الفصل 3 | من 17 فصل

رواية الوهم القاتل الفصل الثالث 3 - بقلم ميفو سلطان

المشاهدات
23
كلمة
5,145
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

كان مراد قد أغلق فصلاً من حياته، بحلوه ومرّه، وإن كان الغالب مرًّا. ليقرر بعد تلك الماجنة الابتعاد عن ابنته حتى لا تؤذيها نفسيًا. فمن تنسى أمومتها وتختار حياة المجون، لا تستحق أن تكون أمًا لطفلة رائعة كهذه. وأمها، من الأساس، تركتها ونست. هنا انهارت الطفلة وتقوقعت على نفسها، رغم حنان الجدة ومعاملة الخدم لها، ولكنها افتقدت الحنان الفطري، وهو حنان الأم، الذي كان شحيحًا من الأساس، ففقدته بالكامل.

كانت الجدة تشعر بالاستياء الشديد على تلك الطفلة، فهي تحتاج لحنان الأم وحنان الأب. ولكن مراد شخص متشدد إلى حد ما، ذو عقل مغلق، لا ينصاع لمشاعره أبدًا. وكل تفكيره من رأيه، ولا يستجيب لآراء الآخرين. فهو شخص يشعر بالغرور، شخص كل من حوله ينحني له، وترتمي تحت أقدامه النساء وينتظرن إشارة من يديه. فصعب الخضوع.

في يوم من الأيام، كانت الطفلة تلعب بألعابها ودمياتها، لتذهب إلى الجدة مسرعة بالبكاء. فاحتضنتها الجدة، لتطلب منها أن تذهب إلى أمها وأنها تريد أن تنام في أحضانها.

ولكن الجدة ليس في يدها شيء تفعله. وحاولت أن تهدئ من روع تلك الطفلة الصغيرة. وهنا قررت الجدة أن تكلم مراد وتقنعه أن يحضر للطفلة شخصًا يعتني بها. شخصًا مدربًا على أعلى مستوى، ليشعر الطفلة ببعض الاهتمام. فالجدة ليست على قدر كبير من الصحة لكي ترعى الطفلة، والخدم ليسوا مؤهلين للعناية بالطفلة وإعطائها الحنان.

لم يستجب مراد في البداية، ولكنه بعد إلحاح الجدة وافق على طلبها. وبدأ في مقابلة بعض السيدات والفتيات. وقد جاءت الكثير من الفتيات، ولكنهم لم يكملوا مدة كبيرة. فمعظم النساء التي أتت كانت عيناها على مراد من الأساس. فكانت منها ما تظهر له فتنتها، وأخرى تتدلل عليه، وأخرى تفتعل المواقف لكي تتكلم معه. كانوا يفعلون أي شيء للتقرب منه باللبس الفاضح والتدلل الزائد، ولا يهتمون بالطفلة كما تهتم بأبيها.

حتى يأس مراد من الموضوع بأكمله. وكانت المشاكل تزداد وتزداد، فهو لا يطيق النساء التي تترمي عليه. رغم كونه رجلاً يحب أن يُحاط بالاهتمام من الكل، إلا أنه في أمور ابنته لا يتساهل مع أحد. فهي أصبحت نقطة ضعفه الوحيدة. وكان يريد أن يشعرها بالحنان رغم انشغاله. ولكنه رغم ذلك، كان يقضي معها وقتًا قليلاً ليحاول أن يعطيها ويعوضها عن الحقيرة التي تركتها ورحلت وفقدت معنى الأمومة.

كان مراد قد يئس تمامًا أن تأتي امرأة صالحة، لظنه أنه لم يعد يرى فيهم الصلاح. فبسبب زوجته كان يحتقر النساء بشدة لما يفعلن من أفعال مخزية ليقتربن منه عن طريق ابنته. فكان يطردهن شر طردة، وكان لا يتهاون معهن أبدًا.

كان قد أصبح مثقلًا بالهموم. وأصبح موضوع ابنته يوجع قلبه. فكان يجلس في عمله مهمومًا بشدة. إلى أن جاء يوم ودخل عليه صديقه عمر، ليقترب منه وهو يراه مرهقًا بشدة، ليبدأ في الكلام معه ويحاول أن يخفف عنه. وهو يعلم جيدًا ما مر به طوال الشهور الماضية، وما فعلته زوجته الحقيرة، وما حدث له من المربيات التي أتين فقط لكي يرتمن تحت قدميه.

