تحميل رواية «الوهم القاتل» PDF
بقلم ميفو سلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - في احدى الفلل العريقه علي اطراف مدينه المنصوره كانت تنام تللك الفتاه الجميله البائسه التي تشعر بالقهر والحزن الشديد والتي تعيش حياه من كثره سوادها تتمنى لو انها تموت في لحظاتها.. مما تعيشه من اهانه من الاخرين والكره الشديد.. كانت اسيا فتاه جميله جمال هادي يدخل الي القلب فور رؤيته.. في الثانيه والعشرين من عمرها كانت قد تخرجت من كليه التربيه طفوله حيث كانت تحب الاطفال بشده وتحب ان تكون بينهم وكانت يتيمه تعيش تحت كنف عمها الذي كان يحبها كثيرا والذي اغدقها حنانا وحبا ولكن الله له حكمه في توقف...
رواية الوهم القاتل الفصل الأول 1 - بقلم ميفو سلطان
رواية الوهم القاتل الفصل الثاني 2 - بقلم ميفو سلطان
لم تنم الأم ليلتها تفكر في ابنها والفضيحة التي ستحل عليهم، فهم من أعيان المدينة. وما إن حل الصباح حتى ذهبت إليه لتخبره برغبة آسيا في الطلاق، وأنها لن تعود إليه مرة أخرى. وأنها في مقابل ذلك ستوافق وتتنازل كي تخرجه من ذلك المكان القذر.
"وإنه يجب أن يطلقها بلا عودة."
ليهتاج ويكمل، وظل يصرخ ويقول: "ده بعدها استحالة إني أسيبها، طول ما هي تحت إيدي، طول ما أنا في أمان، استحالة إني أسيبها."
حاولت أمه كثيراً أن تقنعه، ولكنه لم يعد قادراً على الهدوء. فهو يشعر أن برحيل آسيا ستصبح الفضيحة علنية. وقال: "لأنها ما إن تتزوج، ساعتها سينكشف أمره. أسيبها إزاي يا أمي؟ أنتِ عايزة تخلي سمعتي في الطين. آسيا قمر وبت ألفرازة، وهموت عليها. بس أعمل إيه؟ أعمل إيه؟ سنتين وأنا بتعذب، ولفيت على دكاترة الدنيا، وهي هبلة ومصدقة إنها ما تنفعش ست وخلاص، قلت قدري. بس أهي معايا، حتى أبصلها وأملي عيني منها، تقوم تسيبني؟ ده أنا أقتلها. يا أمي، آسيا ما فيهاش غلطة، أنا اللي ماليش في النسوان. مشيطالي قلبي دا، كفاية رقتها وجمالها، والا جسمها اللي قهرني ومش عارف أطوله. ليه؟ ليه اتخلق كده؟ لا مش هسيبها. اعملي حاجة، أنا هانقهر. البت تروح مني كده؟ يا سوادك يا أكمل."
"طب استسمحيها، وأنا هحاول أتحكم في قهرتي، هحاول، بس ماتسيبنيش. أنا مابطلش منها غير إني أقعد أملس على جسمها بعد ما بضربها. بضربها عشان تِسورق، وأقعد أحسس عليها من قهرتي."
أخبرته أمه محاولة أن تقنعه، أنها هي من ترسخ في ذهنها أنها هي المريضة، وأن آسيا فتاة بسيطة ولن تقرب من رجل، وأنها لن تجرؤ على أن تدخل رجلاً في حياتها. وأنهم ليس أمامهم حل آخر إلا أن يطلقها. ظل يهيج ويميج، ولكن في النهاية رضخ لأمه، لأنه كان قد وُجِّه إليه تهمة الضرب والشروع في القتل، وكان ذلك سيجلب له الحبس لمدة طويلة. فوافق على طلبها، ولكنه اشترط أن يقابلها أولاً. وكان يخطط لتلك المقابلة بخبث. فجاءت الخالة وزوجها، وحضر المأذون، وآسيا معهم تشعر بالقهر والذل.
فطلب منهم أن يجلس معها بمفردها، ليبدأ في بث سمه إليها. فهي فتاة طيبة وصادقة، ولا تعلم كم الحقد بداخل ابن عمها تجاهها. فهي ليس لها ذنب في مرضه، ولكنه يحملها ذلك.
دخلا بمفردهما، وجلس وتصنع الهدوء والعقل وقال لها: "اسمعي يا آسيا، أنا عارف اللي أنا عملته ده شيء مش كويس، وبعتذر عن ضربي لك. بس يا آسيا، أنتِ السبب. أنتِ السبب في كل ده. أنتِ بنت عمي يا آسيا. وأنا كنت باصون لحمي وعرضي، وأنتِ اللي كنتِ عايزة تفضحي نفسك. وأنا كنت باجي على نفسي."
وتنهد مكملاً: "وأجي على نفسي، وحارم نفسي من كل متعة الدنيا. فأنا راجل زي بقيت الرجالة، وليا طلبات. لكن إزاي أفضحك، وأنتِ بنت عمي، لحمي ودمي، وأبويا مأمني عليكي. لكن أرجع وأقول، أنا راجل، من حقي يبقى ليا زوجة. من حقي يبقى ليا أطفال. لكن تغاضيت عن كل ده عشانك، وكنتِ أنتِ مصممة تخربي على نفسك، وأنا صابر وصابر، وأقول مش مهم مراتي وخلاص، استحمل يا واد. استحمل."
"أنا مش عارف أقول لك إيه. أنا كان نفسي إن العلاقة بيننا ما تبقاش كده، بس أنتِ كنتِ بتستفزيني إلى أبعد حد. أنتِ صعبة أوي يا آسيا. ومرضك مرض مستفز، كان بيوجعني كزوج وكراجل."
كانت دموعها تنهمر من قهرتها على حالها. ليكمل: "أنا رجل وعايش عيشة سوداء. عارف إن مراتي ما تنفعش تبقى ست، ما تنفعش تفهم يعني إيه ست، ما تنفعش لأي راجل. حاولت كتير معاكي، وكنت باخد حقي منك وأنتِ في دنيا غير الدنيا، لأني ما كنتش قادر أقرب منك وأنتِ صاحية، لأنك كتلة من البرود، كتلة من الثلج، ما تعرفيش حاجة عن الأنوثة. أنا بأقول لك كل الكلام ده عشان تعرفي إن أنا قد إيه استحملتك، وقد إيه كنت جدع معاكي. صحيح كنت بضربك، بس ده كان غصب عني من غلبي وقهرتي. كنتِ بتستفزي رجولتي، وأنا ما ليش ذنب. أنا من حقي إن يبقى لي ست، ومن حقي إن أتمتع بست، من حقي إن يبقى ليا عيال. بس إزاي؟ إزاي وأنا اللي معايا ما تنفعش حتى تبقى ربع ست. في النهاية أنا هطلقك، وتعيشي طول عمرك لوحدك، وهتكملي دنيتك لوحدك. كان ممكن تفضلي معايا بدل ما تبقي لوحدك. بس أنتِ اللي اخترتي. أنتِ اللي اخترتي إنك تعيشي لوحدك، وعارفة كويس إن ما فيش راجل هيوافق بيكِ أو هيقدر يقرب منك."
ثم اخفض رأسه وتصنع الزعل والقهر وقال: "بصي يا بنت عمي، هنصحك نصيحة لله، إنك ماتقربيش من جنس راجل عشان ما توجعيهوش زي ما وجعتيني. ما حدش هيستحملك زيي. ما فيش حد ليه ذنب يتعمل فيه زي اللي اتعمل فيا. أنتِ عيشتيني سنتين من أسود حياتي، قضيتي على رجولتي وخلتيني أبص بره، وأنا اللي ما بغضبش ربنا."
"أوعي يا آسيا تدخلي راجل حياتك. أوعي يا بنت الهلالي تفضحي نفسك وعيلتك. أوعي تبقي مصدر أذية. ربنا هيحاسبك. أوعي تخدعي حد وتدخلي راجل عليكي، هتبقي كده بتغضبي ربنا. عايزة تتجوزي، صارحي الراجل اللي هتتجوزيه بعيبك ومرضك، عشا العذاب اللي شفته، ما بأتمناهوش لصنف راجل. أنا راجل واتوجعت."
"ومع ذلك مسامحك، وبتمنالك تعيشي مبسوطة."
كانت هي تسمع كلامه وهو يطعنها في قلبها بالكذب، وتنهمر دموعها بقوة. كان قلبها ينشق وهي تسع مدى الأذية التي تسببت فيه، ولكنها كانت تصدقه تماماً. وكانت تحس بنغزات في صدرها وتشعر بالدونية وعدم الثقة. وكانت تبكي بشدة لأنها أذته كثيراً وأتعبته كثيراً وطعنته في رجولته. فهو يستحق امرأة عن حق وليست مسخاً. فهي فعلاً أنثى رائعة من الخارج، وأنثى عن حق، ولكنها في الحقيقة في معتقدها أنها مسخ بشع لا يقدر أحد أن يقترب منه إلا ويشعر بالغثيان والقرف. كان هو ينوي من تلك الجلسة أن يرسخ في عقلها أن لا تقترب من جنس رجل، وهذا ما صدقته فعلاً. فبعد طلاقها لن تقترب من جنس مخلوق، وهذا ما نجح فعلاً في فعله.
رفعت عينيها إليه وقالت: "حقك عليا يا ابن عمي، أنا طلبت منك كتير إنك تطلقني، بس أنت ما كنتش راضي. وأنا مش ذنبي إني مريضة، أنا مش ذنبي إني كده. ربنا خلقني كده ورضيت بنصيبي في الدنيا. أنت كان من حقك تتجوز عليا، كان من حقك تطلقني، بس أنت كنت عامل حساب للدم، وكنت عامل حساب لعمي. وأنا عارفة إنك كنت بتتوجع وكنت بتستحمل مرضي من أنا أبقى ست زي بقيت الستات."
كانت دموعها لا تتوقف وأكملت: "أنا كنت عارفة إني بالنسبة لك مسخ، شيء مقرف زي ما كنت بتقول، بس ده غصب عني يا أكمل. في إيدي إيه؟ ما كانش ليا يد فيه. بتحاسبني على إيه دا؟ ربنا مش أنا. يا أكمل، قلت لك ميت مرة ابعد، حتى بعد ما رحنا للدكتور وقال إني ما أنفعش، ساعتها قلت لك سيبني وروح، أنا معيوبة يا أكمل. ابتلاء من ربنا ورضيت بيه، أنت اللي ما رضيتش. عارفة إني عذبتك، بس ده نصيبي خلاص. بس فعلاً أنا ما عدتش قادرة أكمل كده، أنا بتوجع وبتوجع، وما ليش ذنب غير إن ربنا ابتلىني باللي أنا فيه. إذا كنت فاكر إني في يوم من الأيام هكرر اللي حصل ده، عمره ما هيحصل. أنا بشكرك على إنك تحملتني، بس أوعدك فعلاً زي ما أنت بتقول، عمري في حياتي ما هدخل راجل ثاني في حياتي، ولا هأذي حد زي ما أذيتك، عشان يعيش الجحيم اللي أنا عيشته ليك. اطمن يا ابن عمي، لا هفضحك، لا هفضح نفسي، هستفاد إيه لو راجل دخل حياتي غير الغصة والفضايح وتعذيب اللي معايا وتمزيق أتي. طلقني يا أكمل وعيش حياتك، اتجوز واتبسط. طلقني، أنا ما ينفعش خلاص، كفاية على كده. أنا رضيت باللي ربنا قسمه ليا والحمد لله على كده، وسامحني يا ابن الغالي على عذابك مني."
خرجت من تلك الجلسة وذلك اللعين قد رسخ في أذهانها كل تلك الأفكار الحقيرة، وهو ذلك المريض الذي لا يصلح لكونه أن يكون إنساناً من الأساس. فهو حقير، يفعل ذلك ليخفي على فعلته، وأنهى على فتاة جميلة رائعة الجمال، طيبة القلب، محبة للناس، لا تستحق ذلك. وخرجت هي أيضاً من الحجرة وقد أقسمت أن تكون بمفردها طول عمرها، وأن لا تعرض نفسها أبداً لتلك التجربة البشعة مرة أخرى، ولا تقترب من أحداً كمصدر لأذيته. ولكنها الآن تشعر بالألم بشدة، وأنها أبداً لن تكون أماً. فهي تعشق الأطفال بشدة. فتمنت أن تعمل في الملاجئ حتى تشبع تلك الرغبة، فعشقها للأطفال فوق الوصف، ولكنها لن تحصل عليها. خرجت وكلها تصميم ألا تدخل أبداً رجلاً إلى حياتها لتجعل الحياة جحيماً كما فعلت مع ابن عمها. لتخرج وتشعر بالحزن الشديد على حالها، وهو يشعر بالسعادة. وعلى وجهه نظرة خبيثة، لأنه يعلم أن زوجته أصبحت وحيدة طول عمرها. فتصرفه هذا معها لن يكون هناك داعٍ من الفضيحة. وأحس بالارتياح، وتم الطلاق بهدوء، وتنازلت هي عن كل حقوقها له، وتركت تلك الحياة للأبد. بعد أن عاشت أبشع سنتين عاشتهم في حياتها. سنتين من الذل والإهانة، سنتين من عدم الكرامة، سنتين من المرض الشديد، سنتين من إيذائها لزوجها، فهو ليس له ذنب فعلاً بذلك. ولكنه في فكرها كان يصون لحمه وابن عمه. دخلت تلك الزيجة أنثى متفجرة الأنوثة، ذات جمال خلاب وإقبال على الحياة، لتخرج منها جثة بلا روح، شخص مهلهل من الداخل. ليترسخ بداخلها وهم صعب إخراجه، فذلك الحقير وكفى.
