تحميل رواية الميراث بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وضعت آخر قطعة من ملابسها المطوية في حقيبة ظهرها الكبيرة، ثم أغلقت سحابها وهي ترفع الحقيبة فوق ظهرها لترتدي حمالتيها على كتفيها استعدادًا للرحيل. فتحت باب غرفتها وخرجت منها، حيث قابلت والدتها التي كانت ما تزال تقف في الصالة مكتفة ذراعيها أمام صدرها بضيق. "أنتي برضه مصممة على اللي في دماغك يا سحر؟" قالت والدتها بنبرة معاتبة. طبقت سحر شفتيها وهي تدنو من والدتها، تحاول توضيح وجهة نظرها لها. "ماما حبيبتي، خلينا نفكر بالعقل كده. أنا دلوقتي بقالي أربع سنين من ساعة ما اتخرجت من الكلية وأنا ليا شخصيتي ال...
رواية الميراث الفصل الأول 1 - بقلم قوت القلوب
وضعت آخر قطعة من ملابسها المطوية في حقيبة ظهرها الكبيرة، ثم أغلقت سحابها وهي ترفع الحقيبة فوق ظهرها لترتدي حمالتيها على كتفيها استعدادًا للرحيل. فتحت باب غرفتها وخرجت منها، حيث قابلت والدتها التي كانت ما تزال تقف في الصالة مكتفة ذراعيها أمام صدرها بضيق.
"أنتي برضه مصممة على اللي في دماغك يا سحر؟" قالت والدتها بنبرة معاتبة.
طبقت سحر شفتيها وهي تدنو من والدتها، تحاول توضيح وجهة نظرها لها.
"ماما حبيبتي، خلينا نفكر بالعقل كده. أنا دلوقتي بقالي أربع سنين من ساعة ما اتخرجت من الكلية وأنا ليا شخصيتي المستقلة، صح؟"
"صح،" أجابت والدتها بقله حيلة.
"تمام. وإنتوا وبابا مفرضتوش عليا حاجة، وسافرت بلاد من كثرها مش بقدر أعدها. عملت بيزنس وجمعت فلوس وقابلت ناس واتعلمت حاجات كتير قوي. صح؟"
"صح."
"وإنتوا ربيتونى إني لازم يكون ليا شخصيتي وكياني. مظبوط؟"
تنهدت والدتها، فهي محقة بكل حرف نطقته، لكنها مع ذلك لا توافق على رأيها بالرفض بتلك الصورة.
"صح. بس إحنا نفسنا نفرح بيكي، ويكون ليكي بيت ومستقبل نطمن عليكي فيه. وعلام مفيش أحسن منه."
تنهدت سحر ببطء وهي تستند بكفها فوق كتف والدتها، تستكمل إيضاحها الذي كررته للعديد من المرات.
"إنتوا ليه المرة دي مش فاهميني؟ أنا آخر همي موضوع الجواز ده. أنا مش من الناس اللي كل حلمها أتجوز واحد وأستخبى وراه. أنا لازم يكون ليا حياتي وشخصيتي المستقلة. لازم أحقق ذاتي."
"طب وإيه اللي يمنع تحقيقه مع جوزك وفي بيتك؟"
"يا حبيبتي افهميني. أنا مش رافضة المبدأ، بس لازم أكون مقتنعة بالشخص اللي حتجوزه ده."
"طب وعلام عيبه إيه؟ ده ضابط قد الدنيا، ويتمنى لك الرضا ترضي."
حاولت سحر ضبط أعصابها، فهي لا تحب أن تغضب والديها، لكنها لن تجبر أبداً.
"يا ماما، انتي عارفة علام بالنسبة لي مجرد أخ. والله ما قادرة أشوفه غير كده. ابن عمتي ورجل محترم وكل حاجة، بس مش حاساه غير أخ ليا. كمان أنا شخصيتي مش ضعيفة. ونفسي اللي أتجوزه يبقى أقوى مني، مش أنا اللي أقوى منه."
"يا بنتي علام مش ضعيف. ده بيحبك وعشان كده متساهل معاكي. لكن هو شخصيته قوية. ده ضاااابط."
أغمضت سحر عينيها محاولة البقاء على ثباتها، فيبدو أن إصرار والدتها لن ينتهي بسهولة، وعليها ترك المجال للتفكير أكثر من ذلك.
"طب طالما عاجبك أوي كده، ما تجوزوه سمر أختي؟"
"انتي بتهزري؟ هو مش عايز غيرك انتي. وبعدين سمر لسه صغيرة."
"خلاص يا ماما. واضح إنك لسه مصممة. وعشان كده أنا لازم أمشي دلوقتي عشان أفكر بهدوء. وإنتوا كمان تفكروا بهدوء. وكمان نسمة وحشتني. والواد مؤمن وحشني مووووت. أروح أزورهم في المنيا وأقعد معاهم شوية لحد ما نوصل لقرار وإنتوا تهدوا شوية."
زمت والدتها شفتيها بتحسر وهي تلقي باللوم على ابنتها.
"مؤمن! مش لو كنتي اتجوزتي كان معاكي زيه دلوقتي. يا بنتي هاودي، ده انتي داخلة على سبعة وعشرين سنة. واللي..."
قاطعتها سحر بضيق وهي تعدد على أصابعها بتذمر.
"واللي قدي اتجوزوا وفتحوا بيوت. رحاب وسمية ومنى ودلال بنت خالتي سوسن ومنيرة. و و و... عارفة يا ماما كل ده. وعارفة سني كويس. وعارفة إني مش كبيرة للدرجة دي. وإني لازم أختار اللي يكملني، مش أي جوازة والسلام عشان ما آخدش لقب عانس. أنا ماشية يا ماما. وسلميلي على بابا لما يرجع من الشغل. سلام."
خرجت سحر بضيق بالغ من تكرار والدتها لنفس الحديث كلما رأتها. هي تدرك جيداً أنها لا تريد سوى أن تسعد بزواجها، وكما تظن، أن تطمئن عليها برفقة زوج محب. لكنها لا تريد الزواج بتلك الصورة، خاصة من علام ابن عمتها السمج الذي رفضته ما يقرب من الخمس مرات، وما زال مصراً على الزواج منها وطلب يدها من والدها كلما أتيحت له الفرصة.
اتجهت نحو محطة القطار لاستقلال القطار المتجه للمنيا لزيارة نسمة كما اتفقت معها مسبقاً.
***
بأحد البنايات المقسمة إلى مكاتب إدارية.
مكتب محاسبة.
جلست خلف مكتبها تهز ساقها بضيق وهي تسند فمها بكفها، وما زال مرفقها موضوعاً فوق سطح المكتب.
"أنا مش فاهم إنتي متضايقة ليه دلوقتي يا دنيا؟" هتف وائل بعدم فهم.
رفعت دنيا كفها عن فمها وهي تلوح به بضيق، وقد اتسعت عيناها بذهول من رد فعل وائل الذي لا يتسم سوى بالبرود التام.
"يا سلام! إنت بتهزر ولا بتتكلم جد؟ يعني إنت مش فاهم أنا متضايقة ليه كل ده؟"
أمال وائل فمه جانبياً ثم زفر بتملل من تكرار دنيا لنفس المنوال بتذمرها الذي لا مبرر له.
"إنتي مكبرة الحكاية على الفاضي يا دنيا بصراحة. يعني ما إنتي شايفة كل حاجة على إيدك أهو."
أمالت دنيا رقبتها بتعجب وهي تحاول التماسك حتى لا تنفجر غضباً منه.
"وائل، بطل بروووود. أنا مطلبتش منك حاجة. ولا طلبات تعجيزية. أنا عارفة ظروفك ومقدرها، وبقالنا أكتر من أربع سنين أهو. لكن إنت مش بتاخد أي خطوة لقدام. وأنا تعبت من رفض الناس اللي بتتقدم لي بدون سبب. تعالى كلم بابا وأنا معاك واحدة واحدة لحد ما نقدر نفتح بيتنا وإيدي بإيدك. لكن مش معقول أفضل قاعدة كده وإنت ولا على بالك. لازم يبقى بينا ارتباط رسمي وأهلنا عارفين. إن شاء الله نقعد العمر كله بنجهز نفسنا."
"مش عارف. إنتي كده بتزنقيني."
"بزنقك؟ إنت واعي بتقول إيه؟ وائل دي مجرد دبله. المهم تطلبني من بابا. أنا مش لاقية حجة أقولها لهم أكتر من كده. نفسهم يفرحوا بيا، ده أنا بنتهم الوحيدة."
"سيبى الموضوع ده دلوقتي. نبقى نتكلم فيه بعدين. يلا نمشي دلوقتي."
تعالت أنفاسها بغضب منه، لم تعد تتحمل تلك الطريقة اللامبالية بعد الآن. فمنذ تخرجهم زاد ارتباطهما، حتى أنهما عملا بنفس المكتب سوياً ليتقابلا يومياً وتزداد أوتار الصلة بينهما لأربعة سنوات. لم يفكر فيهم وائل بجدية علاقتهم ولو لمرة واحدة ليتقدم رسمياً لخطبتها، بل كان دوماً متقاعساً خلف حجة الظروف وقلة الإمكانيات للزواج. فظلت دنيا في انتظار أن الظروف تتعدل ويستطيع التقدم إليها، لكن الكيل قد فاض بما فيه، وعليه أن يتخذ موقفاً إن كان يريدها حقاً، فعليه الذهاب لوالدها وطلب يدها حتى لو بقيت بقية عمرها تنتظره حتى تسمح ظروفه التي يتحدث عنها.
جلست دنيا بغيظ فوق مقعدها قائلة.
"أنا قاعدة يا وائل ورايا شغل. روح إنت."
بلا اهتمام أجابها وائل وهو يحمل هاتفه قبل خروجه من المكتب.
"على راحتك."
زفرت دنيا مطولاً بضيق، محاولة كتم غيظها من هذا "البارد" حارق الأعصاب، تحاول فهم لما أحبته طوال هذه السنوات فلا تجد له أي ميزة على الإطلاق، لتصبر نفسها بأنها تشعر بذلك لمجرد ضيقتها منه ومن تصرفه السلبي تجاهها.
***
المنيا.
مشطت نسمة شعر مؤمن بعدما ألبسته ملابس نظيفة، وهي تنظر نحو عمر بابتسامتها العذبة التي تشرق دنياه.
"خلاص يا بابي. مؤمن باشا جاهز للخروج."
مال عمر بجذعه للأسفل قليلاً وهو يفتح ذراعيه لصغيره.
"حبيب قلبي. يلا بينا."
وقفت نسمة تتوسط خصرها بيديها متصنعة الحزن.
"وأنا مش جايه معاكم ولا إيه؟"
حمل عمر مؤمن فوق ذراعه ثم اقترب من زمردته الخالصة يداعبها بعشق.
"وأنا أقدر. ده إنتي أولنا."
"أيوة كده. حجيب شنطتي وجاية على طول."
نظر عمر بساعته يده متسائلاً.
"هي سحر حتوصل إمتى؟"
قضبت نسمة حاجبيها بتفكر مجيبة إياه بتخمين.
"يمكن آخر النهار. مش عارفة بصراحة القطر حيوصل إمتى. هي أكيد حتتصل أول ما توصل."
"تمام. أكيد حنكون رجعنا إن شاء الله."
"إن شاء الله."
أصطحب عمر نسمة ومؤمن لقضاء اليوم بأحد المتنزهات. فبعد وفاة جدهما أصبح الوضع كئيباً للغاية، وعليه من وقت لآخر التنفيس عنهم بنزهة بسيطة وألا يترك العمل أثراً على حياتهم بصورة كبيرة، فأهم ما لديه هو عائلته.
***
أمسكت (ريموت كنترول) الخاص بالتلفاز لتغلقه بتملل من مشاهدة تلك الأفلام المعادة، لتنهض من جلستها متجهة إلى غرفة نومها قائلة بملل.
"عبده مش عايز تتغدى؟"
رفع عبد الحميد وجهه تجاه زوجته ليخفضهما على الفور تجاه هاتفه الذي ما زال يقلب به مردفاً.
"لا شكراً. كُلي إنتي يا أحلام."
هي تعلم بالطبع طبعه الهادئ وحديثه القليل، لكنها ملت بالفعل من بقائها بمفردها طيلة الوقت.
"طب تعالى حتى نقعد في الصالة نتفرج على فيلم ولا حاجة. أنا زهقت أوي."
أردف عبد الحميد بدون أن يرفع بصره عن هاتفه.
"طيب شوية كده. روحي إنتي وكمان شوية حاجي."
تركته أحلام بتملل لتعود مرة أخرى لتفتح التلفاز مجبرة نفسها على مشاهدة ما يعرضه بدون انتباه مطلقاً.
تذكرت أحلام صديقاتها نسمة ودنيا وسحر وتركهم لها و ابتعادهم عنها بعد ما فعلته بنسمة، ليظل الندم باقي على ما اقترفته وتسببت بوحدتها لسنوات بعد انتهاء دراستهم.
تمنت لو تعود يوماً لتصحح أخطائها ولا تخسرهم أبداً، فقد كانوا ونعم الصحبة والأخوات، لكنها أخطأت ودفعت ثمن خطيئتها غالياً لتبقى وحيدة بعيداً عنهن.
***
لم تكن دوماً الصحبة صحبة خير، بل هناك صحبة تبعث الشر بالنفس وتهيج الصدور والقلوب.
جلس أحدهم بمجلسه ينفخ دخان أرجيلته في الهواء وهو يدفع بمبسمها بوجه صديقه معقباً بلهجة صعيدية قوية.
"شد شد. أنا عارف بس إنت عامل في نفسك كده ليه؟"
"سيبني في حالي الله لا يسيئك. أنا خلاص جبت أخرى."
اعتدل صديقه باهتمام وهو يرفع من طرف جلبابه فوق ساقيه بعد أن عقدهما أسفله ليتساءل بفضول.
"إيه اللي حصل يا أبو عمو؟ احكي لي. حتخبى عن صاحبك واخوك أبو المعاطي؟"
رفع وجهه تجاه صديقه لتظهر ملامح الضيق على وجهه البيضاوي وعيناه القاتمتان.
"الدنيا قافلة راحتها عليا. حتى حتة الأرض مش عارف أشتريها."
رفع أبو المعاطي حاجبه بخيلاء وهو يسحب نفساً عميقاً من أرجيلته قبل أن ينفث دخانها للأعلى مردفاً.
"وده اللي مضايقك يا أبو عمو. محلولة. إنت ناسي إن لك ورث."
ضيق عنتر حاجبيه بإستراب بالغ مردفاً بعدم فهم.
"أنا ليا ورث؟ فين ده؟"
دنّ أبو المعاطي بوجهه من صديقه عنتر قائلاً.
"ابن عم جدك. مش مات أديله شهرين. يعني لك في الميغة بتاعته دي. غلطان أنا؟"
"ابن عم جدي؟ إزاي يا جدع؟ ده له وريث. يعني إحنا مالناش فيه؟"
"لأ. ليكم يا أبو عمو. أنا سمعت إن جدك كان مسلفه فلوس كتير. يعني لكم فيه."
صمت عنتر متفكراً بحديث صديقه، بينما شعر أبو المعاطي أن تلك فرصة سانحة لبث حقده وسمه بنفس عنتر تجاه الوريث الوحيد لذلك الرجل، فهو لا ينسى معاملته القاسية معه حين طلب منه بعض المال كقرض له.
"أنا حافهمك. جدك الله يرحمه كان مدي ولد عمه ده فلوس كتير بس من غير ما ياخد وصل بيهم. والراجل ده أكلهم عليه واشتغل بيهم وعمل كل اللي قدام عينيك ده. يبقى كل المال ده حقك. ورثك من جدك."
"تفتكر؟"
"طبعاً. عموماً متشيلش هم. أنا بنفسي حروح أكلمه وأخليه يرجع لك حقك. وساعتها تشتري الأرض عشانك وعشان أمك وخواتك."
أومأ عنتر رأسه عدة مرات كما لو أن تلك هي الطريقة المثلى للوصول إلى (الميراث) الذي سيغير حياته ويبتاع الأرض التي يحلم بها.
رواية الميراث الفصل الثاني 2 - بقلم قوت القلوب
قضت "سحر" ساعات طويلة بهذا القطار لتصل لوجهتها بالنهاية، ظلت تتعمق وتفكر بحديث والدتها هذا الصباح، وكذلك بإصرار والدها هذه المرة بقبولها الزواج من ابن عمتها. هي تعلم مبررهم جيداً، أن العمر يمر عليها دون ونيس، وأنهم بالنهاية يريدون الاطمئنان عليها قبل مماتهم. لكن ذلك ليس مبرراً إطلاقاً للموافقة على ربط حياتها بهذا النرجسي الأناني. نعم، هي تراه هكذا، فلم تعتقد يوماً أن تعلقها بها بتلك الدرجة ما هو إلا رغبة في إرضاء نفسه المتعالية بعد رفضها له عدة مرات. هو يتصنع قوة واهية لا تناسبه حتى مع عمله كضابط بالشرطة، إلا أنها تراه ضعيف الشخصية، منساق خلف أهوائه ومطامعه للحصول على ما يبتغيه فقط. يرفض مجرد فكرة أن إحداهن ترفض من هو مثله بمركزه ومكانته.
نفضت تلك الأفكار عن رأسها بعد توقف القطار بمحطتها التي تبتغيها، لتحمل حقيبة ظهرها الكبيرة مترجلة من القطار وهي تلمح تلك اللافته الكبيرة المشيرة باسم البلدة (المنيا). لم تكن تلك أول زيارة لها للمنيا، لهذا كانت على دراية كاملة إلى أين تتجه بالفعل. خرجت من محطة القطارات لتستقل إحدى السيارات متجهة صوب بيت "نسمة" و"عمر" بأطراف البلدة.
***
دلفت "دنيا" إلى داخل شقة والديها البسيطة بأحد الأحياء الشعبية وهي تضع مفتاحها بعلاقة خشبية متواضعة خلف باب الشقة كما اعتادت هي ووالديها على ذلك.
خلعت حذائها لتريح قدميها بعد عناء يوم عمل طويلة تبعه سير بلا هدف لتهدأ نفسها من رد فعل "وائل" الغير مكترث قبل وصولها إلى شقتهم.
انتبهت والدتها لقدومها لتتقدم نحوها على عجل بابتسامة سعيدة لتهمس إليها بغبطة:
"دنيا... كويس أوي إنك جيتي. غيري هدومك بسرعة وإلبسي فستان حلو كدة. فيه ضيوف في الصالون مع أبوكي."
رفعت "دنيا" وجهها تتفحص ملامح والدتها السعيدة، فهي تدرك جيداً تلك الملامح وما تخفي وراءها لتتسائل بشك قريب للتأكد:
"ضيوف مين؟!"
أجابت والدتها بنفس النبرة الهامسة:
"عريس... جه هو وأمه من شوية. ربنا ييسر لك الحال يا بنتي يا رب."
تأكد ظنها على الفور لتحاول كظم ضيقها، فما كان ينقصها إلا زيارة مثل تلك الآن.
"تاني يا ماما؟ مش أنا قلت لكم مش عايزة أتجوز دلوقتي؟!"
تلاشت ملامح السعادة المرتسمة على وجه والدتها وهى تنهره بقوة:
"بس بقى... بلاش كلام فاضي. هو أنتي عُدتي صغيرة؟ إللي زيك معاهم عيال دلوقتي. يلا غيري هدومك وحصليني على الصالون ومتكسفيش أبوكي قدام الناس. يلا إتحركي."
بتذمر بالغ دلفت "دنيا" إلى غرفتها الصغيرة، فإلى متى ستظل تحارب بمعركة وحدها لكل من يتقدم للزواج منها بينما "وائل" لا يهتم. لقد سأمت من اختلاق الأسباب والأعذار للرفض ونفذت كل أفكارها، فماذا ستفعل الآن؟ لن تحرج والدها أمام ضيوفهم، لهذا تحركت بآلية باتجاه خزانتها لتبدل ملابسها لمقابلتهم وهي تأمل بداخلها أن تنتهي تلك الزيارة غير المرغوب فيها بسرعة.
***
بعد وصول "سحر" جلست بالمقاعد المصنوعة من الخيزران بالحديقة في انتظار عودة "عمر" و"نسمة" بعدما علمت من (سعيدة) إحدى العاملات بالبيت أنهم قد خرجوا منذ الصباح ولم يعودوا بعد.
لكن لم يمر الوقت الكثير حتى عادوا جميعاً إلى البيت ليتفاجئوا بوصول "سحر".
اقتربت "نسمة" بغبطة بخطوات متعجلة ترحب بقدوم "سحر":
"سحوووره... حمد الله على السلامة."
نحت "سحر" همومها جانباً وهي تنهض من جلستها ليغلب طبعها المازح الذي تناسته مع تراكم المشاحنات الأخيرة لتهتف مازحة:
"جري إيه يا ست؟ هو أنتوا تعزموني وتطفشوا ولا إيه؟"
ضحكت "نسمة" برقة وهي تدنو من "سحر" تحتضنها بشوق:
"حبيبتي يا سحور. معلش بقى غصب عني. إتأخرنا وإحنا راجعين. الطريق كان واقف خالص."
أمسكت "سحر" مزاحها اللاذع، فطبع "نسمة" أرق من أن يتحمل مزاحها، لتكتفي ببعض الكلمات المرحة من وقت لآخر فقط.
"طب هو فين الأستاذ مؤمن؟ وحشني أوي."
أشارت "نسمة" على "عمر" الذي تأخر عنها بضع خطوات حتى ترحب بصديقتها أولاً:
"مع عمر. أصله راح في النوم وإحنا راجعين بالعربية."
نظرت "سحر" تجاه "عمر" الذي يحمل طفله النائم كالملائكة بين ذراعيه ليتبع ذلك ملامح الإحباط على وجهها مردفة:
"إيه ده؟ يعني مش هلعب معاه النهارده؟ يا خسارة."
ثم تداركت "سحر" نفسها حين تذكرت أنها لم ترحب برؤيتها لـ"عمر":
"سوري يا عمر. لما بتيجي سيرة مؤمن بنسى الناس كلها. أنت إزيك؟"
أومأ "عمر" بدبلوماسية مرحباً بـ"سحر"، فطبعُه ثقيل للغاية حين يتعامل مع الجنس الآخر، فهو لم ولن يهتم إلا بحبيبته وشريكة روحه "نسمة" فقط. ومن لديه قطعة "زمرد" نادرة ليبحث عن الزجاج من دونها.
"أهلاً يا سحر حمد الله على السلامة."
ثم نظر تجاه "نسمة" يحثها على التوجه إلى داخل البيت:
"مش ندخل جوه بقى. ولا إيه؟"
بترحيب شديد أشارت "نسمة" لـ"سحر" بالتوجه إلى داخل البيت لترتاح من مشقة الطريق وأيضاً لوضع "مؤمن" بفراشه. كانت تود لو أن تبقيا لتتسامرا طوال الليل، لكن "نسمة" آثرت أن ترتاح "سحر" الليلة بغرفتها أولاً، وفي الصباح لن تترك حديثاً إلا وسوف تتحدث به لاشتياقها لصديقتها العزيزة.
***
جلست "دنيا" بتملل بغرفة الصالون الخاصة بهم تناظر هذا الرجل الذي أتى بصحبة والدته للتعرف إليهم بزيارة مسبقة قبل التقدم لخطبتها بشكل رسمي. لم يكن هذا الشخص يعلم الكثير عنها، بل مما عرفته من حديثهم أن إحدى الجارات قد رشحت "دنيا" كعروس مناسبة له.
لم تتفوه بأي شيء مطلقاً طوال جلستها، بل اكتفت بملاحظتهم والإنصات لحديثهم مع والديها فقط.
حتى أوضحت والدة العريس نقطة أثارت انتباه والدة "دنيا" على الفور:
"وبإذن الله يا حبيبتي شقتك حتبقى جاهزة من مجاميعه في بيتنا. ما هو اسم النبي حارسه الباشمهندس سامي ابني ليه شقته في البيت عندنا."
اعتدلت والدة "دنيا" متسائلة بتوجس، أرسمت ابتسامة خفية على ثغر "دنيا" فقد علمت أن تلك الزيجة لن تتم الآن:
"ليه يا حبيبتي؟ هو دنيا حتسكن معاكم في بيت العيلة؟"
"آه، أمال إيه. بقى الباشمهندس سامي تبقى عنده شقة ترد الروح ويروح يدور على شقة بره؟!"
ألقت والدة "دنيا" نظرة خاطفة على زوجها، ليحاول هو الآخر الاستفسار بدقة وسط متابعة "دنيا" المستمتعة بنهاية تلك الورطة دون أن تتدخل بشيء.
"أعذريني يا حاجة أم سامي. هي عيشتها معاكم ولا حتقعد في شقتها لوحدها؟"
"لا يا أخويا. البيت ما شاء الله خيره كتير وكل سلايفها معايا طول اليوم. ومتقلقش يا حاج. زيها زيهم وزي بناتي يا حاج."
تنهد والد "دنيا" فقد حدث ما تخوف منه، ليزفر بضيق قبل أن يكمل حديثه:
"معلش يا حاجة. أنا بنتي ولا تعرف تعيش في بيت عيلة. ولا تقدر على الخدمة طول اليوم. فربنا يرزقكم ببنت الحلال إللي تناسبكم."
تضايقت السيدة للغاية وهي تعقب بنبرة محتقنة من رفضهم لولدها "الباشمهندس":
"ليه ليه؟ هو إحنا مش قد المقام ولا إيه؟ يلا يا باشمهندس سامي. البنات على قفا مين يشيل."
