كانت أسيا، مر أسبوع ولم يحدث شيء. خالتها تكلمها وتخبرها أن أكمل جن عندما رحلت، وأنه يبحث عنها. أخبرتها ألا تعود وأن تبقى فترة. أحست بالقهر، ماذا يريد منها مرة أخرى؟ فليتركها في حالها، يكفي ما جرى منه ومنها، كانت علاقة مسمومة، أذى كل منهم الآخر.
بعد أسبوع، يأتِ إليها اتصال بأنها قُبلت في الوظيفة وأنهم ينتظرونها في العنوان والساعة المحددة. كان ذلك كله بعد يومين. فقررت أنها لن تترك الشقة إلا بعد المقابلة، فربما تقابل صعوبات ولن تأخذ معها ملابسها لترى ما ينوي عليه ذلك المتغطرس.
مر يومان. لبست أسيا فستانًا واسعًا جميلًا لا يبرز جسدها، فهي أصبح لديها عقدة من جسدها، فلا تريد أن ينظر إليها أحد. هي تشعر بالخجل من جسدها وتشعر أنه يشينها، وكان معظم لبسها هكذا. مع أن جسدها جسد امرأة فاتنة تخلب لب أي أحد، ولكنها العقد التي انغرست بداخلها. لبست عليه حجابًا بسيطًا يبرز جمال وجهها وعينيها. لم تكن تضع مكياجًا من الأساس، سوى ملمع خفيف للشفاه. أخذت أوراقها وحقيبتها وتوكلت على ربها ورحلت.
ذهبت للمكان لتجدها فيلا جميلة منمقة. ليأخذها أحد الحراس لتنتظر موافقة ذلك المغرور. تجلدت وتصنعت البرود واللامبالاة. عشرتها مع أكمل جعلتها تهرب من المشاكل إلى البرود لتدافع عن مشاعرها. فكثرة الضغط إما أن ينفجر الإنسان ويصبح مريضًا، أو أن يجد وسيلة يهرب بها حتى لا يمرض، فيضع حوله هالة من البرود تفصله وتحميه من وجع الآخرين.
مرت أكثر من نصف ساعة ليأذن لها مراد بالدخول. كان جالسًا على المكتب، ولكنه قام عندما دخلت وأشار لها بالجلوس، وهي تلعنه بداخلها. كان يتفرس فيها ويتمنى أن تنظر إلى عينيه، ولكن هيهات، فليست أسيا من تنظر لجنس رجل. قام واتجه إليها وأخرج ورقة وذهب وجلس أمامها ووضع قدمًا فوق الأخرى، ووضع الورقة أمامها وبدأ في الكلام باستعلاء: "بصي يا مدام...
انت صحيح ماعندكيش مؤهلات بس أنا محتاج حد ضروري ومش لاقي. فهيا هتبقى فترة اختبار شهر، يا تكملي يا للأسف مالكيش مكان." تجلدت بالبرود ولم ترد. ظل منتظرًا رد فعل، ولكنها كانت مبهمة بالنسبة له. "هتفضل خرسا تحرقلي دمي والا إيه؟ طيب ماشي... فأردف: "بس فيه شوية شروط كده عشان أقبل أشغلك." فهتفت ببرود: "أكيد طبعًا، اتفضل سمعاك." أحس بالغيظ من لا مبالاتها. فقال: "أولًا، حياتك الخاصة ومشاكلك ما تخشش لشغلك." قاطعته ببرود وقالت:
"ومين قال لحضرتك إن عندي مشاكل؟ وأكيد أنا جايه أشتغل وهجيب مشاكل ليه؟ سؤال غريب شوية." ورفعت حاجبيها ونظرت إليه. فأحس أنه يريد أن يخنقها. فلم يكلمه أحد من قبل هكذا. فأكمل بغيظ وقال باستعلاء شديد: "أي تجاوز غير مسموح، وأي خطوة جديدة في حياة البنت أكون على علم بيها." فانتظر ردها. كانت جالسة بهدوء تغلي من الداخل. فقالت: "حضرتك أكيد طبعًا، أي خطوة هتبقى مشارك فيها حضرتك. باباها؟ بس معلش يعني مش فاهمة، إيه التجاوز ده؟
هتف بنبرة ماكرة، أحس أنه سيأخذ حقه منها ومن برودها. "بصي يا مدام... يعني كل شغلك البنت دي. أي حد تاني لا. فقطبت حاجبيها ليعلم أنها لم تفهم. ليكمل بوقاحة: "يعني إنتِ ليكي البنت. أبو البنت مايبقاش ضمن اختصاصاتك." فنظرت إليه بذهول، غير مصدقة. فشعر بالرهبة. أردف عندما رأى صدمتها:
"حضرتك دخل البيت ده عشر ستات وكلهم البنت كانت آخر اهتمامهم. الستات ليهم اهتمامات أخرى وأفعال مش شغل خالص، ولا كأنهم جايين رحلة واستجمام. مش للبنت خالص. دا كانت حاجة آخر متعة والله، بس أنا مش فاضي للكلام ده ومش رايق صراحة. رغم إن الموضوع كان ممتع. بقول عشان نخلي بالنا إني بره الحسبة." ونظر إليها بمكر وابتسامة خبيثة في إشارة لنفسه. لم تحتمل وقاحته أكثر من ذلك، فقامت فجأة محتده.