أخذتها خالتها إلى بيتها وهي لا تعلم شيئاً تماماً عما يدور في خلد بنت أختها. فآسيا كانت فتاة كتومة، لا تريد أن تفضح نفسها أو تعلم الآخرين كم عانى ابن عمها بسببها، وكم أوجعه، وأنها طلبت منه كثيراً الانفصال، ولكنه كان يصون العشرة. أما خالتها، فلم يأتِ أبداً إلى بالها أن يكون ذلك الحقير يصب في أذنها كل ذلك، ويصب مرضه عليها، وهو يلقي عليها كل ما هو سيء بداخله. كل ما هو مريض بداخله. حتى أشبعها مرضاً وجعلها أنثى ميتة من الداخل، رغم أنها فتاة رائعة الجمال من الخارج. ولكن لله في ذلك حكم، ولا يعلم أحداً إلا الله ماذا سيكون مقدراً لتلك الفتاة أن تعيشه. فهل ستكون لها يوماً حياة سعيدة، أم ستظل وحيدة تعاني من مرض ليس فيها، ولكنه انغرس فيها من شخص مريض ليس له علاج. شخص حقود ألصق بها كل ما هو سيء. أم سيأتي من يزيح تلك الغمامة لتعود آسيا مشعة. لا نعلم حقيقة، فنتركها وندعو لها أن ينزل الله على قلبها صبراً لما تعانيه من وجع سيوجع بعد ذلك من حولها دون شعور منها.
في مكان آخر يبعد آلاف الكيلومترات في مدينة القاهرة، في إحدى الفلل الكبيرة، كانت هناك عائلة مراد الشهاوي. فهي من العائلات الكبرى والعريقة. وكان هو شخصية حادة وجادة وذو رجولة طاغية، وسيم بدرجة كبيرة. كان شخصاً يحب العمل كثيراً وينغمس فيه، ولا يرحم من يقف أمامه. ومع ذلك، كان له في أمور التسلية البسيطة، ويحب أن يرى النساء تترمي تحت قدميه. كان ذلك يشبع غروره، ولكنه لا يعيرهم أي انتباه. كان لا يخطئ، ولكن من فرط رجولته أصبح حديث المجتمع المخملي التي تتمناها أي أنثى. وبالفعل كانوا يحومون حوله بلا كلل ولا ملل، ويتفننون في لفت انتباهه، لعله ينظر إليهم نظرة واحدة. ولكنه كان رجلاً ثقيلاً، لا تعجبه أي ست من الأساس. فكان مثالاً لرجل الأعمال الشديد الذي ليس له أي نقاط ضعف.
تزوج مراد من إحدى نساء العائلات الكبرى، فكان زواجاً من أجل المصلحة ومن أجل اندماج الشركات. هذه الفئة من الناس يعتمدون على المصالح أكثر من المشاعر.
كانت زوجته امرأة مدللة، تحب الخروج والسهر، ولا تتعب من سهراتها يومياً، ناسيه بيتها تماماً. كانت لا تمل ولا تكل من الطلبات وابتزازه نفسياً ومادياً. وكانت تتحدث مشاكل عديدة بينهم. فهي لا تتحمل طبعه الحاد ورجولته الزائدة، وهو لا يتحمل طبعها المنفلت وابتعادها المستمر عن بيتها وسهراتها المستفزة. كانت تلبس ما يحرج رجولته، وكان الوضع بينهم كالجحيم بالنسبة له، فكان لا يأتي للبيت هرباً منها. كانا قد أنجبا طفلة جميلة تسمي ليان، وقد أصبحت في الثالثة من عمرها. كانت طفلة ملائكية، ولكنها كانت تفتقد الحنان بشدة. أمها منذ أن ولدتها أحست أنها عبء عليها، فتركتها للخدم، كانت أماً بالاسم فقط. وكانت مشاكلها من الأساس أنها لا تريد أن تنجب. وقد تشاجرا كثيراً من أجل إنجاب تلك الطفلة، وكان ذلك بإقناع من أهلها. فمراد رجل يتمناه الجميع، ولكن تلك الجاحدة المغرورة لا تقدر ما معها. ولكن بإنجاب تلك الطفلة جلب التعاسة لابنتها الصغيرة. وكانت تلك الصغيرة قد التصقت بالجدة بشدة، لأنها هي الوحيدة التي تعطيها الحنان. فالأب منشغل دائماً في عمله، رغم أنه يحاول بصعوبة أن يجعل لها وقتاً في حياته. فكان تقريباً لا يلتقي بزوجته التي أصبحت تتأفف دائماً وتتذمر من العيشة. أما عن الأم، فكل شاغلها وهمها الذهاب إلى النوادي والحفلات وصحبة أصدقائها، فهي ليست قادرة أن تكون أماً ولا تصلح من الأساس أن تكون أماً.
ظلت المشاكل تزيد وتزيد بين مراد وزوجته، وكان هو يصبر عليها من أجل ابنته. فكان تارة يتشاجر معها، وتارة أخرى يجعل والدها يتدخل، ولكنها كان الأمل مفقوداً فيها أن تكون امرأة صالحة، وأم وزوجة جيدة.
في أحد الأيام اشتد هذا الخلاف ما بين مراد وزوجته، وكانت تدعى كاميليا. فكان يريد أن يمنعها من كثرة الخروج، وهي لم تلقِ بالاً لأوامره، فكل شاغلها نفسها وفقط. فظل يتشاجران بشدة، وهنا قررت كاميليا أن تنهي تلك العلاقة وتطلب منه أن ينفصلا. فهي لم تعد قادرة على أن تكمل حياتها معه، فهي ليست قادرة على تحمل المسؤولية. وهنا كانت الصدمة عند مراد، أنه فوق طلبها للطلاق، قد تخلت أيضاً عن ابنتها، وأنها لا تريد منه شيئاً وتريد أن تبتعد عنهم. كان مذهولاً، يشعر بالقرف منها. فهي كل ما تفكر به متعتها ومتع الدنيا التي انغمست فيها، وصحبة السوء التي أنستها فطرتها كأم، وأنسيتها كونها زوجة. زوجة من المفترض أن تركن إلى زوجها وتكون سكناً له.
هنا انصاع مراد إليها فوراً ونفذ كل أوامرها، وابتعد كل منهما بهدوء. ولكنه كان قد أعد كل شيئاً بالقانون كي تتنازل له عن حقوقها في ابنتها وحضانة الابنة، وأن يأخذ هو الولاية. فوافقت دون أن تشعر هي بأي ذنب، وقد انتهت تلك الحياة برمتها، وشطب اسمها من حياته، فهو لا يحتاجها ولا يحتاج أي أنثى شبيهة بتلك الحقيرة. وهنا نبه على الجميع أن لا يذكر اسم كاميليا في البيت مرة أخرى، وأن ينساها الجميع، وأنها أصبحت ميتة بالنسبة لابنته.
ظل مراد يعمل ويعمل ويحاول أن يعطي ابنته جزءاً من وقته، ولكنه لا يستطيع. فتاليا انكمشت على نفسها وأصبحت لا تتكلم كثيراً، فقدانها لأمها، حتى لو لم تكن أماً، أحدث خللاً في داخلها. أما هو، فلم يعانِ، لأنه من الأساس لم يحب تلك الجاحدة التي لفظت ابنتها عن طيب خاطر لتلتفت لمجونها. فالخطأ هنا ينصب على مراد، فلم يتخير السكن الذي يداوي زيجته، وإنما اختار سلطة ونفوذاً واندماج أموال ليبتلي ربه بأبشع زوجة. لا تمتلك من المشاعر إلا نفسها.
أما هو، فانخرط في العمل وترك الحياة تسير، ولكن إلى متى؟ وهناك تاليا التي تحتاج لمن يعطيها الحياة لتعود طفلة طبيعية. هل سيجد مراد من يعطي لابنته تلك الحياة، أم سيموت قهراً على ضياع ابنته الرقيقة التي سيفعل من أجلها الغالي والنفيس.
رواية الوهم القاتل الفصل الثالث 3 - بقلم ميفو سلطان
كان مراد قد أغلق فصلاً من حياته، بحلوه ومرّه، وإن كان الغالب مرًّا. ليقرر بعد تلك الماجنة الابتعاد عن ابنته حتى لا تؤذيها نفسيًا. فمن تنسى أمومتها وتختار حياة المجون، لا تستحق أن تكون أمًا لطفلة رائعة كهذه. وأمها، من الأساس، تركتها ونست.
هنا انهارت الطفلة وتقوقعت على نفسها، رغم حنان الجدة ومعاملة الخدم لها، ولكنها افتقدت الحنان الفطري، وهو حنان الأم، الذي كان شحيحًا من الأساس، ففقدته بالكامل.
كانت الجدة تشعر بالاستياء الشديد على تلك الطفلة، فهي تحتاج لحنان الأم وحنان الأب. ولكن مراد شخص متشدد إلى حد ما، ذو عقل مغلق، لا ينصاع لمشاعره أبدًا. وكل تفكيره من رأيه، ولا يستجيب لآراء الآخرين. فهو شخص يشعر بالغرور، شخص كل من حوله ينحني له، وترتمي تحت أقدامه النساء وينتظرن إشارة من يديه. فصعب الخضوع.
في يوم من الأيام، كانت الطفلة تلعب بألعابها ودمياتها، لتذهب إلى الجدة مسرعة بالبكاء. فاحتضنتها الجدة، لتطلب منها أن تذهب إلى أمها وأنها تريد أن تنام في أحضانها.
ولكن الجدة ليس في يدها شيء تفعله. وحاولت أن تهدئ من روع تلك الطفلة الصغيرة. وهنا قررت الجدة أن تكلم مراد وتقنعه أن يحضر للطفلة شخصًا يعتني بها. شخصًا مدربًا على أعلى مستوى، ليشعر الطفلة ببعض الاهتمام. فالجدة ليست على قدر كبير من الصحة لكي ترعى الطفلة، والخدم ليسوا مؤهلين للعناية بالطفلة وإعطائها الحنان.
لم يستجب مراد في البداية، ولكنه بعد إلحاح الجدة وافق على طلبها. وبدأ في مقابلة بعض السيدات والفتيات. وقد جاءت الكثير من الفتيات، ولكنهم لم يكملوا مدة كبيرة. فمعظم النساء التي أتت كانت عيناها على مراد من الأساس. فكانت منها ما تظهر له فتنتها، وأخرى تتدلل عليه، وأخرى تفتعل المواقف لكي تتكلم معه. كانوا يفعلون أي شيء للتقرب منه باللبس الفاضح والتدلل الزائد، ولا يهتمون بالطفلة كما تهتم بأبيها.
حتى يأس مراد من الموضوع بأكمله. وكانت المشاكل تزداد وتزداد، فهو لا يطيق النساء التي تترمي عليه. رغم كونه رجلاً يحب أن يُحاط بالاهتمام من الكل، إلا أنه في أمور ابنته لا يتساهل مع أحد. فهي أصبحت نقطة ضعفه الوحيدة. وكان يريد أن يشعرها بالحنان رغم انشغاله. ولكنه رغم ذلك، كان يقضي معها وقتًا قليلاً ليحاول أن يعطيها ويعوضها عن الحقيرة التي تركتها ورحلت وفقدت معنى الأمومة.
كان مراد قد يئس تمامًا أن تأتي امرأة صالحة، لظنه أنه لم يعد يرى فيهم الصلاح. فبسبب زوجته كان يحتقر النساء بشدة لما يفعلن من أفعال مخزية ليقتربن منه عن طريق ابنته. فكان يطردهن شر طردة، وكان لا يتهاون معهن أبدًا.
كان قد أصبح مثقلًا بالهموم. وأصبح موضوع ابنته يوجع قلبه. فكان يجلس في عمله مهمومًا بشدة. إلى أن جاء يوم ودخل عليه صديقه عمر، ليقترب منه وهو يراه مرهقًا بشدة، ليبدأ في الكلام معه ويحاول أن يخفف عنه. وهو يعلم جيدًا ما مر به طوال الشهور الماضية، وما فعلته زوجته الحقيرة، وما حدث له من المربيات التي أتين فقط لكي يرتمن تحت قدميه.