بدون أي رد فعل من هذا العريس نهض من جلسته وهو يتبع أمه مباشرة نحو الخارج وقد علت قسماتهم الضيق البالغ.
عادت والدة "دنيا" إلى زوجها وابنتها بعد إيصالهم لباب الشقة بإحباط:
"كان نفسي ربنا يتمها على خير. ده مهندس ومن عيلة كويسة. بس يا خسارة الحلو ميكملش. الواحد متعقد من موضوع بيت العيلة ده."
بحزن دفين أجابها "عبد الراضي" زوجها:
"لله الأمر من قبل ومن بعد. نصيبها كدة. أنا خلاص مش ضامن أنها تعيش مرتاحة في وسط بيت العيلة. ما إحنا جربنا وما طولناش منهم إلا المشاكل."
أيقظت تلك الزيارة تساؤلات "دنيا" عن رفض والديها القاطع أن تتزوج ببيت العائلة، لتعيد تساؤلها مرة أخرى على مسامعهم:
"هو إيه إللي حصل زمان عشان تكرهوا أوي بيت العيلة كدة؟"
أجابتها والدتها بإقتضاب:
"بيت العيلة ده مبيجبش إلا المشاكل ويفرق الناس من بعضها. يلا. إللي حصل حصل. ما نابنا بس إلا الشحططة وبُعدنا عن أهلنا بلاد."
أيقنت "دنيا" أن وحدتهم بتلك البلد بعيداً عن أهل والدتها ووالدها واستقلالهم بالمعيشة هنا بعيداً عن الجميع ما هو إلا رد فعل لإنقاذ أسرتهم الصغيرة من (بيت العائلة) ومشاكلها كما يقولون، لكنها لم تدرك بعد تفاصيل ذلك. لكن يكفيها الآن أن بسبب بيت العائلة تخلصت من عريس آخر لم تكن لتجد سبباً مقنعاً لرفضه هذه المرة.
***
تنحنح "عنتر" بقوة قبل أن يدلف إلى داخل الدار تحسباً لوجود إحداهن ممن يتراودن على دارهم بغية مساعدة والدته الحاجة "فهيمة". وبالطبع فور سماعه صوته أسرعت إحدى السيدات بتغطية وجهها بشال أسود تخبئه كنوع من السترة عن الغريب حين دلف "عنتر" يعيد نحنحته مرة أخرى وهو يلقي السلام منكساً عينيه بالجانب المقابل.
"سلامو عليكو يا حاجة."
براحة وهدوء ردت والدته الحاجة "فهيمة" السلام:
"وعليكم السلام. تعالي يا عنتر محدش غريب. دي خالتك أم عوني."
ليوجه "عنتر" حديثه لتلك السيدة:
"يا مرحب. إزيك يا خالة. وإزاي ولدك؟ بخير؟"
"في نعمة والله يا ابني. طب أفوتك أنا يا ست أم عنتر وأبقى أجيكِ وقت تاني."
"بيتك ومطرحك يا خيتي. بيتك ومطرحك."
خرجت السيدة أم عوني ليجلس "عنتر" على الأريكة الخشبية متكئاً على مسندها القنطى السميك وهو يرفع ساقيه إلى الأعلى جاعلاً إحداهما أسفله والأخرى يرفعها قليلاً بعدما رفع طرف جلبابه السماوي سانداً مرفقه فوق ركبته بأريحية.
"كنت عايزك في كلمتين ياما."
"خير يا وليدي."
"أنا نويت أطلب ورثي من (دار سليمان)."
نظرت والدته تجاهه لبرهة بعدم فهم قبل أن تستطرد باستنكار:
"ورث؟ ورث إيه؟ إحنا مالناش أي ورث عندهم؟!"
أسقط ساقه ليتعدل عاقداً ساقيه أسفله وهو يتحدث بجدية وقوة:
"لأ لينا ياما. أبو المعاطي قالي إن جدي سلفه كتير. وإحنا محتاجين الورث والفلوس. يبقى نطالب بحقنا."
نهرته والدته بقوة:
"والله ما حييجيب داغك إلا مشيك ورا أبو المعاطي. إحنا لا لينا فلوس ولا غيره عند دار سليمان."
"ياما اسمعيني."
قاطعته والدته:
"متخليش الفلوس تعمي عنيك. أوعى الطمع يا وليدي. إحنا مش عايزين منهم مال. حلالهم. مالناش فيه."
"أنتي بس إللي طيبة زيادة عن اللزوم ياما."
"اسمع كلامي يا عنتر. بلاش منه الكلام الفاضي ده. محناش ناقصين مشاكل مع دار سليمان."
لم يجد "عنتر" بداً من إنهاء هذا الحوار لأن والدته لن تقتنع إطلاقاً لمطالبته بحقهم. لكنها بالطبع ستسعد حين يأتي به ويشتري الأرض التي يحلمون بها.
"خلاص ياما. يصير خير."
***
استكمل "علام" مكالمته مع خاله "زكي" بعصبية فائقة حاول ألا يظهرها بحديثه معه ليهز ساقه بقوة ضاغطاً بأسنانه فوق شفتيه بضيق.
"يعني إيه يا خالي؟ هو ينفع تسيبها تروح تقعد عند صاحبتها بالشكل ده؟ ليه؟ إحنا فين هنا؟"
"خليها شوية يا علام. يمكن نفسيتها تهدى وتلاقي إن مفيش زيك. ساعتها توافق من غير ضغط."
"إنت شايف كدة يا خالي؟ أنا مش فاهم بس. سحر ليه رافضة بالصورة دي؟ هو أنا غريب عنها ولا متعرفنيش؟"
"هي بتقول إنها حاسة إنكم زي الإخوات."
"طب تديني الفرصة بس. وأنا طبعاً أقدر أغير دماغها خالص."
"طبعاً يا ابني. هو فيه زيك. بس معلش. اصبر عليها شوية لحد ما توافق برغبتها. أنا مقدرش أغصب عليها."
"لما نشوف يا خالي. عموماً أنا برضه مش مرتاح لموضوع سفرها ده. وبكرة حكلمها وأعقلها وأخليها ترجع."
"زي ما تشوف يا علام."
"مع السلامة يا خالي."
"مع السلامة."
أنهى "علام" مكالمته مع خاله وهو مصر على التحدث إليها بالغد لإجبارها على العدول عن عنادها وعليها العودة لبيت والدها فوراً.
رواية الميراث الفصل الثالث 3 - بقلم قوت القلوب
مرت تلك الليلة الصيفية الهادئة بعدما توسط القمر السماء الحالكة بنوره. ليقطع ضوء الشمس هذا السواد الأعظم بميلاد يوم جديد.
المنيا...
بنشاط بالغ استيقظت "سحر" بعد قضائها لنوم ممتع ومريح بهذا المكان المريح للنفس. نظرت من شرفة الغرفة التي تواجدت بها لتتنفس بسكون وهي ترى تلك المساحات الخضراء الشاسعة من الحقول التي تحيط بهذا البيت الكبير.
بدلت ملابسها على عجل لتخرج من غرفتها لمقابلة صديقتها وابنها الصغير الذي بالفعل اشتاقت لبراءته وعذوبته. لم تكن "نسمة" أقل حماساً من صديقتها لتنتظرها بالدور السفلي منذ الصباح الباكر ومعها طفلها الصغير "مؤمن".
هبطت "سحر" درجات السلم بلهفة وهي توسع ذراعيها تجاه هذا الصغير وقد اتسعت ابتسامتها بصورة كبيرة قائلة:
"مين حبيب سحورة؟"
أقبل "مؤمن" راكضاً تجاه "سحر" فهو يعرفها جيداً، تلك السيدة التي تغدق عليه بالكثير من الحلوى والألعاب كلما رأته. احتضنته بقوة وهي تقبل وجنته الممتلئة بعنف ثم تدغدغه قليلاً مازحة معه لتزيد من شقاوته المحببة، فهو طفل عاشق للحركة والشقاوة بخلاف طبع "نسمة" الهادئ مطلقاً.
حملته بخفة لتقترب من صديقتها وهي تجلس إلى جوارها واضعة "مؤمن" فوق ساقيها بحنان. حين اتسعت عيناه بطفولية متسائلاً:
" جبتي لي لعبة؟"
تصنعت "سحر" الضيق وهي ترد بطفولية مثله تماماً:
" معلش... ملحقتش. بس بكرة أنا وأنت نروح نجيب قطر كبييييييير أوي نلعب بيه. ونجيب كمان شكولاتات ياما. قلت إيه؟"
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه المحبب فرحاً.
" ماااشي."
كانت "نسمة" تلاحظهم بابتسامة وهي ترى حب "سحر" لولدها لتنهرها عن شراء لعبة جديدة بإحراج تام:
" مالوش لزوم يا سحر أنتي جايبه له ألعاب كتير أوي."
رمقت "سحر" "نسمة" باحتقار مازح مردفة:
" مالكيش دعوة أنتي. دي لعبة صغيرة عشان حبيب خالتو. مش كدة يا مؤمن؟"
هز "مؤمن" رأسه موافقاً لتمسك سحر وجهه بإصبعيها وهي تقبل وجنتيه بقوة:
" حبيب خالتو. روح خالتو. عسل يا نااااس."
نظرت "نسمة" بإشتياق تجاه "سحر" مردفة بود حقيقي:
" وحشتيني والله ووحشتني قعدتك ورغيك. ها قوليلى بقى أخبارك إيه؟"
زمت "سحر" شفاهها بإستياء موضحة:
" لا جديد. بابا وماما لسه مصممين على موضوع علام ده وأنا جبت آخري. حعمل إيه؟ قلت أجى لكم هنا يومين عقبال ما التوتر اللي في البيت ده يخف شوية."
" مش يمكن أنتي ظالماه. ما تديه فرصة يا سحر."
" المسألة مش مسألة فرصة. لا أنا شبهه ولا هو شبهي يا نسمة. أنا مش عشان مقربة من السبعة وعشرين سنة أبقى كبرت. مين اللي حدد لنا سن لو عديناه خلاص بقينا بضاعة بايرة. أنا مش لازم أتجوز والسلام قبل ما القطر يفوتني. إيه المشكلة لو استنيت حد أحس معاه أني فرحانة. حتى لو عديت الثلاثين. ليه لازم ألحق قبل ما آخد لقب عانس. أنا مش عايزة علام."
" المشكلة يا سحر إنك مش عايزة حد خالص. مش علام بس. أنتي عايزة شغلك وحياتك وحريتك بس."
حركت "سحر" رأسها نفياً وهي توضح بهدوء وربما أشبه بحلم تتمنى تحقيقه:
" عارفة يا نسمة. أنا لو لقيت الشخص اللي أحبه ويحبني زيك أنتي وعمر كده. أنا مستعدة أسيب كل اللي أنتي بتقولي ده عشانه. ولا عايزة شغل ولا حرية ولا تعقيد. بس للأسف. ملقتش اللي ممكن أتنازل عشانه عن كل حاجة عشانه هو."
ثم اعتدلت "سحر" وهي تسأل "نسمة":
" المهم سيبك مني. أنتي أخبارك إيه دلوقتي. وعمر عامل معاكي إيه؟"
لاح طيف "عمر" بخيالها لتجيب بنفس الحالمية التي اعتادت عليها حين تتحدث عنه:
" عمر ده هو حظي الحلو في الدنيا يا سحر. هو اللي عوضني عن كل أهلي. وتعب معايا أوي بعد وفاة جدي الله يرحمه. مكنتش قادرة أتجاوز أنه مات وخلاص مبقاش ليا حد في الدنيا. بس عمر مسابنيش خالص."
بدا على "نسمة" التأثر مرة أخرى بتذكرها لوفاة جدها لتتجمع الدموع بمقلتيها فقد أصبحت هشة للغاية، حساسة لأبعد حد، تتأثر بسرعة وسهولة بأي ضغط وتوتر. لتلاحظ "سحر" حالتها فأسرعت تحاول إخراجها من تلك الحالة السيئة التي تبعت وفاة جدها حتى أنها خضعت لعلاج نفسي لشدة تأثرها بوفاته.
" ربنا يخليكم لبعض. خلاص بقى. أنتي حتقلبيها نكد ليه يا ست أنتي. أنا جايه نفرفش سوا. إضحكي كدة أمال. طب أقولك حاجة. البت دنيا كانت بتشتري شوية مكياجات من بتاعتها دي. ما أنتي عارفة هي بتعشق الحاجات دي إزاي. المهم جابت لك كريم من واحدة أونلاين وعملت لها شو إن الكريم ده وهم بقى. وهوب حطت منه وعينك ما تشوف إلا النور. أسبوع بحاله يا مؤمنة مش عارفة تفتح عينيها من الورم. أمها أصلاً كانت بتدخل الأوضة متعرفش مين دي."
تبسمت "نسمة" بتذكرها لصديقتها وعشقها الذي يصل لحالة الإدمان بطبيعة بشرتها واهتمامها المبالغ فيه بكل تلك المستحضرات التجميلية والعناية بالبشرة.
" هي عاملة إيه. بقالي كتير مكلمتهاش."
وجدتها "سحر" فرصة جيدة لتشغل "نسمة" بموضوع آخر بعيداً عن تأثرها وهشاشتها الجديدة بحالتها النفسية المتعثرة مؤخراً.
" إن جيت للحق. أنا عايزاكي تكلمي عمر يشد ودان وائل صاحبه ده شوية. ده في الطراوة خالص. مش هامه حاجة ولا بيفكر حتى يتقدم لها رسمي وهي تعبت من الوضع ده. عارفة لو ظروفه وحشة أوي كده كنا قلنا ماشي. لكن ده شغال كويس ويقدر على الأقل يتقدم لها دلوقتي ويرحمها من ضغط العرسان اللي بيتقدموا لها كل يوم والتاني وترفضهم."
" أنا مستغربة أوي. دول بقالهم أربع سنين بيحبوا بعض. ليه مش بياخد خطوة ويتقدم لها. غريبة أوي."
" عشان كده عايزاكي تكلمي عمر يشوف حكايته إيه ده."
استكملتا جلستهما يتحدثان بكل اتجاه وصوب يعيدان ذكريات الماضي والحاضر ولا تخلو محادثاتهم من مزاح "سحر" المميز وضحكات "نسمة" الرقيقة.
***
مكتب المحاسبة...
أخذ "وائل" يضرب بأصابعه على لوحة المفاتيح الخاصة بالحاسوب الخاص به مستكملاً لعمله وهو يلمح بطرف عينيه من وقت لآخر تلك المتجهمة أمامه خلف مكتبها وهي تعمل بصمت شديد منذ أن دلفت إلى المكتب هذا الصباح.
كان يتصنع استغراقه بالعمل بدلاً من أن تبدأ مناوشاتهم مبكراً هذا اليوم ليتجنب قدر الإمكان لومها المستمر له كما تفعل دوماً في الآونة الأخيرة.
بتشتت تام أخذت "دنيا" تعمل على آخر ميزانية لأحد الشركات ثم تعيد ما قامت به مرة أخرى لتصحيح أخطائها، فهي اليوم ليست بحالة ذهنية جيدة، خاصة وهي ترى تهرب "وائل" من مواجهتها كما اعتاد وهي تدرك ذلك تماماً.
وبعد فترة طويلة من الهروب رفعت "دنيا" عيناها تجاه هذا المتسم بالبرود وهي تحفز نفسها على الحديث فقد ملت تظاهره بعدم الاكتراث والفهم بتلك الصورة، فهي تدرك تماماً أنه يعلم الصراع القابع بداخلها لكنه كالعادة يهرب منها بتصنعه الانغماس في العمل.
" وائل... أنا جالي عريس امبارح."
قالتها بصورة مبهمة لتثير انتباهه إليها دون أن تظهر له أنه لم يتم التوافق بينهما. رفع "وائل" حاجبيه أولاً قبل أن يدير رأسه تجاهها مردفاً ببرود:
" وعملتي إيه؟"
أشعل رده البارد عصبيتها وغضبها مرة أخرى لتهتف بحده:
" وهو لحد إمتى. أنا حعمل إيه. إمتى حيجى الوقت اللي إنت تعمل فيه. أنا تعبت يا وائل من كتر الأعذار. مبقتش لاقيه حجة أقولها لبابا وماما."
عاد "وائل" بجزعه إلى الخلف وهو يعقد ذراعيه أمام صدره قائلاً بتساؤل يحمل نبرة اتهام:
" يعني وافقتي؟"
هبت "دنيا" واقفة بانفعال ولولا أنها تدرك أنها ما زالت بمقر عملها لكانت تقدمت نحوه ولكمته لكمة قوية أسقطته أرضاً، لكنها تحاملت على نفسها مسيطرة على انفعالها من هذا "البارد".
" ده إنت بارد. كل اللي هامك وافقت ولا لأ. لكن إن إنت تتحرك. أبداً. لحد إمتى حفضل أنا اللي أتصرف وأبعد الناس عني عشان لما يبقى ييجي مزاجك تتقدم لي. لأمتى حفضل في الانتظار يا وائل؟"
زم "وائل" شفتيه متسائلاً بهدوء يتحلى بضيق وتجهم:
" أنتي عايزة إيه دلوقتي. هو نكد وخلاص؟"
اتسعت عيناها بذهول وقد نهج صدرها بشدة لتجيبه بنبرة هادئة بخلاف تلك النيران التي تشتعل بداخلها من بروده الشديد:
" وائل. إنت بتحبني وعايز تتجوزني ولا لأ؟"
كان سؤالها مباشراً مباغتاً بصورة صادمة، كان بالنسبة إليها هو الخلاص مما تسميه بداخلها التزاماً معه فقد تضاءل الحب بقلبها بسبب أسلوبه الغير مبالي بها، بينما كان سؤالاً محيراً لـ "وائل" فإجابته عليها ستحتم عليه اتخاذ موقف ما، إما بالابتعاد عنها أو طلب يدها كما تريد.
ابتلع ريقه باضطراب متفكراً بصمت دام لبعض الوقت لم تنقطع به نظراتهما المتبادلة لاكتشاف ما بداخل الآخر.
صمته التام أثار حفيظتها بصدمة لتردف مستنكرة:
" يااااه. كل ده تفكير عشان ترد عليا. بتحبني وعاوزني ولا لأ؟"
مسح "وائل" وجهه بكفه بتوتر محاولاً إيجاد الكلمات المناسبة لهذا الموقف الصعب.
" الموضوع مش كده يا دنيا. أنتي عارفة كويس. أنا بس... ااا..."
قاطعته "دنيا" وهي ترفع رأسها بتشدق كمن يلملم بقايا كرامته المجروحة:
" أنا لا عارفة. ولا عايزة أعرف. اللي بيحب حد بيبقى ملهوف عليه. خايف يضيع من إيده. بيتمنى اليوم اللي ربنا بيجمعه بيه بفارغ الصبر. لكن إنت. كل اللي بتعمله. بتتهرب مني. حتى كلمة بحبك اللي المفروض تقولها من قلبك من غير تفكير. مقولتهاش. أنا حقولك يا وائل. إنت لا حبتني. ولا يوم حتحبني. إنت حاسس إنك متورط معايا. التزمت بكلمة ومش عارف تخلص منها. لكن أنا حسهلها لك. من النهارده اعتبر الوعد بينا لاغي. وأنت في حل من أي حاجة بينا. وكل واحد منا يكمل طريقه زي ما هو عايز. وجودي في حياتك كان مشكلة كبيرة. وأنا خلصتك منها. سلام يا وائل."
صدم "وائل" من رد فعل "دنيا" تلك المرة، بل وقلب المنضدة عليه بتلك الصورة. أتنهي علاقتهما وحبهما بهذه الصورة، أم أن هذا بالفعل ما كان يريده من داخله.
التفتت "دنيا" تجاه مكتبها لتحمل حقيبتها قبل أن تستدير خارجة من المكتب حين أوقفها "وائل":
" دنيا. بلاش تكبري الأمور. اقعدي نتفاهم."
رمقته "دنيا" بنظرات غاضبة يملؤها ندم ولوم شديدين حين أردفت:
" أكبر الأمور؟!!!!! .... إنت سامع نفسك. وائل. إنت حتى عشان تراضيني مش هاين عليك تشوف نفسك مقصر في حقي. بتوقفني بس عشان تبقى حاولت. لا يا وائل. متجيش على نفسك أكتر من كده. إحنا مش لبعض. إحنا خلاص مننفعش لبعض."
وقف "وائل" مدهوشاً من رد فعله البارد على انفصال "دنيا" عنه بينما خرجت هي مباشرة من المكتب تطلب العودة للمنزل لشعورها بتعب مفاجئ كحجة لها للذهاب.
جلس "وائل" خلف مكتبه مرة أخرى بضيق متذكراً ما مر به مع "دنيا" خلال تلك الأربعة أعوام كشريط ذكريات من بداية لقائه بها في الجامعة مع صديقاتها حين قرّب "عمر" بينه وبينهن وميله تجاهها وشعوره بحبه لها الذي زاد يوماً بعد يوم.
همس لنفسه متسائلاً بغرابة:
" إيه اللي حصل. لما أنا كنت بحبها كده. إيه اللي حصل دلوقتي. خوف. ولا ملل. ولا ده مكانش حب من الأساس؟"
قضى "وائل" بقية يومه يتذكر ويتساءل متخبطاً بأفكاره بعد رحيل "دنيا" عنه.
لم تحبذ "دنيا" العودة مباشرة إلى المنزل بل آثرت أن تجلس بمفردها لبعض الوقت متفكرة بقرارها بالانفصال والابتعاد تماماً عن "وائل". ذلك القرار المحزن لكنه ليس فاطراً لقلبها كما كانت تظن، فقد كان "وائل" بعيداً عنها فليس القرب قرب المكان، فبعد قلبه سبب لها الجفاء، قتل حبها له بقلبها فقد كان غريباً قريباً.
***
المنيا....
مرت الساعات ولم تمل الصديقات من حديثهن المخزن بداخلهن لأيام طويلة، قطع تلك الأحاديث رنين هاتف "سحر" لتنظر باتجاه شاشته وتتغير ملامحها باستياء شديد وهي ترفع مقلتيها نحو السقف بحركة تملل قبل أن تجيب:
" ألو. أيوة يا علام. إزيك؟"
" إزيك انتي يا سحر. إيه يا سحر اللي انتي عملتيه ده؟"
" عملت إيه؟"
" هو ينفع واحدة محترمة تسيب بيتهم وتروح تبات في بلد بعيدة مع صاحبتها. ده يصح؟"
" وأنت مالك. داخلك إيه. أنا مستأذنة من بابا وماما وهم عارفين كويس أنا فين ومع مين. وبلاش الأسلوب ده. عشان أنا مش بعمل الغلط يا أستاذ يا محترم."
تراجع "علام" عن أسلوبه الملوم ليردف بلطف:
" طبعاً. طبعاً. محدش يقدر يقول عليكي حاجة. بس أصل كده مينفعش يعني. و... ااا... كنتي تقعدي أحسن هنا."
" بص يا علام. أنا وإنت مش شكل بعض خالص. مننفعش بعض. إنت زي أخويا وبحترمك أه. بس جواز. ما أظنش. فسبني في حالي بقى وبطل إلحاح."
" طب مش تديني فرصة الأول ولا إيه؟"
" للأسف يا علام. أنا وإنت مختلفين تماماً عن بعض. افهم ده. طبعي غير طبعك. وتفكيرى غير تفكيرك خالص."
" عموماً متتسرعيش. خالي قال لي إنك واخدة وقت تفكري ومش حعتبر ده رد نهائي. تمام. ويا ريت بس متطوليش عندك خليكي في بيت خالي أحسن. سلام."
نظرت "سحر" بدهشة نحو الهاتف بعدما أنهى "علام" تلك المكالمة بهذه الطريقة الغريبة خوفاً من ردها القاطع بالرفض لتزفر محركة رأسها يميناً ويساراً بضيق.
" إنسان مستفز وتقيل كده. اوووف."
ضحكت "نسمة" على ملامح "سحر" المستاءة مردفة بعذوبة:
" شكلك تحفة وأنتي متعصبة."
" إنسان معصب فعلاً. فاكر إنه لما يعمل كده حافكر تاني وممكن أوافق عليه. مغرور في نفسه. مبيحبش يحس بالرفض والخسارة أبداً."
" طبع صعب أوي. أمال أنتي ناويه على إيه؟"
" مش عارفة. عارفة أحلى حاجة هنا إيه؟ الجو والخضرة اللي حوالينا دي. تصدقي لما جيت هنا جتني فكرة. إني ممكن أنقل شغل البورصة بتاعي في ماليزيا وأشتري حتة أرض صغيرة أعمل عليها مثلاً فندق صغير كده وتبقى حواليا الخضرة والمية. حاجة كده مريحة للأعصاب."
أردفت "نسمة" بإندهاش:
" ياااه. ماليزيا. ليه بعيد كده؟"
" أهو أبعد عن علام وقرفه. وأبقى في مكان مريح وبشتغل برضه."
دارت "نسمة" بعيونها بأرجاء البيت قائلة بنبرة حزينة منكسرة:
" المكان هنا كل حاجة كانت فيه حلوة وبحبها. بس بعد جدي صالح. حاسة المكان يخنق."
تداركت "سحر" تأثر "نسمة" مرة أخرى لتحاول تغيير مجرى الحديث حتى لا تصاب بنوبة اكتئاب أخرى مجدداً.
" المهم. أنتي بكرة جايه معايا وسط البلد نجيب القطر لـ مؤمن وشوية حاجات كده. تمام."
ابتسمت "نسمة" بخفة لتومئ برأسها برضا:
" موافقة."
