دار عنتر ... وضعت "صباح" أخت "عنتر" جلبابين مطويين إلى جوار سحر ثم أردفت بإبتسامه صافيه. _أمي قالت لي إنك مش معاكي خلجات. جبت لك جلابيتين جداد واصل. بإمتنان شديد ألقت "سحر" نظرة سريعة على تلك الملابس المطوية، فعلى كل الأحوال هي بالطبع أفضل من هذا الجلباب القصير الذي ترتديه. ثم عقبت بخجل شديد لم تدري بعد من أين اكتسبته، فهي تكتشف بنفسها صفات جديدة لم تدركها بنفسها من قبل إلا بهذا البيت.
_ما كانش ليه لزوم خالص. أنا حجيب هدومي النهارده. تعبتكم معايا أوي. وصلت الحاجة "فهيمة" بتلك اللحظة وقد استمعت لتعقيب "سحر" الأخير. _وده يصُح برضك. ده أنتي ضيفتنا. وربنا العالم دخلتي قلوبنا مرة واحدة إكدة. أكدت "صباح" مقولة والدتها قائلة. _والله صدقتي يا مه. فيكي حاجة ما شاء الله تدخل القلب طوالي. لم تجاملهم "سحر" بل لفظت بما تشعر به حقيقة وهي تعقب على حديثهم. _أنا والله اللي مبسوطة جداً ومرتاحة جداً وأنا معاكم هنا.
صمتت "سحر" لوهلة تراجع نفسها كثيراً قبل سؤالها عن "عنتر"، فهي لم تره منذ الصباح ثم تراجعت خجلاً من ذلك متعجبة للغاية من نفسها وتفكيرها غير المنطقي وغير المعتاد مطلقاً بالنسبة إليها. شعرت بسعادة تدق قلبها على حين غرة وهي تستمع لطلب الحاجة "فهيمة". _تعالي معايا يا "صباح" نخلص وكل العشا. وأنتي يا بنيتي لو مفيهاش أذية تاخدي الشاي لـ"عنتر" السطح. تهللت تقاسيمها بسعادة وهي تلبي طلبها بحماس مردفة.
_تمام. مفيش مشكلة. هو فوق على السطح. _أيوة يا بنيتي. جنب بناني الحمام. تغيرت ملامحها لأخرى مذهولة متحلية ببعض البلاهة بدون فهم لتتساءل بتعجب. _فين. واقف فين. ابتسمت "صباح" وهي تعيد شرح ما قالته والدتها للتو. _بناني الحماااام. جمع بنيه. يعني بيوت الحمام اللي فوق السطح. أدركت "سحر" ما تقصده الحاجة "فهيمة" بعد إيضاح صباح لذلك لتردف بتفهم. _ااااه. برج الحمام. اه عرفته تمام. أصلي أول مرة أعرف كلمة بناني الحمام دي.
_لا دي كلمة عادية قوي. إنتي بس اللي مش واخده عليها. _ممكن صح. ثم أسرعت بتلهف تحمل الصينية التي وضع عليها كوب الشاي الساخن لتردف وهي تتخذ خطوات متعجلة تجاه السلم الضيق. _أطلع له الشاي بقى أحسن يبرد. غابت عن نظرهن على الفور ليدلفا إلى داخل المطبخ لاستكمال أعمالهم. البيت الكبير ...
وضع "عمر" آخر حقيبة لهم بمؤخرة سيارته قبل أن يجلس بمقعده وهو يلقي بنظرة على "مؤمن" الغارق بالنوم بالأريكة الخلفية ثم اتجه ببصره تجاه زمردته الغالية "نسمه". قبض كفها بين راحته يمدها من قوته لتتسع ابتسامتها ببداية جديدة ربما تحمل لهم الخير. ثم همس "عمر" بنبرة محبة حنونة. _جاهزة حبيبي. _أها. جاهزة. بإذن الله جاهزة.
أومأ لها بابتسامة لينطلقا بطريق عودتهم إلى القاهرة، تلك الرحلة التي يأملان بها أن تكون هي العتبة الجديدة ببناء حياتهم واستقرارها بعد مشقة وحزن مضى بعد فراق جدهما. تركا حقيبة "سحر" مع حارس البيت قبل انطلاقهم بطريقهم. شركه نورهان .... دلف "وائل" يتلفت بتفحص لتلك الشركة باهتمام شديد وهو يقلب عيناه بين أرجائها في انتظار السماح له بمقابلة زميلته "نورهان".