"اسمعني كويس يا مستر مراد، عشان إن كان أصلًا هيبقى فيه شغل، أولًا أنا هنا عشان البنت. ولو اللي حصل لحضرتك قبل كده مشكلتك ومشكلة اللي شغلتهم والمستوى المتدني اللي جبته وتفكيرهم وتفكيرك مش مشكلتي خالص ومش أنا خالص نهائي. إنما حاجة زي كده مثيرة للغثيان والقرف." لينصعق. "بقي أنا اللي يتقال كده؟ البت قرفانة مني وهاجت لما قلت لها؟ دا ناقص تشقني؟ ليه؟ مالي؟ أنا مفيش واحدة إلا ما هتموت عليا. نهار أسود أنا مراد الشهاوي."
وأكملت: "وأقدر أقولك إن من رابع المستحيلات إنها تحصل." كانت تنظر بقرف شديد. وأكملت: "أحب أكد لك إن البنت هي شغلي الشاغل، ولا يمكن يبقى فيه غيرها في يوم من الأيام، ولا يظهر أي مظهر يدل على ده. ودا فعلًا شرط يتحط في العقد وشرط أساسي. وإن أي حاجة تأتيه من رابع المستحيلات. وحضرتك تقدر تتأكد أوي من ده، وإنك مش هتلاقيني أصلًا في سكتك من الأساس إلا وقت استدعائي. إيه ده؟
أنا مش مصدقة إن فيه كده أصلًا. اطمن أوي يا مراد بيه، مش عندي الكلام ده."
كانت تشتعل والغضب يأكلها. أنه يلمح أنها ستتهافت عليه وستستخدم أنوثتها للإيقاع به، وهي التي تريد أن تبتعد آلاف الأميال عنه وعن أشكاله. كانت ثورتها بالنسبة إليه غير مبررة. كان غضبها شديدًا ليصعقه لبعض الوقت. وشعر بالضيق الشديد وهز غروره، إذ أن تلك الجميلة لا تهتم به ولا تتهافت عليه كما تفعل الأخريات. وأن انفعالها كان صادقًا وحقيقيًا، فهو ذو خبرة كافية ليعرف النساء ومكرهم. وتلك الجميلة مبتعدة تمامًا عن أي مكر، بل أنها تقول ما بداخلها بصدق واضح. ولكن غضبه زاد من كلامها، فهو مراد الشهاوي الذي تتهافت عليه النساء، فمن تكون تلك لتبتعد عنه وتلقنه درسًا في الأخلاق؟
حاول التحكم في نفسه، ولكنه تكلم وخرجت نبرته غاضبة. "أظن انفعالك غير مبرر يا مدام، والا إيه؟ ماكنش كلمتين تديني قدامهم عريضة وموشح." كانت قد هدأت وهزت كتفيها. كان الأمر لا يعنيها وهو ليس أمامها من الأساس. وقالت: "والله ده اللي عندي. وحضرتك ليك القرار." فهتف بغيظ وقال: "طب بصي في العقد كده، جايز ما يعجبكيش وتدينا موشح تاني."