هنا تكلم مراد بوجع: "إنه لم يعد قادرًا أن يرى ابنته هكذا، لا تشعر بالحنان، وهو لا يجد ولا يثق بأي امرأة أخرى بعد ذلك." هنا تكلم عمر وأقنعه أن ينزل إعلانًا في الجريدة ليطلب فتاة أو امرأة بمواصفات معينة، ويحدد تلك المواصفات لكي لا يجلب لنفسه المتاعب.

"امرأة جادة ترغب في العمل الجاد، ولا يتساهل رب العمل في التسلية والابتعاد عن العمل، وأن الراتب مجزٍ في مقابل أن تكون تلك المرأة على قدر من الاحترام والجدية. وأنه إذا لم يحدث ذلك، سيكون هناك شرط جزائي مقابل عدم إتقانها لعملها. وأنها ستطرد في حال خلافها لتلك الشروط دون أن تحصل على أي عائد مادي."

هنا ظل يفكر في كلام عمر وأحس أنها فكرة جيدة. فاستدعى سكرتيرته وأمرها أن تنزل ذلك الإعلان لكي يجلب لابنته شخصًا، كل همه رعاية ابنته، فلربما تحصل على بعض الحنان الذي فقدته. وتمنى أن يكون شخصًا جيدًا لا يسعى إلى المادة والتلاعب. رغم ثقته الشديدة أنه لم يعد هناك امرأة لا تسعى وراء المال وأن تعيش في رخاء دون أن تبذل أي مجهود.

فاستجابت السكرتيرة وأعدت الإعلان ليوافق عليه مراد. لتبدأ أول خطوة في انتقاء من يصلح أن يكون عونًا لابنته، فلربما تأتي من تعوض تلك الصغيرة عن حنان أمها. فالله يقطع من جانب ولكنه يوصله من جانب آخر. *** بعيدًا، نعود لأسيا.

تطلقت أسيا من ذلك المدعو أكمل. مرت فترة طويلة تتعافى من كسورها الخارجية، ولكن الله أعلم بكسورها التي انغرست بداخلها. حاولت خالتها كثيرًا أن تعرف ما في قلبها وتنعشها، ولكن أسيا كانت كالصنم لا تتكلم. قررت أن تقفل على نفسها وتكمل حياتها ميتة في صمت.

كان كل ما يؤلمها أنها لن تصبح أمًا. لم تهتم بوجود رجل في حياتها. فأكمل كفى ووفى وجعلها تكره دنيا الرجال من الأساس. كانت قد تعافت تمامًا، وبدأ أكمل يعود ليغزو حياتها ويحاول استرجاعها. فهو يشعر بالجنون لفراقها، فهي ملاك يمشي على الأرض، أنثى بحق، مفعمة بالحيوية، كان يفتقدها كثيرًا ويبعث مراسيل إليها. حتى تعبت من الدنيا بأكملها. لم تعد تتخيل نفسها مرة أخرى في هذا الهوان والعذاب. أرادت أن تهرب ولكن لا تعرف إلى أين. كانت تمتلك المال الوفير، ولكن ليس لديها الشجاعة لترحل.

كانت خالتها تساندها وتحاول أن تصد هجمات أكمل الشرسة. ليأتي ذلك اليوم الذي يقع تحت يد أسيا أحد المجلات. لتجد إعلانًا منذ شهر فات يبحث عن مربية لطفلة ثلاث سنوات. ليخفق قلبها بشدة. وأحست أن الله قد بعث لها تلك المجلة لتنقذها من عذابها. فقررت أن ترحل عن مدينتها تمامًا ولم تقل لأحد عن تلك الوظيفة.

ذهبت لخالتها وأخبرتها أنها تريد أن تبتعد لفترة لأن أكمل لن يتركها لحالها، وأنها ستؤجر شقة في القاهرة لتجلس فيها لتريح أعصابها، فهي معها المال ولا تحتاج إلى العمل. حاولت الخالة الاعتراض، ولكن تحت إصرار أسيا رضخت لها على شرط أن تسافر معها لتطمئن عليها. وبالفعل شدوا الرحال لمدينة القاهرة، لتذهب إلى أحد السماسرة لتؤجر شقة مفروشة لمدة أسبوعين قابلين للتجديد.