خرج السكرتير الخاص بها من تلك الغرفة الفخمة المؤثثة بعناية فائقة وهو يشير له بالدخول لمقابلتها. _اتفضل يا أستاذ "وائل". الأستاذة "نور" مستنية حضرتك. _شكراً. دلف إلى داخل غرفة مكتبها ليجدها جالسة خلف مكتب زجاجي أنيق رائع زاد من بريق عيناه المنبهر. وقفت "نورهان" بهدوء زادها رقة لتتقدم نحوه تمد ذراعها نحوه لمصافحته بأطراف أصابعها بدلال. _هاي "وائل". مبسوطة قوي إنك جيت.
تنفس "وائل" بقوة وهو يصافحها مردفاً بضحكة بلهاء ونظرات معجبة للغاية. _وهو أنا أقدر مجيش. نظرت له بفتور ثم أشارت له على المقعد المقابل للمكتب كأنما تبعث رسالة خفية بمعنى إلزم حدك، فهي في النهاية صاحبة شركة وهو مجرد محاسب بأحد المكاتب. _اتفضل أقعد. ابتلع ريقه وهو يرفع من حاجبيه ويخفضهما بتفهم، فقد توقع أن يجلسان بأريحية فوق تلك الأريكة الجانبية كأصدقاء مقربين ربما. استطردت "نورهان" حديثها بسؤال.
_ها. بدأت في اللي قلت لك عليه. _الحقيقة لسه. أنا... كنت جاي عشان أكمل المعلومات والبيانات اللي عندي. _أوك. اللي انت حتحتاجه حيجيلك بيه بيان طبعاً. _تمام. كنت عايز تقارير الضرايب بتاعة الشركة وكمان ا... قطع حديثه رنين هاتفه ليرفع إصبعه مستأذناً "نورهان" بالرد أولاً. تابعت "نورهان" تلك المكالمة حتى بدأت تنصت باهتمام بالغ بعد معرفتها بهوية صاحب المكالمة.
_أيوة يا "عمر". حتوصل إمتى. أه تمام. أه عارفه. خلاص. أجيلك بالليل. توصل بالسلامة يا حبيبي. في رعاية الله. سلم على "مؤمن" و "نسمه" لحد ما أشوفك بقى. سلام. أنهى المكالمة واضعاً الهاتف بجانبه حين تساءلت "نورهان" بفضول شديد واهتمام فائق بخلاف طريقتها الفاترة قبل المكالمة. _ده "عمر سليمان" صح. _اه هو. أكملت "نورهان" بنفس الاهتمام. _هو راجع القاهرة ولا إيه. مش انت بتقول عايش في الصعيد.
اعتدل "وائل" بأريحية وهو يجد مجالاً للحديث الودود مع تلك الأنثى الجذابة. _آه ده راجع يستقر هنا. يعني... حصل شوية مشاكل عائلية هناك وفكر ييجي يستقر هنا أحسن. برقت عيناها بوهج وهي تردف بسعادة. _مشاكل عائلية. إيه ده هو طلق مراته. ضيق "وائل" حاجبيه باستراب وهو يردف نافياً بغموض. _لالالالا. مش قصدي كده خالص.
مَطّت "نورهان" شفتيها لتعيد هدوء نفسها بانضباط، فعليها حثه على الحديث بدون إثارة شكوكه مطلقاً وعليها استدراجه ليخبرها بكل التفاصيل. نهضت من مقعدها الوثير لتهتف بتغنج أثار لعاب "وائل" بشدة، فهو لم يستطع مقاومة إغراء فتاة كـ"نورهان". _ما تيجي نقعد هنا أريح. تعالي يا "وائل". نهض "وائل" بدون تفكير يتبع "نورهان" التي جلست واضعة ساقها فوق الأخرى بتغنج ليجلس إلى جوارها بإعجاب بالغ حين استطردت "نورهان" حديثها.
