأسها برفق على الوسادة حينما تأكد من غفوها، دسر الغطاء أعلاها ثم حمل صينية الطعام الذي أعده لها خصيصًا ودلف خارج المنزل دون أن يبدل ثيابه المنزلية. لا يعلم أين وجهته لكن حتمًا يريد الهروب من كل شيء، قادته قدماه إلى منزل صديقه الذي قرع بابه ووقف أمامه في انتظار ظهوره، فتح خالد الباب وجاب ريان من أسفل إلى أعلى بنظرة متفحصة، خفق قلبه

بتوجس شديد وأسرع في سؤاله: ريان في إيه؟ ألقى ريان نفسه بين ذراعي خالد الذي خفق قلبه من فرط الخوف، جمع قواه وأعاد تكرار سؤاله بقلق أكبر: حد حصله حاجة يا ريان؟ صغى خالد إلى نحيب ريان، ريان يبكي! أم أنه يهذي؟ أجبر خالد ريان على الابتعاد عنه وصاح فيه: انطق وقول مالك في إيه؟

لم يتحل ريان بالشجاعة الكافية في تلك اللحظة لقد انهار تمامًا، انحطت قواه ويكاد يستطيع أن يقف على قدميه، يتنفس بصعوبة شديدة ناهيك عن تشوش رؤياه بسبب بكائه الغزير. على الرغم من الخوف الذي تملك من خالد إلا أنه هدأ من روعه عندما رأى حالة صديقه التي لا يرثى لها، ساعده على الجلوس على الأريكة وجلس بجواره وأردف: طيب اهدى الأول واحكي لي في إيه؟

مر ما يقرب من ثلاثين دقيقة دون جدوى، بكاء ريان يدوي في المكان، يبكي كمن انفرط قلبه على شيء غالي، يؤازره خالد من حين لآخر بكلماته بينما تقف آية خلف باب غرفتها تتابع ما يحدث بتوجس شديد. عنود عندها كانسر من الدرجة الأخيرة! ألقى بهم ريان دفعة واحدة بنبرة مهزوزة لا يأباها عقله ولا قلبه، صعق خالد مما سمعه لتوه وعدل من وضعية جلسته وردد بعدم استيعاب: إيه؟

سحب خالد نفسًا عميقًا يحاول استيعاب الأمر، تفاجأ بانحناء ريان على كتفه، لم يكن لديه القدرة لنطق حرف واحد، ألجمت الصدمة ألسنة الجميع، أغلقت آية الباب حينما علمت السبب الحقيقي لحالة ريان التي تراه عليها للمرة الأولى، وضعت يدها على فمها في محاولة منها على تصديق ما سمعته بينما رفع خالد يده وربت على كتف ريان وأردف بنبرة مهزوزة: هو حصل إزاي أقصد يعني عرفت إزاي ولا إيه اللي حصل؟ أجابه ريان بنبرة موجوعة: مش عايزها تمشي!

لم يستطع خالد تمالك دموعه التي انسدلت رغمًا عنه، أسرع هو بمسحها لكنها تأبى التوقف، بينما واصل ريان حديثه من بين بكائه الموجوع: كنت فاكر إن الدنيا خدت مني كل حاجة بس طلعت مخبيالي حاجات تانية، لسه هتاخد مني وهتاخد مين، هتاخدني المرة دي هتاخد روحي وتسيب جسمي عايش لوحده ليه بس يارب ليه؟ رد خالد بنبرة سريعة:

أستغفر ربنا يا ريان متقولش كده أنا عارف إن الموضوع صعب بس بلاش قلة الإيمان دي والدنيا اتطورت عن الأول يعني فيه أمل يا صاحبي! رفع ريان ذراعيه للأعلى بقلة حيلة وهتف متحسرًا: أمل! هعالجها بإيه؟ هجيب فلوس منين عشان أخلق لها أمل أعيش أنا عليه قبل منها. أوصد خالد عينيه وسحق أسنانه بغضب شديد، فهو المتسبب الرئيسي فيما حدث له، لازال يلوم نفسه على ما اقترفه، لم يستطع الصمود لأكثر وهب واقفًا، وهتف بحنق:

ياريتك ما عملتلي توكيل، ياريتني رفضت زي كل مرة، أنا السبب في كل حاجة حصلتلك ولسه هتحصلك، ياريتك ما وثقت فيا ولا عرفتني. استلقى ريان على الأريكة وطالع سقف المنزل بحزن عارم وردد: ألوم عليك ولا على أخويا اللي هان عليه أخوه ورماه في الشارع، ألوم عليك ولا على اللي خد شقى عمري من غير ما يفكر أنا ممكن يجرالي إيه من ورا اللي عمله، يا أخي ياريتني ما اتولدت من الأساس ولا عشت الحياة دي كلها.

كز خالد على أسنانه بعنف واقترب من ريان، رفع رأسه وجلس هو ثم وضع رأسه على قدميه، انحنى عليه ووضع قبلة على جبينه وأردف بندم: حقك عليا يا صاحبي امسح كل اللي حصلك فيا أنا، طلع كل زعلك وضيقتك عليا أنا هستحمل، بس بلاش أشوفك كده، أنت أقوى من كده يا ريان. أخرج ريان تنهيدة بطيئة مليئة بالهموم وهتف بتجهم: مش قادر، أنا عايز أمشي. أسرع خالد في الحديث وأردف موضحًا:

لا لا، مش بقولك كده عشان تمشي، اقعد هنا لحد ما تكون كويس وبعدها أمشي براحتك. هز ريان رأسه برفض ونهض من مكانه وأردف مختصرًا: مش عايز أسيبها لوحدها! ابتلع خالد ريقه وردد: طيب تعالى هوصلك. لم يرفض ريان طلبه وغادر المنزل بخطى مهرولة غير مستقيمة، تبعه خالد إلى الخارج دون أن يخبر أية بوجهته بالتأكيد استمعت إلى حديثهم. مرت بضعة دقائق حتى وصل كليهما إلى منزل ريان، صف خالد سيارته أمام المنزل وترجل منها، وقف أمام ريان

وربت على كتفه يؤازره بحنو: إن شاء الله خير، خليك واثق في ربنا وهو هيجبر بخاطرك بس أنت قول يا رب. ردد ريان بنبرة متعبة حديثه مختصرًا: يارب. واصل خالد حديثه مضيفًا: لو احتجت أي حاجة كلمني على طول بالله عليك، أوعى تعمل حاجة لوحدك، خليني أعمل أي حاجة تريح ضميري من ناحيتك يا ريان.

اكتفى ريان بإيماءة خفيفة من رأسه ثم أولاه ظهره وولج داخل المنزل، أسند مرفقه على باب الغرفة وهو يطالعها بأسى شديد، تنهد بحرارة وعزم أن يصلي لله حتمًا سيطمئنه الله كما يطمئن عنود دائمًا. خرج من المرحاض بعدما توضأ وشرع في الصلاة في الجزء المخصص الذي صنعته عنود بكل حب، أنهى صلاته بشعور مختلف كليًا، شعور من الإيمان الذي يحثه على الرضا لكن لم يتقبل الأمر بعد.

نهض وأحضر وجبة عشاء خفيفة ثم توجه نحو غرفة صغيرته، جلس بجوارها وتأمل ملامحها الشاحبة وكأنها مريضة منذ أعوام، خرج من شروده على صوتها الخافت وهي تتمتم بلا وعي: ماما. اقترب أكثر منها لكي ينصت لما تردده باهتمام فتابعت هي حديثها: بابا شعري هيقع، متزعلش عارفة إنك بتحبه وأنا كمان بحبه. صعق ريان مما سمعه ولم يشعر بيده التي هزتها بعنف، انتفضت عنود بذعر ورمقته بعتاب فأسرع هو بالحديث: كلي عملت لك عشا.