دلف "عمر" بتلك اللحظة من باب البيت الكبير قائلاً وهو يدنو من "نسمة":
" موافقة على إيه من ورايا؟"
اتسعت ابتسامتها وأشرق وجهها بعودته بصورة ملفته جعلت "سحر" تبتسم لا إرادياً بسعادة لرؤية إشراقة وجه صديقتها لرؤية زوجها المحب بتلك الصورة. فكم كانا مثالاً لعشق الروح الذي طالما تمنته وربما هذان العصفوران سبباً في رفضها للزواج إلا من قلب محب كقلوبهم.
أجابت "نسمة" تساؤل "عمر" الذي جلس فوق مسند مقعدها واضعاً ذراعه فوق كتفيها بحنو:
" أصل سحر عايزة تنزل وسط البلد بكرة. وحروح معاها."
بتفاجئ شديد أردف "عمر" بنبرة متحملة ببعض الضيق:
" لازم بكرة. أنتي نسيتي معادك مع الدكتورة؟"
بدهشة تذكرت "نسمة" على الفور موعدها مع الطبيبة النفسية التي تتابع معها بعد وفاة جدها بزيارتها الشهرية لها ممتنة بتذكر "عمر" دوماً لكل ما يخصها بذلك الاهتمام.
" أه صحيح. ده أنا كنت نسيت خالص. كويس حبيبي إنك فاكر."
بابتسامته الجذابة ونظراته التي تفيض بعشق يذوب بزمردته الخالصة.
" وهو أنا عندي أهم منك في حياتي."
ثم تدارك نفسه لوجود "سحر" بينهما ليردف باعتدال:
" خلاص خلي مشوار وسط البلد ده بعد بكرة بقى."
هتفت "سحر" بإصرار:
" لأ طبعاً. أنا وعدت مؤمن. خلاص مفيش مشكلة. روحوا انتوا معاد الدكتورة لأنه مهم طبعاً. وأنا حاخد الأستاذ مؤمن وننزل نشتري حاجتنا كلها ونيجي. تمام."
أومأت "نسمة" بالموافقة على اقتراح "سحر":
" فكرة كويسة برضه."
وافق "عمر" على ذلك الاقتراح معقباً:
" خلاص ننزل سوا كلنا أنتي تاخدي مؤمن تجيبوا اللي انتوا عايزينه وأروح أنا ونسمة عند الدكتورة. حلو كده."
" حلو أوي."
***
بيت عبد الحميد....
وضعت "أحلام" طعام الغذاء فوق الطاولة استعداداً لتناول تلك الوجبة مع زوجها.
فرغ "عبد الحميد" من غسل يديه ليجلس بهدوء يتناول طعامه وسط مراقبة أعين "أحلام" له حين همست بانكسار:
" أنا عندي استعداد أنزل لمامتك و مها أعتذر لهم وأبوس على دماغهم كمان."
رفع "عبد الحميد" وجهه بصدمة ليتوقف عن مضغ الطعام مردفاً باستنكار:
" ليه تعملي كده؟"
" عشان أنت متزعلش كده يا عبده."
" أنا منكرش إن المشكلة اللي حصلت بينك وبينهم خلتنا واخدين جنب منهم وكل واحد منا قاعد في شقته غير الأول كنا كلنا مع بعض. بس هم جرحوكي وغلطوا فيكي قدامي كمان ومعملوش اعتبار لأي حاجة. بس ده ميخليكيش تنزلي وتقللي من نفسك. هم اللي غلطوا. أنتي ملكيش ذنب إنك... ااا..."
توقف "عبد الحميد" عن الحديث حتى لا يزيد من جرح "أحلام" فقد أصبحت حساسة للغاية من ذكر ذلك.
لتكمل "أحلام" بانكسار:
" كمل. كمل يا عبده. ماليش ذنب إني مبخلفش. صح. أنا تعبت من كتر الدكاترة والأدوية. حتى العملية عملتها ومفيش فايدة. لو كان فيه طريقة تنفع كنت عملتها بس أنا عملت اللي ميتعملش. وبرضه مفيش نصيب."
" أنا مقصدش يا أحلام. أنا بس بقولك مفيش داعي تنزلي عند أمي ومرات أخويا ويرجعوا يعايروكي تاني وأنتي ملكيش ذنب."
أومأت "أحلام" بضعف فهي تحاول جاهدة لإسعاده لكن لا جدوى، حتى هذا الطفل الذي طالما حلم به لا تستطيع إنجابه فهي السبب بتعاسته تلك دائماً ولا تنكر ذلك ولا تستطيع تغيير تلك الحقيقة أنها عقيمة كأرض خاوية.
كم تمنت أن تصبح أماً تسعد بوجود أطفالها من حولها تراهم يكبرون حولها يؤنسونها بوحدتهم ويكونوا عوضاً لها وله.
لكن التمني وحده لا يكفي.
تنهدت بصمت لينهي "عبد الحميد" طعامه مبتعداً عن حزن "أحلام" وحساسيتها المفرطة، يتمنى من قلبه لو تتقبل قدرهم برحابة صدر وتنهي تلك الأجواء المشحونة بالحرمان طوال الوقت.
رواية الميراث الفصل الرابع 4 - بقلم قوت القلوب
دار عنتر ....
جلس بالمجلس الجانبى يرتشف كوب من الشاى الثقيل بعد تناوله لوجبة الغذاء حين أقبل صديقه "أبو المعاطى" إلى المجلس متجهماً للغاية.
"سلامو يا أبو عمو."
"أبو المعاطى" ... سلامات ... تعالى أقعد.
جلس "أبو المعاطى" متكئاً على المسند القطنى السميك إلى جواره وهو يزفر بضيق بالغ.
والله يا أبو عمو كان نفسى أقضى لك المصلحة ... بس أعمل إيه ... طلع خسيس وطماع.
إنتبه "عنتر" لحديث صديقه ليعتدل بصدمة فقد توقع أن يُقضى مطلبه بسهولة ليتابع استطراد صديقه للحديث.
ده طردنى من بيتهم ... وقالى أعلى ما فى خيلك ... إركبه.
زفر "عنتر" بضيق ليردف بعد صمت من استماعه لـ "أبو المعاطى".
يعنى خلاص ... خلصت أكده ...!!!!
لااااااا ... ده حقك يا أبو عمو ... وأنا بقى عندى الطريقة إللى تجيبه راكع تحت رجليك وتطلب وتتشرط كمان.
تساءل "عنتر" باستراب.
طريقة ... طريقة إيه دى ...؟؟؟
أقولك ....
__________________________________
عدة ساعات تمر قررت بها "دنيا" أخيراً العودة إلى المنزل بعدما هدأت نفسها قليلاً من قرارها ببدء حياة جديدة بعيدة تماماً عن وجود "وائل" فقد كان حبها له من أسوأ القرارات التى اتخذتها يوماً فكان عليها ترك قلبها للقدر والاختيار الصحيح.
فتحت باب الشقة بروية قبل أن تدلف إلى الداخل وهى تعلق مفاتيحها بالصندوق الخشبى خلف باب الشقة حين استمعت لصوت والدتها وهى تلوم والدها بلطف.
مش تاخد بالك يا "راضي".
ساعة القضا يعمي البصر ... حنعمل إيه بس.
اتجهت إليهم "دنيا" على الفور للاطمئنان عليهما.
اتسعت عيناها بذهول وهى ترى والدتها مسندة والدها الذى جُبرت قدمه بجبيرة بيضاء كبيرة ممسكاً بعصى يستند عليها بذراعه الآخر لتهتف بقلق بالغ.
إيه اللي حصل يا بابا ... سلامتك.
هرولت "دنيا" مسرعة بخوف شديد نحو والدها حين عقبت والدتها موضحة.
شفتي يا "دنيا" ... أبوكي اتزحلق من على السلم ووقعت رجله اتكسرت.
وقفت "دنيا" تطالع والدتها بنظرات معاتبة.
كده برضه ... ولا حد يقولي ولا يكلموني آجي أطمن على بابا.
ربت "عبد الراضي" بحنو على كتف ابنته وابتسم ابتسامة واهية متعبة للغاية.
محبناش نقلقك وأنتي في شغلك يا بنتي ... الحمد لله ... قدر الله وما شاء فعل.
وأنت حاسس بإيه دلوقتي ... وجعتك أوي يا بابا.
الحمد لله على كل حال ... هاه ... اسندوني أقعد بقى شوية عشان أصلي العشا.
جلس "عبد الراضي" ببطء على المقعد البلاستيكى الأبيض الموضوع بغرفة النوم الخاصة به ليستكمل صلاته التي فاتته بينما اصطحبت "دنيا" والدتها إلى خارج الغرفة لتساعدها بتحضير الطعام بعد تبديلها لملابسها.
___________________________________
في صباح اليوم التالي.
استيقظت "دنيا" صباحاً بتملل لتجلس لبعض الوقت فوق فراشها بتجهم فهي بالفعل لا تود رؤية "وائل" حقاً مرة أخرى، لكن هل بتلك السهولة تترك وظيفة جيدة استطاعت خلال تلك السنوات الماضية إثبات نفسها بها لمجرد أن تبعد عن هذا "البارد" لتقرر أن تطلب بتقديم طلب إجازة لليوم عن طريق إحدى صديقاتها بالمكتب حتى تفكر بسبيل آخر تستطيع به استكمال عملها دون رؤيته والتعامل معه.
أمسكت بهاتفها تتصل بإحدى زميلاتها بالمكتب.
ألو ... صباح الخير يا "دعاء" ... معلش والله ممكن تبلغي الأستاذ "رأفت" إني مش هقدر أجي النهارده ... هاه ... لا أبداً ... بابا بس تعبان شوية ... الله يسلمك ... متشكرة أوي يا "دعاء" ... تسلمي حبيبتي ... مع السلامه.
شعرت براحة مؤقتة لتصرفها وأنها لن تراه اليوم حتى تفكر جيداً بطريقة تبتعد بها عن وجوده.
فكرت باستغلال هذا اليوم للراحة المطلقة ووضع بعض المرطبات على وجهها المنهك بعد توتر الأمس فربما يشعرها ذلك بالراحة والاستجمام.
___________________________________
دار عنتر.
بتوتر بالغ قابل "عنتر" صديقه "أبو المعاطى" أمام داره وقد توجس قلبه خوفاً مما سوف يقدمون على فعله ليسأله بنبرة يملؤها التخوف.
أنت متأكد من اللي هنعمله ده.
قلبي خايف يا "أبو المعاطى".
أجابه "أبو المعاطى" بثقة كاذبة.
جمد قلبك أمال يا أبو عمو ... هي الحكاية ساعتين زمن وهتلاقي فلوسك في إيدك.
ربنا يستر.
ترك "أبو المعاطى" صديقه متجهاً بوجهته الغامضة ليأتي له بالمال الذي يستحقه.
دلف "عنتر" إلى داخل الدار ليجد والدته متجهمة بشكل كبير وقد جلست فوق أريكتها البسيطة تشعر بضيق بالغ بصدرها.
رفعت وجهها تجاه والدها الدالف وقد استطاعت بفراستها البسيطة فهم أن هناك شيئاً يخفيه بداخل سرائره لتهتف به بلوم شديد.
نويت على إيه يا ولد بطني ... لساك بتحرب ورا فلوس دار "سليمان".
ابتلع ريقه الجاف بتوتر بالغ كمن حكم عليه حكماً قاسياً للتو، فنظرات الاتهام بعيون والدته لا يتحملها قط.
نكس عينيه هارباً من نظرات والدته الكاشفة لما يخفيه بداخل نفسه.
أنا .... أنا .... أنا رايح الأرض ياما.
لم ينتظر "عنتر" سماع تعقيب والدته ففر هارباً بعيداً عنها ينتظر عودة "أبو المعاطى" فربما وقتها يستطيع إقناعها بنجاحه في مسعاه.
____________________________________
المنيا.
كعادتها العملية استيقظت "سحر" مبكراً بنشاط بالغ وبعد أن صلت فرضها بدلت ملابسها بملابس مريحة للسير والتسوق فأحضرت بنطال أسود من الجينز وارتدت كنزة قطنية واسعة بأكمام طويلة باللون الأخضر تتسم بالطابع الرياضي المغلق، وضعت حقيبتها الصغيرة للغاية بصورة مائلة فوق كتفها لتسهل لها الحركة دون الشعور بثقل الحقيبة وتكسبها حرية حركة حتى تستطيع الانتباه للصغير "مؤمن" جيداً حين يقوما بالتسوق، رفعت بالنهاية شعرها بعشوائية ثم خرجت من غرفتها لتنتظرهم بالأسفل.
بعد قليل من الوقت تجهز "عمر" و"مؤمن" ليهبطا الدرجات أولاً متجهين نحو "سحر" التي تنتظر قدومهم.
صباح الخير.
صباح الخير يا "عمر" ... أمال فين "نسمه" ...؟!! هي لسه نايمة ولا إيه...؟؟؟
تنهد "عمر" قبل أن يبتسم تحسراً على أزمة "نسمه" النفسية بعد وفاة جدهما فهو يسعى بشتى الطرق على ملء هذا الفراغ بعد رحيل جده الذي ارتبطت به "نسمه" للغاية بتلك السنوات القليلة لتعوض به حرمانها من أبيها وأمها.
كانت نازلة معايا ... بس مش لاقية السلسلة اللي كان جدي جابها لها ... وهي متعودة تلبسها دايماً ... ومصممة متخرجش من غيرها.
ثم استكمل بعد تمعن للحظات.
بقولك إيه ... تعالى أوصلكم الأول وأرجع لها تكون لقتها.
شعرت "سحر" بمدى إرهاق "عمر" من تلك الأزمة التي تمر بصديقتها لتحاول تخفيف الوطأة عنه قليلاً.
معلش ... شكلك تعبت ... استحملها هي ملهاش غيرك.
بنفي قاطع أجابها "عمر".
ولا يمكن يوم أزهق أبداً ... هي بس صعبانة عليا ونفسي فعلاً ترجع زي الأول.
بإذن الله ... طول ما انتوا مع بعض هترجع زي الأول وأحسن كمان.
طيب يلا بينا ننزلكم وسط البلد عشان ألحق أرجع لها قبل معاد الدكتورة.
تمام ... يلا بينا يا "مؤمن".
أقبل الصغير بابتسامة ممسكاً بيد "سحر" الممتدة نحوه ليخرجا إلى خارج البيت ليستقلوا سيارة "عمر".
____________________________________
دنيا.
بعد أن بدأت بروتين الاعتناء ببشرتها اليومي وضعت أحد الماسكات الكريمية فوق وجهها لتزيد من ترطيبه بجلسة أشبه بجلسات المنتجعات الصحية فذلك الأمر كفيل بالرفع من نفسيتها المحطمة بصورة كبيرة.
دلت والدتها إلى غرفتها تطالعها بسخرية تامة وهي ترى ابنتها قد أحاطت رأسها بشرشف كبير مستلقية بأريحية فوق وسادتها مغمضة عينيها تستمتع بالهدوء أثناء انتظارها الوقت المحدد لهذا الماسك الذي تضعه فوق وجهها.
يا صلاة النبي ... أنتي قاعدة تحطي لي في ماسكات وسايباني لوحدي في المطبخ.
أجابتها "دنيا" دون أن تفتح عينيها وتقلق بشرتها الحساسة.
عشر دقايق كمان يا ماما وأغسل الماسك ده وأحط المرطب وأجي لحد عندك يا ست الكل أعملك اللي انتي عايزاه بس بعيد عن أي سخونية ... أنا ما صدقت بشرتي بدأت ترتاح.
ضحكت والدتها من جنون ابنتها بتلك المستحضرات.
عوض عليا عوض الصابرين يا رب ... ده انتي عقبال ما تخلصي يكون اليوم خلص ... وأنا اللي قلت حتساعديني النهاردة بما إنك إجازة.
خلاص أهو يا ماما ... مش باقي كتير.
طب خلصي وروحي اقعدي مع أبوكي شوية ... أصله قاعد لوحده وأنا عايزة أخلص شغل البيت.
أوك.
___________________________________
أحلام.
قلبت "أحلام" بين العديد من الصور الفوتوغرافية تطالعها بحنين لتلك الأيام الجميلة.
حين وقفن أربعتهم بالحرم الجامعي يلتقطون تلك الصور التذكارية لهن معاً.
هي و"نسمه" و "سحر" و "دنيا" بالطبع.
التقطت تلك الصورة قبل ما حدث بينها وبين "نسمه" بعامهم الأخير وانقطاع صلتهم بها بعد حادث سقوطها من فوق السلم لتبقى وحيدة من دون أصدقائها، فقد فضلن الابتعاد عنها خوفاً من أن تؤذيهم كما كادت تفعل بـ "نسمه".
تخيلت للحظات لو أنها تستطيع السماح منهن وتعود المياه إلى مجاريها وتستعيد صداقتهم مرة أخرى لتبتسم بخفة قائلة لنفسها.
"وليه لأ .... !!!! مش يمكن يسامحوني ونرجع زي زمان ..."
ثم عادت وتجهمت باستياء مردفة بإحباط شديد.
"ويمكن ميرضوش ... ويخافوا مني ..."
ظلت تفكر بحيرة هل تجرؤ على الإقدام على تلك المغامرة ومحاولة إصلاح علاقتهم بها أم تبقى بحياتها الرتيبة التي اعتادت عليها.
___________________________________
توقف "عمر" بسيارته بوسط مكان ممتلئ بالمحال التجارية التي يطلق عليها (وسط البلد).
ترجلت "سحر" بخفة من السيارة والتفت لتمسك بيد "مؤمن" لتبدأ رحلة تبضعهم وتجولهم بالسوق.
فور أن أوصلهم "عمر" أشار لهم بكفه ملوحاً ليستدير بسيارته عائداً إلى البيت ليقل "نسمه" إلى طبيبتها النفسية بالموعد المحدد.
أمسك "مؤمن" بقوة بكف "سحر" كما أوصاه والديه وهو يسألها بسعادة.
حنجيب القطر.
حنجيب القطر وألعاب تانية جميلة ... ونجيب حلويات كتير كتير كتير ... ها قولت إيه.
اه ... نجيب.
خلال سيرهم وتطلعهم لواجهات تلك المحال التجارية لاختيار أفضل الهدايا لهذا الصغير لفت انتباهها تلك اللعبة المميزة لتهتف بالصغير بنشوة كما لو كانت هي من ستلعب بها.
شوف ... شوف ... حلوة أوي اللعبة دي.
اتسعت عينا الصغير بانبهار ليدلفا إلى الداخل مباشرة لشرائها أولاً فقد كانت "سحر" متوجسة ألا تجد لعبة مناسبة له فسفرها المفاجئ إليهم لم يسعها فرصة لشراء هدية مفرحة لهذا الصغير.
___________________________________
البيت الكبير.
عاد "عمر" ليجد "زمردته" تجلس بالحديقة بهدوء بعد أن وجدت سلسالها الذهبي الذي كانت تبحث عنه.
أسرعت "نسمه" نحو السيارة قبل أن يترجل "عمر" منها لتجلس بالمقعد المجاور له بتساؤل.
وصلتهم.
اه حبيبي تمام.
وصيت "سحر" تاخد بالها من "مؤمن".
متقلقيش حبيبي ... الدنيا أمان ... و"سحر" كمان بتاخد بالها من "مؤمن" جداً ... هي يعني أول مرة.
أومأت "نسمه" بالانصياع لرأي "عمر" فليس عليها القلق بوجود "مؤمن" مع "سحر" فهي تنتبه له كما لو كانت والدته بالفعل، ولأجل خاطره فقط هي تحاول أن تعبر تلك الأزمة النفسية فقد تحمل معها الكثير حتى الآن.
تحرك "عمر" بالسيارة تجاه عنوان تلك الطبيبة بعيادتها النفسية مباشرة.
____________________________________
وسط البلد.
خرجت "سحر" من ذلك المتجر بعد ابتياع تلك اللعبة وهي ترى السعادة مرتسمة على وجه هذا الصغير بصورة كبيرة لتكمل تجولها داخل السوق ومازالت متشبثة بكف هذا الصغير أمانتها.
ابتعت له بعض الحلوى وأخذت تبحث عن مكان مناسب لتجلس به معه ليتناولها وربما يحالفها الحظ وتجد حديقة ما يجلسون بها حتى يستطيع تناول حلواته بأريحية وتستطيع هي الانتباه له.
لم تكن تدرك أن هناك عيوناً تترقبهم وخطوات خبيثه تتبعهم.
ابتعدت "سحر" ومعها "مؤمن" قليلاً عن ذلك الزحام لتلاحظ إحدى الحدائق الصغيرة على بعد بضعة أمتار وتجدها مناسبة للغاية للجلوس بها قليلاً.
ربما كانت تلك الحديقة ملائمة للراحة لبعض الوقت لكن ما لم تعلمه "سحر" أن هذا المكان الهادئ مناسب لشيء آخر لم يكن أبداً في الحسبان.
قبل أن تصل لتلك الحديقة وجدت أحد الأشخاص الملثمين يرتدي جلباب أسود يود نزع كف "مؤمن" من كفها لتستدير له بفزع شديد وهي تتشبث أكثر بذراع "مؤمن" فلن تتركه أبداً حتى لو كانت حياتها مقابل ذلك.
أخذت تصرخ به لتبعده عن الصغير.
الحقونا .... ابعد يا ***** ... الحقوناااااااا يا نااااااااس .....
التفت هذا الملثم حوله حتى يرى إن كان أحدهم انتبه لصراخها أم لا، بينما استمرت "سحر" بتشبثها بـ "مؤمن" أكثر وأكثر وهي مازالت تصرخ بهلع شديد.
اااااااه .... الحقوناااااااا ... بيخطف ابني ..... ااااااااااا .... هاتوا البوليييييس .....
احتضنت "سحر" "مؤمن" بقوة حتى لا يستطيع هذا الخاطف أخذ الولد من بين يديها، أصاب صراخها القوي اضطراب هذا الملثم ليشير برأسه لأحدهم من بعيد دون أن تدري سحر بذلك لتفاجئ بدفع هذا الرجل لها للخلف وهي متشبثة بـ "مؤمن" لتجد نفسها بثوان قليلة بداخل إحدى السيارات بعد أن جذبها أحدهم من الداخل مكمماً فاها حتى تتوقف عن الصراخ وسط أعين الصغير الباكية بفزع دون فهم ما يجري له سوى أن خالته تصرخ كثيراً وهذا أخافه بشدة.
فتح الملثم الباب الأمامي للسيارة ليجلس إلى جوار السائق الملثم أيضاً لتنطلق السيارة بسرعة فائقة مبتعدة عن الحديقة وسط ذهول بعض أعين المارة الواقفين يناظرون الأمر من بعيد بسلبية تامة فكل منهم يخشى على نفسه من بطش هؤلاء المجرمين.
__________________________________
العيادة النفسية.
جلست "نسمه" ومعها "عمر" بانتظار دورهما لمدة لا بأس بها حتى حان موعدهما.
تقدمت "نسمه" نحو الداخل لترحب بها الطبيبة بود شديد لتبدأ جلستها معها.
بعد مرور بعض الوقت وحانت وقت انتهاء الجلسة أرسلت الطبيبة بطلب "عمر" من الخارج لتتحدث معه قليلاً.
دلف "عمر" برزانته المعهودة ملقياً التحية على الطبيبة أولاً.
السلام عليكم ... أهلا يا دكتور.
أهلاً يا أستاذ "عمر" ... اتفضل.
أشارت له الطبيبة بالجلوس بالمقعد المقابل لـ "نسمه".
جلس "عمر" وهو يطالع وجه "نسمه" المبتسم حين أردفت الطبيبة موضحة.
مدام "نسمه" وصلت لحد كبير أوي من الاستقرار النفسي ... وأكيد ده طبعاً بفضل تعاونك معاها بالصورة دي ... بس كان عندي شوية تعليقات وملاحظات حبيت أنكم تسمعوها سوا.
اه طبعاً ... اتفضلي.
"نسمه" دلوقتي عارفة إنك انت الوحيد بوابه الأمان بعد جدها الله يرحمه ... عشان كده ... لازم الفترة اللي جايه تحاولوا انتوا الاتنين تبعدوا عن أي مصدر توتر ... أو أي حاجة تسبب لكم ضغط نفسي عشان ميحصلش انتكاسة لا قدر الله.
أومأ "عمر" تفهماً لطلب الطبيبة لكن بدر إلى ذهنه تساؤل عن تصرف "نسمه" بالصباح.
تمام ... مفهوم طبعاً ... بس بعد إذنك يا دكتور ... النهارده مثلاً ... "نسمه" كانت قلقانة أوي لما حسيت إن السلسلة اللي كان جايبها جدي ضاعت منها ... أنا حسيت إنها لسه متأثرة زيادة.
عقبت "نسمه" بنفس الصورة تستكمل تساؤل "عمر".
أيوة يا دكتور ... كنت خايفة أوي أحسن تضيع مني.
ابتسمت الطبيبة بعملية فائقة وهي تجيب تساؤلهم.
محدش قال إنك خلاص نسيتي جدك ... بس انتي حاسة بقربه في الهدية اللي كان جابها لك ... بس المهم تحسي إن اللي حواليكي أهم بكتير من الأشياء المادية ... لازم تحسي بأن عيلتك وحبايبك أهم عندك من تعلقك بسلسلة أو هدية مادية ... اهتمامك بجوزك وابنك وأصحابك لازم يكون أهم ... فاهماني ... خلي أولوياتك هم الناس اللي بيحبوكي وبتحبيهم ... لأن الأشياء المادية سهل جداً تتعوض ... لكن فيه حاجات تانية في الدنيا أهم.