_عارف. أنا وحشتني جداً أيام الدراسة. عشان كده ببقى عايزة أعرف كل التفاصيل عن الزملاء بصراحة. _اه. اه طبعاً. _قول لي بقى. ماله "عمر". _طب. ااا... نخلص الشغل وبعدين نحكي. أطلقت "نورهان" ضحكة رقيقة أدركت بها وقوع هذا المغفل بحبالها بسهولة، فيبدو أنه ساذج للغاية. دفعت بالأوراق فوق الطاولة وهي تردف بعذوبة أطاحت برزانته المتبقية.
_وهو الشغل حيروح فين. إحنا أصحاب يا "لوئه" مش كده. الشغل كده كده حخلص. خلينا ندردش سوا شوية ونطلع من مود الشغل الكئيب ده. _وماله. أقاما جلسة مطولة يتحدثان ويتسامران ويتضاحكان، كانت "نورهان" فائزة لا محالة بتلك الجلسة بينما لم يكن "وائل" منتبهاً سوى لشيء واحد فقط، كيف يستميل تلك الرائعة إليه فقط. دار عنتر ....
لقد تفهمت الآن لم يقف بهذا الموضع فقط، استطاعت رؤية تلك المساحات الخضراء الشاسعة من حولهم، كم من منظر بهيج مريح للنفس للغاية. تلك الطيور الناعمة تطير بالسماء ثم تعود أدراجها لبيوتها مرة أخرى بسكينة وصفاء. هي خلقت لتلك الحرية والتحليق، ثم تعود لبيتها الذي تشعر به بالدفء والأمان. تمنت للحظة أن تكون مثل تلك الطيور لتشعر بتلك الراحة.
تقدمت نحو "عنتر" الذي لم ينتبه بالبداية لوجودها ثم سمع وقع تلك الخطوات الخفيفة ليلتف برأسه باتجاهها. بلحظة تيقن أدرك أن تلك "المتمردة" سرقت قلبه، فلم تكن رؤيته لها كرؤيته لبقية الفتيات مطلقاً، لقد شعر بخفقات قلبه تضرب بقوة لمجرد رؤيتها فقط. هي "سحر" وبالفعل سحرته منذ وهلة لقائهما الأولى. ابتسم بخفة لوجودها، فربما كان لخطأ قام به سبباً بما لم يكن يتخيله بأحلامه حتى.
قدمت له "سحر" كوب الشاي باضطراب جعلها تحجم عن الحديث تماماً، فلم تشعر بالتخبط لرؤيته دون حتى حديث بينهم. أمسك "عنتر" بكوب الشاي وهو ينظر مرة أخرى تجاه أحد الحقول قاطعاً الصمت بينهما قائلاً. _شايفه الأرض دي. للأسف هي دي حلمي اللي بيضيع مني. نظرت "سحر" تجاه الحقل الذي ينظر إليه بعدم فهم لتتساءل بحيرة وقد تحلى سؤالها بنبرة شك. _انت زعلان عشان ما أخدتش الفلوس من "عمر".
التفت إليها على الفور برفض قاطع حتى لا تفهمه بصورة خاطئة بعدما شعر بأنها تشك بأمره. _لا والله. أنا كنت فاكر إن ليا حق عنده. غير كده. ولا أفكر حتى آخد حاجة مش من حقي. أنتي لسه ما تعرفنيش زين. لو فيها موتي عمري ما أعمل حاجة أجور بيها على حق حد بالباطل. تأملت "سحر" للحظات طريقة "عنتر" بالحديث ومنطقيته بانتقاء عباراته لتتساءل بفضول. _"عنتر" هو انت متعلم مش كده.
ابتسم "عنتر" بسخرية وهو يجيبها مستهزئاً من محدودية التفكير عندها. _وهو عشان ما سكنّا في الصعيد يبقى كلنا جهلة متعلمناشِ. شعرت "سحر" بالإحراج الشديد بأفكارها السطحية بالفعل لتبادر بالاعتذار. _لا طبعاً مقصدش. أنا آسفة أنااااا... قاطعها "عنتر" ليعفيها من حرجها موضحاً.