سحبت عنود نفسًا ببطء لكي تهدئ من روعها ثم عاودت النظر إليه وأردفت: أنا شوفت أهلي. قاطعها ريان بنبرة صارمة: كلي يا عنود! تعجبت من كونه لم يجيبها كأنه لم ينصت إلى ما قالته، تنهدت وأردفت: بقولك شوفت أهلي. سحب ريان شطيرة من أمامه وأجبرها على قضم قطعة منها وهتف: وأنا بقولك كلي. ترقرقت العبرات من عينيها فأسرع ريان بتقبيل يديها ووضع رأسها على صدره وأطلق العنان لعبراته في الانسدال دون رأفة:

أنا آسف مش قصدي أضايقك بس عشان خاطري بلاش تتكلمي عن أي حاجة ليها علاقة بالموت! شارك كليهما البكاء وكلما مر الوقت عليهم يشد ريان بقبضته عليها كأنه يريد تخبئتها داخله لكي لا يأخذها الموت منه، شعرت عنود برجفة جسده أسفل رأسها فابتعدت عنه وتفاجأت بتحول لون عينيه وكأنما انفجرت عروقهم، ابتلعت ريقها بتوجس وتساءلت بقلق: ريان أنت...

صمتت عنود من تلقاء نفسها حينما هرول ريان إلى الخارج، فتح باب المنزل وتفاجأ بوقوف هالة خلفه كادت أن تطرقه لكنه كان أسرع وفتحه هو، خفق قلب هالة بتوجس شديد حينما رأت دموع ريان ناهيك عن حالته المذرية التي تراه عليها لأول مرة وقبل أن تدلي بسؤالها عن عنود كان قد اختفى من أمامها وواصل ركضه بعيدًا عن المنزل.

ازدادت نبضات قلبها متوجسة خيفة من تلك الدموع التي تنهمر بغزارة من عيني ريان، سحبت نفسًا ونظرت أمامها ثم قرعت الجرس وولجت إلى الداخل باحثة عن صديقتها، قابلتها عنود في منتصف الردهة ولم تترك أي مجال لسؤال هالة فقد عانقتها بقوة هزيلة عكس عناقها المعتاد عليه. لم يكن هناك داعي للسؤال فلقد تأكدت هالة من وجود خطب ما بينهم حتمًا، خطب كارثي حتى يكون كليهما على تلك الحالة المذعورة.

هدأت هالة من روع صديقتها وجلسن على الأريكة وتعمدت هالة ألا تترك يد عنود لكي تكون عون لها فيما تجهله، تنهدت ببطء وأردفت متسائلة بقلق: اهدي وفهميني حصل إيه لكل العياط ده؟ رفعت عنود عينيها على هالة ولازالت تنسدل القطرات منها ورددت بصوت خافت موجوع: أنا عندي كانسر. توقف ريان عن السير عندما عارضت طريقه سيارة أحدهم، رفع بصره عليها ونفخ بضجر بائن حينما وقع بصره على هاجر وزوجها، اقترب كليهما منه وأسرعت هاجر بالقول:

قلبي عندك يا حبيبي. رمقها ريان بغضب شديد لو كان شخصًا لحرق الأرض بمن عليها، استشفت هاجر غضبه وأسرعت مبررة: إن شاء الله نلاقي حل. أضاف علي على حديث هاجر قائلًا بنبرته الهادئة: واحد صاحبي دكتور ممتاز في معهد الأورام كلمته وقالي هات لي التحاليل أشوفها وهيقولنا نعمل إيه بالظبط.

طالعه ريان لبرهة وكأنه يريد التعلق بأضعف الحبال ربما يوجد بها الشفاء، اكتفى بهز رأسه بإيماءة خفيفة ثم أولاهم ظهره وعاد إلى المنزل بينما عادت هاجر وزوجها إلى السيارة فأسبق ماهر بالسؤال: وافق يا علي؟ أجابه علي وهو يدعس على محرك السيارة: وافق يا حج إن شاء الله خير.

عاد ريان إلى المنزل وولج داخله، سمع بكائها الذي يؤلم قلبه بل وكل إنش به يتقطع إربًا كلما تخيل عدم وجودها في حياته، اقترب منها بخطى متمهلة ثم جلس القرفصاء أمامها وأمسك يدها ووضع قبلة داخل كفها وأردف وهو يطالع بندقيتاها اللامعة: لعل الخير يكمن في الشر.