وكانت في منطقة راقية. وهنا اطمأنت عليها خالتها وجلست معها يومين ثم ودعتها على أن تكون على تواصل معها. كل ذلك وأسيا تخفي الإعلان حتى لا يعلم أحد، فلو علم أكمل سيفتعل لها فضيحة كبرى، فهي من عائلة كبيرة، كيف تعمل عند الآخرين.

مرت بعض الأيام لتقرر أسيا أن تأخذ شهادتها وإثبات شخصيتها وذهبت إلى الشركة التي تطلب تلك الوظيفة. دخلت الشركة لتسأل عن صاحب الإعلان، ليتجهوا بها إلى السكرتارية، لتنتظر بعض الوقت ليأذن لها مراد بالدخول.

دخلت وهي مرتبكة، تفرك في يديها، لتجد شخصًا حاد الملامح متجهّمًا ينظر في أوراق أمامه، فشعرت بالرهبة من وجوده. ظلت واقفة لبعض الوقت، فعبس جبينها. فهو يعتبر قليل الذوق ليجعلها تنتظر. أحست ببعض الغضب، فتحمحمت، فرفع حاجبيه لينظر إليها متفحصًا. كانت عيونه كعيون الصقر، لا تحيد عنها ولا عن هيئتها. تفرس فيها من أسفلها لأعلاها، ليجد فتاة جميلة هادئة، تلبس ملابس واسعة تخفي جسدها ولا تبرز تفاصيل جسدها، وذات حجاب رقيق. كانت بسيطة غير متكلفة، ولكنها فاتنة، وكانت تبدو كمراهقة جميلة أتت من عالم الخيال. ولكن عينيها، وقد سرح بهما لفترة، ففيهما كمية حزن غير عادية.

أحست باحمرار خديها وتوترها من تفحصه هذا. فإذا به يقوم من مكانه، لتتفاجأ بطوله الشديد وهيئته العريضة، فهو شخص ذو جسد رياضي ويمتلك وجهًا جادًا، وفي نفس الوقت وسيم بدرجة عالية. فاخفضت عينيها عن وجهه وهي تشعر برجفة في قلبها. اقترب منها وظل يحوم حولها وبدأ بالكلام. "أسيا الهلالي، ٢٢ سنة، خريجة تربية طفولة من المنصورة. مش ملاحظة إن مفيش أي خبرة؟ مالكيش مؤهلات عالية؟ وجاية من آخر الدنيا؟ وإلا إنت شايفة إيه؟

أحست ببعض الغضب من سخريته المبطنة، لتقول بحدة: "حضرتك، ممكن أكون ما عنديش خبرة، بس أنا في نفسي واثقة إني أقدر أدي بنت حضرتك اللي هي بتفتقده. حضرتك ما تحكمش على الناس من خبراتهم. تجرب الأول وتعيش الخبرة معاهم، وبعدين تحكم. ياما ناس معاها خبرات وهي لا تفقه شيئًا عن التربية. أظن حضرتك في السوق وعارف كل ده." فرفع حاجبيه ساخرًا، فهي تبدو طفلة في نظره. "وإنت بقا اللي هتقدري؟ فاقتربت منه

ونظرت إليه بصلابة وقالت: "حضرتك، دا عرض وطلب، وليك كل الحق بالاختيار. أنا مش هموت على الشغل أوي يعني، ولا محتاجة أشتغل أصلًا. بس كل اللي حباه إني أقرب من الأطفال وأقدر أساعد. يعني ما تفكرش حضرتك إن خروجي من شركتك ورفضك ليا حاجة كبيرة." وصمتت وتراجعت مرة أخرى. أحس بالاندهاش في داخله من تلك الفتاة وقوتها وعدم خوفها منه. كيف تجرأت أن تكلمه هكذا؟

استدار وجلس على المكتب وضحك ضحكة ساخرة. "طب ما تدينا فكرة كده عن إزاي هتتعاملي؟ أحب أعرف طيب، ماهو عرض وطلب، وإلا إيه؟ وزي ما إنت مش هتموتي على الشغل أوي كده، أنا كمان مش هاموت وأشغل أي حد." احمر وجهها ولكنها استجمعت نفسها. كانت تنظر إلى وجهه، ولكنها أبدًا لا تخاطب عينيه ولا تنظر إليهما، وذلك أغضبه كثيرًا، فكانت نظراتها له استخفافًا، مما أشعل قلبه.