هزت "نسمه" رأسها تفهماً لرأي طبيبتها لكنها مع ذلك لا تدرك ما عليها فعله لتشعر بذلك.
انتهت جلستها إلى هذا الحد لتحدد موعد بعد أسبوع آخر بجلسة جديدة قبل انصراف "نسمه" و "عمر".
رواية الميراث الفصل الخامس 5 - بقلم قوت القلوب
لم تكن "سحر" بالشخصية الضعيفة أو سهلة التأثر.
كل ما كان يشغلها بهذا الوضع المفزع هو كيف تهرب بـ "مؤمن" دون أن يصيبه أذى.
أمسك الملثم الذي يجلس إلى جوارها فمها بيده الغليظة لدقائق، حتى أشار له الآخر الجالس بمقدمة السيارة بشريط لاصق عريض قائلاً:
_ إخرسها خالص هي والواد.
رفعت "سحر" ذراعها وهي تنزع بقوة ذلك الغطاء الذي يلثم به وجهه، لينفلت اللثام عنه وترى وجهه المقيت.
دفع بالشريط اللاصق بغضب تجاه رفيقه وهو يعيد وضع اللثام على وجهه فورًا.
حين أمسك رفيقه الشريط اللاصق ليضع منه قطعة بصعوبة فوق فمها، وهي تتلوى بكل الاتجاهات تحاول التملص منه.
كانت تتشبث بكلتا يديها بـ "مؤمن" حتى لا يأخذوه منها ويتركوها، فمن الواضح أنهم يقصدون الطفل فقط.
لم يجد هذا الغليظ بُدًا من تقييدهما معًا حتى لا تحاول الهرب منهم بعدما أمسكوا بطريدتهم.
أحاط جسدها وجسد "مؤمن" بهذا الشريط اللاصق ليمنعهما من التحرك بداخل السيارة للحفاظ على ما اقتنصوه اليوم.
وسط حركة "سحر" المستمرة بمحاولة مستميتة لخلاصهما، استدار نحوها الشخص الملثم الجالس بمقدمة السيارة ليهوي فوق رأسها بقبضة يده بقوة، مسببًا ترنح رأسها على الفور ليغشى عليها أثر تلك الضربة القوية.
ذُهل من يجلس إلى جوارها من عنف رفيقه مع تلك السيدة ليهتف باستهجان:
_ ليه يا "أبو المعاطي"؟ مش للدرجة دي يا خوي.
_ والله زهقتني يا "هريدي"، مش راضية تسكت، وأنا دماغي مصدعة.
تطلع "هريدي" تجاه "سحر" الغائبة عن الوعي، و"مؤمن" الذي انفجر باكيًا مرة أخرى عند رؤيتها بتلك الصورة، مرتعدًا بخوف من هؤلاء الملثمين من حوله.
صرخ "أبو المعاطي" بعدم احتمال بـ "مؤمن":
_ إخرس ياض، مش ناقصة وجع دماغك أنت كمان. مش كفاية أبوك واللي عمله.
كاد "أبو المعاطي" أن يضربه لولا أن أمسك "هريدي" بكفه تلك المرة قائلاً:
_ والله لو مديت يدك تاني ما أنا مكمل معاك. حرام يا خوي.
غمغم "أبو المعاطي" بصوت غير مفهوم، كما لو كان يسب "هريدي" لمنعه مما يريد فعله، لكنه مجبر على ذلك، فهو ما زال يريد مساعدته بعد.
أراد "هريدي" فهم لم يتعامل بهذا العنف معهم، فما عرفه منهم أنهم سبيل لاسترداد مال "عنتر"، ولا داعي لهذه القسوة غير المبررة.
_ إلا قول لي يا "أبو المعاطي"، هو أبوه عمل معاك إيه؟
أجابه "أبو المعاطي" دون الالتفات إليه:
_ بقى أنا "أبو المعاطي مخلوف" ييجي واحد زي "عمر" ده يهزقني ويقلل بقيمتي لما رحت له يسلفني فلوس. طب والله لأحرق قلبه على ولده ومرته.
حرك "هريدي" رأسه بعدم فهم ليعيد تساؤله مرة أخرى:
_ يعني الحكاية مش حكاية ورث "عنتر" ولا إيه؟
_ "عنتر" ده خايب، بيصدق أي حاجة تتقال له. وأهي فرصة نعلم "عمر" ده الأدب.
ثم التفت بحِدة تجاه "هريدي" وقد لمعت عيناه ببريق غادر مخيف يهدده بحدة:
_ وعلى الله الكلام ده يخرج بره، فاهم ولااااااااا؟
أومأ "هريدي" بتخوف عدة مرات مرددًا بنبرة مهتزة:
_ فاهم يا خوي، فاهم.
عاد "أبو المعاطي" ببصره تجاه السائق قائلاً:
_ هم، شوية، خلينا نوصل العزبة أوام.
***
استقل "عمر" و "نسمة" السيارة بعد انتهاء جلستها مع طبيبتها النفسية.
تساءلت "نسمة" بهدوئها الرقيق:
_ تفتكر "سحر" خلصت الشوبينج بتاعها؟
التفت إليها "عمر" وما زالت عيناه تتوهج بنظرات عشقه المتيم بها، فمهما مر العمر سيظل حبها قابعًا بقلبه، بل يزداد يومًا بعد يوم بقلبه.
قبض كفها الرقيق بين كفه بحنو مردفًا:
_ أولاً، صاحبتك دي بتحب اللف كتير قوي. خليها براحتها. ثانيًا بقى، جت لنا فرصة أخيرًا نبقى أنا وأنتِ لوحدنا. مش عايز تفكير في أي حاجة النهارده. "مؤمن" وأهو مع "سحر". نفك إحنا عن نفسنا شوية.
ابتسمت "نسمة" فكم تعشق ترتيبه دومًا للأمور حتى يبقى معها ويشعرها بحبه لها. كم هي محظوظة بالفعل بوجود "عمر" بحياتها.
_ طيب، اللي تشوفه. حنروح فين؟
_ إحنا الأول نروح نتغدى في مكان حلو وبعد كده نقضي بقية اليوم سوا.
_ أنا معاك. منين ما تروح، حتلاقيني معاك.
تحرك "عمر" بالسيارة متجهًا إلى أحد المطاعم المعروفة بالبلدة ليقضي يومًا مع حبيبته وزوجته بمفردهما، فلم يستطع القيام بمثل هذا الأمر من قبل، فدومًا كان مسؤولاً عن جده وطفلهما طوال الوقت.
***
بيت عبد الحميد.
جلست تلك السيدة الخمسينية النحيفة تظهر امتعاضها الشديد من تصرفات ولدها "عبد الحميد" معها، منصفًا لتلك المسماة زوجته عليها، فزمّت شفتيها بتهكم:
_ تو ما افتكرت تسأل عني وعن أبوك يا "عبده". هي خلاص حتنسيك أهلك. إيش حال ما إحنا ساكنين مع بعض في بيت واحد. كده تخلي مراتك تعزلك عننا.
تطلع "عبد الحميد" تجاه والدته بنظرات يملؤها اللوم، لكن لسانه لا يطاوعه أن يظهر لها أن تصرفاتها هي السبب بذلك، فهو لن ينتقصها بكلمة، فـعليه أن يقول لها قولاً كريمًا كما أمرنا الله عز وجل. لكن بقراره نفسه لن يظلم "أحلام" التي لم تُسئ لوالديه قط. فضل الصمت محاولًا الإصلاح بينهما حتى لا يظل بهذا التشتت بين والدته وزوجته.
_ ربنا يهدي النفوس يا ماما.
_ لا مفيش ربنا يهدي النفوس دي. أنت تخلي مراتك تنزل لنا زي الأول. ما خلاص مكانتش كلمة. وأهي "مها" مرات أخوك يوميًا معانا.
زفر "عبد الحميد" مطولاً يلتمس الصبر ليردف بانقياد مكرهًا:
_ حاضر يا ماما. اللي تشوفيه. بس بالله عليكي أنا مبقتش حمل زعل ومشاكل. وهي كمان "أحلام" غلبانة وعايزة تعيش يا ماما. متزوديهاش عليها.
رفعت حاجبيها باستنكار مردفة بنبرة مستنكرة:
_ أنا! شوف الواد. وأنا مالي يا أخويا. هي في حالها وأنا في حالي.
حرك "عبد الحميد" رأسه عدة مرات بهدوء متمتمًا بصوت خفيض:
_ الله المستعان.
حمل "عبد الحميد" هاتفه والمفاتيح الخاصة به صاعدًا نحو شقته ليبلغ "أحلام" بطلب والدته بعودة الأمور إلى مجرياتها وإنهاء حالة الخصام بينهما.
***
توقفت السيارة أمام منزل "أبو المعاطي" ليترجل منها مطمئنًا أولاً أن لا أحد يتابعه، ملتفتًا يمنة ويسرة بخبث شديد.
بعد أن اطمأن لهدوء المحيط من حوله، أشار لأخيه "هريدي" ليلحقه خارج السيارة ليساعده بحمل "سحر" المتشبثة بـ "مؤمن" وموثقان سويًا بالشريط اللاصق الذي أحاطهما به "هريدي".
ترجل بالفعل "هريدي" وقد علقت غصة بحلقه بعدما تأكد أن لا ذنب لهذه المرأة وولدها ولا حتى "عمر" بشيء، وأن كل ذلك بسبب حقد أخيه "أبو المعاطي" ورغبته في الانتقام من "عمر" لرفضه إقراضه بعض المال.
انصاع "هريدي" مكرهًا لأخيه بحمل "سحر" و"مؤمن" إلى داخل (المندرة) القبلية لمنزلهم بمساعدة "أبو المعاطي".
دلفا إلى تلك الغرفة المتواضعة التي تحتوي على بساط أرضي خفيف وبعض الوسائد القطنية للجلوس والاتكاء عليها.
وضعا "سحر" الغائبة عن الوعي و"مؤمن" الذي تشبث بـ "سحر" بقوة بهلع شديد، ليتركوهما بمفردهما قبل أن يخرجا مرة أخرى إلى الخارج وإغلاق الباب جيدًا حتى لا يتسنى لهما الهرب.
حاول "هريدي" إثناء "أبو المعاطي" عما يفعله بضعف، فأخيه يتصف بالعنف أحيانًا ولا يتقبل النقد أبدًا.
_ ما بلاش يا خوي، خليهم يروحوا لحالهم.
رمقه "أبو المعاطي" بنظرة غاضبة تحمل اشمئزازًا كبيرًا من ضعف أخيه الذي لا يشبهه مطلقًا.
_ اشششش، أنت حتراجعني ولا إيه؟ قسماً لو اتكلمت تاني في الموضوع ده لحكون شايف شغلي وياك.
بخضوع مجبر، نكس "هريدي" رأسه أرضًا وانصرف مبتعدًا في هدوء، بينما تحرك "أبو المعاطي" ليخبر "عنتر" بأنه أتمم المهمة بنجاح، وما عليهم الآن إلا طلب المال من "عمر".
***
شقة أحلام.
تنحنح "عبد الحميد" محاولًا بدء حديثه مع "أحلام" بعد فترة من الصمت، فقد اعتادت على هدوئه جيدًا، وربما كان إحباطًا من اختيار حياته معها بعد معرفته بعدم قدرتها على الإنجاب، هكذا دومًا كانت تحدث "أحلام" نفسها.
_ أحم، بقولك يا "أحلام"، أنا عارف المشاكل اللي حصلت بينك وبين ماما و"مها"، بس ااا... ماما طلبت مني النهارده إنك يعني... تبقي تنزلي معاها زي زمان. عارفة، لو أنتي مش حابة، خلاص... ولا كأنك سمعتي مني حاجة.
نظرت "أحلام" بتمعن بملامح "عبد الحميد" المنتظر لبعض الوقت تتفكر بحديثه قبل إجابته. فعلى الرغم من معرفتها بقوة شخصية والدته حتى مع والده، وتدرك أيضًا نوايا "مها" الخبيثة دومًا، إلا أنها على استعداد لفعل أي شيء يرضيه، فهو بالفعل يستحق ذلك، لتردف عن طيب خاطر:
_ لو أنت عايز كده حبيبي، أنا معنديش مانع عشان خاطرك.
تبسم "عبد الحميد" براحة لتتبدل ملامحه القلقة لأخرى محبة، فهو بالفعل يحبها، يشعر بالضيق لأجلها هي وليس لأجله هو. هو يدرك حقًا لهفتها وشوقها لوجود طفل بينهما، تتمنى أن تشعر بإحساس الأمومة التي حرمت منها، لكنه يكفيه فقط وجودها بحياته، وربما كان ذلك سببًا قويًا بتوتر علاقته بوالدته لإصراره ألا يأتي بزوجة أخرى لتنجب له طفلًا وتحزن "أحلام" لذلك، حتى هو لا يرضى عنها بديلاً مطلقًا، فياليتها تدرك ذلك فيطمئن قلبها.
_ لو نزولك تحت مش حيزعلك، انزلي. لكن لو في يوم اتضايقتي خلاص، مفيش داعي تيجي على نفسك أو على أعصابك.
أومأت "أحلام" بخفة وهي تنهض من جلستها قائلة بحب:
_ أقوم بقى أحضر لك الغدا يا "عبده"، زمانك ميت من الجوع.
***
عنتر.
انتظر "عنتر" عودة "أبو المعاطي" ليخبره بما فعله، وهل استطاع بالفعل الإتيان بطفل "عمر" حفيد "صالح سليمان" أم لا.
لم يطق "عنتر" الانتظار لأكثر من ذلك، فاتصل به قبل أن يصل "أبو المعاطي" إليه.
_ ها؟ طمني يا "أبو المعاطي"، عملت إيه؟
_ خلاص يا أبو عمو، كله تمام.
_ فين هو؟
_ في المندرة القبلية في دارنا.
_ طب أنا جاي لك طوالي.
_ اللي تشوفه يا أبو عمو.
انطلق "عنتر" على الفور تجاه دار "أبو المعاطي" بغرب القرية، فقد تعاظم إحساسه بالقلق والاضطراب، فهذه أول مرة يقدم بها على فعل مثل هذا.
توقف "أبو المعاطي" عن المضي قدمًا تجاه دار "عنتر"، فهو سيأتي إليه بعد قليل ولا داعي لأن يرهق نفسه.
لم يمر الكثير حتى ظهر خيال "عنتر" القوي في الأفق، استطاع "أبو المعاطي" تمييزه بسهولة، فـ "عنتر" طويل القامة عريض البنية له هيئة مميزة للغاية.
هب "أبو المعاطي" واقفًا من جلسته المتكئة أمام باب (المندرة) حين رأى صديقه مقبلاً عليه يسرع بخطواته تجاهه.
لم ينتظر "عنتر" ترحيب صديقه ليهتف به لاهثًا من جراء خطواته المتعجلة طوال الطريق:
_ فينه الواد؟
أجابه "أبو المعاطي" وسط ابتسامة منتصرة وخيلاء بما قام به لأجل صديقه مشيرًا بإتجاه باب المندرة:
_ جوه يا أبو عمو.
تقدم "عنتر" يفتح الباب بهدوء وتوتر بالغ للاطمئنان على الطفل الصغير أولاً.
***
سحر.
امتعض وجهها ألمًا وهي تفتح عينيها وتحاول الاستفاقة بعد تلك الضربة القوية التي تلقتها فوق رأسها.
بدت لوهلة مشوشة للغاية لا تدرك أين هي أو ماذا تفعل، حتى تذكرت أن هناك اثنين ملثمين اختطفوها هي و"مؤمن"، لتفتح عينيها مذعورة من أن يكونا قد أخذا الطفل منها.
وعلى الرغم من أن وضعها مقيدة بهذا الشكل مع "مؤمن" ليس بأفضل حال، إلا أنها فور رؤيته معها همست براحة بداخلها: "الحمد لله".
أعادت رأسها مرة أخرى إلى الخلف تحاول الاستفاقة بشكل أفضل من ذلك الألم الملم برأسها، لتتمتم بألم، فصوتها مكتوم للغاية بسبب هذا الشريط اللاصق فوق فمها: "آه، جاك كسر إيدك يا بعيد".
بتلك اللحظة فُتح باب (المندرة) لتسلط عيناها على الباب ومن يدلف منه وهي تضيق من عينيها بنظرات غاضبة تحاول معرفة من هذا الدالف إلى الغرفة.
فتح "عنتر" باب (المندرة) ودلف إلى الداخل متخذًا خطوتين فقط قبل أن يفغر فاه بصدمة قوية وهو يطالع تلك المقيدة بالشريط اللاصق مع هذا الطفل الصغير وقد كمم فمها بقطعة أخرى منه، لكن ذلك لم يمنع رؤية غضبها وصراخها المكتوم تجاهه.
تهدج صدره فور رؤيتها بهذا الوضع ملقاة فوق الوسائد القطنية الأرضية وقد نمت نظراتها عن غضب غير محدود.
للحظات قليلة تيبست أطرافه ناظرًا نحوها، ثم تدارك نفسه على الفور ليتراجع إلى الخلف مرة أخرى وهو يغلق باب (المندرة) بسرعة ملتفتًا نحو "أبو المعاطي" متسائلاً بغضب:
_ إيه ده؟ مين اللي جوه دي؟
ابتلع "أبو المعاطي" ريقه بتوتر من غضب "عنتر" العاصف، والذي يبدو أنه غير مأمون العواقب، فالشرر أخذ يتطاير من عينيه بمجرد سؤاله.
_ دي... دي... دي أمه. جت معايا بالغلط. غصب عني يا أبو عمو.
اتسعت عينا "عنتر" بذهول مردفًا باستنكار غاضب:
_ غلط؟
_ أصل... ااا... أصلها فضلت ماسكة في الواد وما رضيتش تسيبه واصل. معرفتش أعمل إيه، جبتها معاه.
ضرب "عنتر" جبهته بقوة بكف يده مردفًا بتحسر:
_ يا وقعتك السودا يا "عنتر". رحت في داهية خلاص.
لم يكن هذا ما فكر به، لقد ظن أن الأمر أسهل من ذلك كما صوره له "أبو المعاطي"، سوف يأتي بالطفل ويطلب ماله من "عمر" ويعيده إليه بنفس اليوم دون معرفة من الذي قام بفعل ذلك، لكن "أبو المعاطي" وضعه بورطة لا خروج منها، فـ أمه جاءت معه وبالتأكيد ستتعرف عليه هو و"أبو المعاطي" وسيزج بالسجن حتمًا.
ليته سمع كلام والدته ولم يقدم على فعل مثل هذا.
ليته لم يسعى خلف هذا الميراث.
رواية الميراث الفصل السادس 6 - بقلم قوت القلوب
ظل يتحرك بصورة عشوائية وسط إنفعال جم من غباء صديقه "أبو المعاطى" ليقف لوهله ناظراً نحو رفيقه ليصيح به بغضب جعله يقفز من موضعه فزعاً.
"غور ... فكهم ... يا چلاب المصايب ... فكهم لحد ما نشوف حنعمل إيه ...؟!"
إنصاع "أبو المعاطى" لـ "عنتر" وقد أصابه توجس بعد إنفعال صديقه فربما معه حق وهم على وشك الوقوع بالمحظور.
دلف " أبو المعاطى" إلى داخل المندره ليحل وثاق "سحر" و "مؤمن".
مع أول خطوة له بداخل المندره إستطاعت "سحر" التعرف عليه، هو خاطفها الذى ضربها فوق رأسها. أخذت تنفعل وتصرخ لكن إنفعالها وصراخها لم يتعدى ذلك اللاصق القابع فوق فمها لتصدر همهمات غاضبه بصوت مسموع.
تلك الهمهمات التى جعلت "عنتر" يقف بباب المندره ليشاهد بضيق ما يحدث بالداخل.
إقترب " أبو المعاطى" من "سحر" محاولاً مد يده لنزع ذلك الشريط اللاصق من فوق فمها لكنها شعرت بالفزع من إقترابه منها لهذا الحد فربما يضربها مرة أخرى.
أخذت تتلوى وتتحرك مبعده وجهها عن "أبو المعاطى" بصورة لم تمكنه من نزع الشريط اللاصق إطلاقاً.
تحفز "عنتر" ليدنو منها محاولاً فك وثاقها بهدوء وسط إنفعالها الشديد.
وقف "أبو المعاطى" بتملل من تصرف تلك الخرقاء محاولاً السيطرة على أعصابه المنفلته جراء حركه تلك الفتاه المستمرة بصوره أرهقته كثيراً.
جثى "عنتر" فوق إحدى ركبتيه رافعاً الأخرى وهو يجلس إلى جوارها معدلاً طرف جلبابه الأبيض أولاً ليحاول التحدث بلطف وهدوء حتى تهدأ قليلاً.
"بالراحه بس ... أنا عايز أفك اللصق ده ..."
ثبتت "سحر" تناظر "عنتر" فى محاوله منها لتستشف بأى نوع هذا الشخص، وهل يشبه رفيقه الهمج أم لا.
إبتلع "عنتر" ريقه بتوتر لقربه الشديد منها فتلك أول مرة يقترب من إحداهن بتلك الصورة.
مد أصابعه لمحاوله نزع الشريط اللاصق من فوق فمها بتوتر خاصه وهو يرى عيناها السوداوتين تتطلعان به بتلك القوة.
لمست إحدى خصلات شعرها السوداء أصابعه لتشعره بسريان تيار كهربى بأصابعه فينتفض نازعاً الشريط دفعه واحده لتتأوه بصوتها المبحوح المميز وهى تلعنه صارخه.
"ااااه .... تنشك فى إيدك يا بعيد ... هو أنت كمان زيه .... ربنا ياخدكم ..."
رجع " عنتر" بجزعه إلى الخلف قليلاً وقد نهج صدره بتخوف لم يشعر به تجاه أقوى الرجال، لم شعر بهذا التخوف من تلك الفتاه.
إقترب مرة أخرى لنزع الشريط الذى يربطها بـ "مؤمن" ويقيد حركتها لتهتز يداه بإرتعاش خفيف، بينما حاولت "سحر" الثبات حتى ينزع ذلك الوثاق عنها.
أنتهى أخيراً من حل ذلك الوثاق لتتمسك أكثر وأكثر بـ "مؤمن" خوفاً من أن يأخذوه منها حين هتفت مهدده وهى تتراجع إلى الخلف مسنده ظهرها للحائط من خلفها.
"على الله حد فيكوا أنت ولا هو يقرب ناحيتى تانى ... والله ... إللى حيقرب مننا لأمسح بيه البلاط ... فاهمين ....؟!"
ثم نظرت تجاه " أبو المعاطى" بغيظ شديد متذكره حقيبتها المعلقه بكتفها بصورة مائله.
"وأنت يا ***** أنا حتصل دلوقتى بالبوليس وأبلغ عنكم وأوديكم فى ستين داهيه ... ده أنا قريبى ظابط وحيجيبكم ويوديكم ورا الشمس ..."
نهضت من جلستها بإنفعال شديد ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها الصغيرة للإتصال بـ "علام" فعلى الرغم من رفضها له إلا أنه مازال ضابط شرطه ويستطيع مساعدتها بل ويتمنى ذلك ولن يتركها بيد هؤلاء الأوغاد.
أفاق "عنتر" من شروده بتلك الفتاه الخارقه التى يراها أمامه، فهى شخصيه مختلفه تماماً عن السيدات والفتيات اللاتى مروا به، فكل من يعرفهم مستكينات للغايه يحاربن المشاكل بالبكاء والنواح، لكن تلك الصارخه المتمرده شئ آخر.
أسرع واقفاً بعد غفلةٍ أخذته لها تلك السمراء الحسناء ليسحب الهاتف من يدها قبل أن تتصل بأحدهم وتوقعه بشر أفعاله.
إستدارت نحوه بغضب وهى تحمل "مؤمن" بوضع جانبى على خصرها لتحيط ساقيه وذراعيه الصغيرتين بها.
أخذت تصارخ بوجه "عنتر" يكاد يجزم بأن كل نقطه بها تصرخ معها بإنفعال حتى شعرها الناعم الثائر بقوة مع حركتها الإنفعالية.
"إنت بتعمل إيه ... ؟!! إنت إتجننت ... هات الموبايل بتاعى .... بقولك هات موبايلى .... يا مجرم ...."
حاولت التقدم نحو "عنتر" للتحصل على هاتفها مرة أخرى لكنه رفع ذراعه للأعلى فبرز طوله الفارق عنها على الرغم من طولها إلا أنها تبدو أقصر منه ولا تستطيع الوصول لهاتفها.
لحظات غاب بها "عنتر" عن الواقع بقرب تلك المتمرده التى فرضت سطوتها عليه رغم أنها من المفترض بأنها بوضع ضعيف مغلوب على أمرها مخطوفه بمكان غريب وسط أشخاص مجرمين لا تعرفهم ولم ترهم من قبل.
أفاق من غفلته بصوت "أبو المعاطى" الخشن وهو يعنفها بقوة.
"ما تلمى نفسك يا بت ... ده إحنا نتاويكى إهنه (هنا) ....."
إلتف "عنتر" تجاه "أبو المعاطى" متصدراً بوقفته أمامه يمنعه من التقدم تجاهها ليعنفه هو الآخر بقوة.
"مالكش صالح ... إطلع بره دلوقيت ..."
رمق " أبو المعاطى" "سحر" بإشمئزاز قبل أن ينظر لصاحبه مردفاً بإنصياع لطلبه.
"ماشى يا أبو عمو ... مستنيك بره ..."