هنا تكلم مراد بوجع: "إنه لم يعد قادرًا أن يرى ابنته هكذا، لا تشعر بالحنان، وهو لا يجد ولا يثق بأي امرأة أخرى بعد ذلك."
هنا تكلم عمر وأقنعه أن ينزل إعلانًا في الجريدة ليطلب فتاة أو امرأة بمواصفات معينة، ويحدد تلك المواصفات لكي لا يجلب لنفسه المتاعب.
"امرأة جادة ترغب في العمل الجاد، ولا يتساهل رب العمل في التسلية والابتعاد عن العمل، وأن الراتب مجزٍ في مقابل أن تكون تلك المرأة على قدر من الاحترام والجدية. وأنه إذا لم يحدث ذلك، سيكون هناك شرط جزائي مقابل عدم إتقانها لعملها. وأنها ستطرد في حال خلافها لتلك الشروط دون أن تحصل على أي عائد مادي."
هنا ظل يفكر في كلام عمر وأحس أنها فكرة جيدة. فاستدعى سكرتيرته وأمرها أن تنزل ذلك الإعلان لكي يجلب لابنته شخصًا، كل همه رعاية ابنته، فلربما تحصل على بعض الحنان الذي فقدته. وتمنى أن يكون شخصًا جيدًا لا يسعى إلى المادة والتلاعب. رغم ثقته الشديدة أنه لم يعد هناك امرأة لا تسعى وراء المال وأن تعيش في رخاء دون أن تبذل أي مجهود.
فاستجابت السكرتيرة وأعدت الإعلان ليوافق عليه مراد. لتبدأ أول خطوة في انتقاء من يصلح أن يكون عونًا لابنته، فلربما تأتي من تعوض تلك الصغيرة عن حنان أمها. فالله يقطع من جانب ولكنه يوصله من جانب آخر.
***
بعيدًا، نعود لأسيا.
تطلقت أسيا من ذلك المدعو أكمل. مرت فترة طويلة تتعافى من كسورها الخارجية، ولكن الله أعلم بكسورها التي انغرست بداخلها. حاولت خالتها كثيرًا أن تعرف ما في قلبها وتنعشها، ولكن أسيا كانت كالصنم لا تتكلم. قررت أن تقفل على نفسها وتكمل حياتها ميتة في صمت.
كان كل ما يؤلمها أنها لن تصبح أمًا. لم تهتم بوجود رجل في حياتها. فأكمل كفى ووفى وجعلها تكره دنيا الرجال من الأساس. كانت قد تعافت تمامًا، وبدأ أكمل يعود ليغزو حياتها ويحاول استرجاعها. فهو يشعر بالجنون لفراقها، فهي ملاك يمشي على الأرض، أنثى بحق، مفعمة بالحيوية، كان يفتقدها كثيرًا ويبعث مراسيل إليها. حتى تعبت من الدنيا بأكملها. لم تعد تتخيل نفسها مرة أخرى في هذا الهوان والعذاب. أرادت أن تهرب ولكن لا تعرف إلى أين. كانت تمتلك المال الوفير، ولكن ليس لديها الشجاعة لترحل.
كانت خالتها تساندها وتحاول أن تصد هجمات أكمل الشرسة. ليأتي ذلك اليوم الذي يقع تحت يد أسيا أحد المجلات. لتجد إعلانًا منذ شهر فات يبحث عن مربية لطفلة ثلاث سنوات. ليخفق قلبها بشدة. وأحست أن الله قد بعث لها تلك المجلة لتنقذها من عذابها. فقررت أن ترحل عن مدينتها تمامًا ولم تقل لأحد عن تلك الوظيفة.
ذهبت لخالتها وأخبرتها أنها تريد أن تبتعد لفترة لأن أكمل لن يتركها لحالها، وأنها ستؤجر شقة في القاهرة لتجلس فيها لتريح أعصابها، فهي معها المال ولا تحتاج إلى العمل. حاولت الخالة الاعتراض، ولكن تحت إصرار أسيا رضخت لها على شرط أن تسافر معها لتطمئن عليها. وبالفعل شدوا الرحال لمدينة القاهرة، لتذهب إلى أحد السماسرة لتؤجر شقة مفروشة لمدة أسبوعين قابلين للتجديد.
وكانت في منطقة راقية. وهنا اطمأنت عليها خالتها وجلست معها يومين ثم ودعتها على أن تكون على تواصل معها. كل ذلك وأسيا تخفي الإعلان حتى لا يعلم أحد، فلو علم أكمل سيفتعل لها فضيحة كبرى، فهي من عائلة كبيرة، كيف تعمل عند الآخرين.
مرت بعض الأيام لتقرر أسيا أن تأخذ شهادتها وإثبات شخصيتها وذهبت إلى الشركة التي تطلب تلك الوظيفة. دخلت الشركة لتسأل عن صاحب الإعلان، ليتجهوا بها إلى السكرتارية، لتنتظر بعض الوقت ليأذن لها مراد بالدخول.
دخلت وهي مرتبكة، تفرك في يديها، لتجد شخصًا حاد الملامح متجهّمًا ينظر في أوراق أمامه، فشعرت بالرهبة من وجوده. ظلت واقفة لبعض الوقت، فعبس جبينها. فهو يعتبر قليل الذوق ليجعلها تنتظر. أحست ببعض الغضب، فتحمحمت، فرفع حاجبيه لينظر إليها متفحصًا. كانت عيونه كعيون الصقر، لا تحيد عنها ولا عن هيئتها. تفرس فيها من أسفلها لأعلاها، ليجد فتاة جميلة هادئة، تلبس ملابس واسعة تخفي جسدها ولا تبرز تفاصيل جسدها، وذات حجاب رقيق. كانت بسيطة غير متكلفة، ولكنها فاتنة، وكانت تبدو كمراهقة جميلة أتت من عالم الخيال. ولكن عينيها، وقد سرح بهما لفترة، ففيهما كمية حزن غير عادية.
أحست باحمرار خديها وتوترها من تفحصه هذا. فإذا به يقوم من مكانه، لتتفاجأ بطوله الشديد وهيئته العريضة، فهو شخص ذو جسد رياضي ويمتلك وجهًا جادًا، وفي نفس الوقت وسيم بدرجة عالية. فاخفضت عينيها عن وجهه وهي تشعر برجفة في قلبها. اقترب منها وظل يحوم حولها وبدأ بالكلام.
"أسيا الهلالي، ٢٢ سنة، خريجة تربية طفولة من المنصورة. مش ملاحظة إن مفيش أي خبرة؟ مالكيش مؤهلات عالية؟ وجاية من آخر الدنيا؟ وإلا إنت شايفة إيه؟"
أحست ببعض الغضب من سخريته المبطنة، لتقول بحدة: "حضرتك، ممكن أكون ما عنديش خبرة، بس أنا في نفسي واثقة إني أقدر أدي بنت حضرتك اللي هي بتفتقده. حضرتك ما تحكمش على الناس من خبراتهم. تجرب الأول وتعيش الخبرة معاهم، وبعدين تحكم. ياما ناس معاها خبرات وهي لا تفقه شيئًا عن التربية. أظن حضرتك في السوق وعارف كل ده."
فرفع حاجبيه ساخرًا، فهي تبدو طفلة في نظره. "وإنت بقا اللي هتقدري؟"
فاقتربت منه ونظرت إليه بصلابة وقالت: "حضرتك، دا عرض وطلب، وليك كل الحق بالاختيار. أنا مش هموت على الشغل أوي يعني، ولا محتاجة أشتغل أصلًا. بس كل اللي حباه إني أقرب من الأطفال وأقدر أساعد. يعني ما تفكرش حضرتك إن خروجي من شركتك ورفضك ليا حاجة كبيرة." وصمتت وتراجعت مرة أخرى.
أحس بالاندهاش في داخله من تلك الفتاة وقوتها وعدم خوفها منه. كيف تجرأت أن تكلمه هكذا؟ استدار وجلس على المكتب وضحك ضحكة ساخرة. "طب ما تدينا فكرة كده عن إزاي هتتعاملي؟ أحب أعرف طيب، ماهو عرض وطلب، وإلا إيه؟ وزي ما إنت مش هتموتي على الشغل أوي كده، أنا كمان مش هاموت وأشغل أي حد."
احمر وجهها ولكنها استجمعت نفسها. كانت تنظر إلى وجهه، ولكنها أبدًا لا تخاطب عينيه ولا تنظر إليهما، وذلك أغضبه كثيرًا، فكانت نظراتها له استخفافًا، مما أشعل قلبه. لتقول: "حضرتك، أنا خريجة تربية طفولة واتدربت كتير على التعامل مع الأطفال، وأنا من جوايا بعشق الأطفال لدرجة إني بفكر أروح ملجأ. دي حاجة جوايا. أنا مش مطالبة إني أقنعك، إنت ليك تجرب، تشوف وتعرف إن بنت حضرتك هتبقى في قلبي قبل عيني. أما بقا حكاية إني مانفعش كده، خبط لزق، فدا ما أعتقدش تصرف فيه خبرة وحكمة، لأن المفروض حضرتك مجرب الدنيا وأيام، يبقى البسيط في نظرك اللي ما يستحقش يكون هو العالي المطلوب."
رفع حاجبيه غير مصدق أن تلك الصغيرة تكلمه بهذا العنفوان. ليشتعل أكثر ويهتف: "أنا حاسس إنك واثقة أوي من نفسك وإنت صغيرة، مش كتير شوية ده عليكي؟"
لتستغفر ربها وتقول: "هو حضرتك عشان صغيرة أبقى خلاص مانفعش. عمومًا، ممكن تقلي وأمشي من سكات، وما نقعدش نشغل بعض بكلام فارغ ومناهضة مالهاش قيمة."
لينصعق من ردها. وأحس أنه سيأكل نفسه. "بقي أنا اللي ينشغل بيا كلام فارغ؟ دا اللي زيك بينحدفوا عليا بالكوم. مالها دي ومالها طايحة وبايعة كده؟ حتة عيلة تكلمني أنا كده؟ ومالها؟ لا بصالي ولا كاني هوا. هو فيه إيه؟ دا عينها ما حطتهاش مرة في عيني. لا كده كتير، البت دي حكاية."
طيب، ليهتف: "طيب، طالما مش صابرة على كلام الكبار ومناهضتهم، هتصبري على عيلة صغيرة؟ دانت مش مستحملة حد يكلمك، قطر ومبرد، هتعملي إيه في بنتي؟"
كان الغضب قد وصل مداه منها لتقول بحدة: "حضرتك، أنا مالي بكلامك وصبري عليك. أنا ماليش أصبر على حد مالهوش دخل بشغلي. إنما بنت حضرتك معاملتها هتبقى حاجة تانية. وإيه قطر ومبرد دي؟ فيه إيه يا أستاذ؟ إنت مش ملاحظ إنك بتتجاوز في الكلام؟ جاية لبنت حضرتك وهحطها في عيني، وقلتلك مش بسن ولا خبرة، يبقى ليه لازمته الرغي الكتير؟ يا آه يا لا."
أحس مراد أنه يريد أن يقتلها. فلم تقف له امرأة هكذا من قبل. "نهار أسود، هي بتكلمني أنا كده؟ مراد الشهاوي يتقال له كده من حتة عيلة؟ هي مش شيفاني وإلا إيه دي؟ باينها مجنونة. هي مش ست زي بقية الستات، فاكرة نفسها مين؟ دانا بيقع ليا منها الوف. وبيترموا عليا."
ليهتف بنبرة غاضبة متحكمًا في نفسه بصعوبة: "والله دا حاجة أوي. طب يا آنسة، هبطل رغي وكلام فاضي. سيبي عنوانك وهكلمك."
فابتسمت ساخرة وقالت: "مدام أسيا، حضرتك."
فبهت مراد في نفسه وأحس بالاشتعال والضيق فجأة أن تلك الصغيرة متزوجة. كان يحترق بلا سبب له. ثم نظر إليها بغضب: "وإنت بقا فاكرة إني هشغل حد عندي مش متفرغ؟ يا مدام. جايالي متجوزة وبتتشرفي كمان؟"
أحست أنها لا تطيقه وأنه شخص متعجرف. فقالت بنبرة حانقة، وبابتسامة باردة: "لا حضرتك اطمن، كل التفرغ هتلاقيه." فرفع حاجبيه لتكمل هي: "أنا حضرتك مطلقة. يعني مفيش أي مشغوليات. وعمومًا، أنا همشي وعند حضرتك التليفون والعنوان." واستدارت وتركته يقف مذهولًا من تلك الحمقاء التي تكلمه بهذه الطريقة، وأنها لا تهتم بكلامه وترد عليه الكلمة بكلمتها. وكيف تتركه وتمشي دون أن يأذن لها.