_مش قلت لك إنك لسه متعرفنيش زين. أنا خريج كلية زراعة. أخدت الأرض دي إيجار من ثلاث سنين. على أمل أني أشتريها لما يخلصوا. بس خسرت كتير قوي عشان عملت مشروع كان حيكسبني دهب. كلفته كتير ولسه مشتغلش. وصاحب الأرض حيبيعها لغيري. وكل تعبي حيروح في الهوا. أبدت "سحر" اهتمام بالغ بذكرى هذا المشروع فقد كان حلمها هي أيضاً مشروع قائم على مزروعات من هذا القبيل إلى جانب عملها بالبورصة.
_إيه طبيعة المشروع ده اللي صرفت عليه كل فلوسك دي. _صوبة. عملت صوبة كبيرة. بس حتروح مني. عشان كده لما "أبو المعاطي" الله ياخده قال لي إن جدي سلف جد "عمر" فلوس وإني ليا عنده ورث. قلت أطالب بيه يمكن أشتري الأرض اللي بنصرف منها كلاتنا. أدركت الآن لم تصرف هذا التصرف غير المسؤول فقد كان يحاول إنقاذ أرضه. لكن ذلك ليس مبرر كافٍ لهذا التسرع. صمتت قليلاً تتأمل الأرض الخضراء من حولهم ثم اقترحت أمراً أثار ذهوله للغاية.
_إيه رأيك أشتري الأرض وأشاركك. لم يكن ذهولاً بل تعدى ذلك حتى باتت ملامحه غاضبة حادة بصورة لا معقولة ليهتف بها بصوت هادر فقد شعر بأنها تهينه وتجرح كرامته. _هي حصلت. حتصرفي على كمان. أنا غلطان إني بحدثك. أنهى عبارته واستدار لينصرف مبتعداً عنها. "كيف فهمها بتلك الصورة". هكذا حدثت نفسها لتتراجع على الفور وهي تحاول اعتراض طريقه توضح له ما تقصده حقاً. _استني بس ميبقاش مخك صعيدي أمال. رمقها بحدة وهو مازال بنفس انفعاله.
_أنا صعيدي ومخي صعيدي. ولا انتي مش واخده بالك. _اوووه. إفهمني. أنا قصدي. أنا محوشة فلوس بتاعتي من شغلي وكنت عايزة أعمل مشروع زي اللي انت بتقول عليه ده. بس أنا معنديش خبرة في الموضوع ده خااالص. وانت حل مشكلتك شريك. فأنا حشاركك. أنا براس المال. وانت بالخبرة والمجهود. بس كده. مكبر الحكاية أوي ليه كده. ربما ما اقترحته فكرة جيدة تستحق الدراسة لكنه عاد ورفض مرة أخرى قائلاً. _لا برضه. معندناش حريم يشتغلوا كده.
فغرت فاها بذهول وهي تردد نفس كلمته باستياء. _حريم. ثم اعتدلت بوجه ممتعض تستكمل حديثها. _لا يا باشمهندس. أنا مش حريم من اللي انت بتقول عليهم دول. أنا مش زي أي حد انت تعرفه. لقد كانت محقة حقاً، حتى هو لا يستطيع أن ينكر ذلك ليهمس بهيام محدثاً نفسه بصوت خفيض لم يدرك أنها تستطيع سماعه بالفعل. _ولا زي أي حد في الدنيا.
ارتبكت "سحر" للغاية واكتسى وجهها بحمرة خجل قلما تحدث لها لتنكس عيناها المتحدية له محاولة التغاضي عما سمعته للتو. أفاق "عنتر" من هيامه وهو يلعن نفسه سراً على ما صدر منه للتو ليكمل بعملية. _عموماً ممكن أفكر. وأنتي كمانِ. عشان مترميش فلوسك في الأرض. لازم تتأكدي الأول. بدون تفكير مطلقاً أجابته. _لا متقلقش. أنا واثقة فيك.
لم يكن يتخيل أنها ستنطقها يوماً بعد ما حدث وسببه لها بالبداية، الثقة. تلك الكلمة التي تعني الكثير من القوة بداخلها. قوة الأمان والاطمئنان لكلا الطرفين، أن يطمئن أن هذا الطرف لن يخذله مطلقاً، لن يخون لن يتهاون أو يتواطئ. أهي تصفه بمحل ثقتها. إنها لكبيرة بحقه حقاً. اتسعت ابتسامته بفخر لما نطقته للتو، بينما تعجبت هي بالفعل من نفسها لإحساسها بالأمان والثقة معه، هذا الذي خطفها بيوم ما. البيت الكبير ....