بهدوء مدت يدها لتري العقد. أنه يلزمها أن تبقى مدة سنة كاملة في حال لم يحدث منها تصرف خارج، وأنها لا تستطيع فسخه حفاظًا على البنت. ظلت تفكر لفترة. فهتفت: "طب افرض حضرتك الأمور ما وافقتش بالنسبالي، هترغمني إني أفضل؟ فقال لها: "أنا مش جايبك عشان أهزر، دي بنتي ومش كل يومين هغير واحدة." هنا وضعت الورقة على المكتب بإهمال. فرفع حاجبيه باستغراب من فعلتها. لتكمل: "أوك تمام، بس في المقابل ليا شروط."
أحس أنه يريد أن يقتلها أو يخنقها. فهتف: "نعم يا أختي." فنظرت إليه غاضبة. وقالت: "وده أول شروطي: مفيش تجاوزات من حد أي كان موقعه في المكان. شغلي ما حدش يدخل فيه إلا بعد مناقشة. وثالثًا: البنت مسؤوليتي مسؤولية كاملة، يعني أنا ليا القرار في الحاجات الأساسية في التعليم واللبس والخروج، وأي تضارب مش هقبله. لأني مش جايه أفضل سنة وأتحبس في مكان زي ده، والآخر ألاقي نفسي خدامة مش مربية لطفلة." ليهتف لنفسه:
"يادي السواد. البت بتقولي تتحبس في مكان زي ده وقرفانة. انت ساكتلها ليه؟ ما تقوم تقتلها وتفش غلك؟ هتف: "أنت مش واخد بالك إنك بتتآمري بزيادة وأنا ممكن أجيب مكانك ألف." فهتفت بهدوء وانحنت لتأخذ حقيبتها دليلًا على عدم اهتمامها:
"والله ده اللي عندي، وممكن حضرتك تتفضل تجيب الألف يرازيك زي اللي قبلهم وتكمل رحلتكم الاستجمامية سوا. أما أنا، زي ما حضرتك وضعت شروط، أنا ليا شروط. وبين البايع والشاري يفتح الله. وحضرتك تقدر تختار." وربعت يديها بتحدٍ شديد ونظرت إليه. وهو في ذلك الوقت كان يريد أن يشبعها ضربًا من عنادها الشديد. ولكن شيئًا بداخله كان يكبلُه أن يدعها تمشي. كان يريد أن يخنقها ولكن لا يتركها ترحل، فأحس بالضيق.
"طب خلاص خلاص، نجرب الشهر الأول وبعدين نشوف." "اتفضلي عشان تستلمي شغلك." فهتفت معترضة: "لا حضرتك، أنا همشي دلوقتي لأني ماكنتش عاملة حسابي إننا هنتفق أصلًا. فبكرة بإذن الله هاجي وأجيب حاجتي وأمضي العقد." أحس أن شيئًا من شياطين الدنيا تلبسته. فهي تتكبر عليه بلا داعٍ، ولكنه يستحق في الحقيقة، فهو يظن نفسه فوق الكل. ثم استدارت بهدوء واستأذنته وقالت:
"أشوف حضرتك بكرة أو أي حد في الفيلا يعرفني شغلي. مش مهم حضرتك خالص تكون موجود." وانصرفت، تاركة وراءها بركانًا يغلي لما أحس من إهانة من تهاونها في حقه. ولم يعرف ماذا يفعل، فأخذ أحد الفازات ورزعها في الحائط والغضب مشتعلًا على آخره. ليهتف مشتعلًا: "مش مهم أكون موجود وأي حد يسلمها الشغل؟ يا قهرك يا مراد." "أجري وراها أجيبها من شعرها! مش شايفاني والا إيه؟ دي اتهبلت؟ بقي أنا مراد الشهاوي اللي الستات بتجري وراه؟
واحدة زي دي تتكبر عليا؟ أنت سكتلها ليه؟ ما رميتهاش بره وطردتها ليه يا مراد؟ إيه اللي مكبلك كده؟ إيه اللي خانقك إنك تسيبها؟ أنت بتتصرف تصرفات مش مفهومة. البت دي عملتلك إيه؟ ماتهدي كده." ظل يأكل في نفسه وهتف: "ماشي يا ست أسيا، أما نشوف."