تفاجأت عنود بجملته وأعادت تفكيرها في كل شيء من بينهما حزنها بدون سبب، هذا قدر الله وقدره لا عليها سوى تقبل الأمر بل وتستقبله بصدر رحب لكي تغادر الدنيا دون تحمل ذنب عدم رضاها عن مرضها، الأمر صعب لا نقاش لكن ربما الخير يكمن في الشر كما سبق وأخبرت ريان.

ابتعدت عن حضن هالة التي التزمت الصمت منذ علمها بمرض صديقتها، فقط تربط على يدها بقوة كأنها تقول لا ترحلي فالوقت باكرًا لازلت أريد خوض المزيد من التجارب معك، بينما عانقت عنود ريان وأردفت بنبرة حنونة: عندك حق. قبلها ريان من وجنتها ونهض لكي يجلب التحاليل الخاصة بها كما تعمد إخفائها عن مرأى عينيها وأردف قبل أن يغادر: هروح مع علي مشوار سريع وهرجع على طول. هزت عنود رأسها بينما وجه ريان بصره على هالة وهتف:

ممكن تفضلي جنبها على لما أرجع! اكتفت هالة بإيماءة خفيفة من رأسها فغادر حينها ريان وركب مع علي سيارته بينما فضلت هاجر انتظار عودتهم بصحبة عنود. عند الطبيب، بعدما فحص التحاليل بعناية وأعاد تكرار قرائتها لأكثر من مرة بأمر من ريان، وضع الأوراق أمامه على طاولة المكتب وأردف بعملية: أنا متفاجئ يا جماعة إن الحالة دي لسه على قيد الحياة، التحاليل بتأكد إن الكانسر أتمكن من خلايا المخ والمفروض حياتها تكون انتهـ...

هب ريان واقفًا وصاح به هادرًا وهو يضرب المكتب بكل ما أوتي من قوة: اخرس! أنت بتقول إيه؟ إيه اللي أنت بتقوله ده؟ أنت دكتور متخلف وظلمك اللي دخلك طب. تفاجأ الطبيب من هجومه، ناهيك عن إهانته التي تعدت حدود الوقاحة، ونهض هو الآخر وهتف بعصبية: "ما اسمحلكش تتكلم معايا بالأسلوب ده أنت فاهم، واحترم نفسك أنت مش بتكلم بلطجي، أنا دكتور محترم وليا اسمي! ربت علي على كتف ريان وردد بنبرة خافتة:

"استهدي بالله يا ريان، إحنا عارفين الكلام اللي هو قاله ده، إحنا هنا عشان نشوف لو في حل نعمله." أسرع الطبيب بالحديث وهو يطالع علي بغيظ: "مفيش حل للحالة دي، دي خلصانة خالص." أوصد علي عينيه بعصبية عندما هتف الطبيب بتلك الكلمات، وحاول أن يشد على ذراع ريان لكنه تحرر من بين قبضتيه وأسرع نحو الطبيب، جذبه من تلابيب ثوبه وصاح به بصوت مرتفع ملئ بالغضب الممزوج بالألم:

"أنا اللي هنهي حياتك عشان الناس تعرف إنك دكتور غبي ومش فاهم شغله." حاول الطبيب أن يحرر نفسه لكنه فشل، حاول علي اختراق يد ريان إلى أن نجح وشكل حاجز بينهم ودفع ريان بعيدًا عن الطبيب وأردف: "يلا نمشي، هنشوف دكتور تاني." رد عليه الطبيب بعصبية: "هتروحوا لأي دكتور هيقول نفس الكلام، الحالة منتهية! فغر علي فاهه بصدمة لوقاحته، استدار بجسده إليه وهو يسحق أسنانه بغضب شديد وانقض عليه ولم يشعر بيده التي تتسابق

في لكمه بكل قوته وهتف: "لا ده أنت تستاهل اللي يجرالك بقى." "كفاية." صدح صوت ماهر في أرجاء الغرفة فتوقف أثرها علي وطالعه بندم بينما واصل ماهر حديثه حينما شعر بالهدوء قد عم المكان: "إحنا جايين نضرب الراجل في عيادته، يلا نمشي فضحتونا."