"البنت مشت ولا عبرتنيش."
"أقوم أجري أجيبها من شعرها. هو فيه إيه؟ إنت بتاكل نفسك ليه دلوقتي؟ نفسي أعرف يا زفت إنت." استعجب منها ومن قوتها. واستاء من أنها كانت متزوجة. "إيه دي مطلقة؟ البت الصغيرة دي؟ دي قمر، تطلق ليه؟" كان يأكل نفسه، ولكنه لم يعلم لماذا لم يحب هذه المعلومة عنها.
رحلت هي، تاركة وراءها شخصًا يفكر في كم التناقض الذي كان أمامه. جمال وفتنة وحزن وقوة وضعف مبطن وشيء غامض بداخلها. مزيج غريب لم يعاشره من قبل. ظل مترددًا أن يقبلها في الوظيفة. كان غاضبًا منها بشدة ومن تعاليها عليه. ولكن كان هناك شيئًا بداخله يخبره ويلح عليه أنها مختلفة. كان شيئًا تولد يدفعه دفعًا أن يوافق، ولكنه لم يشعر به، لياخذ قرارًا وينفذه على الفور.
***
خرجت أسيا من الشركة والغضب يتأكلها من ذلك الحقير، من يظن نفسه. أحست أنها شحاتة وهي بنت الحسب والنسب. وظلت مغتاظة. "طب أرجع له أهزئه وأقول له إني مش محتاجة. كان لازم أهزئه، دا قليل الذوق. لا وبيتأمر؟ عبشك شكلك راجل عامل زي الطائر المجنح. وما فيش خبرة ومتجوزة؟ إيه ابن بارم ديله دا؟ إيه القرف ده؟ بينقي مساعده ولا حد يشيل أهله من عالأرض. دا كانه فوق الناس. راجل بارد ومستفز. ربنا يبعدنا عنه."
وتذكرت أكمل وما كان يفعله. ونزلت دمعة من عينيها لتمسحها وتكمل بقوة: "خلاص يا أسيا، مفيش راجل هيجي عليكي تاني. مفيش راجل هيفرد قلوعه عليكي. إنت لازم تبقي أقوى وأقوى. الصنف ده عايز اللي يناطحه عشان يتلم. هو فاكر إنه ربنا. والله لو كنت بس أقدر أسيب الشغلانة كنت أكلت وشه البارد بتاع المقامات. عبشك شكلك بجد حرقتلي دمي. منك لله يا أكمل. ويسامحني ويسامحك. آه يا وجع قلبي. كان نفسي أشتغل الشغلانة دي يا بارد ياللي ما عندكش دم."
"حاسة بقلبي منهار، ووجود طفلة في حياتي هيفرق."
ظلت تفكر: "طب أروح أشتغل في ملجأ؟ بس ما عنديش مؤهلات. ماهو عنده حق. بس وقح وطريقته سخيفة. يلا يا أسيا، روحي واهدي بدل ما إنت بتاكلي في نفسك كده." ذهبت إلى بيتها وأخذت حمامًا وتوضأت ونامت لتريح قلبها قليلاً.
على الجهه الأخرى، نجد مراد يجلس في المكتب ويفكر في تلك الفتاة. منذ أن خرجت وهو لم يكف عن التفكير فيها. من أين أتت بكل تلك القوة لتقف تناطحه؟ كان غاضبًا بعض الشيء، ولكنه من الداخل معجب بقوتها. فأي امرأة تقابله تتصنع الضعف والدلال لكي تكسبه. أما تلك الجميلة، وسرح في جمالها ووجهها بعيونها الزرقاء بغمازتها الرائعة، بحزنها الذي يقربها من القلوب، مزيج عجيب يحب أن يستكشفه.
ثم فجأة نهر نفسه: "إنت اتجننت يا مراد؟ إنت هتخيب وإلا إيه؟ إيه حتة البت دي أصلًا؟ ما تعقل كده، ما عادش إلا دي والستات بتترمى عليك. بس البت دي طايحة ليه كده؟ دانا ما فرقتش معاها ببصلة، وإلا يكون تمثيل؟ لا لا، إنت مش أهبل، البت جامدة."
ليسرح بها فتره وقلبه يرجف. "إيه يا مراد مالك؟ مش على بعضك؟ ما تهدي على نفسك، الستات بتعدي عليك بالكوم. مالها يعني؟" ليصمت ويهب: "لا لا، فيه حاجة شايطة جوايا. عايز أجيبها وأكسر رقبتها عشان تبصلي في عيني وتكلمني. مش أنا اللي يتبصلي كأني مش موجود."
***
هنا دخل عليه عمر ليجده مسهماً، قاطباً حاجبيه. فهتف: "إيه يا عمنا؟ إنت سافرت مالك كده؟"
فنظر إليه ببرود: "عايز إيه؟"
فرد عليه: "يا ساتر. إنت شايل طاجن ستك ليه؟ أنا سمعت إن فيه حتة بنبوناية دخلت عليك. ها، إيه الأخبار؟ الواد عادل بيقول عليها حتة سكر متغلفة عالفرازة. هاه، انطق قول."
أحس مراد بالغضب من كلامهم عليها وأحس بالغيظ الشديد، ولكنه أخفى ذلك وقال: "آه، البنت دي مش أوي يعني."
فقاطعه عمر: "مش أوي إيه؟ دا بيقول صاروخ بس لابسة شوال."
فنهره مراد مغتاظًا: "وإنت عايزها تلبسلك إيه إنت وسي زفت؟ إن شاء الله محزق وملزق؟"
فقطب عمر جبينه: "فيه إيه يا كبير؟ ماترسيني عالقصه. كلامك محيرني."
فتنهد ليكبت ما بدأخله وغيضه الغير مبرر ويقول: "مفيش يا سيدي. الست مطلقة وجاية من آخر الدنيا عشان تشتغل. لا وبتتأمر، الـ إيه؟ مش محتاجة الشغل وجاية عشان حابة ده. عايزة تقولي فلوسك؟ ابلعها بنت الـ... دانا أجيب زيها آلاف."
فهتف عمر: "مطلقة إزاي؟ دا الواد بيقول عيلة صغيرة وقمر، وإلا غمازتها يا واد. دا شوقني من كتر كلامه. عيل ابن فقرية كل وداني. ولما خرجت كان هيموت ويجري وراها. تقولي مش أوي."
هنا انفجر مراد وتحول، والغضب قد تمكن منه. فلم يتحمل كلامهم عليها، ولا يعلم لماذا يثور هكذا، ولكنه لم يعرف أن يمسك نفسه. "وسي عادل ما وراهوش شغلانة إلا هي وإلا إيه؟ انهارده. وعايز يروح وراها ليه؟ بتاع إيه؟ له عندها إيه؟ ما يلم وش أمه ويقعد يترزق. يشتغل هو جاي يشتغل وإلا يشقط؟ ابن الجزمه. والله لأوريه."
فبهت عمر من غضبه: "فيه إيه يا مراد؟ إنت مالك؟ متعصب ليه كده؟ هو عمل إيه يعني؟ ومالك غضبان من البت أوي كده؟ ما كانتش قصة."
فقام من مكانه ليستدير ويهدأ من نفسه. فكلامهم أعصبه بدون سبب. فقال ساخطًا: "آه، مطلقة وصغيرة، عندها ٢٢ سنة. مش هنحقق يعني؟ هو مال أهله؟ أنا اللي أقول. بس ما عندهاش خبرة. لا وجايين من المنصورة."
فتح عمر عينيه: "اوبااااا. قول بقه المنصورة. آه يا عم بلد الجمال. يبقى الواد عادل عنده حق وهنشوف المزز بتاعتهم. دا أنا هرشق عندك في الفيلا."
استدار مراد بغيظ: "تصدق أنا اللي هاجي أرشق دماغ أمك في الحيطة. أنا هاجي أطحنك إنت وعادل في ساعة واحدة."
فضحك عمر: "أهدي بس، فيه إيه مالك يا عم؟ إنت؟"
فهتف مراد غاضبًا: "فيه إنها بت مغرورة وشايفة نفسها ومحسساني إن إني ولا حاجة، وإنها جاية لمزاجها. ونازلة سخرية مني طول القاعدة. لما كنت عايز أطبق في زماره رقبتها. لا واخرتها تسيبني وتمشي وتقولي نمرتي عندك. اللي ما استعناش أشغلها خدامة عندي. فاكرة نفسها حاجة. أنا أتعامل كده؟ أنا يتقال لي كده؟ هموت وأجيب رقبتها. حتة عيلة تناطحني كده."
فهتف عمر: "ما تهدي يا عم خلاص. مش عاجباك تروح لحالها. بس بينها واثقة من نفسها."
فسخر مراد: "آه، عيلة عندها ٢٢ سنة واثقة في نفسها؟ إنت أهبل يا عمر؟"
فهز عمر أكتافه بحيرة وظل مراد يأكل في نفسه. ثم قال: "طيب، ماشي يا ست أسيا. أنا هجيبك شهر عشان أعرفك إنك ما تسويش حاجة. ماشي؟ عشان تعرفي تقفي تناطحي أسيادك."
كان عمر مذهولًا. أول مرة يجد مراد غاضبًا هكذا، وخصوصًا من امرأة. فهو كتلة من البرود. فقال: "طب ما جايز تبقى كويسة. ليه تفترض الوحش؟ إنت داخل حرب؟"
فرفع مراد حاجبيه وقال: "واحدة صغيرة وجميلة زي ما بتقول، مع إنها عادية أوي. ومطلقة في السن ده. وجايالنا من بلد تانية. إيه اللي هيحدفها علينا؟ إلا إذا كانت زي اللي قبلها وقبلها. ستات جاية بتدور على صيدة."
ليهتف عمر: "إنت يا ابني مش لسه قايل واقفة تنطح فيك؟ يبقى جاية تصطاد إزاي؟ والواد عادل بيقول بت محترمة."
ليقاطعه مراد: "الله يخربيت عادل واليوم اللي اتحدف علينا فيه. ما تبص بقه هو فيه إيه."
قام عمر وقال: "شوف بقلك إيه، أنا دماغي وجعتني. يا آه يا لا، بسيطة. تروح هي تيجي مكانها عشرة. يلا، أنا عندي شغل."
ظل مراد يفكر في جملته: "يجي مكانها عشرة. بس هو أول مرة يعدي عليه نوع كده. لا ما فيش عشرات. ما شفتش أصلًا كده. جبروت... بنت إيه. لا ومنفضالي. كأني عيل ما يسواش. وأنا اللي ما فيش حد يقدر عليا. طب يا بنت بارم ديله هنشوف."
فقرر أن يوافق عليها ليعرفها حجمها. كان يأكل في نفسه، وملفها أمامه وصورتها تنير الملف. "لسانك مبرد ليه كده؟ ومش حلوة أوي يعني زي سي زفت عادل ما قال. طب يا عادل الكلب، والله لأخزقلك عينيك عشان تبص عليها كويس. متغاظ يا بنت الجزمه؟ طب استني عليا."
ليتصل بنمرتها لترد عليه بصوت رخيم. ليهتف بنبرة باردة: "مدام أسيا."
لتعرف صوته ولكنها تصنعت البرود: "أيوه يا فندم، معاك خير."
ليغتاظ أكثر: "معاك مراد الشهاوي."
لتهتف: "أفندم، أوامر."
لينظر للتليفون ويضغط على يده من غيظه: "آه يا بنت الجزمه، طيب ماشي."
ليقول باستخفاف: "هو ملفك فيه شوية حاجات كده ناقصة؟ زي مثلًا تقديرك في الجامعة؟ وإلا كنت طالعة بالعافية؟" كان يستخف بها.
لتقول بنفس البرود: "لا يا فندم، مش طالعة بالعافية. أنا تقديري جيد جدًا الأربع سنين."
ليقول: "ولما هو كده ما كتبتيش ليه
رواية الوهم القاتل الفصل الرابع 4 - بقلم ميفو سلطان
كانت أسيا، مر أسبوع ولم يحدث شيء. خالتها تكلمها وتخبرها أن أكمل جن عندما رحلت، وأنه يبحث عنها. أخبرتها ألا تعود وأن تبقى فترة. أحست بالقهر، ماذا يريد منها مرة أخرى؟ فليتركها في حالها، يكفي ما جرى منه ومنها، كانت علاقة مسمومة، أذى كل منهم الآخر.
بعد أسبوع، يأتِ إليها اتصال بأنها قُبلت في الوظيفة وأنهم ينتظرونها في العنوان والساعة المحددة. كان ذلك كله بعد يومين. فقررت أنها لن تترك الشقة إلا بعد المقابلة، فربما تقابل صعوبات ولن تأخذ معها ملابسها لترى ما ينوي عليه ذلك المتغطرس.