خرج "أبو المعاطى" مكرهاً إلى خارج المندره حين إستدار "عنتر" تجاهها قائلاً بهدوء.
"إعتبرى نفسك ضيفه ... لحد ما أتصرف ... مفيش داعى لأى حركات ملهاش لازمه ... وأنا أكيد حرچع لك تانى ..."
تطلعت به "سحر" دون فهم حقيقه هذا الرجل.
أهو خاطف مجرم مثل صديقه أم أنه متورط معه أم هو شئ آخر، لتصمت بترقب لما سيحدث فما يهمها الآن أن "مؤمن" معها وبخير.
خرج "عنتر" يلحق بـ " أبو المعاطى" ليجدا حل لتلك المعضله قبل أن تأتى أرجلهم بعقاب كانوا بغنى عنه.
***
نسمه وعمر ...
قضائهم لهذا الوقت بمفردهم أعاد إليهم تلك الذكريات الرائعه ببدايه علاقتهما، لقد كانا يستحقا تلك السكينه بعد لحظات حزينه و متوتره للغايه.
شعرت "نسمه" بالإمتنان لـ "سحر" لخلق لهما هذا الوقت بأخذ "مؤمن" بجوله تسوقيه سنحت لهما الفرصه بالإستمتاع قليلاً.
عادا إلى البيت براحه وقد توقعا عوده "سحر" و "مؤمن" منذ زمن بعيد فقد حل المساء منذ قليل ولابد أنهما بالمنزل.
دلت "نسمه" تبحث عن "سحر" و"مؤمن" بتلهف لرؤيه صغيرها بعد غياب يوم كاملاً عنه.
لم تستمع لصوته الصغير الحاد بأى من أرجاء البيت لتتسائل بإستراب وهى تتطلع نحو "عمر".
"غريبه أوى ... هم فين ...؟!!! مش باين لهم حس ...!!!!"
تحرك عمر تجاه درجات السلم قائلاً.
"يمكن فوق فى أوضه "سحر" ولا حاجه ... تعالى نشوفهم ..."
تحركت "نسمه" تابعه لـ "عمر" يصعدان السلم بإتجاه الغرفه التى مكثت بها "سحر" ليله الأمس.
طرقت " نسمه" برفق باب الغرفه تنتظر إجابه "سحر" عليها والسماح لها بالدخول.
"سحر .... "سحر" .... أنتى هنا ....؟؟؟!"
لم تجد مجيباً على ندائها لتضطر بفتح باب الغرفه، والتى ما أن رأت أنوارها مظلمه توجس الخوف بقلبها الذى قُبض فجأه حينما أدركت عدم وجودهما.
إلتفتت بأعين متسعه و وجه شاحب تجاه عمر قائله.
"دول مش هنا يا "عمر" ...!!!!"
تعجب "عمر" فليس من عاده "سحر" التأخر، فهى عمليه للغايه محدده دوماً لأهدافها، كانت تتجه للتسوق وشراء بعض الهدايا لـ "مؤمن" وستعود به على الفور مثلما كانت تفعل من قبل.
"غريبه أوى ... مش عادتها تتأخر فى مشوار زى ده ...؟!!"
نهج صدر "نسمه" بتخوف وهى تنتظر كلمه مطمئنه من عمر.
"تفتكر إتأخروا ليه ...؟؟؟"
نظر "عمر" تجاه "نسمه" القلقه محاولاً طمئنتها قليلاً فحالتها النفسيه لن تتحمل مثل هذا القلق إطلاقاً.
"أبداً ... تلاقى الوقت سرقهم ... تعالى ننزل نستناهم تحت ونبقى نتصل بـ "سحر" نشوفهم فين ..."
أومأت "نسمه" رأسها عده مرات موافقه على هذا الإقتراح فما الذى سيقلقها الآن فبالتأكيد سرقهم الوقت بالتبضع قليلاً.
***
سحر ...
وضعت "سحر" "مؤمن" فوق ساقيها بعد جلوسها فوق تلك الوسائد القطنيه وهى تهز جسدها بتوتر تحاول البحث عن فكرة تستطيع بها الهرب من هذا المكان الغريب، فهى مازالت حتى الآن لا تدرك لمَ فعل هؤلاء المجرمون ذلك بهم.
لم حاولوا إختطاف "مؤمن" ، أهم عصابه خاطفه ما ...؟؟؟ أم أنهم ينتقمون بسبب شئ آخر ... أم أنها مجرد الصدفه التى وضعتهم بمكان وزمان خاطئ ...؟!!
فُتح الباب لتتجه "سحر" بأنظارها تجاه الدالف نحوها.
شخص ثالث غريب أيضاً غير هذان اللذان كانا هنا من قبل.
تقدم نحوهم ليضع صينيه صغيرة بها طعام خفيف لهما قائلاً بإرتباك.
"الوكل ..."
إستدار للخروج مباشرة بتخوف لتدرك "سحر" ضعف شخصيه هذا الشخص الذى يمكن البدء به كمحاوله منها للهروب من هذا المكان فلابد أن هذا هو الشخص الذى كان إلى جوارها بالسياره فيبدو عليه نفس الإضطراب والقلق.
خرج "هريدى" من المندره مسرعاً بعد وضعه بعض الطعام لهما فقد حل المساء دون أن يتناولا شيئاً وقد رق قلبه لهما فلا ذنب لهما فيما فعله بهما أخيه "أبو المعاطى".
***
دنيا ....
مشطت شعرها مرة أخرى وهى تلملمه بعنايه بعدما غسلته جيداً فيبدو أن اليوم كان إجازة لبشرتها وشعرها وكان ذلك كفيلاً بإخراجها من تلك الحاله السيئه بعد ما حدث بينها وبين "وائل" بالأمس.
خرجت إلى الصاله لتجلس مع والديها لمشاهده أحد الأفلام بجو عائلى حميم هادئ للغايه لتشعر كم هى محظوظه بوجودهم بحياتها.
***
عنتر ....
لم يستطع أن يعود إلى داره ومواجهه والدته فهو يعلم حقاً أنها كانت أعلى منه درايه بهذا الأمر على الرغم من بساطه تفكيرها، فقد حذرته من الإنسياق خلف ميراث جده لـ دار سليمان.
هل كانت تعلم أنه سيخفق بهذا الأمر وتنكشف حيلته ...؟!!
لكنه بورطه حقيقيه الآن فقد إستطاعت زوجه "عمر" تلك رؤيه وجوههم ومعرفه هويتهم ويمكن أن تتعرف عليهم بسهوله.
كان عليه التفكير بحكمه للخروج من تلك المصيبه التى وقعت برؤوسهم بسبب سوء تصرف "أبو المعاطى".
توقف بمحازاه الجسر الصغير الذى يربط بين ضفتى تلك القناه الضئيله (الترعه) بصحبه "أبو المعاطى" محاولاً التفكير بصوت مسموع فربما يجد حلاً.
"نعمل إيه دلوقت ... دى عرفت شكلنا وممكن تبلغ عننا لو سبناها ... ساعتها حنروح كلنا فى شربه ميه ... شور عليا ... نعمل إيه يا "أبو المعاطى" ...؟!!"
حك "أبو المعاطى" رقبته من الخلف ببلاهه وإرتمت ملامح الغباء على وجهه مردفاً بقله فهم.
"مش عارف ... نقتلهم وخلاص ...!!!!"
إتسعت عينا "عنتر" بهلع شديد من تفكير "أبو المعاطى" الأسود فهو يترك لشروره وشياطين نفسه العنان بأريحيه تفوق التخيل ليهتف به "عنتر" محذراً بخوف من رده فعله الغبيه.
"أنت بتقول إيه ....؟!! نقتل مين ...؟!! هو بالساهل القتل عِندك إكده ... دى روح يا أخى ... إتقى الله ..."
"ما أنا مش عارف .... شوف حتعمل إنت إيه ...."
تفكر "عنتر" قليلاً ليتذكر هاتفها الذى أخذه منها فأخرجه على الفور مغلقاً إياه حتى لا يتصل أحد بهذا الرقم ريثما يتوصل لحل يخرجه من تلك الورطه.
***
عمر و نسمه ....
أمسكت نسمه بهاتفها بمحاوله أخرى للإتصال بـ "سحر " لكنه مغلق.
بدأ القلق يتزايد بقلبها مع إغلاق "سحر" لهاتفها ليبدأ صوتها بالتهدج وأوشكت على البكاء خوفاً على صغيرها وصديقتها.
"برضه مقفول يا "عمر" ... أنا قلبى مش مطمن .... لازم نعمل حاجه ... أنا خايفه عليهم أوى ... دى أول مره "سحر" تقفل التليفون كدة ....!!!!!"
حاول "عمر" إخفاء قلقه البادى عليه هو أيضاً حتى لا يزيد من إضطرابها لينكس رأسه بتفكير وهو يضرب كفيه بعضهما ببعض بتوتر ليتسائل فربما يكون لها سبب ما بإغلاق هاتفها.
"يمكن .. ااا ... فصل شحن مثلاً ... أو يمكن ... مش عايزة حد يتصل بيها عشان مشكلتها مع إبن عمتها ده ..."
تذكرت "نسمه" إتصال "علام" بـ "سحر" بالأمس لتهدأ أفكارها بهذا الحل قائله بشرود.
"يمكن مش عايزة "علام" ده يكلمها تانى ... هى قالت له كدة إمبارح ... يمكن رن عليها وهى مش عايزة ترد فقفلت التليفون ..."
حاولا إقناع نفسيهما أن هذا ربما يكون سبباً مناسباً لإغلاقها لهاتفها وربما تكون قَرُبَت على الوصول إلى البيت فما عليهم الآن سوى الإنتظار قليلاً.
***
عنتر ...
بعدما أفاض به حديثه مع "أبو المعاطى" بأفكاره السوداويه وشره الذى لم يكن يتخيل أن بداخله كل هذا الشر والحقد، تركه "عنتر" عائداً إلى داره مع تحذيره بقوة ألا يمسهم بسوء حتى يحل الصباح ويصلون لحل ما.
عاد "عنتر" إلى داره ليجد والدته بإنتظاره.
"تأخرت قوى يا وليدى ... فينك ... يلا تعال الوكل برد ..."
"ااا .... مش چعان يامه ... أنا بس عايز أنام ... تصبحى على خير ..."
أسرع "عنتر" بالإبتعاد عن والدته حتى لا تكشف أمره وخطأه فهو على قوته إلا أنه ككتاب مفتوح أمامها.
دلف إلى حجرته مغلقاً الباب من خلفه قبل أن يلقى بجسده فوق الفراش وهو يزفر بعمق هامساً.
"وقعت روحك بمصيبه يا "عنتر" أخرچ منها كيف بس ..."
أخرج هاتفها من جيب جلبابه مرة أخرى ليعتدل بجلسته وهو يقلب به، ثم أخرج الشريحه الخاصه بها حتى لا يتبعها أحد كما رأى بأحد المسلسلات التلفزيونية من قبل.
فتح الهاتف يقلب بمحتواه ليجد صورتها موضوعه به كخلفيه للهاتف، إبتسم لتذكره وقفتها وصراخها وتهديدها لهم ليتذكر أنها زوجه وأم لطفل صغير فأغلق الهاتف بضيق من نفسه وما يفعله فهو ليس بتلك الأخلاق أبداً.
***
البيت الكبير ...
بصدر ناهج وقلق لا يوصف نظرت "نسمه" تجاه ساعه يدها بتوتر لتردف محاوله التغلب على تلك النبره الباكيه التى تملكت منها فهى تجاهد حقاً ألا تنهار.
"الساعه بقت عشرة يا "عمر" ولسه "سحر" و"مؤمن" مرجعوش ...!!!! حنعمل إيه ...؟؟!!!!"
لم يكن القلق من نصيبها وحدها بل توجس الخوف بقلب "عمر" لهذا التأخير الغير مبرر إطلاقاً، لكنه كان يتحامل على نفسه ألا يظهر هذا القلق لأجلها فقط.
"مش عارف .... !!! إحنا نحاول تانى نرن عليها ... ولو إتأخرت أكتر من كدة لازم نلاقى حل ..."
بوجه متجهم وإنسياق تام لرأى "عمر" أومأت "نسمه" رأسها عده مرات موافقه بصمت لتمد يدها تجاه هاتفها لتعيد الإتصال بـ "سحر" فربما تجيبها وتطمئن قلبها.
وضعت "نسمه" الهاتف فوق أُذنها بإنصات تام لتجد هاتفها مازال مغلقاً لتنهار قوى تماسكها وهى تهتف بغير إحتمال.
"مبتردش برضه يا "عمر" ..."
ثم نهضت من فوق مقعدها بإنفعال باكيه.
"أنا مش قادرة أستحمل أكتر من كدة ... يلا نروح ندور عليهم ... قلبى مقبوض ... مش مطمنه خالص ..."
كان إنفعالها هو القشه ليبدأ "عمر" بإظهار قلقه هو أيضاً ليجيبها بالموافقه.
"إحنا لازم نروح نبلغ فى القسم ..."
إستحسنت "نسمه" هذا الرأى للغايه لتحثه على التحرك فوراً.
"أيوة ... أيوة ... لازم نبلغ ... وهم حيعرفوا يجيبوا إبنى و"سحر" ..."
"إطمنى حبيبى ... يلا بينا ... إن شاء الله حنلاقيهم ..."
خرجا من البيت متجهين لقسم الشرطه مباشرة.
***
قسم الشرطه ...
إستقبل ضابط الشرطه "عمر" و" نسمه" بحفاوه بالغه فعائله "سليمان" معروفه للغايه بالبلده ليطلب منهما الجلوس وإخباره بمشكلتهم على الفور.
إمتعض وجه الضابط قليلاً وهو يشعر ببعض الحرج قبل أن يخبرهم.
"والله يا أستاذ "عمر" كان نفسى أساعدكم بس البلاغات إللى من النوع ده لازم عشان نتحرك يكون عدى على إختفائهم اربعه وعشرين ساعه ... أنا آسف والله ..."
حركت "نسمه" وجهها برفض بصورة عشوائيه وقد تساقطت دموعها بتخوف شديد.
"يعنى إيه أربعه وعشرين ساعه ...!!!!!"
"يعنى إبنى يروح منى كدة ومقدرش أعمل حاجه ...؟!!"
بإنفعال أب ملكوم بفقدان إبنه أشار "عمر" لـ "نسمه" بالإنتظار ثم وجه حديثه للضابط بإنزعاج.
"إستنى يا "نسمه" .... يعنى إيه يا حضره الضابط ... أستنى وأتفرج على إبنى وهو بيضيع منى ....؟!!!"
حاول الضابط إيضاح الأمر لهما وإفهامهما أن هذا هو القانون.
"والله يا أستاذ "عمر" ده القانون ... خصوصاً إنه معاه راشد ... يعنى ممكن تكون الأنسه "سحر" بتتمشى شويه ... أو ... يكونوا بيتفسحوا مثلاً ... فلازم يعدى على غيابهم أربعه وعشرين ساعه عشان أقدر أبلغ عن إختفائهم فى محضر رسمى ... فهمتنى ...؟!!!"
كتم "عمر" غيظه من هذا القانون العقيم ليمسك بكف "نسمه" التى تطالعه بتشتت منتظره أن يوجد لها حلاً يطمئن قلبها.
"يلا يا "نسمه" ملوش لزوم القعاد هنا ... شكراً يا فندم ..."
أمسكت "نسمه" المذهوله من تركهم دون مساعدتهم بهذا الشكل بيد "عمر" الممدوده نحوها لتسير برفقته بآليه شديده إلى خارج قسم الشرطه.
ويبقى للأحداث بقيه ،،،
إنتهى الفصل السادس ،،،
رواية الميراث الفصل السابع 7 - بقلم قوت القلوب
سحر...
ضمت "مؤمن" جيداً بداخل أحضانها،
ربما لتطمئنه،
وربما تستمد منه القوة،
فهي بالنهاية ضعيفة أمام هؤلاء المجرمين،
لكن عليها التحلي بالقوة كما كانت دائماً...
دارت بعينيها بأرجاء تلك الغرفة الصغيرة المسماة بـ(المندرة)،
فهي غرفة بسيطة للغاية،
لا تحتوي سوى على بساط هزيل،
ومقاعد مستطيلة من القطن،
وبعض الوسائد القطنية أيضاً كالمساند...
يبدو أن صاحب تلك (المندرة) فقير أو ذو مستوى اجتماعي متدني،
فتلك الحوائط الرطبة ذات الدهان الأخضر المتساقط توخي بذلك...
رفعت رأسها تجاه ذلك المصباح الوحيد بالغرفة وهي تتنهد بضيق،
فعليها التفكر بشكل ما لإخراج نفسها من تلك الأزمة...
نظرت تجاه "مؤمن" الغارق بالنوم بعد بكاء حار وسؤال مستميت عن والدته بإشفاق عليه وعلى أمه التي لابد وأنها بحالة لا يرثى لها الآن...
لتمتم "سحر" بتأنيب...
"لولا إصراري ننزل النهارده كان زمانه في حضن (نسمه)... أنا اللي غلطانة... بس أنا كنت أعرف منين... زمانها حتجنن على ابنها... وهي يا حبيبتي مش ناقصة تعب أعصاب بعد وفاة جدها..."
____________________________________
البيت الكبير...
قاد "عمر" السيارة عائداً للبيت الكبير،
بصمت تام ووجه متجهم للغاية،
أخذ يتفكر محاولاً إيجاد حل أو على الأقل الوصول لفكرة يريح بها عقله الثائر وقلبه المنقبض خوفاً على ولده...
لكنه بنفس الوقت مشفقاً على تلك الرقيقة التي أوشكت على التحطم لغياب صغيرها عنها...
تحلى بالصمت التام وهو يسترق النظر بين الحين والآخر تجاه "نسمه" التي شردت بطريقهم للبيت،
تتطلع بزجاج النافذة بصمت واهٍ...
تقلبت نظرات "نسمه" أثناء عودتهم بطريقهم،
فربما تلحظ وجودهم بمكان ما...
كل لحظة تمر ينقبض قلبها أكثر وأكثر،
وتساء الظنون بها،
وتترائى لها تخيلات مؤلمة عن غيابهم حتى الآن...
توقف "عمر" بسيارته أمام البيت لتترجل "نسمه" بتعجل إلى الداخل هاتفة بصوت مهتز...
_ "سعيدة"... يا "سعيدة"...
تقدمت تجاهها "سعيدة" التي تعمل معها بالبيت...
_ أيوه يا ست "نسمه"...
سألتها "نسمه" بنبرة تحمل الترجي بأخبارها ما يطمئن قلبها...
_ "سحر" و"مؤمن" رجعوا...؟!!
بنبرة حزينة منكسرة تحمل إشفاقاً كبيراً على حال "نسمه" الشابة...
_ لسه يا ستي.. بإذن الله يرجعوا بالسلامة وما يصيبهم شر أبداً...
نكست "نسمه" رأسها بخيبة أمل وهي تتمتم بخفوت...
_ يا رب.... يا رب...
أشار "عمر" تجاه "سعيدة" بالإنصراف لتعود من حيث جاءت تلبية لطلبه،
ليدنو من "نسمه" التي توليه ظهرها ممسكاً بذراعها لتلتفت نحوه...
استدارت "نسمه" وقد احتقن وجهها للغاية،
وقد قام القلق وسوء الظن بشحن نفسها،
ولم تعد تحتمل هذا الضغط مطلقاً...
لم ينطق "عمر" بكلمة واحدة،
فبعض الأوقات لا يتحمل المرء كلمات المواساة،
بل يتطلب ما هو مطمئن للقلب أكثر من مجرد عبارات...
جذبها من مرفقها تجاهه لترتمي بانهايار فوق صدره،
تاركة العنان لدموعها بالانهمار قائلة بصوت منتحب...
_ أنا خايفة على "مؤمن" أوي يا "عمر"... أنا مش عارفة أعمل إيه...؟؟؟
أحاطها بذراعيه وهو يملس على شعرها بحنو يبث بها وبنفسه بعض الأمل والطمأنينة...
_ بإذن الله خير... وحنتطمن عليهم وميكونش حصل حاجة إن شاء الله... إهدي بس حبيبي وإن شاء الله حيرجعوا...
علوا صوت شهقاتها التي تحاول إيقافها لكنها لا تستطيع،
فقد تركت العنان لنفسها القلقة،
ربما تطمئن بقربها من "عمر" كما اعتادت أن تفعل،
فهو بوابتها عبورها لبر الأمان...
___________________________________
في صباح اليوم التالي...
البيت الكبير...
بقي "عمر" و"نسمه" في انتظار عودة "سحر" و"مؤمن" بالبهو الداخلي للبيت،
ولم يغمض لهما جفن،
وكيف يستطيعان النوم وبقلبهما هذا القلق القاتل...
__________________________________
سحر...
استيقظت "سحر" وهي تشعر بتشنج رهيب برقبتها أثر نومتها جالسة،
فقد غفت رغماً عنها أثناء جلوسها تتفكر بكيفية الخلاص من حبسهما هنا...
نظرت تجاه "مؤمن" الحزين وهو يقلب شفتيه الصغيرتين بطفولية حزينة لتعتدل متسائلة...
_ مالك يا صغنن... زعلان ليه...؟؟؟
_ عاوز ماما...
مدت "سحر" كفيها تحثه على التقرب منها ليدنو "مؤمن" منها قليلاً،
فتحمله فوق ساقيها قائلة...
_ وعد... حنروح البيت على طول ونشوف ماما... ماشي...
_ ماشي...
سمعت "سحر" خطوات خارج باب (المندرة)،
تلاها صوت فتح للباب لتعلق عيناها بانتباه تجاه الداخل نحوهما...
ظهر أمامها نفس الشخص الضعيف الذي وضع لهما الطعام بالأمس،
لتنتهز "سحر" تلك الفرصة التي لا تعوض للهرب أو على الأقل لإدراك ما يحدث معهما وسبب إحضارهما إلى هذا المكان...
تقدم "هريدي" بصينية أخرى موضوع عليها بعض الطعام،
محاولاً ألا يخرق ما اتفق عليه مع "أبو المعاطي" من تحليه بالصمت التام...
وضع الصينية أرضاً وهو يعلق بنفس الكلمة التي قالها بالأمس...
_ الوكل...
عدلت "سحر" من ملامح وجهها المترقبة لأخرى مستكينة للغاية،
تحاول إثارة شفقته ولين قلبه...
_ لو سمحت... أرجوك... طلعنا من هنا... إنتوا عايزين مننا إيه...؟!!
نبرتها الهادئة وترجيها المستكين قاما بما أرادته حقاً،
ليضطرب "هريدي" على الفور وهو يرى ضعفها وقله حيلتها بتلك الصورة،
مشفقاً عليها وعلى ولدها...
لكن الأمر ليس بيده وحده،
و"أبو المعاطي" سيؤذيه حتماً لو قام بفعل ما من خلف ظهره...
ابتلع "هريدي" ريقه بضيق،
فليس بيده حيلة،
مردفاً بضعف وتخوف...
_ والله ما بيدي يا بت الناس... لو أقدر كنت عملتها... بس أنا كده راح أتأذي...
زمت "سحر" شفتها لفشل مخططها،
فيبدو أن هذا الرجل ما هو إلا منفذ لأمر هذا البغيض...
تنهدت بتفكر سريع،
فربما على الأقل تستطيع معرفة من أراد اختطافهم ولماذا...؟؟!
_ طيب ليه عملت فينا كده... إحنا عملنالك إيه بس...؟!!! ... كده برضه... الولد تعبان وزهقان...
تطلع "هريدي" بنظرات حائرة بين "مؤمن" و"سحر"،
ثم هتف مجيباً بذكاء محدود...
_ والله ما أنا... منه لله "أبو المعاطي" هو اللي فهمنا إنه كده حيجيب لنا فلوس الورث... والواد يرجع تاني صاغ سليم.. أتاريhe بياخد بتاعه من أبو الواد عشان مرضيش يسلفه فلوس....
بدون أي مجهود يذكر استطاعت "سحر" فهم ما يحدث حقاً،
وأن هذا المدعو "أبو المعاطي" قد خدع أصدقاءه للانتقام من "عمر"،
لكنها لم تدرك تماماً قصة الميراث تلك التي يتحدث عنها،
لتبدأ باستدراجه لسرد كل شيء وبالتفصيل الممل كما يقولون...
____________________________________
عنتر...
إحساس غريب زلزل كيانه منذ الأمس،
فقد وقع ببئر من الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير،
وأنه فعل جرم ما،
أليس من المفترض أن يكون راضياً بل سعيداً بتلك الخطوة التي ستعيد إليه حقه المنهوب،
لِمَ يشعر وكأنه جاني...
ربما يشفق على حال الولد وأمه،
لكن ذلك لا يمنع أن "عمر" وجده سلبوهم حقهم ولهم نصيب بالميراث،
ربما هو كذلك مجرد إحساس بالشفقة،
لكنه لن يؤذيهم أو يترك الفرصة لأن يؤذهم أحدهم...
وقف أمام مرآة غرفته الصغيرة بعدما ارتدى جلبابه الأسود قبل خروجه من غرفته،
وهو يومئ لنفسه بأن هذا بالفعل ما يشعر به وأنه يسعى لإقتناص حقه ليس إلا...
وضع طاقية خفيفة فوق شعره البني،
ثم أعدل وضعها بكفيه،
ومازال ذهنه شارداً بأفكاره عما فعله...
خرج على عجلة من الدار قبل أن تعود والدته من غرفة (الفرن)،
فهذا موعد صنعها للخبز كصباح كل يوم...