خرجت أسيا من الفيلا وقررت ألا تسمح لذلك المغرور أن يتجبر عليها أو أن ينال منها، فيكفيها ما حدث لها في حياتها، فلن تسمح لجنس رجل أن يطغي بشخصيته عليها مهما حدث. وذهبت إلى شقتها وبدأت معاملات الانفصال عن الشقة، ولملمت أشياءها وتبيت ليلتها الأخيرة وهي وحيدة، لا تعلم ما هو القادم وما يخفي لها القدر. لتغادر في الصباح إلى مكان عملها، داعية من الله أن تكون حياتها القادمة مع تلك الطفلة تعويضًا لمشاعر الأمومة التي تفتقدها والتي لن تحصل عليها أبدًا في حياتها.
في الصباح، ذهبت أسيا إلى الفيلا لتجد مراد ينتظرها ليأخذها ليعرفها على من بالبيت جميعًا من الخدم. ثم عرفها على والدته السيدة حكمت، كانت سيدة مسنة وقورة طيبة القلب. رحبت بها كثيرًا. وأحست أسيا أن تلك المرأة ليست كابنها، وأنها امرأة حنونة وطيبة. وظلت جالسة معها وقتًا لتفرح بها السيدة حكمت، لتشعر بطيبتها وحنانها. لتستأذن منها أسيا.
وهنا جاء دور الفاتنة الصغيرة تاليا ليتعرف عليها. وهنا أشارت إليه أنها تريد أن تتعرف إليها بنفسها، وأنها لا تريد لأحد أن يقدمها إليها. دخلت أسيا ومعها مراد، وكان يقف بعيدًا على الباب. لتدخل أسيا لتجد فتاة جميلة رائعة كالملاك. فأحست بقلبها يرتجف بشدة، وأحست أن تلك الطفلة ستكون لها في قلبها نصيبًا كبيرًا، وأنها حصلت على ما كانت تنشده. كانت الطفلة تسلب لب أي أحد يقترب منها.
هنا اقترب أسيا منها بهدوء. كانت الفتاة تجلس على الأرض ومفترشة ألعابها. ورفعت عينيها لتجد فتاة جميلة أمامها وتجد أباها يقف بعيدًا. فقامت بسرعة واحتضنت أباها وتجاهلت أسيا تمامًا لتبقى في حضن أبيها. اتجهت أسيا إلى الألعاب وجلست على الأرض وبدأت تلملم بعض الألعاب المكسرة وتحاول إصلاحها. ثم فتحت حقيبتها عن آخرها لتنظر الفتاة تجاه الشنطة، ليتسع عينيها لتجد إحدى العرائس الرائعة الكبيرة التي تلبس فستانًا ذهبيًا براقًا.
لتنزل من حضن أبيها لتقترب من أسيا بهدوء. وأسيا مستمرة في لملمة وترميم الألعاب. وكان مراد ينظر إليها واندهش مما تفعله تلك الفتاة. ليجد ابنته تتركه وتذهب إليها، وهو يعلم جيدًا أن ابنته خجولة، لا تقترب من أحد بسهولة. كانت أسيا تتصنع الاهتمام بالألعاب المكسرة، وكانت تهمس بكلمات حانية لتلك الألعاب. فاتت إليها تاليا. وأحست أسيا بيد صغيرة تنقر على كتفها. فنظرت إليها، فإذا بتاليا تشير إلى العروسة قائلة بخجل:
"هي العروسة دي بتاعتك؟ فابتسمت أسيا وقالت: "لا مش بتاعتي. هم قالوا لي إن فيه هنا بنوتة جميلة قاعدة هنا، فـ أنا حبيت إني وأنا جايه البيت أجيب لها حاجة تفرحها. ولما أشوفها هاديها لها." ابتسمت الفتاة بشدة وأشارت إلى نفسها: "أنا أنا أنا هي البنت دي. يبقى العروسة دي إنت جايباها ليا صح؟
فابتسمت أسيا على تلك الجميلة التي وقعت في حبها. لتأخذ يدها وتضعها على العروسة وتحملها وتعطيها إليها. لتسعد تلك الجميلة بها. وكانت تلمس وتحسس على فستانها الرائع وشكرتها بخجل. وما أن رفعت العروسة لتجد أسفل العروسة عروسة أخرى، ولكنها كانت لبسها ليس على ما يرام. فتعجبت الفتاة وظلت تنظر إلى أسيا، وأسيا تتصنع أنها لم تر ذلك. قطبت الفتاة وبدأت تتكلم. كل ذلك تحت نظر مراد، هو مذهول مما تفعله تلك الفتاة بابنته، وكيف جعلتها تتكلم معها بسهولة ويسر، وهي التي اقتربت منها وليس العكس. كان سارحًا فيها ولا يحيد عينيه عن وجهها الجميل.