لتقول: "حضرتك، أنا خريجة تربية طفولة واتدربت كتير على التعامل مع الأطفال، وأنا من جوايا بعشق الأطفال لدرجة إني بفكر أروح ملجأ. دي حاجة جوايا. أنا مش مطالبة إني أقنعك، إنت ليك تجرب، تشوف وتعرف إن بنت حضرتك هتبقى في قلبي قبل عيني. أما بقا حكاية إني مانفعش كده، خبط لزق، فدا ما أعتقدش تصرف فيه خبرة وحكمة، لأن المفروض حضرتك مجرب الدنيا وأيام، يبقى البسيط في نظرك اللي ما يستحقش يكون هو العالي المطلوب."

رفع حاجبيه غير مصدق أن تلك الصغيرة تكلمه بهذا العنفوان. ليشتعل أكثر ويهتف: "أنا حاسس إنك واثقة أوي من نفسك وإنت صغيرة، مش كتير شوية ده عليكي؟ لتستغفر ربها وتقول: "هو حضرتك عشان صغيرة أبقى خلاص مانفعش. عمومًا، ممكن تقلي وأمشي من سكات، وما نقعدش نشغل بعض بكلام فارغ ومناهضة مالهاش قيمة." لينصعق من ردها. وأحس أنه سيأكل نفسه. "بقي أنا اللي ينشغل بيا كلام فارغ؟

دا اللي زيك بينحدفوا عليا بالكوم. مالها دي ومالها طايحة وبايعة كده؟ حتة عيلة تكلمني أنا كده؟ ومالها؟ لا بصالي ولا كاني هوا. هو فيه إيه؟ دا عينها ما حطتهاش مرة في عيني. لا كده كتير، البت دي حكاية." طيب، ليهتف: "طيب، طالما مش صابرة على كلام الكبار ومناهضتهم، هتصبري على عيلة صغيرة؟ دانت مش مستحملة حد يكلمك، قطر ومبرد، هتعملي إيه في بنتي؟ كان الغضب قد

وصل مداه منها لتقول بحدة: "حضرتك، أنا مالي بكلامك وصبري عليك. أنا ماليش أصبر على حد مالهوش دخل بشغلي. إنما بنت حضرتك معاملتها هتبقى حاجة تانية. وإيه قطر ومبرد دي؟ فيه إيه يا أستاذ؟ إنت مش ملاحظ إنك بتتجاوز في الكلام؟ جاية لبنت حضرتك وهحطها في عيني، وقلتلك مش بسن ولا خبرة، يبقى ليه لازمته الرغي الكتير؟ يا آه يا لا." أحس مراد أنه يريد أن يقتلها. فلم تقف له امرأة هكذا من قبل. "نهار أسود، هي بتكلمني أنا كده؟

مراد الشهاوي يتقال له كده من حتة عيلة؟ هي مش شيفاني وإلا إيه دي؟ باينها مجنونة. هي مش ست زي بقية الستات، فاكرة نفسها مين؟ دانا بيقع ليا منها الوف. وبيترموا عليا." ليهتف بنبرة غاضبة متحكمًا في نفسه بصعوبة: "والله دا حاجة أوي. طب يا آنسة، هبطل رغي وكلام فاضي. سيبي عنوانك وهكلمك." فابتسمت ساخرة وقالت: "مدام أسيا، حضرتك." فبهت مراد في نفسه وأحس بالاشتعال والضيق فجأة أن تلك الصغيرة متزوجة. كان يحترق بلا سبب له.

ثم نظر إليها بغضب: "وإنت بقا فاكرة إني هشغل حد عندي مش متفرغ؟ يا مدام. جايالي متجوزة وبتتشرفي كمان؟ أحست أنها لا تطيقه وأنه شخص متعجرف. فقالت بنبرة حانقة، وبابتسامة باردة: "لا حضرتك اطمن، كل التفرغ هتلاقيه."