وقف "أبو المعاطي" في انتظار "عنتر" بالقرب من طريق القناة (الترعة) بالمكان الذي يتقابلان به دوماً،
أخرج "أبو المعاطي" إحدى السيجارة من علبة سجائره،
ثم أشعلها نافثاً دخانها مطولاً وهو يتابع ذلك الدخان بعينيه كتمضية للوقت،
حين لاحظ قدوم "عنتر" تجاهه...
_ "أبو عمووووو"... صباح الخير...
_ صباح الخير يا "أبو المعاطي"... إيه الأخبار...؟؟؟
_ كله تمام وميه ميه.... أنا سايب الواد "هريدي" حيدخل لهم الوكل...
مسح "عنتر" وجهه بكفه بتوتر حين تذكر ثورة تلك "المتمردة" بالأمس،
كيف كانت قوية وهي في محل ضعف،
وكيف هو القوي الذي يشعر بالضعف...
_ مش عارف يا "أبو المعاطي" حاسس أننا غلطنا... أنا بقول نرجعهم وخلاص...
اتسعت عينا "أبو المعاطي" بتفاجؤ تام ليلقي سيجارته أرضاً بانفعال صارخاً بـ"عنتر" ينهره عما يفكر به...
_ نرجع مين يا "أبو عمو"... دي هي دي الفرصة اللي حنجيب بيها حقك وورثك... إعقل أمال يا "أبو عمو"....
زفر "عنتر" بقوة،
فمازال يشعر بعدم ارتياح لما حدث،
لكن "أبو المعاطي" لم يمهله فرصة للتروي و اقترح عليه مسرعاً...
_ يلا... اتصل بـ"عمر" ده وقوله إن الواد معانا... يلا عوامك... متضيعش الوقت...
تطلع "عنتر" بوجه "أبو المعاطي" المتحفز لبعض الوقت قبل أن يستسلم لفكرة إنهاء تلك الورطة بهذا الاتصال،
فربما ينتهي كل شيء على ما يرام ويتحصل على ماله ويعيد له ولده وزوجته...
أخرج "أبو المعاطي" هاتفه بعدما وضع به شريحة جديدة،
وأخذ يلوح به بوجه "عنتر" مستكملاً إلحاحه...
_ خد... يلا... كلمه... زمانه قلقان... يلا..
أمسك "عنتر" بهاتف "أبو المعاطي" ليتصل بـ"عمر"،
فربما يشعر بالراحة بعد هذا الاتصال،
ضغط على رقم "عمر" الوحيد المسجل بهذا الخط وشغل السماعة الخارجية ليستمع "أبو المعاطي" معه إلى المكالمة...
____________________________________
البيت الكبير...
أسندت "نسمه" رأسها بكتف "عمر" بسكون وإعياء بسبب قلة النوم وقلقها المتزايد على ولدها الصغير في انتظار أي خبر من "سحر"...
دق هاتف "عمر" لتنتفض "نسمه" بترقب وهي تبدل نظرها بين الهاتف و"عمر"...
_ مين... مين يا "عمر"...؟!! "سحر"...؟؟
نظر "عمر" لهاتفه باضطراب...
_ لأ... ده رقم غريب...
حثته "نسمه" على الإجابة بسرعة...
_ طب رد... رد... يمكن هي بتطمنا من رقم غريب...
أجاب "عمر" برهبة شديدة خاصة وأن "نسمه" تراقب انفعالاته وحديثه بانتباه شديد...
_ ألو...
أجابه "عنتر" الذي شعر برجفة تسري به متأكداً بإحساس قيامه بجرم شديد...
_ "عمر" معاي....
_ أيوه أنا "عمر"... مين معايا...؟!!
_ مش مهم أنا مين... ولدك عندي...
انتفض "عمر" هاتفاً ببعض الراحة أخيراً، فربما وجده هذا الرجل، لكنه أكمل بتوجس...
_ "مؤمن"... هو فين...؟!!
اعتدلت "نسمه" بشبح ابتسامة أخيراً لمعرفة مكان ولدها...
ابتلع "عنتر" ريقه الجاف ليكمل بنبرة متعمدة أن تظهر جفافها حتى يتخوف "عمر" على ولده وزوجته...
_ ابنك عندي لحد ما ترجع الحق... وتجيب الفلوس اللي عليك...
اضطربت تنفس "عمر" ونهج صدره بشدة فقد خُطف "مؤمن"...
_ فلوس إيه وحق إيه !!!!!... أنا عاوز ابني حالاً...
_ تجيب الفلوس.. تاخد ولدك... وإنت حر...
شعر "عمر" بنبرة تهديد بصوت هذا الخاطف ليقف من مجلسه منفعلاً مقرراً تهديد هذا المنحط وإظهار قوته له وأنه لن يضعف أمام بعض الخارجين عن القانون وبالتأكيد الشرطة ستأتي بهم فوراً...
_ عارف لو مسيت شعرة من ابني هعمل فيك إيه....؟؟؟؟... أنا خلاص بلغت الشرطة... وهم هيجيبوك... هيجيبوك... ده إنت متصور في كاميرات المراقبة... رجع ابني أحسن لك... وإلا هتتأذى بجد... فاهم...؟!!
ارتبك "عنتر" فور سماعه تهديد "عمر" له خاصة وأنه أخبره أنه أبلغ الشرطة وبالطبع سيصلون إليهم ويقبضون عليهم...
أغلق "عنتر" المكالمة بتخوف وهو يخرج شريحة الهاتف حتى لا يستطيع الوصول إليهم لينظر بنظرات مرعوبة تجاه "أبو المعاطي" الذي شحب وجهه على الفور حتى كاد يفقد الوعي من شدة ارتعابه...
بصوت متحشرج أردف "عنتر" بشرود وتخوف...
_ "عمر" بلغ البوليس... رحنا في داهية....!!!!!
التقط "أبو المعاطي" هاتفه بسرعة من يد "عنتر" المذهول وبدون أن ينبس ببنت شفه انطلق راكضاً هارباً من أمام "عنتر" تاركاً إياه يتحمل تبعات تلك المصيبة وحده....
ليزداد ذهول "عنتر" بهروب أبو المعاطي بنذاله فيبدو أنه ضيع نفسه بنفسه....
عمر...
قطع الإتصال حين أغلق الخط لينظر "عمر" تجاه شاشة الهاتف ليتأكد من إنتهاء المكالمة بغضب شديد...
انتبه لـ"نسمه" التي كانت تقف بذهول إلى جواره تنتظر إخبارها بما حدث وأين هو "مؤمن" تتأمل بأن يكون ما فهمته الآن خاطئاً وأنه لم يُخْتَفْ وسيعود إلى أحضانها سريعاً...
_ فين "مؤمن" يا "عمر"...؟!!!
رفع "عمر" نظراته القلقة نحوها، هو يخشى بالفعل أن يصيبها شيئاً من هول الخبر فـ"نسمه" لن تتحمل الخبر إطلاقاً، لن تتقبله بسهولة...
للحظات لم يعد يدرك ما عليه فعله الآن لإمتصاص صدمتها وفجعتها حتى لا تنهار مرة أخرى فقد أصبحت كقشة ضعيفة بمهب الرياح ولن تتحمل إطلاقاً...
حاول التماسك بصمت لكنها استطاعت فهم ما قرأته من ملامح وجهه، لقد خطف "مؤمن" حقاً، كل ما به يؤكد ذلك...
تهدج صدرها بقوة وزاغت عيناها بكل الاتجاهات بغير تصديق، شعرت ببرودة أطرافها وانسحاب الروح منها وهي تهتف بصراخ هستيري...
_ لاااااااااااااااااااااااااااا... ابني... لااااااااااااااااااااا... لاااااااااااااااااااااا
جذبها "عمر" لصدره بقوة لتهدئتها وهو يضم شفتيه بقوة حتى لا يزيد معاناتها باحتراق قلبه تجاهها من صوب وتجاه ولدهم الذي وقع بأيدي هؤلاء المجرمين من صوب آخر...
أخذ يضرب بكفه بقوة فوق ساقه مفْرِغاً بتلك الضربات بعض الشحنات الغاضبة بداخله والتي لا يستطيع كبتها أكثر من ذلك بينما حاوط نسمة بذراعه الأيسر لكبح صراخها القوي...
خرج العاملون بالبيت أثر صراخ "نسمه" وانهيارها الذي ذكرهم بيوم وفاة الحاج "صالح" بل يكاد يكون هذا الصراخ أشد وأعظم...
بعد دقائق مضت كدهور نطق "عمر" بنبرة مختنقة...
_ اهدي شوية حبيبي.. أنا لازم أرجع للقسم وأبلغ باللي حصل... ومش هقدر أسيبك كده... اهدي عشان "مؤمن" يرجع...
رفعت وجهها المحتقن لانتظارها القوي تتوسل "عمر"....
_ هاته يا "عمر"... بالله عليك رجعهولي يا "عمر"... أنا خلاص فهمت... أنا فهمت... رجعولي ابني... والنبي حبيبك يا رب... رجعلي ابني يا رب... ياااااا رب...
أشار "عمر" بوجه متألم للغاية تجاه "سعيدة" قائلاً...
_ خدي يا "سعيدة" ست "نسمه" لأوضتها فوق ترتاح شوية..
أقبلت "سعيدة" تسند "نسمه" للصعود لغرفتها حين عادت "نسمه" مرة أخرى تمسك بقميص "عمر" بقوة...
_ هاته يا "عمر" أنا ممكن أموت لو "مؤمن" جرى له حاجة... أوعى متجيبهوش... أوعى...
_ حاضر حبيبي... اهدي.. وأنا هعمل كل حاجة عشان يرجع...
_ أنا قاعدة جنب التليفون... كلمني... هاه... كلمني...
صوت نحيبها المستمر وتهدج صدرها كان مؤلماً للغاية، انتظر "عمر" قليلاً وهو يتابع صعودها على السلم المنحني وهي تسير برفقة "سعيدة" وهي تنظر للخلف تجاه "عمر" حتى غابت عن عينيه...
ليخرج "عمر" متجهاً إلى قسم الشرطة مرة أخرى ليقوم بالإبلاغ عن حالة الاختطاف بعدما أوصى "عبد القادر" بأن ينبه على زوجته أن تعطي "نسمه" دوائها المهدئ لحين عودته...
علام...
أخذ يضرب بقبضته فوق سطح المكتب بقوة وهو يضم شفتيه بغلظة وغيظ...
"برضو مقفول... ده أنتي قاصداها بقى يا (سحر) من إمبارح وأنتي موبايلك مقفول... ماشي... فاكريني مش هقدر أوصلك... هاه... ده أنا (علام)"
أمسك بهاتفه مرة أخرى يدق برقم خاله "ذكي" والد "سحر"...
_ السلام عليكم...
_ وعليكم السلام... إزيك يا خالي...؟؟؟
_ أهلاً يا "علام" يا ابني... عامل إيه...؟؟
_ الحمد لله يا خالي.. خالي بقولك إيه... "سحر" تقريباً تليفونها مش جايب شبكة من إمبارح وكنت عايز أطمن عليها...
_ ما تسيبها اليومين دول تريح أعصابها كده...
_ أنا.. اا... كنت عايز أطمن عليها بس... عشان تحس إني مهتم بيها وكده يعني...
_ طيب يا ابني... هخلي مرات خالك تتصل بصاحبتها وتطمنك...
انفعل "علام" برفض قاطع..
_ لا لا لا... هات بس رقم صاحبتها.. عايز أعمل لها مفاجأة...
بتململ واضح من إصرار "علام" أجابه خاله...
_ حاضر يا ابني... ثواني أجيب لك الرقم...
أعطى "ذكي" رقم "نسمه" لـ"علام" ليدونه بإحدى الأوراق التي أخذ يلوح بها بانتصار وقد علت ملامحه نظرة غرور قائلاً...
"وأدى الرقم... لما نشوف هتهربي مني تاني إزاي يا (سحر)"
دق "علام" بالرقم الخاص بـ"نسمه" والتي أجابت الإتصال بالرقم الغريب على الفور بتلهف ظناً منها أنه ربما يكون "عمر" أو الشخص الذي خطف "مؤمن"....
_ ألو...
_ السلام عليكم... مدام "نسمه"...؟!
_ أيوة أنا... أنت مين..؟!.
_ أنا "علام" ابن خال "سحر"... لو سمحتي ممكن أكلمها لأني برن عليها تليفونها مقفول...
أجابت نسمه بنبرة باكية مختنقة...
_ ااااااه... سحر ومؤمن ابني اتخطفوا... ااااااه ابني حيروح مني....
ذهل علام مردفاً بغير تصديق..
_ إيه.... وقعتهم سودا اللي عملوا كده.... أديني العنوان يا مدام بسرعة....
رواية الميراث الفصل الثامن 8 - بقلم قوت القلوب
خرجت "دنيا" من شقة والديها متجهة صوب مكتب المحاسبة الذي تعمل به. نعم، هي متأخرة قليلاً عن مواعيد العمل الرسمية، لكنها قد عقدت العزم على أن تبتعد تماماً عن هذا "البارد" الذي لم ولن يهتم لها.
دَلفت إلى المكتب دون الاهتمام برؤيته كما اعتادت كل صباح، بل اتجهت مباشرة لغرفة الأستاذ "رأفت" مدير المكتب لمقابلته.
طرقت الباب بخفة مستأذنة للدخول. حين سمح لها "رأفت" بذلك.
"ادخل."
تقدمت "دنيا" بابتسامتها النقية التي تعبر عن صفاء قلبها حقاً، لتلقي بتحية الصباح على هذا الرجل الوقور الذي طالما كان يعاملها كابنة له دوماً.
"صباح الخير يا أستاذ رأفت."
"دنيا... صباح الخير. تعالى ادخلي. واقفه على الباب كده ليه؟"
أغلقت "دنيا" باب المكتب الزجاجي الضبابي بحرص، لخوفها الدائم من أي من الأبواب الزجاجية، لظنها أنها ستتهشم حقاً لو صدمته بقوة.
أشار لها الأستاذ "رأفت" بالجلوس.
"اقعدي يا دنيا. خير؟ كنتِ غايبة امبارح ليه؟"
ضمت "دنيا" شفتيها حرجاً وهي تمسك ابتسامتها التي بدت متأصلة بملامح وجهها، مردفة:
"هو... أصل مش امبارح بس. أنا أصلاً لسه جايه من بيتنا دلوقتي."
أعاد "رأفت" جزعه للخلف ناظراً نحو "دنيا" باستراب، فهي دائمة الالتزام والانتظام بموعد العمل.
"غريبة... ليه يا دنيا؟ في مشكلة ولا إيه؟"
فركت كفيها بتوتر قليلاً قبل أن تستطرد حديثها لما جاءت حقاً من أجله.
"بص بقى يا أستاذ رأفت... من الآخر كده... أنا عايزة أسيب الشغل."
وضع "رأفت" قلمه الأسود الذي كان يمسك به بين أصابعه فوق سطح المكتب بذهول، وهو يطالع "دنيا" بنظرة أب حنون وليس مديراً لها، ثم هتف باندهاش:
"تسيبِ الشغل؟!!!! ليه كده؟ حصل إيه؟"
كانت تظن أنها ستتأثر للغاية حين تُسأل عن سبب بُعدها عن هذا المكان، لكنها وجدت نفسها تتكلم بأريحية شديدة، وربما ببعض الراحة بعد التخلص من هذا العبء الثقيل بالالتزام بإرتباطها بـ"وائل".
"بابا تعبان شوية... وأنا كمان مش حابة آجي المكتب... فيه حاجات بتخنقني."
كرجل مخضرم ذي تجارب عديدة وإدراك لما يحدث من حوله، كان يعلم بميل تلك الفتاة الرقيقة لزميلها "وائل"، ليربط بذكاء بين رفضها للعمل وبين ميلها له، ليعقب بفراسة:
"هو الواد "وائل" ده مزعلك ولا إيه؟ ده لو زعلك أنا أشد لك ودانه."
تخيلت "دنيا" بعقلها مشهد هزلي للأستاذ "رأفت" ممسكاً بأذن "وائل" حقاً يشده منها حتى تصبح كأذني الأرنب الطويلة، لتبتسم ساخرة وهي تعلق على ذلك بطريقة مازحة:
"لا وعلى إيه يا أستاذ رأفت؟ هي ودانه طويلة خلقة... مش ناقص تشوه هو."
ضحك الأستاذ "رأفت" مقهقهاً من خفة ظل تلك الصغيرة التي تذكره بابنته الغائبة بسفرها مع زوجها منذ بضعة شهور.
"آه يا عفريتة... طب أعملك فيه إيه؟"
تحلت "دنيا" ببعض الجدية مردفة:
"ولا حاجة... أنا خلاص عايزة أبقى بعيد وخلاص."
تفهم ما تريده بالفعل، ليقترح "رأفت" عليها اقتراحاً بسيطاً حتى لا تخسر وظيفتها بالمكتب، حتى تستطيع الحكم على الأمور بمنظور أكثر عقلانية.
"طيب أنا عندي فكرة... خدي إجازة شهر... شهرين بدون مرتب... وبعدها قرري تكملي شغل ولا لأ."
فكرت "دنيا" للحظات لتجد أن تلك الفكرة لا بأس بها إطلاقاً، لتهتف موافقة:
"حلو ده... نعتمد موضوع إجازة بدون مرتب ده... قشطة."
"يا بنت احترمي نفسي شوية... إيه قشطة دي؟!!!!"
"ما أنا خلاص كده مش بشتغل هنا وحعمل إجازة... أقول براحتي بقى من غير ما حاجة تكبس على نفسي."
بغضب مصطنع أشار "رأفت" تجاه باب المكتب مازحاً:
"اطلعي بره يا دنيا... روحي يلا... اعملي إجازتك عند "دعاء" بره... ده أنا اللي هرتاح منك... وابقي سلمي على بابا وقولي له ألف سلامة."
"الله يسلمك يا غالي... سلام."
خرجت "دنيا" بروحها الخفيفة، ليبتسم "رأفت" من مزاحها الظريف على قلبه، لتتجه "دنيا" لصديقتها "دعاء" لتقوم بعمل تلك الإجازة لمدة شهرين بدون مرتب.
خرجت من المكتب دون اعتبار لوجود "وائل" من الأساس، لتذهب للتسوق أولاً قبل عودتها للمنزل.
وائل
لاحظ "وائل" خروج "دنيا" من المكتب ليضيق حاجباه باستراب لرؤية طيفها.
"مش دي (دنيا)؟ هي جت ولا ماشية ولا إيه؟"
نظر للفراغ الذي خلفته بعدها، ثم عاد ببصره تجاه مكتب "دعاء" بآخر الرواق، ليتجه إليها متسائلاً:
"دعاء... هي دي دنيا اللي كانت هنا ولا مين؟"
"أيوة دنيا... عملت إجازة بدون مرتب ومشيت."
اتسعت حدقتاه بذهول متسائلاً بصوت خفيض متحدثاً لنفسه بهمهمة.
"إجازة بدون مرتب... غريبة... ليه؟"
علام
أنهى مكالمته مع "نسمة" ليثور كالثور، يضرب ويدفع كل ما يظهر أمامه بعنف وغضب صارخاً:
"بقى أنا "علام صبحي" يتعلم عليا وتتخطف بنت خاله؟ ليه؟ هفيه في الداخلية ولا إيه؟"
لتكن ثورته وغضبه لأنانيته فقط، وليس خوفاً وقلقاً على تلك المسكينة ضحية هؤلاء المجرمين الذين قاموا باختطافها.
رفع هاتفه لأذنه بعدما ضغط على رقم ما قائلاً بحدة وصرامة:
"أيوة يا أحمد... حديك رقم تليفون عايزك تتعقب مكان الشريحة دي... تعرف لي مكانها بأقصى سرعة... هي في محافظة المنيا في مغاغة بس عايز المكان بالضبط... تمام؟ حبعت لك الرقم في رسالة... حالاً فهمت."
أنهى المكالمة وهو يدفع بالهاتف بزمجرة فوق المكتب قائلاً:
"لازم أعرف مكانك يا سحر... لازم ترجعي النهارده... لااااااازم."
سحر
ها قد استطاعت إدراك كل شيء وبالتفصيل الملل من هذا الأخرق الذي أخرج ما في جعبته كله دون حتى الضغط عليه، كما لو كان ينتظر تلك الفرصة ليزيح عن كاهله إحساسه بالذنب تجاههم.
أدرك "هريدي" أنه قد وقع بشباكها، لكن متأخراً جداً. أدرك أنه تفوه بكل شيء وأنها تعلم عنهم كل شيء الآن، لينظر نحوها بتخوف بالغ:
"بالله عليكِ يا خيتي... ما تقولي حاجة لحد... أبو المعاطي لو عرف حيموتني... ده أخوي وأنا خابره... معندوش قلب."
ربما علمت ما خططوا له ولماذا، لكنها لن تؤذي هذا الشخص الذي يتوسل إليها بحفظ سره وتدفع به إلى التهلكة، خاصة وقد رأت بالفعل قسوة وغلظة هذا المدعو "أبو المعاطي".
زمت "سحر" شفتيها بامتعاض، فقد كانت بالفعل تود الهرب، لكنها لو هربت الآن فسوف يؤذي هذا الرجل الذي ساعدها وكان رؤوفاً بهما.
"ماشي يا هريدي... أنا مش حجيب سيرة لحد ما أعرف أخرج من هنا."
بتوتر بالغ لملم "هريدي" صينية الطعام خارجاً من (المندرة) وهو يلعن نفسه لعدم حفظ لسانه الذي سيأتي له بالمتاعب يوماً.
أوصد باب (المندرة) من خلفه جيداً ليسرع مبتعداً كما لو كان لم يفعل شيئاً بالمرة.
ضغطت "سحر" بإصبعيها شفتها السفلية متفكرة بحديث "هريدي":
"يعني اللي اسمه (أبو المعاطي) ده ضحك على صاحبهم الطويل اللي كان هنا وفهمه إن جده سلف جد "عمر" فلوس ومرجعهاش وإنه له كده ورث في فلوس "عمر" وإن "عمر" رفض يرجع له الورث بتاعه فقال يخطف ابنه عشان يرجع الفلوس وبعدها يرجع الولد... وأنا جيت معاه بالغلط لما مسكت في "مؤمن" ومرتضتش أسيبه... يعني الطويل ده لو فهمته حيسيبني... لأنه مخدوع في اللي قالهوله (أبو المعاطي) الشر ده... صح كده... يبقى لازم أفهمه عشان أخرج من هنا."
عمر
أبلغ "عمر" الشرطة بما حدث، وأخبرهم عن تلك المكالمة التي وردته، وأعطاهم هذا الرقم الذي اتصل عليه ليخبره بوجود ابنه لديه.
عاد مرة أخرى للبيت الكبير، فليس بيده حيلة الآن وعليه ترك الشرطة لعملها بالبحث عن ولده و "سحر".
البيت الكبير
نظر "عمر" إلى درجات السلم الصاعدة للدور العلوي بضعف، فما زالت معركته دائرة وعليه التعامل مع "نسمة" بحرص شديد كما أخبرته الطبيبة النفسية.
صاح "عمر" منادياً "سعيدة" وهو يسألها:
"ست نسمة لسه تعبانة؟"
"يا حبة عيني... أخدت الدواء المهدي ده وراحت في النوم."
"كويس... روحي انتي يا سعيدة... لو عاوزت حاجة حناديكِ."
"ماشي يا عمر بيه."
صعد "عمر" إلى غرفتهم ليجلس إلى جوار "نسمة" التي غرقت بنوم عميق أثر إرهاقها، وبفعل المهدئ الذي تناولته أيضاً.
ملس على رأسها بحنو، وهو يعدها بصوت خفيض حنون للغاية:
"بإذن الله "مؤمن" يرجع لنا... وتفرحي تاني حبيبي... مش قادر أشوف زعلك وحزنك ده... بس إن شاء الله "مؤمن" راجع... إن شاء الله يا رب... ترجعي لنا ابننا بخير يا رب."
عنتر
غطى وجهه بكفيه تحسراً لما آلت إليه الأمور، فهو ليس شريراً بطبعه، بل كان يبحث فقط عن حقه، لكن الأمور خرجت عن طورها وتورط بالفعل وسيعاقب بالتأكيد على ما فعله، خاصة بعد هروب "أبو المعاطي" وتركه يتحمل المسؤولية بمفرده.
ليقضي "عنتر" بجلسته لساعات وساعات لا يقوى على العودة للدار ورؤية والدته، ولا حتى على الذهاب للمندرة لرؤية الطفل وأمه، فقد شل تفكيره تماماً عن الوصول لحل يخرجه من تلك الورطة.
سقطت الشمس بمغيبها وأخفت ضوئها ليحل الليل بسكونه وما زال الجميع منتظر.
البيت الكبير
استيقظت "نسمة" لتجد "عمر" متكئاً على ظهر سريرهما بصمت، لترفع رأسها بإعياء واضح تحاول فهم صمته المطلق، باحثة عما يريح قلبها الذي يعتصر ألماً.
"مؤمن جه يا عمر؟"
انتبه "عمر" لها ليعتدل بسرعة يجاهد نفسه بابتسامة ضعيفة مرغم على إظهارها لها.
"لسه حبيبي... بس الظابط أكد لي إنه حيلقيه على طول وحيرجع لنا."
تقوست شفتاها بألم لتشعر بتجمع دموعها المحرقة بعينيها مرة أخرى. كم أصبحت بكاءه للغاية.
نكست عيناها عن "عمر" المختنق المتحير بين إظهار حزنه على ولده المفقود أم يتحلى بالقوة لأجل من يعشقها قلبه.