هنا نظرت الفتاة من العروسة الأخرى لتقول لأسيا: "طب وليه هدومها عاملة كده؟ هي لي ما عندهاش هدوم حلوة زي العروسة دي؟ هنا قالت أسيا: "طيب مش أنتِ تقوليلي انت اسمك إيه الأول؟ أنا ما أعرفش اسمك إيه." فابتسمت تاليا وقالت: "أنا اسمي تاليا مراد الشهاوي." لتبتسم أسيا ومدت يديها وقبلت تلك الطفلة وقالت لها: "وأنا اسمي أسيا." فلتقطب الطفلة جبينها قائلة: "اسمك حلو." وهتفت أسيا أيضًا: "وانت كمان اسمك أحلى اسم في الدنيا."
أكملت الطفلة: "طب قوليلي بقى هي هتفضل كده هدومها عاملة كده؟ اقتربت منها وأخذت العروسة وأخذتها بين أحضانها. وظلت تنظر لتاليا وتقول لها:
"عارفة يا تاليا، مش كل الناس عندها حاجات حلوة. في ناس ما عندهاش الحاجات اللي عند الناس الثانية. بالظبط العروسة دي. واحدة صاحبتي قالت لي أنا ما عنديش إني ألبسها. فـ سبتها وأنا زعلت جدًا إنها سبتها. وحاولت إني أساعدها وقلت إني في يوم هسعدها ونعمل لها أحلى هدوم في الدنيا وتبقى أحلى عروسة في الدنيا، ويبقى كده إحنا أدينا السعادة لحد. دي حاجة بسيطة جدًا وما تعبناش، وفي نفس الوقت إحنا اتبسطنا جدًا." فرحت تاليا وهتفت مسرعة:
"طيب قومي بسرعة عشان إحنا نعمل لها هدوم عشان هي تبقى مبسوطة وإحنا كمان نساعدها." هنا اقتربت منها أسيا وقالت: "يعني ده معناه إننا بقينا أصحاب؟ عشان الصحاب بيساعدوا بعض. طيب يا ستي، طالما أنتِ بقيتي صاحبتي، أنا هخليكي تساعديني إننا نساعد العروسة دي. وفي الآخر نحطها جنب العروسة الجميلة اللي أنا جايباها لك، يبقى بدل ما يكون فيه عروسة واحدة، يبقى فيه اتنين، نبسط ونلعب بيهم. إيه رأيك؟ هنا هتفت تاليا وبسرعة اقتربت من
أسيا واحتضنتها بشدة وقالت: "أنتِ طيبة قوي عشان كده أنا خلاص بقيت حبيتك وأنتِ بقيتي صاحبتي."
أحست أسيا بالحب الشديد بتركيبة تلك الطفلة. وحست أنها وجدت ضالتها أخيرًا. فبوجود تلك الرقيقة، قلبها سيحاول أن يتعافى بحب تلك الطفلة، وأنها ستنسى أي شيء في وجودها، حتى ذلك المتغطرس الذي يقف بعيدًا ينظر إليهما غير مصدق لما فعلته أسيا في وقت قليل لتسعد ابنته. يشعر بالإعجاب الشديد من قدرتها على تقاربه من ابنته، وأن ما فعلته الآن هو رسالة جميلة أوصلتها إلى ابنته بطريقة بسيطة، وستشارك ابنته في عمل شيء رائع وجميل وهو البدء في كيف تعرف أن تساعد الآخرين. رغم إحساسه بالغضب والغيظ منها، إلا أنه شعر بالإعجاب الشديد لقدرتها على التقارب من ابنته.
هنا تدخل مراد ليقترب منهم ويقول: "أظن دلوقتي هقدر أسيبكم مع بعض." ونظر إلى تاليا: "أظن بقى لك صاحبة دلوقتي يا تاليا وما بقتيش لوحدك. إيه رأيك تفضل معاكي وما تشتكيش تاني إن مالكيش أصحاب." ذهبت تاليا واحتضنت أسيا وقالت: "يعني هي هتفضل معايا على طول يا بابي؟ فهتفت أسيا بسعادة لابنته: "أيوه يا حبيبتي، مش هاتسيبك أبدًا عشان أنتِ جميلة وما ينفعش أي أحد يسيبك أصلًا. واللي يشوفك يحبك على طول."