فرفع حاجبيه لتكمل هي: "أنا حضرتك مطلقة. يعني مفيش أي مشغوليات. وعمومًا، أنا همشي وعند حضرتك التليفون والعنوان." واستدارت وتركته يقف مذهولًا من تلك الحمقاء التي تكلمه بهذه الطريقة، وأنها لا تهتم بكلامه وترد عليه الكلمة بكلمتها. وكيف تتركه وتمشي دون أن يأذن لها. "البنت مشت ولا عبرتنيش." "أقوم أجري أجيبها من شعرها. هو فيه إيه؟ إنت بتاكل نفسك ليه دلوقتي؟

نفسي أعرف يا زفت إنت." استعجب منها ومن قوتها. واستاء من أنها كانت متزوجة. "إيه دي مطلقة؟ البت الصغيرة دي؟ دي قمر، تطلق ليه؟ " كان يأكل نفسه، ولكنه لم يعلم لماذا لم يحب هذه المعلومة عنها.

رحلت هي، تاركة وراءها شخصًا يفكر في كم التناقض الذي كان أمامه. جمال وفتنة وحزن وقوة وضعف مبطن وشيء غامض بداخلها. مزيج غريب لم يعاشره من قبل. ظل مترددًا أن يقبلها في الوظيفة. كان غاضبًا منها بشدة ومن تعاليها عليه. ولكن كان هناك شيئًا بداخله يخبره ويلح عليه أنها مختلفة. كان شيئًا تولد يدفعه دفعًا أن يوافق، ولكنه لم يشعر به، لياخذ قرارًا وينفذه على الفور. ***

خرجت أسيا من الشركة والغضب يتأكلها من ذلك الحقير، من يظن نفسه. أحست أنها شحاتة وهي بنت الحسب والنسب. وظلت مغتاظة. "طب أرجع له أهزئه وأقول له إني مش محتاجة. كان لازم أهزئه، دا قليل الذوق. لا وبيتأمر؟ عبشك شكلك راجل عامل زي الطائر المجنح. وما فيش خبرة ومتجوزة؟ إيه ابن بارم ديله دا؟ إيه القرف ده؟ بينقي مساعده ولا حد يشيل أهله من عالأرض. دا كانه فوق الناس. راجل بارد ومستفز. ربنا يبعدنا عنه."

وتذكرت أكمل وما كان يفعله. ونزلت دمعة من

عينيها لتمسحها وتكمل بقوة: "خلاص يا أسيا، مفيش راجل هيجي عليكي تاني. مفيش راجل هيفرد قلوعه عليكي. إنت لازم تبقي أقوى وأقوى. الصنف ده عايز اللي يناطحه عشان يتلم. هو فاكر إنه ربنا. والله لو كنت بس أقدر أسيب الشغلانة كنت أكلت وشه البارد بتاع المقامات. عبشك شكلك بجد حرقتلي دمي. منك لله يا أكمل. ويسامحني ويسامحك. آه يا وجع قلبي. كان نفسي أشتغل الشغلانة دي يا بارد ياللي ما عندكش دم."

"حاسة بقلبي منهار، ووجود طفلة في حياتي هيفرق." ظلت تفكر: "طب أروح أشتغل في ملجأ؟ بس ما عنديش مؤهلات. ماهو عنده حق. بس وقح وطريقته سخيفة. يلا يا أسيا، روحي واهدي بدل ما إنت بتاكلي في نفسك كده." ذهبت إلى بيتها وأخذت حمامًا وتوضأت ونامت لتريح قلبها قليلاً. على الجهه الأخرى، نجد مراد يجلس في المكتب ويفكر في تلك الفتاة. منذ أن خرجت وهو لم يكف عن التفكير فيها. من أين أتت بكل تلك القوة لتقف تناطحه؟