وصل "هريدي" إلى البيت الكبير كما أوصاه "عنتر" ليعيد حقيبة "سحر" إليها. تقابل "هريدي" مع الحارس طالباً منه الحقيبة والذي أتى بها على الفور ليعود مرة أخرى لدار عنتر بالقرية ليصل الحقيبة إلى صاحبتها. علام .... اتخذ طريق سفره إلى المنيا للبحث عن ابن خاله "سحر" وعليه إيجادها فاستقل سيارته إلى هناك مباشرة. أحلام ....
بداخلها لهفة وشوق غير محدود، تماماً كطفل منتظر قدوم العيد، ارتدت ملابسها بعد عناء طويل في انتقاء أفضلهم وأجملهم واتخذت طريقها إلى الطريق الذي تمنت منذ سنوات أن تسلكه مرة أخرى. إنها ذاهبة للقاء "دنيا". كل خطوة تخطوها يتراقص بها قلبها فرحاً، ثم تعود لتتوجس أن ترفض "دنيا" اعتذارها ولا تسامحها على ما اقترفته بحق "نسمة".
لكنها عادت وتركت تلك المشاعر السلبية التي تجتاحها جانباً لتسعد ولو مؤقتاً بما ستفعله، فربما يتحسن حظها وتعود البسمة لحياتها. صعدت تلك البناية التي تقطن بها "دنيا" بعجالة فلم تعد تطيق الانتظار. طرقت الباب وانتظرت قليلاً حتى سمعت صوت والدتها قادم نحوها. فتحت أم "دنيا" الباب لتقف متفاجئة للحظات ثم رحبت بها بتوجس قليلاً، فمنذ حادثتها بالجامعة وما علمته من "دنيا" وما فعلته بـ"نسمة" لم ترها مرة أخرى.
_"أحلام". إزيك يا حبيبتي. عاملة إيه. ابتسمت "أحلام" بهدوء مجيبة. _الحمد لله يا طنط. أنتي أخبارك إيه. و "دنيا" عاملة إيه. _الحمد لله. ااا... اتفضلي يا "أحلام". تقدمت "أحلام" إلى الداخل في انتظار والدة "دنيا" التي أشارت لها بالتقدم قائلة. _ادخلي يا "أحلام". هو انتي غريبة. ما انتي عارفة البيت كويس. دلت إلى غرفة الصالون التي كثيراً ما جمعتهم جميعاً بها في السابق. وقفت أم "دنيا" قليلاً ثم أردفت. _حجيب لك حاجة تشربيها.
_لالا. مفيش لزوم يا طنط. أنا بس كنت عايزة "دنيا". جلست أم "دنيا" بمقابلها ثم قالت معتذرة. _معلش والله. "دنيا" سافرت البلد عند أهل أبوها شوية كده. خير يا حبيبتي فيه حاجة. إحباط شديد أصابها ظهر جلياً على ملامحها وهي تجيبها. _كان نفسي أقابلها وأعتذر لهم كلهم على اللي حصل ونرجع أصحاب زي ما كنا. أنا عارفة إنني غلطت. بس أخدت جزائي والله يا طنط. رق قلبها للغاية لها وهي ترى الانكسار بعينيها لتردف بحنو.
_اللي فات مات يا "أحلام". وعموماً حديكي رقمها. كلميها في التليفون. ومحدش عارف يمكن. ليه لأ. عقبت "أحلام" قائلة. _مع حضرتك رقم "نسمه" برضه أو "سحر". _أيوة حبيبتي معايا. سجلت "أحلام" أرقامهم بهاتفها لكن أم "دنيا" أصرت أن تبقى معها قليلاً يتحدثون، فلها وقت بعيد لم تقابلها فيه. بيت عبد الحميد ....
انتهز "عبد الحميد" فرصة غياب "أحلام" وعاد إلى بيت والديه مرة أخرى لإلقاء قنبلته التي يفكر فيها، فلم يعد هناك سبيل آخر بعد كل تلك المشاحنات التي لا تنتهي. كل ما أراده فقط هو العيش بهدوء وسكينة ورضا بما قسم له بالدنيا، فهو يجاهد نفسه كثيراً للوصول لحالة الرضا بقضاء الله وهذا فقط ما سيكسبه راحة البال التي يسعى إليها.