مر يومان. لبست أسيا فستانًا واسعًا جميلًا لا يبرز جسدها، فهي أصبح لديها عقدة من جسدها، فلا تريد أن ينظر إليها أحد. هي تشعر بالخجل من جسدها وتشعر أنه يشينها، وكان معظم لبسها هكذا. مع أن جسدها جسد امرأة فاتنة تخلب لب أي أحد، ولكنها العقد التي انغرست بداخلها. لبست عليه حجابًا بسيطًا يبرز جمال وجهها وعينيها. لم تكن تضع مكياجًا من الأساس، سوى ملمع خفيف للشفاه. أخذت أوراقها وحقيبتها وتوكلت على ربها ورحلت.
ذهبت للمكان لتجدها فيلا جميلة منمقة. ليأخذها أحد الحراس لتنتظر موافقة ذلك المغرور. تجلدت وتصنعت البرود واللامبالاة. عشرتها مع أكمل جعلتها تهرب من المشاكل إلى البرود لتدافع عن مشاعرها. فكثرة الضغط إما أن ينفجر الإنسان ويصبح مريضًا، أو أن يجد وسيلة يهرب بها حتى لا يمرض، فيضع حوله هالة من البرود تفصله وتحميه من وجع الآخرين.
مرت أكثر من نصف ساعة ليأذن لها مراد بالدخول. كان جالسًا على المكتب، ولكنه قام عندما دخلت وأشار لها بالجلوس، وهي تلعنه بداخلها. كان يتفرس فيها ويتمنى أن تنظر إلى عينيه، ولكن هيهات، فليست أسيا من تنظر لجنس رجل. قام واتجه إليها وأخرج ورقة وذهب وجلس أمامها ووضع قدمًا فوق الأخرى، ووضع الورقة أمامها وبدأ في الكلام باستعلاء:
"بصي يا مدام... انت صحيح ماعندكيش مؤهلات بس أنا محتاج حد ضروري ومش لاقي. فهيا هتبقى فترة اختبار شهر، يا تكملي يا للأسف مالكيش مكان."
تجلدت بالبرود ولم ترد. ظل منتظرًا رد فعل، ولكنها كانت مبهمة بالنسبة له.
"هتفضل خرسا تحرقلي دمي والا إيه؟ طيب ماشي..."
فأردف:
"بس فيه شوية شروط كده عشان أقبل أشغلك."
فهتفت ببرود:
"أكيد طبعًا، اتفضل سمعاك."
أحس بالغيظ من لا مبالاتها.
فقال:
"أولًا، حياتك الخاصة ومشاكلك ما تخشش لشغلك."
قاطعته ببرود وقالت:
"ومين قال لحضرتك إن عندي مشاكل؟ وأكيد أنا جايه أشتغل وهجيب مشاكل ليه؟ سؤال غريب شوية."
ورفعت حاجبيها ونظرت إليه. فأحس أنه يريد أن يخنقها. فلم يكلمه أحد من قبل هكذا.
فأكمل بغيظ وقال باستعلاء شديد:
"أي تجاوز غير مسموح، وأي خطوة جديدة في حياة البنت أكون على علم بيها."
فانتظر ردها.
كانت جالسة بهدوء تغلي من الداخل. فقالت:
"حضرتك أكيد طبعًا، أي خطوة هتبقى مشارك فيها حضرتك. باباها؟ بس معلش يعني مش فاهمة، إيه التجاوز ده؟"
هتف بنبرة ماكرة، أحس أنه سيأخذ حقه منها ومن برودها.
"بصي يا مدام... يعني كل شغلك البنت دي. أي حد تاني لا. فقطبت حاجبيها ليعلم أنها لم تفهم. ليكمل بوقاحة: "يعني إنتِ ليكي البنت. أبو البنت مايبقاش ضمن اختصاصاتك."
فنظرت إليه بذهول، غير مصدقة. فشعر بالرهبة. أردف عندما رأى صدمتها:
"حضرتك دخل البيت ده عشر ستات وكلهم البنت كانت آخر اهتمامهم. الستات ليهم اهتمامات أخرى وأفعال مش شغل خالص، ولا كأنهم جايين رحلة واستجمام. مش للبنت خالص. دا كانت حاجة آخر متعة والله، بس أنا مش فاضي للكلام ده ومش رايق صراحة. رغم إن الموضوع كان ممتع. بقول عشان نخلي بالنا إني بره الحسبة."
ونظر إليها بمكر وابتسامة خبيثة في إشارة لنفسه.
لم تحتمل وقاحته أكثر من ذلك، فقامت فجأة محتده.
"اسمعني كويس يا مستر مراد، عشان إن كان أصلًا هيبقى فيه شغل، أولًا أنا هنا عشان البنت. ولو اللي حصل لحضرتك قبل كده مشكلتك ومشكلة اللي شغلتهم والمستوى المتدني اللي جبته وتفكيرهم وتفكيرك مش مشكلتي خالص ومش أنا خالص نهائي. إنما حاجة زي كده مثيرة للغثيان والقرف."
لينصعق.
"بقي أنا اللي يتقال كده؟ البت قرفانة مني وهاجت لما قلت لها؟ دا ناقص تشقني؟ ليه؟ مالي؟ أنا مفيش واحدة إلا ما هتموت عليا. نهار أسود أنا مراد الشهاوي."
وأكملت:
"وأقدر أقولك إن من رابع المستحيلات إنها تحصل."
كانت تنظر بقرف شديد. وأكملت:
"أحب أكد لك إن البنت هي شغلي الشاغل، ولا يمكن يبقى فيه غيرها في يوم من الأيام، ولا يظهر أي مظهر يدل على ده. ودا فعلًا شرط يتحط في العقد وشرط أساسي. وإن أي حاجة تأتيه من رابع المستحيلات. وحضرتك تقدر تتأكد أوي من ده، وإنك مش هتلاقيني أصلًا في سكتك من الأساس إلا وقت استدعائي. إيه ده؟ أنا مش مصدقة إن فيه كده أصلًا. اطمن أوي يا مراد بيه، مش عندي الكلام ده."
كانت تشتعل والغضب يأكلها. أنه يلمح أنها ستتهافت عليه وستستخدم أنوثتها للإيقاع به، وهي التي تريد أن تبتعد آلاف الأميال عنه وعن أشكاله. كانت ثورتها بالنسبة إليه غير مبررة. كان غضبها شديدًا ليصعقه لبعض الوقت. وشعر بالضيق الشديد وهز غروره، إذ أن تلك الجميلة لا تهتم به ولا تتهافت عليه كما تفعل الأخريات. وأن انفعالها كان صادقًا وحقيقيًا، فهو ذو خبرة كافية ليعرف النساء ومكرهم. وتلك الجميلة مبتعدة تمامًا عن أي مكر، بل أنها تقول ما بداخلها بصدق واضح. ولكن غضبه زاد من كلامها، فهو مراد الشهاوي الذي تتهافت عليه النساء، فمن تكون تلك لتبتعد عنه وتلقنه درسًا في الأخلاق؟
حاول التحكم في نفسه، ولكنه تكلم وخرجت نبرته غاضبة.
"أظن انفعالك غير مبرر يا مدام، والا إيه؟ ماكنش كلمتين تديني قدامهم عريضة وموشح."
كانت قد هدأت وهزت كتفيها. كان الأمر لا يعنيها وهو ليس أمامها من الأساس. وقالت:
"والله ده اللي عندي. وحضرتك ليك القرار."
فهتف بغيظ وقال:
"طب بصي في العقد كده، جايز ما يعجبكيش وتدينا موشح تاني."
بهدوء مدت يدها لتري العقد. أنه يلزمها أن تبقى مدة سنة كاملة في حال لم يحدث منها تصرف خارج، وأنها لا تستطيع فسخه حفاظًا على البنت. ظلت تفكر لفترة. فهتفت:
"طب افرض حضرتك الأمور ما وافقتش بالنسبالي، هترغمني إني أفضل؟"
فقال لها:
"أنا مش جايبك عشان أهزر، دي بنتي ومش كل يومين هغير واحدة."
هنا وضعت الورقة على المكتب بإهمال. فرفع حاجبيه باستغراب من فعلتها. لتكمل:
"أوك تمام، بس في المقابل ليا شروط."
أحس أنه يريد أن يقتلها أو يخنقها. فهتف:
"نعم يا أختي."
فنظرت إليه غاضبة. وقالت:
"وده أول شروطي: مفيش تجاوزات من حد أي كان موقعه في المكان. شغلي ما حدش يدخل فيه إلا بعد مناقشة. وثالثًا: البنت مسؤوليتي مسؤولية كاملة، يعني أنا ليا القرار في الحاجات الأساسية في التعليم واللبس والخروج، وأي تضارب مش هقبله. لأني مش جايه أفضل سنة وأتحبس في مكان زي ده، والآخر ألاقي نفسي خدامة مش مربية لطفلة."
ليهتف لنفسه:
"يادي السواد. البت بتقولي تتحبس في مكان زي ده وقرفانة. انت ساكتلها ليه؟ ما تقوم تقتلها وتفش غلك؟"
هتف:
"أنت مش واخد بالك إنك بتتآمري بزيادة وأنا ممكن أجيب مكانك ألف."
فهتفت بهدوء وانحنت لتأخذ حقيبتها دليلًا على عدم اهتمامها:
"والله ده اللي عندي، وممكن حضرتك تتفضل تجيب الألف يرازيك زي اللي قبلهم وتكمل رحلتكم الاستجمامية سوا. أما أنا، زي ما حضرتك وضعت شروط، أنا ليا شروط. وبين البايع والشاري يفتح الله. وحضرتك تقدر تختار."
وربعت يديها بتحدٍ شديد ونظرت إليه. وهو في ذلك الوقت كان يريد أن يشبعها ضربًا من عنادها الشديد. ولكن شيئًا بداخله كان يكبلُه أن يدعها تمشي. كان يريد أن يخنقها ولكن لا يتركها ترحل، فأحس بالضيق.
"طب خلاص خلاص، نجرب الشهر الأول وبعدين نشوف."
"اتفضلي عشان تستلمي شغلك."
فهتفت معترضة:
"لا حضرتك، أنا همشي دلوقتي لأني ماكنتش عاملة حسابي إننا هنتفق أصلًا. فبكرة بإذن الله هاجي وأجيب حاجتي وأمضي العقد."
أحس أن شيئًا من شياطين الدنيا تلبسته. فهي تتكبر عليه بلا داعٍ، ولكنه يستحق في الحقيقة، فهو يظن نفسه فوق الكل. ثم استدارت بهدوء واستأذنته وقالت:
"أشوف حضرتك بكرة أو أي حد في الفيلا يعرفني شغلي. مش مهم حضرتك خالص تكون موجود."
وانصرفت، تاركة وراءها بركانًا يغلي لما أحس من إهانة من تهاونها في حقه. ولم يعرف ماذا يفعل، فأخذ أحد الفازات ورزعها في الحائط والغضب مشتعلًا على آخره. ليهتف مشتعلًا:
"مش مهم أكون موجود وأي حد يسلمها الشغل؟ يا قهرك يا مراد."
"أجري وراها أجيبها من شعرها! مش شايفاني والا إيه؟ دي اتهبلت؟ بقي أنا مراد الشهاوي اللي الستات بتجري وراه؟ واحدة زي دي تتكبر عليا؟ أنت سكتلها ليه؟ ما رميتهاش بره وطردتها ليه يا مراد؟ إيه اللي مكبلك كده؟ إيه اللي خانقك إنك تسيبها؟ أنت بتتصرف تصرفات مش مفهومة. البت دي عملتلك إيه؟ ماتهدي كده."
ظل يأكل في نفسه وهتف:
"ماشي يا ست أسيا، أما نشوف."
خرجت أسيا من الفيلا وقررت ألا تسمح لذلك المغرور أن يتجبر عليها أو أن ينال منها، فيكفيها ما حدث لها في حياتها، فلن تسمح لجنس رجل أن يطغي بشخصيته عليها مهما حدث. وذهبت إلى شقتها وبدأت معاملات الانفصال عن الشقة، ولملمت أشياءها وتبيت ليلتها الأخيرة وهي وحيدة، لا تعلم ما هو القادم وما يخفي لها القدر. لتغادر في الصباح إلى مكان عملها، داعية من الله أن تكون حياتها القادمة مع تلك الطفلة تعويضًا لمشاعر الأمومة التي تفتقدها والتي لن تحصل عليها أبدًا في حياتها.
في الصباح، ذهبت أسيا إلى الفيلا لتجد مراد ينتظرها ليأخذها ليعرفها على من بالبيت جميعًا من الخدم. ثم عرفها على والدته السيدة حكمت، كانت سيدة مسنة وقورة طيبة القلب. رحبت بها كثيرًا. وأحست أسيا أن تلك المرأة ليست كابنها، وأنها امرأة حنونة وطيبة. وظلت جالسة معها وقتًا لتفرح بها السيدة حكمت، لتشعر بطيبتها وحنانها. لتستأذن منها أسيا.