رمق علي الطبيب بنظرة احتقارية مشتعلة ثم بصق على الأرض لعله يفرغ شحنة غضبه التي لازالت تحثه على مواصلة لكمه، لكن حسنًا ليس الآن. التفت بجسده باحثًا عن ريان الذي اختفى صوته وتفاجأ بجلوسه على الأريكة الجلدية واضعًا كفيه أمام وجهه ويبكي في صمت، أسرع نحوه وجلس بجواره وربت على كتفه، حاول أن يهون عليه لكن هربت الكلمات من على لسانه، فأي كلمات ستهون عليه مصيبته؟ "يعني مفيش أي أمل خالص؟

هتف بهم ريان بنبرة تتشبث بأي أمل يزهر قلبه من جديد، أشفق الطبيب على حالته وأجابه مختصرًا كما حاول انتقاء كلماته بعناية حتى لا يزيد من ألمه: "في الطب للأسف مفيش، لكن عند ربنا فيه أمل، ادعي لها تحصل معجزة! رفع ريان رأسه ورمق الطبيب لبرهة ثم نهض ودلف إلى الخارج بخطى غير مستقيمة، السير يصبح أثقل وأثقل في كل خطوة يخطوها، ماذا يحدث لك أيها الرجل؟

لم يستطع السير لأكثر واستلقى بجسده على الدرج، كاد علي أن يجلس بجواره لكن أسرع ماهر بمسك يده فاستشف علي ما يرمي إليه العم ماهر، ساعده على الجلوس بجانب ريان ووقف هو في الخلف. ربت ماهر على قدم ريان يؤازره في محنته وأردف:

"مفيش حاجة هتهون عليك أنا عارف، بس الدكتور قال حاجة حلوة أوي يمكن أنت ما ركزتش فيها 'ادعي لها'، الأمل دايماً موجود لأن ربنا موجود، سبحان من أمن موسى في التابوت ونجى يونس في بطن الحوت ورفع السموات بغير عمد، قادر أن يشفي لك مراتك بس أنت قول يا رب." وضع ريان رأسه على كتف والده وردد بنبرة منكسرة: "يا رب." رفع ماهر يده وملس على وجه ريان بحنو وأردف:

"قول يا رب وخليك واثق من جواك إن ربنا قادر على كل شيء، ظن في ربنا خير وهو هيراضيك بإذن الله." سحب ريان نفسًا عميقًا ثم قبل جبين والده أسفل نظرات علي المشفقة على حالته ثم غادر كلاهما المكان عائدين إلى منزل ريان المستأجر. دلف إلى منزله مهرولًا يبحث عن زوجته لكي يخبرها بما علمه منذ قليل، وقف أمامها وهي مستلقية على الأريكة تمعن النظر في هاتفها، التقط هاني أنفاسه وألقى حديثه دفعة واحدة: "مرات ريان عندها سرطان!

لم تُبدِ رنا أي تأثر لحديثه كأنها لم تنصت لما قاله، واصل هاني حديثه قائلًا بنبرة نادمة: "بيقولوا حالتها صعبة أوي، أنا لازم أرجع لريان حقه، لازم يلحق يعالجها و... صمت هاني حينما اندفعت رنا به وهي تنهض من مكانها: "فكر مجرد تفكير إنك ترجع له أي حاجة وصدقني هتشوف وش عمرك ما شوفته، أولها أنا هختفي من حياتك وآخرها هلبسك أي تهمة تقضي بيها بقية عمرك في السجن وأخوك يبقى بره بيتمتع بالفلوس وأنت جوه بتتقهر على تفكيرك الغبي ده!

لوهلة شعر هاني بالخوف يتسلل داخله، لكن شعور قوي يحثه على مواصلة ما نوى فعله فأردف بنبرة متوسلة: "بس دي ممكن تموت لو ما عرفش يعالجها، ممكن تـ... قاطعته رنا بحدة وصاحت به هدرًا: "ما تموت! أنت مالك بيها، كنت أنت اللي جبت لها المرض؟ ربنا كاتب لها كده، أنت مالك؟ هاني دي آخر مرة تتكلم في الموضوع ده، واه تعملي توكيل عشان مش كل ما هطلب حاجة لازم أرجع لك الأول!