كانت أسيا تتكلم من قلبها وبحب شديد. ليستأذن مراد على مضض ويشير لأسيا لتقترب منه ليهتف: "أظن اللي حصل ده ممكن يبقى ليكي شأن وتنفعي تكملي في الشغلانة، ومؤهلاتك واضحة. بس يا رب تكمل على كده." لتهتف ببرود: "طب والله حاجة جميلة إننا نلنا رضا مراد بيه الشهاوي." ليحس بالغليان من تهكمها. ليهتف بسخرية: "وتنولي رضاي ليه؟ أظننا قلنا إني بره الحسبة يا مدام، والا إيه؟ هنا لم تستطع أن تكتم نظرات الاحتقار وقالت بهدوء:
"لا اطمن أوي يا مراد بيه. من ساعة ما شفت تاليا ما فيش غيرها بقت قدامي. وما فيش حاجة أيًا كانت هتشغلني، ولا أصلًا فيه حاجة هتيجي في عيني من الأساس. أنا ما بشوفش إلا تاليا وبس. فاطمن أوي. عن إذنك." وتركته وذهبت لتاليا، وهو واقف أحس أن هناك انفجارًا بدأ بداخله. "بقي أنا حاجة؟ أنتِ بقيتِ حاجة يا مراد؟ لا والبت قرفانة! بقي إن ما يتبصليش؟ بقي أنا ما أدخلش في عينها؟ هموت يا بنت الجزمة وأجي أدشدش دماغك. مالك؟
مش شايفة أنا والا إيه؟ أنا بيا عيب أصلًا؟ أنا ما فيش ست بتعتقني. أطول دماغك إزاي دلوقتي؟ غور غور بدل ما تقعد وتروح تهبدها بحاجة." كان غاضبًا. وتركهم معًا. ورغم غضبه كان متعجبًا من قدرة تلك الفتاة الصغيرة التي أبهرته، ولا يعلم عنها شيئًا. ومن داخله يريد استكشافها ويعرفها جيدًا، ولكن غروره يمنعه من الاقتراب منها.
مرت الأيام وأسيا وتاليا أصبحتا رفيقتين رائعتين لا ينفصلان أبدًا. ولكن أسيا لم تكن تدلل تاليا كل الوقت، فكان لابد لها من أن تقومها، فكانت تاليا تسمع كلامها. أحست تاليا بأنها عاد إليها الحب والاهتمام، فارتبطت ارتباطًا وثيقًا بأسيا. في تلك الأيام، كانت أسيا كل اهتمامها منصبًا على تاليا وتعليمها وإرشادها. وكانت بعد أن ينتهي اليوم تجعلها تخلد إلى النوم وتذهب لكي تجلس مع تلك السيدة الرائعة، والدة مراد، السيدة حكمت. فكانت
أسيا استعادت بعضًا من روحها وأصبحت تشع بهجة وصفاء وحبًا للآخرين. فأحبتها السيدة حكمت بشدة وأحبها كل من في البيت. ولكنها عندما تعلم أن مراد سيدخل إلى الفيلا، كانت تستأذن من السيدة حكمت بسرعة وتذهب إلى حجرتها. فكان كلما يدخل مراد يبحث بنظره عنها متلهفًا ليراها، ولكنها لا تكون موجودة. وكان يجلس مع والدته بعض الوقت ليعرف ويستشف من كلام أمه أنها ما إن تسمع وجوده بالخارج، فإنها تستأذن قبل دخوله بدقائق، حيث أنها لا تريد أن
تقابله. وهذا ما جعله يشعر بالغضب والغيظ بعض الشيء. فمن هي لتتجنب مراد الشهاوي؟
كان متأكدًا أنها لا تريد أن تراه وتتجنبه، ليغتاظ. "هي البت دي اتهبلت؟ دا كانوا بيقعدوا لي بالساعات ودي ما بلمحش طرف أمها. أنا بأكل نفسي ليه؟ طيب ما تستخبي والا تغور في داهية. وتستخبي ليه؟ مالي؟ أنا ما حدش ادي. أنا عارف البت دي جاية عشان تحرق لي دمي وتقهرني، أنا عارف."