وهنا جاء دور الفاتنة الصغيرة تاليا ليتعرف عليها. وهنا أشارت إليه أنها تريد أن تتعرف إليها بنفسها، وأنها لا تريد لأحد أن يقدمها إليها. دخلت أسيا ومعها مراد، وكان يقف بعيدًا على الباب. لتدخل أسيا لتجد فتاة جميلة رائعة كالملاك. فأحست بقلبها يرتجف بشدة، وأحست أن تلك الطفلة ستكون لها في قلبها نصيبًا كبيرًا، وأنها حصلت على ما كانت تنشده. كانت الطفلة تسلب لب أي أحد يقترب منها.
هنا اقترب أسيا منها بهدوء. كانت الفتاة تجلس على الأرض ومفترشة ألعابها. ورفعت عينيها لتجد فتاة جميلة أمامها وتجد أباها يقف بعيدًا. فقامت بسرعة واحتضنت أباها وتجاهلت أسيا تمامًا لتبقى في حضن أبيها. اتجهت أسيا إلى الألعاب وجلست على الأرض وبدأت تلملم بعض الألعاب المكسرة وتحاول إصلاحها. ثم فتحت حقيبتها عن آخرها لتنظر الفتاة تجاه الشنطة، ليتسع عينيها لتجد إحدى العرائس الرائعة الكبيرة التي تلبس فستانًا ذهبيًا براقًا.
لتنزل من حضن أبيها لتقترب من أسيا بهدوء. وأسيا مستمرة في لملمة وترميم الألعاب. وكان مراد ينظر إليها واندهش مما تفعله تلك الفتاة. ليجد ابنته تتركه وتذهب إليها، وهو يعلم جيدًا أن ابنته خجولة، لا تقترب من أحد بسهولة. كانت أسيا تتصنع الاهتمام بالألعاب المكسرة، وكانت تهمس بكلمات حانية لتلك الألعاب.
فاتت إليها تاليا. وأحست أسيا بيد صغيرة تنقر على كتفها. فنظرت إليها، فإذا بتاليا تشير إلى العروسة قائلة بخجل:
"هي العروسة دي بتاعتك؟"
فابتسمت أسيا وقالت:
"لا مش بتاعتي. هم قالوا لي إن فيه هنا بنوتة جميلة قاعدة هنا، فـ أنا حبيت إني وأنا جايه البيت أجيب لها حاجة تفرحها. ولما أشوفها هاديها لها."
ابتسمت الفتاة بشدة وأشارت إلى نفسها:
"أنا أنا أنا هي البنت دي. يبقى العروسة دي إنت جايباها ليا صح؟"
فابتسمت أسيا على تلك الجميلة التي وقعت في حبها. لتأخذ يدها وتضعها على العروسة وتحملها وتعطيها إليها. لتسعد تلك الجميلة بها. وكانت تلمس وتحسس على فستانها الرائع وشكرتها بخجل. وما أن رفعت العروسة لتجد أسفل العروسة عروسة أخرى، ولكنها كانت لبسها ليس على ما يرام. فتعجبت الفتاة وظلت تنظر إلى أسيا، وأسيا تتصنع أنها لم تر ذلك. قطبت الفتاة وبدأت تتكلم. كل ذلك تحت نظر مراد، هو مذهول مما تفعله تلك الفتاة بابنته، وكيف جعلتها تتكلم معها بسهولة ويسر، وهي التي اقتربت منها وليس العكس. كان سارحًا فيها ولا يحيد عينيه عن وجهها الجميل.
هنا نظرت الفتاة من العروسة الأخرى لتقول لأسيا:
"طب وليه هدومها عاملة كده؟ هي لي ما عندهاش هدوم حلوة زي العروسة دي؟"
هنا قالت أسيا:
"طيب مش أنتِ تقوليلي انت اسمك إيه الأول؟ أنا ما أعرفش اسمك إيه."
فابتسمت تاليا وقالت:
"أنا اسمي تاليا مراد الشهاوي."
لتبتسم أسيا ومدت يديها وقبلت تلك الطفلة وقالت لها:
"وأنا اسمي أسيا."
فلتقطب الطفلة جبينها قائلة:
"اسمك حلو."
وهتفت أسيا أيضًا:
"وانت كمان اسمك أحلى اسم في الدنيا."
أكملت الطفلة:
"طب قوليلي بقى هي هتفضل كده هدومها عاملة كده؟"
اقتربت منها وأخذت العروسة وأخذتها بين أحضانها. وظلت تنظر لتاليا وتقول لها:
"عارفة يا تاليا، مش كل الناس عندها حاجات حلوة. في ناس ما عندهاش الحاجات اللي عند الناس الثانية. بالظبط العروسة دي. واحدة صاحبتي قالت لي أنا ما عنديش إني ألبسها. فـ سبتها وأنا زعلت جدًا إنها سبتها. وحاولت إني أساعدها وقلت إني في يوم هسعدها ونعمل لها أحلى هدوم في الدنيا وتبقى أحلى عروسة في الدنيا، ويبقى كده إحنا أدينا السعادة لحد. دي حاجة بسيطة جدًا وما تعبناش، وفي نفس الوقت إحنا اتبسطنا جدًا."
فرحت تاليا وهتفت مسرعة:
"طيب قومي بسرعة عشان إحنا نعمل لها هدوم عشان هي تبقى مبسوطة وإحنا كمان نساعدها."
هنا اقتربت منها أسيا وقالت:
"يعني ده معناه إننا بقينا أصحاب؟ عشان الصحاب بيساعدوا بعض. طيب يا ستي، طالما أنتِ بقيتي صاحبتي، أنا هخليكي تساعديني إننا نساعد العروسة دي. وفي الآخر نحطها جنب العروسة الجميلة اللي أنا جايباها لك، يبقى بدل ما يكون فيه عروسة واحدة، يبقى فيه اتنين، نبسط ونلعب بيهم. إيه رأيك؟"
هنا هتفت تاليا وبسرعة اقتربت من أسيا واحتضنتها بشدة وقالت:
"أنتِ طيبة قوي عشان كده أنا خلاص بقيت حبيتك وأنتِ بقيتي صاحبتي."
أحست أسيا بالحب الشديد بتركيبة تلك الطفلة. وحست أنها وجدت ضالتها أخيرًا. فبوجود تلك الرقيقة، قلبها سيحاول أن يتعافى بحب تلك الطفلة، وأنها ستنسى أي شيء في وجودها، حتى ذلك المتغطرس الذي يقف بعيدًا ينظر إليهما غير مصدق لما فعلته أسيا في وقت قليل لتسعد ابنته. يشعر بالإعجاب الشديد من قدرتها على تقاربه من ابنته، وأن ما فعلته الآن هو رسالة جميلة أوصلتها إلى ابنته بطريقة بسيطة، وستشارك ابنته في عمل شيء رائع وجميل وهو البدء في كيف تعرف أن تساعد الآخرين. رغم إحساسه بالغضب والغيظ منها، إلا أنه شعر بالإعجاب الشديد لقدرتها على التقارب من ابنته.
هنا تدخل مراد ليقترب منهم ويقول:
"أظن دلوقتي هقدر أسيبكم مع بعض."
ونظر إلى تاليا:
"أظن بقى لك صاحبة دلوقتي يا تاليا وما بقتيش لوحدك. إيه رأيك تفضل معاكي وما تشتكيش تاني إن مالكيش أصحاب."
ذهبت تاليا واحتضنت أسيا وقالت:
"يعني هي هتفضل معايا على طول يا بابي؟"
فهتفت أسيا بسعادة لابنته:
"أيوه يا حبيبتي، مش هاتسيبك أبدًا عشان أنتِ جميلة وما ينفعش أي أحد يسيبك أصلًا. واللي يشوفك يحبك على طول."
كانت أسيا تتكلم من قلبها وبحب شديد.
ليستأذن مراد على مضض ويشير لأسيا لتقترب منه ليهتف:
"أظن اللي حصل ده ممكن يبقى ليكي شأن وتنفعي تكملي في الشغلانة، ومؤهلاتك واضحة. بس يا رب تكمل على كده."
لتهتف ببرود:
"طب والله حاجة جميلة إننا نلنا رضا مراد بيه الشهاوي."
ليحس بالغليان من تهكمها. ليهتف بسخرية:
"وتنولي رضاي ليه؟ أظننا قلنا إني بره الحسبة يا مدام، والا إيه؟"
هنا لم تستطع أن تكتم نظرات الاحتقار وقالت بهدوء:
"لا اطمن أوي يا مراد بيه. من ساعة ما شفت تاليا ما فيش غيرها بقت قدامي. وما فيش حاجة أيًا كانت هتشغلني، ولا أصلًا فيه حاجة هتيجي في عيني من الأساس. أنا ما بشوفش إلا تاليا وبس. فاطمن أوي. عن إذنك."
وتركته وذهبت لتاليا، وهو واقف أحس أن هناك انفجارًا بدأ بداخله.
"بقي أنا حاجة؟ أنتِ بقيتِ حاجة يا مراد؟ لا والبت قرفانة! بقي إن ما يتبصليش؟ بقي أنا ما أدخلش في عينها؟ هموت يا بنت الجزمة وأجي أدشدش دماغك. مالك؟ مش شايفة أنا والا إيه؟ أنا بيا عيب أصلًا؟ أنا ما فيش ست بتعتقني. أطول دماغك إزاي دلوقتي؟ غور غور بدل ما تقعد وتروح تهبدها بحاجة."
كان غاضبًا. وتركهم معًا. ورغم غضبه كان متعجبًا من قدرة تلك الفتاة الصغيرة التي أبهرته، ولا يعلم عنها شيئًا. ومن داخله يريد استكشافها ويعرفها جيدًا، ولكن غروره يمنعه من الاقتراب منها.
مرت الأيام وأسيا وتاليا أصبحتا رفيقتين رائعتين لا ينفصلان أبدًا. ولكن أسيا لم تكن تدلل تاليا كل الوقت، فكان لابد لها من أن تقومها، فكانت تاليا تسمع كلامها. أحست تاليا بأنها عاد إليها الحب والاهتمام، فارتبطت ارتباطًا وثيقًا بأسيا. في تلك الأيام، كانت أسيا كل اهتمامها منصبًا على تاليا وتعليمها وإرشادها. وكانت بعد أن ينتهي اليوم تجعلها تخلد إلى النوم وتذهب لكي تجلس مع تلك السيدة الرائعة، والدة مراد، السيدة حكمت. فكانت أسيا استعادت بعضًا من روحها وأصبحت تشع بهجة وصفاء وحبًا للآخرين. فأحبتها السيدة حكمت بشدة وأحبها كل من في البيت. ولكنها عندما تعلم أن مراد سيدخل إلى الفيلا، كانت تستأذن من السيدة حكمت بسرعة وتذهب إلى حجرتها. فكان كلما يدخل مراد يبحث بنظره عنها متلهفًا ليراها، ولكنها لا تكون موجودة. وكان يجلس مع والدته بعض الوقت ليعرف ويستشف من كلام أمه أنها ما إن تسمع وجوده بالخارج، فإنها تستأذن قبل دخوله بدقائق، حيث أنها لا تريد أن تقابله. وهذا ما جعله يشعر بالغضب والغيظ بعض الشيء. فمن هي لتتجنب مراد الشهاوي؟ كان متأكدًا أنها لا تريد أن تراه وتتجنبه، ليغتاظ.
"هي البت دي اتهبلت؟ دا كانوا بيقعدوا لي بالساعات ودي ما بلمحش طرف أمها. أنا بأكل نفسي ليه؟ طيب ما تستخبي والا تغور في داهية. وتستخبي ليه؟ مالي؟ أنا ما حدش ادي. أنا عارف البت دي جاية عشان تحرق لي دمي وتقهرني، أنا عارف."
مرت الأيام وأسيا قد تعلقت تمامًا بتاليا وأصبحت روحها وقلبها، وكانت قد ألهمت فؤاد الطفلة، فأصبحت كظلّها تسمع وتطيع. فاسيا أعطتها حبًا لتخبره والدته بكل ذلك. ليتعجب من قدرة تلك الفتاة التي تشع من أجل ابنته وتتجنبه كأنه مرض معدي.
مرت الأيام ومراد لا يفكر إلا بها وما غيرته في المنزل. وما ينغص عليه أفكاره أنه لا يراها عشرة أيام ويسمع عن حنيتها وجمالها وتصرفاتها التي تدخل القلوب. كان جالسًا في مكتبه يعمل كالعادة. ليدخل عليه المهندس عادل ويعطيه بعض الملفات، ثم يقف مرتبكًا. ليرفع مراد حاجبيه فيفرح:
"يا عادل."
ويقول:
"لا يا مراد بيه، بس كنت يعني عايز أقولك حاجة، أطلب حاجة."
ليهتف مراد:
"ما تنجز يا عادل، فيه إيه."