أنهت كلماتها الآمرة وتركته يقف بمفرده وولجت داخل غرفتها تلعن سذاجته المفرطة، جلست على طرف الفراش وسحبت نفسًا عميقًا لكي تهدأ من روعها ثم فتحت هاتفها وابتسمت بخبث حينما راودتها فكرة شيطانية وبدأت في تنفيذها على الفور. اهتز هاتفها معلنًا عن وصول رسالة ما، أمسكت عنود بالهاتف بفتور شديد، جحظت عينيها عندما وقع بصرها على الكلمات الفظة المدونة داخلها:

[أنتِ اللي هتموتي وأنا اللي بقاله، ما تقلقيش هاخد بالي عليه كويس جداً، موتي وأنتِ مرتاحة.] شعرت عنود بغصة مريرة في حلقها فتسببت في سعالها، أسرعت هالة بجذب المياه وساعدتها في ارتشافها إلى أن هدأت قليلًا، لكن لازالت نبضاتها تخفق بشدة كما لم يتوقف صدرها عن الصعود والهبوط بصورة واضحة للجميع. ضمتها هالة إلى حضنها برفق وظلت تمتم ببعض الكلمات الطيبة: "اهدي، كل حاجة هتكون كويسة بإذن الله."

طرق ريان الباب ثم ولج إلى الداخل مباشرة، لم يطق الانتظار لرؤيتها، تفاجأ بوضعها الذي لم يفهم سببه، أسرع خطاه نحوها وأردف سؤاله باهتمام: "إيه اللي حصل؟ أسرعت عنود بالإجابة عليه لكي لا تخبره هالة عن الرسالة وأردفت: "أنا كويسة مفيش حاجة بس محتاجة أنام."

أومأ ريان رأسه على الرغم من عدم اقتناعه بالأمر، ساعدها على النهوض ودخول الغرفة، استلقت هي على الفراش بتعب فدسر ريان الغطاء أعلاها ثم أغلق الإضاءة ودلف إلى الخارج، طلب منه والده أن يتحدث معه على انفراد فلبى طلبه وأخذه إلى غرفة الضيافة وجلسا سويًا. حمحم ماهر بحرج بائن استشفه ريان فتساءل ريان بحرج خشية أن يطلب منه شيئًا ليس في مقدرته فعله: "محتاج حاجة يا حج؟ هز ماهر رأسه وأردف:

"أنا عارف إن مش وقته الكلام ده، بس أنا عايز أقعد معاك هنا، وقبل ما تسأل ما حصلش حاجة وعلي شايلني من الأرض شيل، ربنا يكرمه، بس أنا مش مرتاح وحاسس إني ضيف تقيل وجوز بنتي مش ملزوم بيا و... قاطعه ريان وردد بحزن رُسم على تعابيره: "أنا فاهمك يا حج، بس أنا مش هقدر أوفر لك لا أكل ولا شرب والأهم منهم العلاج! أجابه ماهر بنبرة حزينة:

"ولا يفرق لي كل دول قصاد إني أكون مرتاح ومش عايش عالة على حد، وبعدين يا ابني لو مش عايزني خلاص." أسرع ريان في الرد عليه موضحًا طيب نواياه: "لو ما شالتكش الأرض أشيلك فوق راسي يا حج، بس أنا بتكلم في وضع هيتعبني أنا، لما ما أقدرش أوفر لك علاجك وأقعد أتفرج عليك وأنت تعبان يبقى أنت كده بتموتني بالبطء." أخرج ماهر تنهيدة بطيئة تحمل الهموم بين طياتها وأردف: "ربك يدبرها يا ابني، بس أنت وافق وشيل الحِمل ده من على قلبي."