كان غاضبًا بعض الشيء، ولكنه من الداخل معجب بقوتها. فأي امرأة تقابله تتصنع الضعف والدلال لكي تكسبه. أما تلك الجميلة، وسرح في جمالها ووجهها بعيونها الزرقاء بغمازتها الرائعة، بحزنها الذي يقربها من القلوب، مزيج عجيب يحب أن يستكشفه. ثم فجأة نهر نفسه: "إنت اتجننت يا مراد؟ إنت هتخيب وإلا إيه؟ إيه حتة البت دي أصلًا؟ ما تعقل كده، ما عادش إلا دي والستات بتترمى عليك. بس البت دي طايحة ليه كده؟

دانا ما فرقتش معاها ببصلة، وإلا يكون تمثيل؟ لا لا، إنت مش أهبل، البت جامدة." ليسرح بها فتره وقلبه يرجف. "إيه يا مراد مالك؟ مش على بعضك؟ ما تهدي على نفسك، الستات بتعدي عليك بالكوم. مالها يعني؟ ليصمت ويهب: "لا لا، فيه حاجة شايطة جوايا. عايز أجيبها وأكسر رقبتها عشان تبصلي في عيني وتكلمني. مش أنا اللي يتبصلي كأني مش موجود." *** هنا دخل عليه عمر ليجده مسهماً، قاطباً حاجبيه. فهتف: "إيه يا عمنا؟ إنت سافرت مالك كده؟

فنظر إليه ببرود: "عايز إيه؟ فرد عليه: "يا ساتر. إنت شايل طاجن ستك ليه؟ أنا سمعت إن فيه حتة بنبوناية دخلت عليك. ها، إيه الأخبار؟ الواد عادل بيقول عليها حتة سكر متغلفة عالفرازة. هاه، انطق قول." أحس مراد بالغضب من كلامهم عليها وأحس بالغيظ الشديد، ولكنه أخفى ذلك وقال: "آه، البنت دي مش أوي يعني." فقاطعه عمر: "مش أوي إيه؟ دا بيقول صاروخ بس لابسة شوال." فنهره مراد مغتاظًا: "وإنت عايزها تلبسلك إيه إنت وسي زفت؟

إن شاء الله محزق وملزق؟ فقطب عمر جبينه: "فيه إيه يا كبير؟ ماترسيني عالقصه. كلامك محيرني." فتنهد ليكبت ما بدأخله وغيضه الغير مبرر ويقول: "مفيش يا سيدي. الست مطلقة وجاية من آخر الدنيا عشان تشتغل. لا وبتتأمر، الـ إيه؟ مش محتاجة الشغل وجاية عشان حابة ده. عايزة تقولي فلوسك؟ ابلعها بنت الـ... دانا أجيب زيها آلاف." فهتف عمر: "مطلقة إزاي؟

دا الواد بيقول عيلة صغيرة وقمر، وإلا غمازتها يا واد. دا شوقني من كتر كلامه. عيل ابن فقرية كل وداني. ولما خرجت كان هيموت ويجري وراها. تقولي مش أوي." هنا انفجر مراد وتحول، والغضب قد تمكن منه. فلم يتحمل كلامهم عليها، ولا يعلم لماذا يثور هكذا، ولكنه لم يعرف أن يمسك نفسه. "وسي عادل ما وراهوش شغلانة إلا هي وإلا إيه؟ انهارده. وعايز يروح وراها ليه؟ بتاع إيه؟ له عندها إيه؟

ما يلم وش أمه ويقعد يترزق. يشتغل هو جاي يشتغل وإلا يشقط؟ ابن الجزمه. والله لأوريه." فبهت عمر من غضبه: "فيه إيه يا مراد؟ إنت مالك؟ متعصب ليه كده؟ هو عمل إيه يعني؟ ومالك غضبان من البت أوي كده؟ ما كانتش قصة." فقام من مكانه ليستدير ويهدأ من نفسه. فكلامهم أعصبه بدون سبب. فقال ساخطًا: "آه، مطلقة وصغيرة، عندها ٢٢ سنة. مش هنحقق يعني؟ هو مال أهله؟ أنا اللي أقول. بس ما عندهاش خبرة. لا وجايين من المنصورة."