دلف إلى شقة والديه ليتنهد بضيق، فكان يتمنى أن ينهي تلك المسألة بين والديه فقط لكنه فوجئ بوجود أخته "شروق" أيضاً وزوجة أخيه "مها". ألقى "عبد الحميد" التحية أولاً قبل أن يجلس إلى جوار والده. _سلامو عليكو. _وعليكم السلام. تطلعت به والدته بتعجب لعودته بوقت مبكر للغاية لتردف متسائلة. _راجع بدري يعني يا "عبده". مش عوايدك. دار بعينيه بين وجوه الجميع المتطلعة نحوه ليتخذ قراره بالحديث ويحدث ما يحدث.
_أنا جاي أكلمكم في موضوع ضروري. وأهو كلكم هنا عشان تسمعوني. _اتكلم يا ابني. _الصراحة. أنا نويت أسيب البيت هنا وحاخد "أحلام" ونقعد في شقة بره. أنا خلاص معدتش مرتاح. شهقت والدته بقوة وهي تضرب صدرها بكفها بتحسر. _مراتك عايزاك تعزل عننا يا "عبده". شوف ابنك بيقول إيه يا "سيد". أشار لها زوجها ضاماً أصابعه للانتظار قليلاً حتى يوضح مقصده ليتساءل بطيبة بالغة.
_اصبري بس يا "سعاد" لما نفهم. ليه يا ابني إيه اللي حصل. حد زعلك ولا زعل مراتك. انفعلت "سعاد" بقوة وهي تهتف بزوجها بنبرة غاضبة. _زعلها ده إيه. هو حد جه جنبهم ولا داس لهم على طرف. قطع "عبد الحميد" جدالهم الحاد برد قاطع.
_هو كده. طول الوقت محسسني إني مقصر أنا وهي. وبتحسرونا على حالنا طول الوقت. حتى حمل "مها" خبيتوه عليها خايفين منها. ليه. أنا كل اللي نفسي فيه أعيش مرتاح البال بس. إيه. كتير عليا. ولا لازم طول الوقت تفكروني إني خلاص حعيش لوحدي طول عمري ومش حجيب عيال. رمقت "سعاد" ابنتها "شروق" بغضب، فلابد أنها هي من أخبرته بحمل "مها" لا غيرها لتشير لها "شروق" نافية أنها لم تخبره قط، ثم عادت ببصرها تجاه والدها مردفة بتهكم واضح.
_ما انت لو كنت سمعت كلامي واتجوزت كان زمانك مرتاح وعندك عيال. لكن انت مش هاين عليك تزعل السنيورة بتاعتك. _وأزعلها ليه. نصيبنا كده. وأنا راضي بنصيبي معاها. شفتي بقى. أهو هو ده اللي بقولكم عليه. أنا حر. اتجوز متجوزش أنا حر. حد شريكي. أومأ "السيد" بالإيجاب تفهماً لما يقصده ولده لينفعل لأول مرة بحياته منصفاً ولده الذي عانى الكثير والكثير مع والدته السليطة لينهي جدالهم بحدة.
_خلااااص. خلصنا. اعمل اللي يريحك يا ابني. وعيش مرتاح البال. صرخت به "سعاد" على ما تفوه به. _"سييييد" انت بتقول إيه. صرخ بها "السيد" بانفعال لتصمت تماماً خشية منه لأول مرة بحياتها. _اخرسي خااالص. وسيبيه يعمل اللي عايزة. و"أحلام" غلبانة وأنتى طهقتيهم في عيشتهم. وعلى الله أسمع كلمة تانية في الموضوع ده. مع صمت الجميع مندهشين من ثورة "السيد" التفت "السيد" تجاه "عبد الحميد" قائلاً.
_خد مراتك وشوف شقة إيجار واعمل اللي يريحك يا ابني. وإن كان على فلوس المقدم بتاع الشقة أنا حديهولك لحد ما ربنا يفرجها عليك. وأخيراً شعر "عبد الحميد بالراحة للتخلص من تسلط والدته وعليه الآن إخبار "أحلام" بما حدث لتبدأ بتجهيز نفسها للعيش بشقة جديدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!