ربت ريان على فخذ والده وأردف بحنو: "البيت ينور بوجودك يا حج! التوى ثغر ماهر بابتسامة عريضة تعبر عن مدى راحته التي شعر بها لتوه على عكس ريان الذي تنهد بعدم راحة لتلك المسؤولية التي وقعت على عاتقه، فلم يحين وقتها بعد؟

صباحًا، استيقظت عنود وهي تتثائب بكسل، بحثت بعينيها عن ريان في الغرفة لكنها لم تجده، كادت أن تدلف إلى الخارج لكن توقفت حينما رأت طيف صورتها في المرآة، توجهت نحوها بخطى متمهلة ووقفت أمامها تطالع خصلاتها بحزن، هل ستقع؟ أم سترحل قبل أن تتحسر حزنًا على خصلاتها التي ستتساقط من رأسها رُغمًا عنها؟

كفكفت عبراتها التي انسدلت واستدارت بجسدها حينما شعرت بدخول ريان، شهقت بصدمة حينما رأته على تلك الحالة، خفق قلبها بحزن عارم لفعلته التي صدمتها، اقترب منها ريان وانحنى ليكون في نفس مستوى طولها ووضع قُبلة على طرف شفاهها وأردف مُشكلًا ابتسامة: "صباح الخير." تنهدت بحرارة ورددت معاتبة إياه وهي تطالع رأسه الحليق: "ليه عملت كده؟ أجابها ريان مختصرًا: "أقل حاجة ممكن أقدمها ليكي!

وضعت عنود كفها على فمها وجهشت في البكاء، أسند ريان جبينه على جبينها وأردف: "بلاش عياط عشان خاطري! رفع يدها الموضوعة على فمها ووضع قبلاته عليها وهو يردد: "هنعدي كل حاجة مع بعض! تعلقت عنود في عنقه وعانقته بكل ما أوتيت من قوة كما حاوط ريان خصرها وشد عليه يريد فقط تخبئتها داخله، سحب نفسًا وأردف بنبرة متحمسة: "يلا عشان نفطر ونروح الكلية مع بعض! ابتعدت عنه وطالعته بغرابة ورددت حديثه بعدم فهم: "مع بعض! أومأ رأسه وأردف:

"كفاية دلع لحد كده ونشوف مستقبلنا بقى." كادت أن تعارضه لكنه وضع إبهامه على فمها وقال: "مش عايز أي اعتراض يا باشمهندسة، اتفضلي يلا عشان ما نتأخرش."

تركها ودلف إلى الخارج يلتقط أنفاسه التي انحشرت داخله لكي يقف أمامها صامدًا لا يعبأ لمرضها، أوصد عينيه يحاول جاهدًا الصمود كما كان يلبس ثوبه منذ قليل، ابتلع ريقه وأحضر فطورًا سريعًا ثم أيقظ والده الذي ترأس الطاولة بينما جلس ريان بجواره بعدما وضع المقعد استعدادًا لجلوس صغيرته عليه مباشرة لكي لا تتعب حتى وإن كان التعب بسيط.

دلفت عنود وتفاجأت بوجود العم ماهر، تقوس ثغرها بابتسامة عندما رأته واقتربت منه مرحبة به بحفاوة لم يتوقعها ريان بل ظن أنها ستعترض وجوده أو ربما تُبدي انزعاجها من عدم إخبارها بمكوثه في منزلهم كما كانت ستفعل أي امرأة غيرها. تنهد ماهر براحة حينما رحبت به عنود وكأن المنزل يعود إليه، شاركتهم تناول الطعام مع بعض الحديث ثم استأذن ريان من والده وهم بمغادرة المنزل لكي يلحقا ميعاد جامعتهم.

فتح باب المنزل وتفاجأ بوجود دينا وصغيرته جني مع بعض الحقائب الضخمة، ألقى ريان نظرة سريعة عليهم ثم ردد بتعجب: "دينا! سحبت دينا نفسًا عميقًا وألقت بالحديث دفعة واحدة قبل أن تتراجع عن ما نوت فعله: "أنا موافقة أقعد معاك هنا." لم يدرِ ريان أي مشاعر عليه أن يشعر بها الآن، أعليه أن يشعر بالسعادة لكون عائلته قد تجمع شملها أم عليه الضجر لأنه ليس بحين تجمعهم الآن!