تحدثت "نسمة" بنبرة مستسلمة للغاية:
"أنا فهمت دلوقتي قصد الدكتورة يا عمر... فهمت والله... لما قالت لي لازم يكون اهتمامي باللي بحبهم مش بالحاجات المادية اللي حواليا."
رفعت وجهها بترجٍّ تجاه "عمر" وقد تحلى صوتها بنبرة منتحبة:
"قولها أنا فهمت والله... أنا عرفت إن انت ومؤمن أهم عندي من أي حاجة في الدنيا... أنا فهمت خلاص... رجعوا لي مؤمن بقى... رجعولي مؤمن ووعد والله... ما حيبقى فيه أهم منكم في حياتي كلها."
ربت "عمر" مشفقاً على انهيارها الذي كان يتخوف منه، ليضمها برفق قائلاً:
"حيرجع حبيبي... حيرجع... إن شاء الله حيرجع... إحنا بس ندعي ربنا وهو حيستجيب إن شاء الله."
رفعت "نسمة" عيناها الغائمتان للأعلى بتضرع قائلة بخفوت:
"ياااااا رب."
عنتر
مع مغيب الشمس أضطر "عنتر" للعودة للدار وما زالت أفكاره مشوشة تماماً ولا يدرك حقاً ما عليه فعله.
دلف إلى داخل الدار بروية شديدة ليقابل نظرات والدته المرتابة، فحتى مع عدم معرفتها لما يدور حولها، إلا أن قلبها كان دليلاً مضيئاً لها طريقها.
نظرت بشك تجاه ولدها المتجهم وهي تتساءل:
"حمد الله على السلامة يا وليدي... وينك من بدري؟"
رفع "عنتر" رأسه وهو يقف مقابلاً لوالدته التي ظهرت ضئيلة الحجم للغاية إلى جوار ولدها ذي القامة العريضة والطول المهيب، فقد كانت والدته قصيرة القامة نحيفة إلى حد كبير.
سحب "عنتر" نفساً قوياً وهو يجبر نفسه على إخفاء حيرته وتخوفه مردفاً بتصنع:
"عادي ياما... كنت مشغول شوية بس."
حركت "فهيمة" رأسها بالتفهم دون تصديق ما يدعي قائلة:
"طيب تعالى غير خلجاتك (ملابسك) عقبال ما أحضر لك الوكل... زمانك على لحم بطنك من صباحية ربنا... ربنا يزيح عنك الغشاوة ويفك أسرك من المؤذي "أبو المعاطي" اللي مفيش وراه إلا الشر."
"ماله "أبو المعاطي" بس ياما دلوقتي... حد جاب سيرته؟!!!"
"ومن غير ما نجب سيرته... طول ما انت بتاخد شورته وانت مش حتشوف طيب... يا وليدي الطيب للطيب... وهو محراك شر ماشي على الأرض... ربنا يكفينا شره ويبعده عننا... وكل شيء يرجع لأساسه وأصله."
ربما قالتها تلك المرأة البسيطة بتلقائية للغاية، لكن صدى تلك الكلمات أخذ يتردد صداها بعقل "عنتر" ليتفكر بها جيداً كما لو كانت إشارة ما لإنهاء تلك الورطة.
((الطيب للطيب... كل شيء يرجع لأساسه وأصله...))
شرد ذهن "عنتر" بتلك الكلمات ليحدث نفسه قائلاً: "كل شيء يرجع لأصله... يعني أرجعهم لدار (سليمان) ويا دار ما دخلك شر... قبل ما البوليس يقبض عليّ وأروح في داهية... بس كيف بس ومرت (زوجة) "عمر" شافتني وعرفتنا... وأكيد حتبلغ عننا... أعملها كيف دي بس."
نادت "فهيمة" ولدها:
"يا عنتر الوكل جاهز يا وليدي... يلا بلاش كسل أمال."
أفاق "عنتر" من شروده مجيباً والدته:
"ماشي ياما... بس حروح مشوار ضروري الأول وأرجع طوالي."
خرج "عنتر" بعجالة مرة أخرى من الدار وسط اندهاش والدته، لتلوح بعدها بتفويض الأمر لله عائدة إلى غرفتها لحين عودة ولدها مرة أخرى.
دنيا
عادت "دنيا" من الخارج لتخلع حذائها قرابة باب الشقة وتعلق مفاتيحها بالصندوق الخشبي خلف الباب، لتستمع لنهاية مكالمة والدها إلى شخص ما حين دلفت إلى الداخل.
"حنشوف كده يا حاج... أرتب الدنيا وأرد عليك حاضر... مع السلامة... في رعاية الله."
رفعت "دنيا" حاجبيها بتساؤل صامت تجاه والدتها التي تجلس إلى جوار والدها تستمع لمجرى المكالمة بإنصات تام.
ثم همست "دنيا" بفضول:
"مين ها؟ مين؟"
ضمت والدتها أصابعها بإشارة انتظار قليلاً لحين انتهاء والدها من مكالمته، لتضطر "دنيا" للانتظار بترقب.
أغلق "عبد الراضي" المكالمة وهو ينظر تجاه "دنيا" بنظرة غامضة، ثم عاد ببصره تجاه زوجته قائلاً:
"هاه... إيه رأيك؟"
حركت والدة "دنيا" رأسها تعجباً وهي تردف بعدم تصديق:
"سبحان الله... الواحد مش مصدق يا راضي... تفتكر الكلام ده بجد؟"
"مش يمكن... !!!! حد عارف؟"
قلبت "دنيا" نظراتها بين والديها ببلاهة حين هتفت بصوت عالٍ لإيقاف تلك الحلقة التعجبية منهما:
"إيييييه... هو فيه إيه... انت تقولها إيه رأيك... وهي تقولك الواحد مش مصدق... خليكوا واضحين معاكم واحدة مخها على قدها... مييح... مبتفهمش التلميحات دي خالص."
أشار "عبد الراضي" لابنته بالجلوس أولاً، لتلبي "دنيا" طلب والدها بالجلوس بمقابلتهم.
"بصي يا دنيا... يوم ما سبنا البلد وأهم حاجة كانت حصلت وزعلتنا خلتنا نسيب بيت العيلة ونيجي على مصر (القاهرة) نعيش هنا إن عمي أخد ورث أبويا الله يرحمه ومرضيش يديني حقي... عشان كده فيه قطيعة بينا وبين العيلة... دلوقتي عمي ده كلمني وقالي إنه تعبان وعايز يرجع لي حقي... وعايزني أروح آخد حقي."
بتفاجؤ سعيد ارتسمت ابتسامة فرحة على محيا "دنيا" قائلة:
"قشطة... حلو حكاية الورث دي... أهي حاجة تنغنغنا كده."
لوت أم "دنيا" فمها باستياء قائلة:
"وأبوكي حيروح إزاي يا حسرة... دي رجله مكسورة... ودول لازم حد يقف لهم لحد ما يجيب الورث وييجي."
حركت "دنيا" رأسها بوجه ممتعض كناية على عدم الفهم وربما تهرب مما تلمح به والدتها.
"قصدك إيه يعني... أمال مين اللي حيروح؟"
ثبتت نظرات والدها ووالدتها عليها بترقب، لتلوح "دنيا" بإصبعها رافضة بشدة وسط ضحكة ساخرة من توريطها بتلك المسألة.
"لاااااااااااا.... أنا ماليش دعوة... بتبصوا لي كده ليه... أنا لا أعرف أسافر ولا أعرف حد ولا أي حاجة هناك."
أردفت بسرعة أم "دنيا" تحاول إقناعها:
"وهو إحنا حنسيبك... حنبقى معاكي بالتليفون... واحدة واحدة... يرضيكي ورث أبوكي يروح مننا... ده إحنا ما صدقنا يا دنيا."
أمالت فمها جانبياً بتفكر، فمن جانب والدها حقاً لا يستطيع السفر، ومن جانب آخر عليها البحث عن ميراث والدها الضائع ولن تتركه لمجرد أنها فتاة وهو ليس لديه ولد يطالب بذلك، لتجيب بطريقة طفولية مرغمة على ذلك:
"وأنا المفروض أعمل إيه بالظبط...؟"
تهللت أسارير والدتها وابتسم والدها برضا، حين هتفت أم "دنيا" قائلة:
"حضري نفسك للسفر."
رواية الميراث الفصل التاسع 9 - بقلم قوت القلوب
بقيت "سحر" لبقية اليوم بمفردها بالمندرة مع "مؤمن" الذي كان يتذمر كثيراً، طالباً والدته ببكاء وسخط من محبسه في تلك الغرفة الغريبة عنه. حتى مع وجود "سحر" لم يشعر "مؤمن" بالاطمئنان أبداً، وظل يصرخ طوال اليوم. أرهقت "سحر" للغاية بمحاولة منها لإرضاء "مؤمن" بشتى الطرق، فلا ذنب له بما حدث، لكنها ملت للغاية من هذا الصراخ المتواصل.
فُتح الباب دون أن تنتبه للقادم من شدة صراخ "مؤمن" الذي أرهق أذنيها، ليطل "عنتر" بهيبته وطوله الفارع الذي ألجم "مؤمن" لبعض الوقت تخوفاً منه، ليتوارى خلف "سحر" مختبئاً من هذا الغريب.
انتبهت "سحر" لهذا "الطويل" كما أسمته، فهي لا تعلم اسمه بعد، لترفع رأسها بقوة رغم إنهاكها بسبب "مؤمن". وقف "عنتر" لبعض اللحظات متأملاً هذا الثنائي الفريد أمامه، من طفل باكٍ بوجنتين حمراوين وعيون ساخطة بدموع ملتصقة بأهدابه السوداء الكثيفة، وتلك السمراء "المتمردة" كما أسماها.
وقفت "سحر" بانفعال تصب غضبها على من حبسها مع هذا الطفل الصارخ طوال الوقت، فانفعلت بشدة على هذا "الطويل".
"إنت إيه... مفيش إحساس خالص... إنت عايز مننا إيه؟!"
تلجم "عنتر" لبعض الوقت وهو يطالعها وهي تنفعل بتلك القوة، ليستعيد بعد لحظات رباط جأشه مجيباً إياها.
"هي الظروف كده... اصبروا شوية وكل حاجة حتنحل."
لم تشأ أن توشي بـ "هريدي"، لكنها حقاً تريد الخلاص مما هي فيه، فحاولت التحدث كما لو أنه لم يخبرها شيئاً حتى لا تسبب له أي مشكلة، فهو لم يرد سوى مساعدتها ولن تقابل ذلك بجحود أو وشاية عنه.
"ظروف... إنت بتقول ظروف؟!"
تركت "مؤمن" خلفها لتتقدم بضع خطوات مقتربة من "عنتر" الذي ظهرت ملامحه أمامها أكثر، فضوء ذلك المصباح كان ضعيفاً للغاية. ثم أكملت بغضب وانفعال من بين أسنانها.
"ده مش ظروف... ده طمع... جشع... عشان تفكر تاخد حاجة مش من حقك... بأي وسيلة بقى... حلال حرام... مش فارقة معاك... المهم المصلحة والفلوس... مش مهم أي حاجة تانية."
تهدج صدره بانفعال من اتهامها له وهي لا تعلم عنه شيئاً، ليردف مدافعاً عن نفسه بضيق.
"أنا مش باخد غير حقي وبس."
بحركة متعجبة أعادت رأسها للخلف قليلاً قبل أن تردف بتهكم.
"حقك؟ حقك ده إيه... إنت مغيب أصلاً ولا فاهم حاجة؟ الفلوس والطمع ملوا عينك... مصعبش عليك طفل زي ده محروم من أمه... مش شايف مش قادر يبطل عياط... إنت إيه مفيش في قلبك رحمة؟!"
اعتدل "عنتر" مذهولاً تماماً وقد اتسعت عيناه عن آخرهما، ثم ضيق عينيه وهو يهز رأسه بعدم فهم يحاول إدراك ما تقصده تلك "المتمردة".
"أم مين... مش إنتي أمه؟!"
"لأ... مش أنا أمه... أنا صاحبتها."
ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها ساخرة.
"وهو يعني لو كنت أنا أمه كانت حتفرق معاك... ما أنت كده كده خاطفه عشان شوية فلوس."
على الرغم من تلك الغبطة التي اجتاحته أنها ليست زوجة "عمر"، إلا أنه اغتاظ منها للغاية لنعته بالطماع بتلك الصورة، ليهتف بحدة مدافعاً عن نفسه.
"أنا مش طماع... ده حقي وبدور عليه."
"وهو لو حقك فعلاً يتخد بالطريقة دي... بلوى الدراع وخطف طفل صغير بالشكل ده... طول عمري أعرف إن الحق صح وقوة... مش خسة ووضاعة بالشكل ده."
"مكاانتش فكرتي... وبعدين إنتي متعرفيش ظروفي إيه... عيشتنا وحياتنا غيرك يا.... هانم."
أنهى جملته مستهزئاً منها، فكيف ستشعر بضيقه أحوالهم ومعيشتهم وبحثهم عن أي شيء لهم كقشة تخرجهم من تلك الحياة وتعبر بهم لبر الأمان، فقط وهي يبدو أنها مرفّهة العيش للغاية.
أثارت طريقته الساخرة منها تحديها لنفسها كالعادة، فقد ظن أنها لا تبالي ولا تشعر بمن هم أقل منها، فكيف يحكم عليها من مظهر خارجي فقط أنها لا تبالي.
تعلقِت عيناها السمراوتين به بتحدٍ غاضب لظنه بها ما ليس من صفاتها، قائلة.
"أوعى تفتكر أني هانم وعايشة عيشة محدش يحلم بيها... أنا إنسانة عادية جداً وأهلي ناس بسطاء جداً."
رفع كفه تجاهها بغير تصديق لمنعها من استكمال هذا الزيف بوصفها.
"كفاية... كفاية... واضح جداً... إنتي لا تعرفي تعيشي عيشتنا ولا حتى تتخيليها فما تجيش في الآخر وتحكمي عليّ وعلى عيشتي وظروفي."
لم يدرك "عنتر" أنه بحديثه التلقائي أثار تحدي "سحر" دون أن يعلم، لتشرأب برقبتها وقد لمعت عيناها ببريق خاص، قائلة بجدية تامة وقد توسطت خصرها بكفيها.
"طب إيه رأيك لأوريك وأثبت لك إنك متعرفنيش كويس... وإن أنا قادرة أعيش عيشتكم وحياتكم دي.... وحاجي أعيش معاكم في بيتكم كمان."
هل ما تفوهت به حقيقي؟ نعم هي مختلفة للغاية عن أي بني جنسها، إنها متمردة جريئة قوية، لم يقابل مثلها أبداً، فريدة حقاً بكل شيء.
لحظات مرت بصمت حاول بها "عنتر" استيعاب ما قالته للتو، وقبل أن يردف أكملت "سحر" مشترطة أولاً.
"بس الأول نرجع 'مؤمن' لأهله... زمانهم حيتجننوا عليه."
نظر "عنتر" بشرود لـ "مؤمن" المستمر بالبكاء، ليومئ بالإيجاب تفهماً دون أن يشعر وكأنها إشارة منه بالموافقة على هذا الطلب المجنون.
ابتسمت "سحر" فقد شعرت بالانتصار وقد تحلت بروح المغامرة التي تعشقها لتعيش تجربة جديدة ببيئة بسيطة وأجواء لم تمر بها من قبل.
أخرج "عنتر" هاتفه متصلاً بـ "هريدي".
"هريدي... تعالالي المندرة عشان تاخد الواد ترجعه لأهله... أوامرك يا هريدي متتأخرش... إيه... طيب خلاص... بكرة الصبح توديه... أول حاجة... سلام."
بسطت "سحر" كفها بابتسامة جانبية ومازالت تتحدث بنفس القوة.
"إيدك بقى على تليفوني."
"في البيت عندي... بكرة أجيبهولك."
لم يستطع استقبال "سحر" و"مؤمن" بداره حتى لا تشك والدته بشيء بتلك الليلة، وسيتفكر بعذر ما لبقاء "سحر" ضيفة بدارهم بالأيام المقبلة.
ولآخر ليلة تقضيها "سحر" مع "مؤمن" بالمندرة، وفي الغد يعود إلى أحضان أمه وأبيه وتبدأ هي مغامرتها ببيت هذا "الطويل".
***
مر "علام" بأحد المكاتب ومازال انفعاله متزايد، ليهتف بأحد الأشخاص الجالسين خلف أحد أجهزة الحاسوب بضيق.
"دورت على الرقم اللي قلت لك عليه... ولا لأ؟!"
"أيوة يا علام باشا... بس مش موجود أي إشارة منه نهائي."
ضيق "علام" عينيه بتساؤل مقتضب.
"بمعنى...؟!"
"يعني الشريحة مش في الجهاز أساساً يا باشا."
رفع "علام" حاجبه الأيمن باستهزاء متحدثاً بنبرة متعجبة.
"الله... ده مش هاوي بقى... وحياة أمي ما أنا سايبه."
ثم هتف بغضب تجاه رجل الأمن (التقني).
"تفضل قاعد لي كده ليل نهار لحد ما تلقط إشارة... فاهم؟!"
"فاهم يا باشا."
خرج "علام" من المكتب يتوعد لخاطف "سحر" بأن ما حدث لن يمر مرور الكرام، فليس "علام صبحى" من يستهزأ به وتُخطف ابنته خاله وهو مازال بقوته.
فور خروجه من المكتب زفر رجل الأمن (التقني) وهو يستمع لزميله الذي عقب على غضب "علام".
"خد بالك علام ده نابه أزرق... بيقرف اللي بيشتغل معاه... خليك مصحصح مش ناقصين بهدلة منه."
"حاضر... هو بإيدي يعني... ما هو التليفون هو اللي مش مدي إشارة خالص."
***
وضعت "أحلام" صينية الشاي وجلست بهدوء تتابع تلك الحلقات التليفزيونية المملة للغاية، متصنعة الاهتمام بما يعرض بها عوضاً عن التحدث مع أم "عبد الحميد" وتنتهي جلستهم بمشادة أخرى. فاليوم أول يوم تقضيه معهم بعد آخر مشادة حدثت بينهم منذ عدة أسابيع.
مالت أم "عبد الحميد" على أذن زوجة ولدها الآخر "مها" ظناً منها أنها لا تنتبه إليهم، قائلة بخفوت.
"خدي يا مها هاتى لك اللي قلت لك عليه."
نظرت "مها" أولاً تجاه "أحلام" لتتأكد أنها لم تنتبه لما تعطيه لها والدة زوجها "سعاد"، ثم همست بأذنها ومازالت تطالع بعيون مقتنصة أن "أحلام" لا تنظر نحوهما.
"بكرة... بكرة أخدهم... بلاش دلوقتي أحسن تاخد بالها."
أعادت "سعاد" المال إلى محفظتها وجلست باعتدال كما لو لم يحدث شيء.
كانت تدرك "أحلام" أن هناك شيئاً يحيكانه في الخفاء، لكنها لم تكترث لذلك، بل كان كل ما يهمها ألا تحدث مشاكل مرة أخرى بينهم.
بعد قليل أقبل "عبد الحميد" ووالده "السيد" ليقضيا معهم الوقت بمشاهدة تلك الحلقات التليفزيونية، لتتحامل "أحلام" إحساسها بأنها مكروهه من أم زوجها وزوجة أخيه.
تساءل "السيد" وهو ينظر لساعة الحائط.
"أمال جوزك فين يا مها مجاش يعني؟!"
تبدلت تعابير "مها" لاستكانة لم تكن تتحلى بها، لتردف بنبرة كاذبة.
"لسه في الشغل يا عمي... طالع عينه والله ويا ريته بفايدة... حنعمل إيه بس!!!"
عقبت "سعاد" باشفاق على حال ولدها.
"ربنا يعينه... أبو تلات عيال... لازم يا حبة عيني يشتغل ليل نهار... أمال إيه... يصرف عليهم منين... دول سنده وقوته... لازم يحاجي على بيته ومصاريفه... مش فاضي ولا وراه عيل ولا تيل."
زفر "عبد الحميد" بتملل، فهو يدرك تلك الأسطوانة جيداً حين تبدأ بمقارنته بأخيه "مجدى" الذي تزوج وأنجب ثلاثة أطفال بينما هو لم ينجب بعد.
نظر تجاه "أحلام" الصامتة دون تعقيب وهو يتابع تلك النظرات الحزينة التي احتلت عينيها دون التفوه بحرف واحد، ليهتف بها منقذاً إياه من ذلك الضغط والملامة التي لا تنتهي.
"يلا بينا يا أحلام أحسن أنا كابس عليا النوم أوي وحصحى بدري بكرة."
على الفور نهضت "أحلام" متصنعة ابتسامة زائفة وهي تردف.
"تصبحوا على خير يا جماعة... يلا يا عبده."
تحت أنظار "سعاد" المتهكمة خرج "عبده" و"أحلام" من شقتهما لتميل فمها جانبياً بتقزز.
"غوري في داهية... مش عارفة بقت تقيلة على قلبي كده ليه... اوووووف."
بملامة مستضعفة للغاية عقب "السيد" على طريقة زوجته التي طالما افتعلت المشاكل مع زوجة ابنه.
"ما كفاية بقى يا سعاد... مش كل ما ييجوا تنكدي عليهم كده."
أشارت بكف يدها تجاهه ليصمت، بينما تحلت علامات الاشمئزاز والضيق من تدخله بطريقتها مع ولدها وزوجته.
"بس... بس... حد طلب رأيك إنت كمان."
ثم استكملت بفرض رأيها وسطوتها على هذا الطيب المستضعف.
"قوم إنت شوف مجدي حييجي من الوردية إمتى عشان عايزين ننام."
باستكانة تامة حتى لا تنقلب تلك الليلة على رأسه بغضبها وصوتها العالي.
"حاضر."
التفتت "سعاد" تجاه "مها" قائلة بجدية بعد ابتعاد زوجها.
"خدي الفلوس وهاتي الدوا... وحسك عينك تجيبي سيرة لأم عيون تندب فيها رصاصة دي أحسن تحسدك... دي عينها وحشة."
بطريقة تمثيلية أجابتها "مها" متماشية مع رأي والدة زوجها.
"هو أنا عبيطة... لما تعرف إني حامل تحسدني والواد ينزل ولا يجري لي حاجة... لأ طبعاً مش قايلالها."
"أيوة كده خليكي واعية... و شروق أنا حقولها وأنبه عليها متجيش سيرة لـ أحلام لما تشوفها لحد ما ربنا يثبت لك العيل على خير."
"ماشي."
"قومي بقى إنتي ارتاحي جنب عيالك عقبال ما مجدي ييجي من المصنع."
"أنا بقول كده برضه... تصبحي على خير."
تركتها "مها" متجهة لشقتها لتخرج "سعاد" هاتفها تتحدث إلى ابنتها "شروق". وتزف لها خبر حمل زوجة أخيها "مجدى" لتشدد عليها ألا تخبر "أحلام" مطلقاً خوفاً من أن تحسدها وتحقد عليها.
***
في صباح اليوم التالي.
قضت "سحر" أطول ليلة مرت بحياتها بسبب انزعاج هذا الصغير وطلبه لوالدته طوال الوقت، ومع الكثير من المجهود والتحايل والإرهاق سقط نائماً بعدما قضى على قوة "سحر" على التحمل.
وأخيراً حل الصباح لكنها مازالت غارقة بالنوم بعد تلك المعركة ليلة الأمس لنوم "مؤمن".
وقف "عنتر" يفرك أصابعه بتوتر وهو يبلغ والدته بمجيء ضيفه إلى دارهم.
"يا حاجة فهيمة... كنت عايز أقولك حاجة بس لما عودت امبارح لقيتك نايمة."
اعتدلت "فهيمة" باهتمام لحديث ولدها.
"خير يا وليدي."
"اااا... إحنا جاي عندنا ضيفة تقعد كام يوم... عايزين نكرموها."
"يا أهلاً وسهلاً... بس مين دي يا وليدي؟"
"غريبة ياما وقصدتني... إيه حتردي عزومتي؟"
"لا يا خوي... لا عاش ولا كان اللي يرد كلمتك... خلاص... أحسن حاجة للضيفة الغريبة... هي حتيجي ميتى (إمتى)؟"
"النهاردة ياما."
فور سماعها لموعد الزيارة أشارت بكفيها بتعجل لتتحرك إلى الداخل وهي تلقي بأفكارها دون انتظار رد من "عنتر".
"يدوب ألحق أحمي الفرن ونعمل شوية رقاق وعيش... وأبعت لخواتك ييجوا يرحبوا بالضيفة... وأعمل شوربة... وأعمل صواني الـ..."
قاطعها "عنتر" لتتروى قليلاً.
"على مهلك ياما... براحتك خالص."
"ده إنت بتقول جايه النهاردة... لازم نكرمها يا وليدي."
تحلى وجه "عنتر" بابتسامة لطيفة متابعاً كرم والدته المعهود، فإكرام الضيف بالدار شيء مقدس لديها وعليها ألا تدخر جهداً بذلك مطلقاً.
بعد أن اختفت والدته عن ناظريه تحرك إلى خارج الدار لينهي أزمة (الميراث) بتنازله عن كل شيء وإعادة الأمور إلى صوابها.
أثناء اتخاذه طريق (الترعة) للذهاب إلى مندَرة "أبو المعاطي"، وقبل أن يصل بالفعل إليها تقابل مع "هريدي" الذي ما إن لمح طيف "عنتر" آتياً من بعيد وهرول تجاهه مسرعاً، فتلك فرصة لا تعوض.