ليقول:
"أصل أنت حضرتك عارف إني مش متجوز وشاب يعني ونفسي ارتبط وكده يعني."
ليهتف مراد بسخرية:
"وأنت عايزني أجيب لك عروسة والا أجي أخطب لك؟"
ليقول عادل:
"لا، ما أنا كنت شفت الآنسة أسيا وعجبتني يعني وكنت بفكر فيها وكده."
ليحس مراد أن قلبه سيخرج منه وأنه يريد أن يقتله. فقال بغضب:
"اسمعني كده يا أخويا، بتقول إيه ومين اللي عجبتك؟"
ليرتبك عادل ويقول:
"الآنسة أسيا، من ساعة ما شفتها عجبتني ولقيتها محترمة، وقلت يعني أطلبها بحلال ربنا."
صرخ مراد:
"بحلال إيه يا أخويا؟ دا بينها بقت مسخرة. طب اسمع بقى، الآنسة دي مدام ومطلقة ومش بتفكر في الجواز ومش هتتجوز من أساسه، ارتحت."
كان يمسك نفسه من أن يوسعه ضربًا.
"طب ما هو يعني لو اتقابلنا ممكن..."
ليقاطعه مراد بغضب:
"مفيش ممكن. مفيش حاجة خالص ومالهاش سكة. أنت تروح تشوف شغلك وتنسى القصة دي نهائي. أنت جاي تشتغل والا تحب وتسحس والا أنت قاعد رشق عينك في اللي داخل واللي خارج."
كان عمر قد دخل ليهتف:
"إيه يا مراد؟"
ليصرخ مراد:
"على مكتبك يا أستاذ."
هنا هتف عمر:
"إيه يا ابني؟ أنت مالك شايط ليه؟"
ليحاول أن يهدأ ويقول:
"البيه جاي الـ إيه؟ عايز يتجوز أسيا؟ رشق عينه في البت من ساعة ما جت وحطها في دماغه ابن الجزمة. أصلها خلاص بقت سايبة."
ليهتف عمر:
"بجد؟ طب وزعلان ليه؟ طب والله حاجة جميلة، دا حتى توفيق راسين في الحلال وينوبك ثواب."
لينظر إليه غاضبًا:
"تصديق إن هقوم أفلق راس أمك وراسه نصين وهاخد أكبر ثواب."
ليقطب عمر:
"أنت متنرفز ليه بس؟ هو عمل إيه؟"
لقول مراد:
"عمله أسود ومهبب. أنا مش طايق الواد ده أصلًا. عايز على آخرتها ياخد البت اللي معايا و ملت البيت علينا. قصدي البت اللي تاليا بقت روحها وبنتي. ما صدقت تبقي كويسة وتحس بالأمان. دا تاليا اتبدلت وبقت حد تاني مرحة وبتتكلم. كل ده بسبب أسيا، والبه جاي ياخدها مني."
ليهتف عمر:
"طب الحمد لله، أخيرًا ربنا وفقك لحد كويس. هي كويسة فعلًا."
ليهتف مراد:
"دون وهعي أوي أوي والله."
ثم قال: "أسيا ماينفعش تسيب البيت نهائي. والحلوف اللي بره ده ألمه."
ليضحك عمر:
"طب ما تعصبش نفسك، هلمه طيب، بس تصدق إن شوقتني أشوفها والله، دا حاجة تدخل القلب والله."
هنا لم يعد مراد يتحمل ليقول:
"طب قوم يا عمر بدل ما أطلع اللي فيا فيك وأقوم أفلقك بدل عادل. ما أنا ما قدامي إلا أنت عشان ما أخليش في نفسك حاجة."
ليقوم عمر ضاحكًا:
"طب يا عم، ما تزقش. ربنا يهني سعيد بسعيدة. أنا ماشي سلام."
ظل مراد يأكل في نفسه.
"هو إيه؟ أنا ما بشوفش البت وكل واحد عايز يبص لي فيها. ليبهت فجأة. وانت زعلان ليه يا زفت؟ ما تتجوز والا تولع بجاز. دي إيه دي أصلًا."
ليقول لنفسه:
"لا تولع إيه؟ دي ما تسيبش البيت على جثتي. عشان تاليا بنتي. أيوه، ماهو مش بعد ما تاليا تتعلق بيها يجي حد وياخدها."
ظل يعمل وهو مزاجه ليس على ما يرام ليتعب. ثم يقرر العودة للبيت. ليدخل ليجد البيت هادئًا ويجد أمه جالسة. ليدخل عليها ويقبلها ويهتف:
"إيه البيت هادي كده ليه؟"
لتهتف الأم بسعادة:
"اللي ربنا يبارك لها، نوّارة البيت، القمر أسيا. بدعيلها. خلت البيت جنة من ساعة ما دخلت. حنية وقلب طيب وسعدت البت وتاليا لازقة فيها. يا نني قلبي. ما البت قمر ويتلزق فيها. ربنا يخليها. ونيمت تاليا ولا حتى فتحت بقها."
ليتنهد من كلامها الذي أشعل قلبه. كانت والدته تحكي له ماذا يحدث طوال اليوم من تقارب بين أسيا وتاليا، وأن تاليا أصبحت متفتحة إلى حد ما، وأنها تأمل بعد فترة من وجود أسيا أن تصبح فتاة طبيعية وليست تلك الفتاة المنغلقة على نفسها. وكانت السيدة حكمت لا تكف عن الحديث عن أسيا ورقتها وجمالها، وأنها فتاة نادرة الوجود. وكان هو يستمع لها وقلبه يرتجف، فقد كسبت كل البيت في صفها.
ليهتف:
"طب وأنتِ من ساعتها لوحدك؟"
لتقول:
"لوحدي إيه؟ دا أسيا لسه قايمة حتى في دخلك والبت وردة بتفتح الباب. لو كنت قدمت شوية كنت شفتها."
ليشتعل من الداخل. فيعلم أنها تتعمد تجنبه كأنه حشرة لا تراه.
هنا هتفت الأم:
"قوم يا حبيبي ريح يلا، وأنا هقوم أنام."
ليتمنى لها الخير.
ويصعد ويدخل حجرتَه ويغير ملابسه ويجلس على الفراش متأكلًا.
"يعني كانت قاعدة الهانم وأول ما عرفت إني داخل قامت، مش عايزة تشوف وشي."
"دانا ما شفتهاش من عشر أيام."
ليهب في نفسه ويقول:
"إن نفسي أعرف دي مابتقعدليش ليه؟ أنا ما يتقعد لييش؟ أنا مراد الشهاوي بجلالة قدره، ما بتقعدش لي ليه؟ أفهم."
"اللي قبلها كانوا بيسهروا لي. إيه؟ مش شيفاك أوي كده؟ البت دي مالها؟ فاكرة نفسها إيه يعني؟ بتستخبي مني؟ هو أنا بأكل الستات؟"
"ما تقعد عادي وأخش ألاقيها. إيه اللي هيجري يعني؟ هاكل من أمها حتة؟ محسساني إنها هتقعد مع عفريت وبتستخبي."
"الهانم مش معبراني. لا واللي قهرني أمي بتقولي دا أول ما سمعت ورده بتفتح لك قامت. دا هاين تتف في وشي قبل ما تطلع. يعني أبقى آجي من باب الخدمين عشان الهانم ماتكش وتطفش وأشوفها زي بقيت الخلق. أنا ماشفتش كده ولا هشوف. هو فيه إيه؟"
"نام يا مراد بدل ما أنت نازل هري ومتغاظ ومش لاقيلك صرفة. بت دماغها حجر زفت. إيه ده؟ أما أنام أنا عارف هيا جايه تنكد عليا عيشتي وتحرق لي دمي."
"اتخمد بقى بدل الطحن والهري. طب يا أسيا، ماشي. ليكي شوفة أفش غلي فيكي."
رواية الوهم القاتل الفصل الخامس 5 - بقلم ميفو سلطان
رواية الوهم القاتل الفصل السادس 6 - بقلم ميفو سلطان
في الصباح كان مراد منتظرًا آسيا على السفرة، فهو لم ينم ليلته من كثرة التفكير فيها.
أتت معه تاليا، وهي خجولة. في المساء جلست في هدوء ولا ترفع نظرها، وهو لا يحيد نظره عنها. أمه تراقب ما يحدث في صمت وسعادة، وتتمنى أن يتحقق ما بداخلها.
ليجلسا معًا وتبدأ تاليا في الثرثرة كالعادة، فأصبحت مشعة كرفيقتها.
ليتحدث مراد بمرح:
"إيه يا حبيبتي، ما تفصلي. إنتِ ما بتبطليش. ما تاكلي وكفاية. كليتي ودان آسيا، سيبيها تاكل. ده ما بتلحقش تمد إيدها."
لتهتف آسيا بخجل:
"لا يا مستر مراد، أنا والله مش مضايقة. ده تاليا تقول وتعمل اللي تحبه."
ليهتف:
"آه والله، نفسي تعمل اللي تحبه بجد."
لم ترد آسيا. لتقول الأم:
"هو عمر هييجي انهارده صح؟"
ليقطب جبينه ويقول بضيق:
"آه هييجي. ما هو أنا اترازيت بيه خلفته ونسيته."
لتضحك آسيا ضحكة خفيفة. لينظر إليها ببلاهة:
"هو فيه إيه؟"
لتقول الأم:
"طيب عشان أعمل حسابي بقى."
لتهتف آسيا:
"طب أستأذنكو يعني، لو فيه ضيوف أبقى مش موجودة، يعني تبقوا براحتكم."
لتهتف الأم، وكان مراد يريد أن يسكت أمه ويذهب ليقتل عمر:
"هو مين اللي ضيوف؟ ده عمر ده ابني، حتة سكرة. دانتي لو قعدتي معاه ماتبطليش ضحك. ده واد عسل."
لتضحك آسيا. ليغضب مراد:
"هو إيه اللي عسل ولو قعدت ولو بتاع وضحك وزفت. ده وش أمه فقر وعيل سدغ. أنا مش عارفة رزياني بيه ليه. ما يتراز يطفح في أي مصيبة."
لتنظر إليه الأم بخبث.
"فيه إيه يا ابني؟ دا حبيبك يا قلب أمك. يهون عليك؟ آه يجي ويتونس بينا. وانت يا آسيا تقعدي وتنوري الدنيا. واللي ييجي يتشرف بيكي يا حبيبتي. دانا لو طلت أعرفك على الناس كلها."
ليهتف مراد:
"استغفر الله العظيم يا رب. فيه إيه يا أمي عالصبح؟ حبيبي وزفت على دماغه."
ليستدير لآسيا:
"ما تصدقيش أمي. دا واد بارد ورزل."
كان الغيظ يأكله. فهتف في نفسه:
"ما تسكتي يا أمي بقى. هتعرفيها لمين. فاتحينه معرض. دانا ما صدقت إنها تقعد دقيقتين. ترازيني بحد يقرفني. مالك الحب طرشق في الواد كده ليه؟ والله لأطحنه بس أشوفه."
ولكن الأم لم تسكت وقالت:
"طب يا قلب أمك، ماعرفش إيه اللي مدايقك من الواد. بس هاته، لو مزعلك هصالحك عليه أنا وآسيا بكلمتين من وشها القمر ده. مش كده يا آسيا؟"
لتبتسم آسيا.
ليقوم مراد:
"لأ، كده كتير وكفاية بقى عشان والله مينفع. أما أقوم أغور أروح للزفت وهفلقلك دماغه قبل ما ييجي عشان ترتاحي."
ورزع المعالق على الطاولة وقام وهو يغلي، وخرج مهتاجا. وأمه تبتسم وتهتف بصوت عالٍ:
"مالك يا بني عالصبح؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. مضايق ليه بس؟ هو أنا عملت حاجة؟"
خرج مراد وهو يغلي من الغضب.
"عايزة تجيب البيه ويقعد ويتونس بالبت وأنا مابنطقش معاها كلمتين. وهو عايز ييجي يتونس هو كمان؟ هو فيه إيه؟ دا ماحدش عاتق. متغاظ. أروح أطحنه دلوقتي. جاي ليه أنا نفسي أعرف. ما أطفحه في أي مطعم ويترزي بعيد."
"طيب يا عمر، اديني جايلك."
مر اليوم وجاء عمر. ليستعدا للعودة مرة أخرى. ومراد قاطب وجهه.
ليهتف عمر:
"مالك يابني من الصبح وأنت راسم مية وحداشر. هو فيه إيه؟"
ليهتف مراد بغيظ:
"بقلك إيه، تسكت خالص. أنا على آخري. تطفح من سكات واتنيل تمشي."
ليهتف عمر:
"ما ترملي لقمتين عالأقرب أكرم. دانت عيل تقيل. بقيت بومة يا ساتر."