تقوس ثغره بابتسامة لم تتعد شفاه وقبل أن يُبدي رأيه وجه بصره نحو عنود التي لم تدري ما عليها فعله في تلك الأثناء، هل عليها إبداء موافقتها على مشاركة امرأة أخرى بزوجها التي سبق واقترحت هي مشاركتها فيه فعليًا، أم ترفض وليحدث ما يحدث، تريد التراجع عن اقتراحها تريد سحبه وعدم قوله من الأساس. فقط يجدر عليها الترحيب بها، لا تملك سوى ذلك، هزت رأسها مبدية موافقتها فقال ريان وهو يحك مؤخرة رأسه:

"ادخلي أنا هوصل عنود الجامعة ولما أرجع نشوف الحياة هتمشي إزاي! اكتفت دينا بإيماءة خفيفة من رأسها، ساعدها ريان على إدخال الحقائب ثم ودع صغيرته جني وأغلق الباب، ولم يخطُ خطوة بعد إلا ورأى طيف هالة تأتي على مسافة قريبة منهم، أزفر أنفاسه بضجر فهو يريد أن ينفرد بحبيبته قليلًا دون دخلاء، استشفت عنود أن هناك أمرًا يزعجه لكن لم تستطع سؤاله فكان وصول هالة أسرع منها. "صباح الخير."

ألقت هالة عليهم التحية فأجاباها معًا ثم واصل ريان مضيفًا بضجر بائن عندما رأى سيارة يحيى تقترب منهم: "يا الله! ترجل يحيي وتوجه نحوهم بخطى ثابتة وهو يتعمد عدم النظر إلى عنود، فالأمر قد كشف لهالة ويصعب عليه الآن النظر إلى ما كان يستمتع به. كانت تتابعه هالة بتفحص واهتمام شديد، وعندما رأته يتجاهل عنود قد طرب قلبها فرحًا، تلك بداية الطريق إلى مساعدته في نسيانها، أو ربما بداية الطريق للانتباه إليها.

قطع ذاك الصمت صوت ريان عندما أردف بنبرة هادئة لكنها صارمة ويكاد تكون آمرة: وصل هالة يا يحيي في طريقك أنا هتمشي مع عنود. وقبل أن يعترض أحدهم، أمسك ريان بيد عنود وغادرهم. رفعت هالة بصرها على يحيي بحياء عندما لم يعد هناك سوى كليهما، فتفاجأت به يطالعها. خفق قلبها بشدة وازدردت ريقها بتوتر وهربت بعينيها بعيدًا عنه. تنهد يحيي وردد مختصرًا: اركبي.

تركها وركب سيارته أولًا، فتبعته هي وركبت بجواره ثم انطلق بسيارته متجهًا إلى الجامعة. إحنا هنعيش إزاي في بيت واحد؟ تساءلت عنود باهتمام فأجابها ريان بعد مدة: مش عارف! توقفت عنود عن سيرها واستدارت بجسدها ورفعت رأسها نحوه وأردفت بنبرة مهزوزة: دينا لما اتأكدت أنها هترجع تكون الوحيدة اتنازلت وجت تعيش معاك. حمقاء!

لا تعلم ماذا فعلت هي بجملتها تلك. لا تدري أنها حطمت قلبه الذي يحاول هو جاهدًا بألا يتبعثر إلى أشلاء. أوصد ريان عينيه بغضب معانق للألم الذي لم يشعر به من قبل. أخرج تنهيدة بطيئة ثم فتح عينيه واقترب منها، ضمها برفق إلى حضنه ولم يمنع عبراته التي انسدلت رغماً عنه.

اهتزت عنود بشدة حينما شعرت برجفة جسده المحاوط لجسدها ناهيك عن شعورها بالندم لكونها تبادر دومًا في إلقاء الكلمات التي تؤلمه لكن حقاً لا تقصد. إنها فقط تفكر بما يدور في رأسها بصوت عالٍ. لكن حسنًا، ربما يجب عليها عدم إدلاء كل ما يخطر ببالها فقط من أجله! ابتعدت عنه وأردفت بنبرة نادمة: Sorry مش هتكلم كده تاني.

رمقها ريان بنظرات معاتبة يلومها على ما قالته لكن لا يملك حتى معاتبتها الآن، سيتحلى بالصبر إلى أن يربط الله على قلبه. سمح لأصابعه أن تتخلل بين فراغ يدها وتملأها ثم واصل سيره في صمت طال إلى وصولهم إلى الجامعة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...