ألقى عليه تحية الصباح بأنفاس لاهثة لركضه المتعجل.
"صباح الخير يا أبو عمو."
"صباح الخير يا هريدي... كويس إنك جيت بدري."
وقف "هريدي" يطالع "عنتر" بتوتر، لا يدري كيف يبدأ بالحديث معه وقد تحير هل يخبره بالأمر أم لا.
فهروب "أبو المعاطي" أطلق العنان لكلمة الحق التي تلجمت بحلقه خوفاً منه، ليقطع "عنتر" ذلك الارتباك الواضح على محياه متسائلاً.
"مالك يا هريدي... فيك إيه... تحس إنك مخبي حاجة ومش راضي تقولها؟"
كان سؤاله إشارة لإفراغ كل ما بداخله والذي أثقل قلبه منذ معرفته به، ليطلق العنان للسانه بإيضاح كل شيء لـ "عنتر" الذي وقف مشدوهاً غير مصدق لما فعله به "أبو المعاطي" الذي كان يعده صديقه على الرغم من الاختلاف الكبير بينهم وتحذير والدته الدائم له.
بعد كلمات وعبارات أُطلقت كسيل من فم "هريدي" وحل الصمت التام لبضع لحظات، نطق بها "عنتر" بصوت خفيض غير مصدقاً حقاً لما فعله "أبو المعاطي".
"أنا عنتر سليمان يضحك عليا أخوه ويفهمني بالكدب إني ليا ورث حداهم (عندهم)... أنا يخليني أقع بالغلط وأخطف ولدهم... أنا يعمل فيا كده؟!"
سحب "عنتر" نفساً بقوة وهو يتوعد "أبو المعاطي" أن خداعه له لن يمر بتلك السهولة أبداً.
"طب عليا النعمة من نعمة ربي لأكون واخد حقي منك يا أبو المعاطي."
تقوس حاجبا هريدي باستكانة وهو يسترضي "عنتر" بضعف شديد.
"متزعلش مني يا أبو عمو... أنا كنت خايف منه... مكنتش عارف آجي وأقولك."
رمقه "عنتر" غاضباً، فمع خنوعه إلا أنه ساعد أخيه بإيقاعه بكل تلك الأخطاء واتهام أبرياء وإيذائهم بولدهم.
"تعال معايا على (المندرة) وحسابك معايا بعدين إنت التاني."
شعر "هريدي" ببعض التهاون من "عنتر" وأنه لن يؤذيه كما سيفعل بـ "أبو المعاطي" ليتبعه بخضوع تام إلى (المندرة).
***
وقفت أمام خزانتها تنظر بتحير لتلك الملابس المطوية بتفكر بأي قطع تضعها بحقيبتها لتناسب تلك السفرة المفاجئة.
وضعت بعض قطع الملابس بحقيبتها المفتوحة فوق فراشها لتعود وتتخير قطع أخرى وتضعها بها.
لملمت بعض أدوات التجميل الخاصة بها ووضعتهم بحقيبة صغيرة بداخل حقيبة السفر وجلست تتفكر ترى ما الذي ينقصها الآن قبل سفرها.
دَلفت والدتها إلى الغرفة وهي تنظر باندهاش للحقيبة المفتوحة فوق الفراش قائلة.
"يا خبر يا دنيا... أنتي لسه مخلصتيش؟!"
"خلاص أهو يا ماما... بس مش عارفة إيه اللي ناقص تاني... فكري معايا كده."
"أفكر إيه وبتاع إيه... يلا إنجزي... ده باقي ساعة على القطر... كده مش حتلحقيه والمسافة طويلة."
زَمَّت "دنيا" شفتيها بتملل وهي تغلق الحقيبة لتردف مازحة وهي مازالت تتحلى بالملامح المتضايقة.
"أهو لو نسيت حاجة حتبقى متعلقة في رقبتك ليوم الدين... أنتي دايماً اللي مستعجلاني كده... أم إيه دي بس... فيه أم كده؟!"
ضربتها والدتها بخفة على مؤخرة رأسها لتردف بابتسامة.
"مالها أمك دي... يلا خلصي وعدي على أبوكي في الصالة سلمي عليه قبل ما تسافري."
"حاضر يا كابتنة إحساسي... حاضر."
استدارت "دنيا" تُقبل والدتها فوق وجنتها بخفة قبل أن تخرج إلى الصالة لتسلم على والدها قبل السفر بتلك المغامرة الجديدة بالنسبة إليها.
رواية الميراث الفصل العاشر 10 - بقلم قوت القلوب
قبض "عنتر" مقبض باب المندرة بيده ليفتح الباب بهدوء بعدما طرقه بخفة، لكن ما أثار ريبته هو الهدوء التام الذي يعم المندرة.
طل برأسه ناظراً إلى الداخل ليجد "سحر" و"مؤمن" يغفوان بنوم عميق، شعر بوخزة بضميره وهو يدرك تماماً الآن أنه السبب بإيذائهما بتلك الصورة المؤلمة ونومتهما غير المريحة بعيداً عن أحبائهما.
غصة علقت بحلقه ليستدير خارجاً من المندرة برفقة "هريدي" الذي كان يتبعه.
استوقفه صوت "سحر" الناعس.
_ إنت جيت، استنى متمشيش.
قلق "مؤمن" بنومته بصوت "سحر" ليبدأ بالاستيقاظ وهو يفرك عيناه.
تيقنت "سحر" من استيقاظه فاعتدلت مُبعدة "مؤمن" عنها لتنهض طالبة من "عنتر" الانتظار.
_ استنى، إحنا صحينا، إنت مش عند وعدك ولا إيه؟
استدار "عنتر" متأملاً بتلك "المتمردة" التي عصفت بتفكيره باختلافها المميز ليردف بنبرة قد شابها شعور متعاظم بالذنب تجاههما.
_ عند وعدي، وأكتر كمان.
حاولت "سحر" رفض ذلك الإحساس الذي اجتاحها بالتعاطف معه، خاصة وقد شعرت بصدق إحساسه بتعويضهما عما حدث.
نفضت ذلك الإحساس عن تفكيرها لتردف بعملية طالما تمتعت بها.
_ طب أنا عايزة أكلم مامته أطمنها عليه وعليا، زمانهم حيموتوا من القلق.
ضرب "عنتر" جبهته بكفه لنسيانه هاتفها بغرفته بالدار ليجيبها متأسفاً.
_ والله نسيت التليفون في الدار، سامحيني.
طلبه للسماح أعادها لنفس الإحساس بالتعاطف معه لتجيبه باستكانة لم تعتدها مطلقاً.
_ مش... مش مستاهلة يعني، عادي أكلمهم من أي تليفون.
التفت "عنتر" تجاه "هريدي" طالباً هاتفه.
_ هات تلفونك يا "هريدي".
أخرج "هريدي" هاتفه من جيب جلبابه يريد استرضاء "عنتر" بأي شكل حتى لا يعنفه على ما فعله أخيه معه.
_ أهو التليفون يا أبو عمو، أنت تؤمر بس.
أمسك "عنتر" بالهاتف بضيق من تصرف "هريدي" الأرعن ليمده به إلى "سحر" وقد تحلت ملامحه بلين لطيف لم تكن لتنتظره منه.
مدت كفها حاملة الهاتف لتدق بأرقام هاتف "نسمة" المميزة التي تحفظها جيداً لسهولة رقمها.
***
دق هاتف "نسمة" برقم غريب لتنتفض مجيبة إياه وقد تسلطت أعين "عمر" على لهفتها وارتعاش صوتها.
_ ألو.
_ "نسمة"... حبيبتي.. أنا "سحر".
مجرد سماع "نسمة" لاسم صديقتها شعرت بسكينة فورية حلت بقلبها لتهتف بانفعال متخوفة.
_ "سحر".. إنتوا فين؟ أنا أتجننت عليكم!
أجابتها "سحر" مطمئنة إياها.
_ معلش حبيبتي، أنا عارفة. أنا بكلمك عشان أقولك إن إحنا بخير، و"مؤمن" ساعة بالكتير وحيكون عندكم، متخافيش.
تهللت أسارير "نسمة" فرحاً وسط بكائها ليدنو "عمر" منها محاولاً الاستماع لبقية المكالمة.
_ إنتي بتتكلمي جد؟ إلحقي يا "عمر".. "سحر" بتقول "مؤمن" جاي هنا بعد ساعة.
أمسك "عمر" بالهاتف ليفتح السماعة الخارجية ليسأل "سحر" باستراب.
_ حييجي إزاي يعني يا "سحر"؟ هو مش مخطوف؟
تطلعت "سحر" بـ "عنتر" الذي يطالعها باهتمام شديد ثم أجابته بالنفي.
_ لا يا "عمر"، إحنا... ااا... توهنا في الطريق وناس محترمة أخدتنا عندهم لحد ما عرفنا نوصف لهم بيتكم وهم حيوصلوا "مؤمن" لحد باب البيت عندكم.
قلقت "نسمة" من تكرار "سحر" لعبارة عودة "مؤمن" فقط تلك لتتساءل بتخوف.
_ "مؤمن" بس؟ طب وأنتي... مش راجعة معاه؟
ضحكت "سحر" لتطمئن "نسمة" أنها على ما يرام ثم أردفت.
_ لا يا ستي، جتلي فسحة تجربة جديدة إيه، مقدرش أسيبها أبداً.
شعرت نسمة بالراحة واطمأنت أن صديقتها بخير وأن الأمر لا يخلو من مغامرة جديدة من مغامراتها العديدة.
_ ماشي يا "سحر"، بس ابقي طمنيني عليكي.
_ حاضر، يلا سلام.
_ سلام.
أنهت "سحر" مكالمتها مع "نسمة" ليستوقفها "عنتر" بذهول فقد أخجلته بكرم أخلاقها ولم تبلغهم بخطفه لهما.
_ أنتي ليه مقولتيش أني أنا اللي خطفتكم؟
أمالت رأسها لليسار تتأمله قليلاً قبل أن تجيبه بثقة.
_ عارف ليه؟ عشان حسيت إنك ندمان بجد، وهي غلطة، ممكن أي حد فينا يضعف ويغلط.
لم تكن مجرد جريئة متمردة بل حكيمة أيضاً ليشكر لها صنيعها بود.
_ تشكري يا بت الأصول، كده ليكي في رقبتي دين كبير، وجميل عمري ما حنساه.
ثم أردف "عنتر" متسائلاً ربما أراد التأكد من نواياها بعد.
_ وإنتي لسه عايزة تشرفينا في الدار؟
_ أه طبعاً، أنا كمان مش بخلف وعدي أبداً.
ابتسمت بتفهم لتنظر تجاه "هريدي" تستأذنه بأدب أثار اندهاش "هريدي" و"عنتر" معاً.
_ ممكن لو سمحت أعمل كمان مكالمة.
هتف "هريدي" بضحكة بلهاء وهو يشير تجاه الهاتف بقوة.
_ على راحتك يا ست الناس، التلفون تلفونك، ولا يهمك.
ضغطت "سحر" بأرقام هاتف والدتها تطمئنهم عنها فهي لا تعلم إن كانوا علموا بقصة خطفها تلك أم لا، لكن عليها قطع قلقهم عليها بهذا الاتصال الذي انتهى سريعاً.
حمل "هريدي" الصغير "مؤمن" عائداً به إلى بيتهم الكبير بينما طلب منها "عنتر" مرافقته لداره فوالدته بإنتظارهم.
***
البيت الكبير...
نظرت "نسمة" تجاه "عمر" لبضع لحظات تنتظر منه تأكيد أن تلك المحادثة حدثت بالفعل وأنه يفصلها عن رؤية ولدها وضمه لأحضانها ما هي إلا دقائق ستمر.
تصاعد تنفسها بصوت متهدج ترتسم ابتسامة سرعان ما تزول ويتملكها إحساس عارم بالبكاء وعدم التصديق ليتطلع نحوها "عمر" بملامح مطمئنة.
_ مش يلا بينا ننزل نستناه بقى ولا إيه؟
إنه آت حقاً، لقد كانت تلك "سحر" بالفعل، أومأت "نسمة" رأسها بالإيجاب عدة مرات لتقفز مسرعة باتجاه خزانه ملابسها لتبديلها بأخرى مبتهجة للغاية وهي تمسح دموعها وتجبر وجهها على الابتسام والفرحة.
بشوق وتلهف اصطحب "عمر" "نسمة" إلى الحديقة لينتظرا عودة "مؤمن" إليهما.
***
دنيا...
بعد وداعها لوالدها ووالدتها سحبت حقيبتها ذات العجلات خارجة من الشقة متجهة إلى محطة القطار لاستقلال القطار المتجه لمسقط رأس والديها (بني سويف).
***
القرية...
سارت "سحر" بخطوات مترنحة بهذا الطريق غير الممهد باتجاه دار "عنتر" وهي تطالع البيوت الصغيرة غير المنتظمة بحافتي تلك القناة الضئيلة (الترعة) والتي يبدو عليها البساطة للغاية.
لم يكن ذلك انبهاراً لكنه كان غير مألوف على الإطلاق فقد اعتادت على هيئة البنايات السكنية الكبيرة والعمارات الشاهقة الارتفاع، واجهات المحلات المضيئة بأنوار زاهية للعين.
لكن الوضع الآن مختلف للغاية، بسيط جداً وحميمي بصورة غريبة، فالجميع يبدو متقارب إلى حد كبير، حتى أبواب تلك البيوت أغلبها بل كلها مفتوحة على مصراعيها مرحبة بكل زائر وآت.
التفت "عنتر" تجاه "سحر" المتعثرة بخطواتها وهو يسألها مطمئناً على قدرتها على الاستمرار بنبرة تحمل بطياتها بعض التهكم.
_ قادرة تكملي، ولا السكة صعبة عليكي؟
رفعت "سحر" هامتها بتحدي وقوة محاولة ألا تتعثر أمامه.
_ لأ طبعاً، قادرة.
_ عموماً الدار قريبة خلاص مش بعيد.
_ تمام.
***
لليوم الثاني على التوالي لم يصل "علام" بعد لإشارة من هاتف "سحر" ليتعرف على المكان الذي اختطفت منه.
لم يجد بُد من الاتصال بخاله "زكي" محاولاً بث الطمأنينة به وبأنه لن يترك الأمر وسيجد "سحر" لا محالة فهو ضابط محنك ولن يستطيع هذا المجرم النفاذ بجريمته دون عقاب.
_ ألو، صباح الخير يا خالي.
_ صباح الخير يا "علام".
تنهد "علام" ليبدو متأثراً باختفاء "سحر".
_ قلبي معاك يا خالي، بس متخافش أنا حعرف طريقها وأوصل للـ*** اللي عمل كدة.
بتعجب شديد لما يتفوه به "علام" أجابه "زكي".
_ طريق إيه وقلبي معايا على إيه يا "علام" أنا مش فاهم حاجة؟
شعر "علام" باستراب من طريقة حديث خاله فهو لا يبدو عليه التأثر ولا القلق لغياب "سحر" ليردف متعجباً من رد فعله.
_ عشان "سحر" يا خالي، هي مش مخطوفة؟
تعالت ضحكة "زكي" على سذاجة تفكير "علام" والذي من المفترض أن يكون متمتعاً بحنكة وذكاء.
_ مخطوفة فين بس يا ابني، ما هي لسه مكلمانا اهي، وكويسة وكله تمام.
انتفض "علام" من جلسته ليهب واقفاً وهو يحول الهاتف من أذنه لأذنه الأخرى بانفعال.
_ مكلماك إزاي؟ دي تليفونها مقفول والشريحة متشالة منه، ده غير صاحبتها اللي قالت لي إنها اتخطفت!
_ اهدى بس، أكيد فيه لخبطة، بس عموماً اطمن هي كويسة.
قضم "علام" شفاهه بطريقة عصبية وهو ينهي مكالمته مع خاله بتعجل.
_ ماشي يا خالي، سلام، سلام.
ضغط زر الإنهاء بقوة وقد تهدج تنفسه من شدة انفعاله وحلت نظرات غاضبة بعينيه البنيتين ليسرع خارجاً من مكتبه متجهاً لمكتب الاستعلامات لتوبيخ فرد الأمن (التقني) الذي يعمل على تتبع إشارة هاتف "سحر".
دلف "علام" إلى مكتب التتبع والاستعلامات وهو يدفع الباب بقوة صارخاً بالتقني دون أن يمهله فرصة للتروي وفهم الأمر.
_ أنت يا بني آدم إنت، مش قد الأمر يبقى مكانك مش هنا، اللي يشتغل معايا لازم دماغه تبقى صاحية، أنا رفعت فيك مذكرة وخصم وعلى الله السطل ده يتكرر تاني وتبقى منتبه طول الوقت، فاهم.
تركه بعلامات الصدمة تعلو ملامحه وهو ينظر إلى زميله المجاور له بعدم فهم ليعلق مؤازراً له.
_ ولا يهمك يا ابني، هو "علام" كده.
_ أنا مش فاهم إيه اللي عملته غلط، ده أنا بقالي يومين منمتش ساعتين على بعض عشان الموضوع ده.
_ معلش يا ابني، هو الشغل معاه مقفرف كده، ربنا يكون في عون اللي حواليه.
***
دار عنتر...
وقفت "سحر" لبعض اللحظات تتأمل هذا البيت البسيط المكون من طابقين فقط حين توقف "عنتر" أمامه يصفق بكفيه بقوة صادحاً بصوت جهوري قوي.
_ إحم، سلامو عليكو.
جالت نظراتها سريعاً على هذا البيت من الخارج ومن هيئته الحميمية رغم عدم بهائه وثراءه.
أكثر شيء استطاعت تمييزه هو ذلك البناء مخروطي الشكل وبه بعض الثقوب، ذلك المسمى بـ (برج الحمام) تماماً كما كانت ترسمه صغيرة بدفتر الرسم خاصتها.
لكنها أول مرة تراه بعينيها حقيقة أمامها لترتسم ابتسامة سعيدة ببدء مغامرة من نوع فريد بحياتها.
استمعت لصوت مهتز من امرأة ما تجيب هتاف "عنتر" من الداخل، صوت يحمل طيبة وعراقة لا تدري كيف شعرت بهما دون رؤية صاحبته.
_ تعال يا وليدي، مفيش حد غريب.
أكان ذلك استئذاناً منه قبل الدخول؟
هكذا تعجبت "سحر" من اهتمامه بتلك الأخلاقيات البسيطة.
دلف "عنتر" أولاً لتتبعه "سحر" بعد بضعة خطوات بفضول شديد لرؤية بقية ذلك البيت.
وقعت عيناها أولاً على تلك السيدة الخمسينية النحيفة قصيرة القامة فعلى ما يبدو أنها صاحبة هذا الصوت الدافئ الذي استمعت له منذ قليل.
كانت ترتدي جلباب أسود وتلف رأسها بوشاح من نفس اللون لكن مع قتامة لبسها إلا أن وجهها كان محبباً للنفس للغاية، يحمل طيبة وحنو.
أقبلت تلك السيدة تجاه "سحر" وهي ترحب بها بحفاوة وحرارة فاجأت "سحر" إلى حد بعيد.
_ يا أهلاً يا أهلاً، يا مراحب بالغالين، نورتي الدار، ده إحنا زارنا النبي النهارده، يا أهلاً يا أهلاً.
قابلتها "سحر" بابتسامتها العذبة التي أخذت تتسع مع كل خطوة تخطوها تلك السيدة نحوها لتردف بابتهاج.
_ أهلاً بيكي يا طنط.
قبلتها "فهمية" بود شديد وهي تدفعها بخفة نحو الداخل بكف يدها الذي أسندته على ظهرها وهي تهتف بترحيب.
_ اتفضلي يا بنتي، اتفضلي.
خطت "سحر" بضع خطوات نحو الداخل لتجلس على أريكة خشبية بسيطة موضوع عليها بعض الوسائد القطنية لتستكمل تطلعها لهذا البيت البسيط المرتب المريح للنفس.
***
دنيا...
استقلت "دنيا" القطار المتجه إلى (بني سويف) تلك المحافظة التي تذهب إليها لأول مرة بحياتها لمقابلة عائلتها الغريبة كلياً عنها بحثاً عن ميراث والدها تاركة كل ما كانت خططت له مسبقاً بحياتها لتبدأ منعطف جديد بعيداً عن "وائل" وعملها والقاهرة بأسرها.
***
البيت الكبير...
لم تصدق "نسمة" عيناها وقد اصطحب الحارس "مؤمن" قادماً نحوهم لتركض "نسمة" بتلهف وهي تحتضن "مؤمن" بقوة تستشعر منه أمانها بأحضانها الصغيرة.
_ "مؤمن" حبيبي، وحشتني أوي يا حبيب ماما.
_ أنا زعلان منك، ليه مش تيجي مع خالتو "سحر"؟
أمسكت "نسمة" كفيه الصغيرين تقبلهما وهي تعتذر منه بشدة.
_ حقك عليا، مش هسيبك تاني أبداً.
أقبل "عمر" يضم كلاهما براحة بعد عودة "مؤمن" ليرفع بصره تجاه الحارس متسائلاً.
_ مين اللي جابه يا "عبد القادر"؟
_ واحد بلدياتنا يا بيه.
_ تعرفه يا "عبد القادر"؟
_ لا يا "عمر" بيه، أول مرة نشوفه.
_ ماشي، اتكل على الله إنت.
حملت "نسمة" صغيرها متشبثة به بقوة ثم اتجهت نحو أحد المقاعد الخيزران وجلست بهوادة تستشعر بالراحة لوجود ولدها بأحضانها.
همس "عمر" براحة.
_ الحمد لله، الحمد لله.
صمتت "نسمة" تماماً وقد أغمضت عينيها بتعمق تدغدغ أنفها برائحة ولدها بعد غياب عنها أوجع قلبها حقاً.
***
مكتب المحاسبة...
بتركيز شديد أخذ "وائل" يعيد بعض حسابات إحدى الشركات حتى لا يسجل أي بيانات خاطئة لحساب تلك الكميات.
بخطوات متغنجة أخذت تصدر صوتاً رناناً لكعب حذاء أنثوي عالٍ يضرب كدقات الناقوس فوق الأرضية الرخامية للمكتب جعلت "وائل" يرفع بصره تجاه صاحبة الخطوات المتمايلة.
سيدة أنيقة للغاية تبدو كواحدة من تلك الطبقة الأرستقراطية المخملية بالمجتمع ترتدي تنورة سوداء ضيقة وكنزة بيضاء تضع فوقهم وشاح حريري مزركش.
لم تكن رائعة الجمال لكنها كانت مبهرة بأناقتها وخطواتها.
قبل أن ينطق "وائل" انبهاراً بتلك الراقية توهجت عيناه ينطقان بما لم يتفوه به لسانه ليتطلع نحوها بصمت في حين وقفت تلك السيدة للحظات تتمعن بـ "وائل" ثم هتفت بدهشة.
_ "وائل".. مش معقول.. أنا مش مصدقة عيني!
ضيق "وائل" عينيه باستراب صادم فمن أين تعرفه تلك الحسناء.
هب واقفاً وقد اكتست ملامحه بعض البلاهة وهو يسألها باندهاش.
_ هو... ااا... إحنا نعرف بعض حضرتك؟
زمت شفاهها بتغنج يليق بها متصنعة الحزن.
_ كده برضه مش فاكرني.. أنا "نور".
_ "نور".....!!!!
_ لأ ده إنت مش فاكرني بجد..!! أنا "نور".. "نورهان صادق" زميلتك في الدفعة.. شفت بقى أنا فاكراك إزاي.. وفاكرة كمان صاحبك "عمر".. إلا هو فين دلوقتي.. شغال معاك هنا؟
قالتها وهي تتلفت باحثة عن "عمر" حولها حين أجابها "وائل" نافياً ذلك.
_ لأ والله.. "عمر" مش شغال معايا هنا.. معقول إحنا كنا دفعة واحدة.. أنا إزاي مش واخد بالي؟
جلست "نورهان" بأريحية تامة ووضعت ساقها فوق الأخرى بتعالي حين أوضحت.
_ يمكن عشان مكنتش مركز غير مع شلة البنات بتاعة "أحلام" وأصحابها.
جلس "وائل" بإحراج بالغ.
_ إحم.. يمكن.. بس قوليلي خير.. جايه المكتب ليه؟
أجابته وهي تغمز بعينيها متسائلة بدلال.
_ إيه.. حتخدمني يعني؟
_ أه طبعاً.. مش دفعة واحدة.
_ خلاص لما نشوف.. بص يا "وائل".. أنا كنت داخلة شراكة مع حد وما اتفقناش.. فعايزة أفض الشراكة دي.. وجيت لكم عشان تعملي كشف حسابات مظبوط عشان أضمن حقي.. يمكن بعدها أقدر ألاقي شريك أحسن نشتغل سوا.
_ بس كده.. بسيطة أوي.. خلاص يا ستي.. اعتبري التقرير ده بتاعي أنا.. وأنا اللي حخلصهولك.
_ أوك.. ده عنوان الشركة.. تقدر تيجي في أي وقت تاخد كل البيانات اللي تحتاجها.
مدت "نورهان" إصبعيها ببطاقة تجاه "وائل" الذي أمسكها يتمعن بما دون بها وهو يردف.
_ تمام.. أكيد حاجي.
_ طيب.. أقوم أنا.. باي.. ومستنياك في الشركة.
_ ضروري طبعاً.
تركته "نورهان" ورحلت من المكتب ليقرأ "وائل" ما دون بتلك البطاقة.
"(نورهان صادق) الشركة العامة المشغولات والصناعات الغذائية... أمممم وماله ميضرش".