مرت الأيام وأسيا قد تعلقت تمامًا بتاليا وأصبحت روحها وقلبها، وكانت قد ألهمت فؤاد الطفلة، فأصبحت كظلّها تسمع وتطيع. فاسيا أعطتها حبًا لتخبره والدته بكل ذلك. ليتعجب من قدرة تلك الفتاة التي تشع من أجل ابنته وتتجنبه كأنه مرض معدي.
مرت الأيام ومراد لا يفكر إلا بها وما غيرته في المنزل. وما ينغص عليه أفكاره أنه لا يراها عشرة أيام ويسمع عن حنيتها وجمالها وتصرفاتها التي تدخل القلوب. كان جالسًا في مكتبه يعمل كالعادة. ليدخل عليه المهندس عادل ويعطيه بعض الملفات، ثم يقف مرتبكًا. ليرفع مراد حاجبيه فيفرح: "يا عادل." ويقول: "لا يا مراد بيه، بس كنت يعني عايز أقولك حاجة، أطلب حاجة." ليهتف مراد: "ما تنجز يا عادل، فيه إيه." ليقول:
"أصل أنت حضرتك عارف إني مش متجوز وشاب يعني ونفسي ارتبط وكده يعني." ليهتف مراد بسخرية: "وأنت عايزني أجيب لك عروسة والا أجي أخطب لك؟ ليقول عادل: "لا، ما أنا كنت شفت الآنسة أسيا وعجبتني يعني وكنت بفكر فيها وكده." ليحس مراد أن قلبه سيخرج منه وأنه يريد أن يقتله. فقال بغضب: "اسمعني كده يا أخويا، بتقول إيه ومين اللي عجبتك؟ ليرتبك عادل ويقول: "الآنسة أسيا، من ساعة ما شفتها عجبتني ولقيتها محترمة، وقلت يعني أطلبها بحلال ربنا."
صرخ مراد: "بحلال إيه يا أخويا؟ دا بينها بقت مسخرة. طب اسمع بقى، الآنسة دي مدام ومطلقة ومش بتفكر في الجواز ومش هتتجوز من أساسه، ارتحت." كان يمسك نفسه من أن يوسعه ضربًا. "طب ما هو يعني لو اتقابلنا ممكن... ليقاطعه مراد بغضب: "مفيش ممكن. مفيش حاجة خالص ومالهاش سكة. أنت تروح تشوف شغلك وتنسى القصة دي نهائي. أنت جاي تشتغل والا تحب وتسحس والا أنت قاعد رشق عينك في اللي داخل واللي خارج." كان عمر قد دخل ليهتف: "إيه يا مراد؟
ليصرخ مراد: "على مكتبك يا أستاذ." هنا هتف عمر: "إيه يا ابني؟ أنت مالك شايط ليه؟ ليحاول أن يهدأ ويقول: "البيه جاي الـ إيه؟ عايز يتجوز أسيا؟ رشق عينه في البت من ساعة ما جت وحطها في دماغه ابن الجزمة. أصلها خلاص بقت سايبة." ليهتف عمر: "بجد؟ طب وزعلان ليه؟ طب والله حاجة جميلة، دا حتى توفيق راسين في الحلال وينوبك ثواب." لينظر إليه غاضبًا: "تصديق إن هقوم أفلق راس أمك وراسه نصين وهاخد أكبر ثواب." ليقطب عمر:
"أنت متنرفز ليه بس؟ هو عمل إيه؟ لقول مراد: "عمله أسود ومهبب. أنا مش طايق الواد ده أصلًا. عايز على آخرتها ياخد البت اللي معايا و ملت البيت علينا. قصدي البت اللي تاليا بقت روحها وبنتي. ما صدقت تبقي كويسة وتحس بالأمان. دا تاليا اتبدلت وبقت حد تاني مرحة وبتتكلم. كل ده بسبب أسيا، والبه جاي ياخدها مني." ليهتف عمر: "طب الحمد لله، أخيرًا ربنا وفقك لحد كويس. هي كويسة فعلًا." ليهتف مراد: "دون وهعي أوي أوي والله."