فتح عمر عينيه: "اوبااااا. قول بقه المنصورة. آه يا عم بلد الجمال. يبقى الواد عادل عنده حق وهنشوف المزز بتاعتهم. دا أنا هرشق عندك في الفيلا." استدار مراد بغيظ: "تصدق أنا اللي هاجي أرشق دماغ أمك في الحيطة. أنا هاجي أطحنك إنت وعادل في ساعة واحدة." فضحك عمر: "أهدي بس، فيه إيه مالك يا عم؟ إنت؟

فهتف مراد غاضبًا: "فيه إنها بت مغرورة وشايفة نفسها ومحسساني إن إني ولا حاجة، وإنها جاية لمزاجها. ونازلة سخرية مني طول القاعدة. لما كنت عايز أطبق في زماره رقبتها. لا واخرتها تسيبني وتمشي وتقولي نمرتي عندك. اللي ما استعناش أشغلها خدامة عندي. فاكرة نفسها حاجة. أنا أتعامل كده؟ أنا يتقال لي كده؟ هموت وأجيب رقبتها. حتة عيلة تناطحني كده." فهتف عمر: "ما تهدي يا عم خلاص. مش عاجباك تروح لحالها. بس بينها واثقة من نفسها."

فسخر مراد: "آه، عيلة عندها ٢٢ سنة واثقة في نفسها؟ إنت أهبل يا عمر؟ فهز عمر أكتافه بحيرة وظل مراد يأكل في نفسه. ثم قال: "طيب، ماشي يا ست أسيا. أنا هجيبك شهر عشان أعرفك إنك ما تسويش حاجة. ماشي؟ عشان تعرفي تقفي تناطحي أسيادك." كان عمر مذهولًا. أول مرة يجد مراد غاضبًا هكذا، وخصوصًا من امرأة. فهو كتلة من البرود. فقال: "طب ما جايز تبقى كويسة. ليه تفترض الوحش؟ إنت داخل حرب؟

فرفع مراد حاجبيه وقال: "واحدة صغيرة وجميلة زي ما بتقول، مع إنها عادية أوي. ومطلقة في السن ده. وجايالنا من بلد تانية. إيه اللي هيحدفها علينا؟ إلا إذا كانت زي اللي قبلها وقبلها. ستات جاية بتدور على صيدة." ليهتف عمر: "إنت يا ابني مش لسه قايل واقفة تنطح فيك؟ يبقى جاية تصطاد إزاي؟ والواد عادل بيقول بت محترمة." ليقاطعه مراد: "الله يخربيت عادل واليوم اللي اتحدف علينا فيه. ما تبص بقه هو فيه إيه."

قام عمر وقال: "شوف بقلك إيه، أنا دماغي وجعتني. يا آه يا لا، بسيطة. تروح هي تيجي مكانها عشرة. يلا، أنا عندي شغل." ظل مراد يفكر في جملته: "يجي مكانها عشرة. بس هو أول مرة يعدي عليه نوع كده. لا ما فيش عشرات. ما شفتش أصلًا كده. جبروت... بنت إيه. لا ومنفضالي. كأني عيل ما يسواش. وأنا اللي ما فيش حد يقدر عليا. طب يا بنت بارم ديله هنشوف."

فقرر أن يوافق عليها ليعرفها حجمها. كان يأكل في نفسه، وملفها أمامه وصورتها تنير الملف. "لسانك مبرد ليه كده؟ ومش حلوة أوي يعني زي سي زفت عادل ما قال. طب يا عادل الكلب، والله لأخزقلك عينيك عشان تبص عليها كويس. متغاظ يا بنت الجزمه؟ طب استني عليا." ليتصل بنمرتها لترد عليه بصوت رخيم. ليهتف بنبرة باردة: "مدام أسيا." لتعرف صوته ولكنها تصنعت البرود: "أيوه يا فندم، معاك خير." ليغتاظ أكثر: "معاك مراد الشهاوي."

لتهتف: "أفندم، أوامر." لينظر للتليفون ويضغط على يده من غيظه: "آه يا بنت الجزمه، طيب ماشي." ليقول باستخفاف: "هو ملفك فيه شوية حاجات كده ناقصة؟ زي مثلًا تقديرك في الجامعة؟ وإلا كنت طالعة بالعافية؟ " كان يستخف بها. لتقول بنفس البرود: "لا يا فندم، مش طالعة بالعافية. أنا تقديري جيد جدًا الأربع سنين." ليقول: "ولما هو كده ما كتبتيش ليه

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...