ثم قال: "أسيا ماينفعش تسيب البيت نهائي. والحلوف اللي بره ده ألمه." ليضحك عمر: "طب ما تعصبش نفسك، هلمه طيب، بس تصدق إن شوقتني أشوفها والله، دا حاجة تدخل القلب والله." هنا لم يعد مراد يتحمل ليقول: "طب قوم يا عمر بدل ما أطلع اللي فيا فيك وأقوم أفلقك بدل عادل. ما أنا ما قدامي إلا أنت عشان ما أخليش في نفسك حاجة." ليقوم عمر ضاحكًا: "طب يا عم، ما تزقش. ربنا يهني سعيد بسعيدة. أنا ماشي سلام." ظل مراد يأكل في نفسه. "هو إيه؟
أنا ما بشوفش البت وكل واحد عايز يبص لي فيها. ليبهت فجأة. وانت زعلان ليه يا زفت؟ ما تتجوز والا تولع بجاز. دي إيه دي أصلًا." ليقول لنفسه: "لا تولع إيه؟ دي ما تسيبش البيت على جثتي. عشان تاليا بنتي. أيوه، ماهو مش بعد ما تاليا تتعلق بيها يجي حد وياخدها." ظل يعمل وهو مزاجه ليس على ما يرام ليتعب. ثم يقرر العودة للبيت. ليدخل ليجد البيت هادئًا ويجد أمه جالسة. ليدخل عليها ويقبلها ويهتف: "إيه البيت هادي كده ليه؟
لتهتف الأم بسعادة: "اللي ربنا يبارك لها، نوّارة البيت، القمر أسيا. بدعيلها. خلت البيت جنة من ساعة ما دخلت. حنية وقلب طيب وسعدت البت وتاليا لازقة فيها. يا نني قلبي. ما البت قمر ويتلزق فيها. ربنا يخليها. ونيمت تاليا ولا حتى فتحت بقها."
ليتنهد من كلامها الذي أشعل قلبه. كانت والدته تحكي له ماذا يحدث طوال اليوم من تقارب بين أسيا وتاليا، وأن تاليا أصبحت متفتحة إلى حد ما، وأنها تأمل بعد فترة من وجود أسيا أن تصبح فتاة طبيعية وليست تلك الفتاة المنغلقة على نفسها. وكانت السيدة حكمت لا تكف عن الحديث عن أسيا ورقتها وجمالها، وأنها فتاة نادرة الوجود. وكان هو يستمع لها وقلبه يرتجف، فقد كسبت كل البيت في صفها. ليهتف: "طب وأنتِ من ساعتها لوحدك؟ لتقول: "لوحدي إيه؟
دا أسيا لسه قايمة حتى في دخلك والبت وردة بتفتح الباب. لو كنت قدمت شوية كنت شفتها." ليشتعل من الداخل. فيعلم أنها تتعمد تجنبه كأنه حشرة لا تراه. هنا هتفت الأم: "قوم يا حبيبي ريح يلا، وأنا هقوم أنام." ليتمنى لها الخير. ويصعد ويدخل حجرتَه ويغير ملابسه ويجلس على الفراش متأكلًا. "يعني كانت قاعدة الهانم وأول ما عرفت إني داخل قامت، مش عايزة تشوف وشي." "دانا ما شفتهاش من عشر أيام." ليهب في نفسه ويقول:
"إن نفسي أعرف دي مابتقعدليش ليه؟ أنا ما يتقعد لييش؟ أنا مراد الشهاوي بجلالة قدره، ما بتقعدش لي ليه؟ أفهم." "اللي قبلها كانوا بيسهروا لي. إيه؟ مش شيفاك أوي كده؟ البت دي مالها؟ فاكرة نفسها إيه يعني؟ بتستخبي مني؟ هو أنا بأكل الستات؟ "ما تقعد عادي وأخش ألاقيها. إيه اللي هيجري يعني؟ هاكل من أمها حتة؟ محسساني إنها هتقعد مع عفريت وبتستخبي."
"الهانم مش معبراني. لا واللي قهرني أمي بتقولي دا أول ما سمعت ورده بتفتح لك قامت. دا هاين تتف في وشي قبل ما تطلع. يعني أبقى آجي من باب الخدمين عشان الهانم ماتكش وتطفش وأشوفها زي بقيت الخلق. أنا ماشفتش كده ولا هشوف. هو فيه إيه؟ "نام يا مراد بدل ما أنت نازل هري ومتغاظ ومش لاقيلك صرفة. بت دماغها حجر زفت. إيه ده؟ أما أنام أنا عارف هيا جايه تنكد عليا عيشتي وتحرق لي دمي."
"اتخمد بقى بدل الطحن والهري. طب يا أسيا، ماشي. ليكي شوفة أفش غلي فيكي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!