دخل كلا من مراد وعمر الفيلا. وكان عمر شخصًا مرحًا مشاكسا. فما أن دخل ليجلس بجوار والدة مراد وبدأ في مشاكساتها، وهي تضحك بشدة قائلة:
"يا واد، إنت هتفضل طول عمرك كده؟ مش هتعقل أبدا."
فهتف:
"يعني ينفع يا أمي أعقل؟ والعقل كله قاعد قدامك أهو. ده ما شافش حد اللي أخد عقله منه."
"لأ، خليه قاعد عاقل كده لوحده. وإحنا جايين نقول ونفرفش ونفك القعدة."
فضحكت بشدة. ونظر إليه مراد وقال:
"إنت هتتلم ولا أقوملك؟"
فهتف مسرعًا:
"قلبك أبيض. خلاص يا عم خلاص، اديني سكت أهو. عندكم إيه يتاكل عشان أنا هاموت وعلى لحم بطني من الصبح."
نادت السيدة حكمت على الخدم ليجهزوا المائدة. وبعثت من ينادي على آسيا وابنته. ولم يعرف مراد بداخله لماذا لم يرد أن يناديهم. وأحس مراد ببعض الغضب بوجود عمر وكلامه المسبق.
ليجلس الجميع على المائدة. وتنزل تاليا لتجلس مكانها. ودخلت بجمالها الهادئ وطلتها الرائعة. ليصاب عمر بالدهشة. ينظر إليها ببلاهة. فانحنى على مراد قائلاً بهيام:
"إيه ياض؟ حتة القشطة دي؟ مش تقول. ده أنا كده ما عدتش هتحرك من هنا. يا دين النبي. ده المنصورة بتتحدف علينا حاجات وحاجات يا ولاد. أيوه يا عمورة، هتاكل وقدامك حتة لوزة مقشرة."
هنا أحس مراد بدوار وحرق بداخله. كان يضغط على يديه حتى لا يقوم ويفتك به. ونظر إلى عمر نظرة غاضبة وقال:
"لسانك لو اتفتح، هقوم أجزهولك وأرقّدك على بعضك. لم نفسك أحسن لك. أنا بأقول لك أهو."
أتت آسيا لتجلس بجوار تاليا بهدوء، وقد حيّت الجميع. وكانت لا تتكلم، فهي لا تعرف عمر ومن الأساس لم تكن تتكلم كثيرًا في وجود مراد. وبدأت في مساعدة تاليا في الطعام، وبين الحين والآخر تأكل بعض الأشياء البسيطة.
ليبدا عمر في الكلام:
"وانت بقى يا آسيا، أول مرة تيجي القاهرة؟"
لتقول بهمس:
"لأ، والله ما جيت قبل كده. وأول مرة أشتغل."
ليهتف بسعادة:
"ده من بختنا والله."
ليغرز مراد رجله على قدمه يهرسها. ليصرخ عمر. لتهتف الأم:
"إيه يبني؟ فيه إيه؟"
لينظر إليه مراد بغل. ليقول عمر:
"لأ، لأ. ومافيش. دا بس افتكرت حاجة صرعتني."
ليبتسم مراد بسدغة لا خفيفة يا واد.
ظلا يأكلان. وتاليا وعمر والسيدة حكمت يثرثران. وآسيا صامتة.
ليهتف عمر مواجهًا إليها الكلام:
"هو انت كده عادي زينا يعني؟"
فقطبت جبينها، لا تفهم. ومراد يكز على أسنانه. فاكمل مشاكسا:
"يا بنتي، إحنا بقى لنا ساعة نازلين أكل كأننا ما أكلناش بقالنا سنين. وأنتِ عمالة تنقنقي. ما شفتكيش بتاكلي لقمة. انت مالك كتكوتة في نفسك كده؟ دا أكل."
فابتسمت بهدوء وأحست ببعض الخجل. ليغضب مراد بشدة أن عمر يراقبها. وهنا التفت إليه مراد ويقول:
"أظن يا عمر، إنت خليك في حالك وتاكل من سكات. ما إحناش ناقصين وجع دماغ هنا. مش جاي تتفح؟ ماتتفح."
أحست آسيا بالحرج الشديد. وأيضًا عمر أحس بالحرج لها فقال:
"فيه إيه يا عم؟ هو إحنا قاعدين في الجيش؟ كل واحد قاعد باصص في طبقه. أهو هي ما بتاكلش. ما تقول لها تاكل. ولا انت قاعد وخلاص تنظر علينا؟"
هنا تدخلت السيدة حكمت لأن ابنها وجدته سيقوم ويطيح في عمر. فقالت بهدوء:
"بس يا عمر، سيب آسيا في حالها. هي دي طريقتها ودي طريقة أكلها. هي حرة يا حبيبي."
عمل عمر أنه يتفهم وهز رأسه:
"ماشي. مش تقولوا إنكم جايبينها عشان تجوعوها. خلاص ماشي يا سيدي. سيبوها جعانة. وانت يا آسيا، بالليل قومي لفي لك في المطبخ لفتين. كلي بعيد عن الديناصور ده من وراهم بالليل وماحدش هيقفشك. وأكيد ماحدش بياكل كده. وابقي احذفي لأخوكي حتتين لحمة."
فضحكت على كلامه. ثم وضعت يدها على فمها من الخجل. فابتسم عمر ببلاهة من ضحكتها وقال:
"هو فيه كده؟ يا صلاة النبي. ده الشمس نورت والقمر طلع هنا."
خبط مراد على المنضدة فلم يعد قادرًا على الاحتمال. فقلبه كان مولعًا. ونظر إلى عمر نظرة حارقة وقال:
"ما تتلم بقى يا أخي. ماحدش عاجبك في القعدة."
فاكمل:
"شهادة لله، لا القعدة دي والله العظيم عجباني. عجباني قوي كمان."
ونظر إليه وغمز له غمزة تدل على إشارته إلى آسيا. هنا تماسك مراد وتجلد، وخفي ما بداخله بمعجزة. فهو قد هاج من داخله وأراد قتل عمر وتخزيق عينيه. وضحكة آسيا أشعلته. وهنا مراد في نفسه توعد له أن يحاسبه على هذا الكلام. وظل يحرق في نفسه ويكظم غيظه. حتى استأذنت آسيا وأخذت تاليا لتذهب للنوم. وظلا يجلسان مع والدتهم ويتسامران حتى قامت هي الأخرى.
ليقترب مراد من عمر وأمسكه وهو جالس من رقبته:
"سمعني بقى كده يا روح خالتك. إنت كنت بتغمزلي ليه؟ عشان ساعتها كنت هطيح في وش أمك."
فخاف عمر ونظر إليه ببراءة:
"فيه إيه يا مراد؟ إنت هتتحول ولا إيه؟ أنا أنا غلطت لك يا حبيب أخوك؟ ده عيني اللي كانت بتوجعني. شوف بتبربش إزاي. أنا برضه ده أنا لا باعرف أغمز ولا باعرف أتنيل. ده أنا عيل أهبل."
ليضغط عليه مراد وقال:
"بقى كده. بقى ما كنتش بتغمز؟ وإن القعدة حلوة وعاجباك."
فشهق فيه عمر:
"اهدأ يا كبير، اهدأ. ما تتهورش. ده أنا عيل سيس. شوف ولا كاني قلت حاجة ولا كان موجود أصلاً. خلاص يا عم خلاص. إنت إيه؟ بتتحول كده مرة واحدة. بس تعال هنا، قل لي. هو إيه النظام؟ هيا السنارة غمزت ولا إيه؟ عشان ألم نفسي وما أخش سكة هنا."
لم يستطع مراد أن يتحكم في نفسه وقام برزعه بوكس على وجهه، وتركه ودفعه على الكرسي بعنف.
"منك لله يا أخي. وشي. أروح الشغل كده إزاي؟ أبو شكلك يا شيخ. إنت إيه؟ ما بتعرفش حتى تهزر؟ يا ساتر. ده هيبقى يوم أسود. اللي هتخش حياتك هتسود عشيتها. يا ساتر. إيه ده؟"
فاستدار له مراد بغضب. فهتف عمر بسرعة:
"لأ، وحياة أبوك ده هيبقى يوم أبيض ومنور وفيه كهارب جايبينها من السد العالي. أسود إيه يا أخي؟ ده أنا عيل وكلامي أعيال من عيالك."
فنظر إليه مراد وابتسم له ابتسامة بسخرية وقال له:
"طب يلا يا خفيف. وريني عرض كتافك. مش طفحت. يلا."
هنا عمر قام وظله يعدل نفسه وقال:
"والله يا عمر وكرامتك اتبهدلت وبقيت تتطرد من اللي يسوى واللي ما يسواش."
فاقترب منه مراد وهتف بحنق:
"إنت بتتريق؟ مين ياض اللي ما يسواش؟"
زعر عمر وقال:
"إيه ده يا كبير؟ إيه ده؟ ما تتهورش. روّق كده. أنا ماشي. ماشي يا عم. بس اللي انت عملته ده ما يرضيش ربنا. شوف وشي عامل إزاي. أروح الشغل إزاي؟ منك لله يا أخي."
فهتف عمر:
"أنا كنت قلت إيه يعني؟ البت قمر ومن حقي كفرد من الشعب أعبر عن اللي شابط جوايا. ده مزة طحن."
ليهجم عليه مراد:
"هو إيه يا روح أمك اللي شابط؟ يا حيلتها. ودين أمي ما عاتقك."
ليذعر عمر:
"فيه إيه؟ أواد إنت قلبت المجنح ليه كده؟ دانا بهزر."
ليرزعه مراد بوكس آخر:
"عشان تهزر أوي وتعبر براحتك."
ليقوم عمر غاضبًا:
"منك لله. عينيا الاتنين. إنت طور يابني. يا ساتر. أما أغور من وشك."
ليهتف مراد:
"قوم في داهية تاخدك. نكدت عليا."
ليذهب عمر ويفتح الباب. ويقول قبل أن يهرع هارباً:
"نكدت ليه يا بيضة؟ هو فيه شبطان عندك إنت كمان."
ليقوم مراد ليجري عمر مسرعًا:
"خلاص خلاص. والله حرمت."
وانطلق مسرعًا للخارج. ومراد يقف مشتعلًا.
"الله يخربيتكو بقه. هو فيه إيه؟ والهانم مالها بتضحك ومبسوطة ليه. ومصدرالي الغم والهم. ومابصدق أطول كلمة منها. ماهو قركو وبصكو راشق فيا. منكو لله. متغاظ يابن الجزمة."
خرج عمر وترك مراد في حال آخر. كان يشعر بالغضب الشديد من أن آسيا ضحكت على كلام عمر. وأنه تخيلها أنها كانت سعيدة بوجود عمر بحسه الفكاهي. وأنها لا تطيقه. أحس أنه يريد أن يذهب إليها ويخنقها.
على العشاء كانت في ذلك الوقت كانت آسيا تحاول أن تضع تاليا في سريرها. ليفتح هو الباب عليهم والغضب يأكله.
لتنظر إليه لتعرف أن به شيئًا. فهي أصبحت تعرفه إلى حد ما. ومتى يكون غاضبًا وهذا في معظم الوقت. ومتى يكون هادئًا.
أنهت وضع تاليا واقترب هو منها وقبل ابنته وتمنى لها الخير. وتركها وذهب وراء آسيا وهي تخرج بهدوء. وبينما كانت آسيا تخرج هتفت بهدوء:
"تصبح على خير."
واستدارت لتصعق من رد فعله. ليهجم عليها ويمسكها بشدة ويسحبها وراءه. يدخلها حجرته ويضعها بعنف على الحائط بشدة. والغضب في عينيه. وهي مذعورة لا تعلم ماذا فعلت.
ليهتف في وجهها:
"ممكن أعرف إيه اللي حصل على الأكل ده؟"
فهتفت باستغراب وخوف:
"أكل إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. وحضرتك أظن ما يصحش إنك تشدني كده وتدخلني الأوضة كده بالشكل ده. من فضلك سيب إيدي لو سمحت. عايزة أخرج."
فضغط على يديها فصدرت منها من وجعها. ليقول:
"إيه؟ مش واخده بالك إنك كنت فاتحاها على البحري والهي والمؤ اللي انت مدوراهم لعمر. كنت مبسوطة قوي من هزاره وكلامه ونازلة ضحك على الآخر. وتيجي عندي وتصدر لي الوش الخشب. هو فيه إيه بالضبط؟"
"ولا هو عمر مختلف ولا إيه؟ أظن ما تنسيش نفسك. إنتِ هنا إيه؟ وعمر ده باشا من الباشوات. ياريت تخلي بالك من تصرفاتك كويس."
كان لا يقدر كلامه. فكان هناك مطحنة بداخله. ولم يعرف أنه قال كلامًا لا يصح وأنه لا يقصد ذلك أبدًا. ولكن اشتعاله يأكله قلبه. وابتسامتها لعمر أحرقته.
وهنا بدأت الدموع تتجمع في عينيها من بشاعة كلامه. وأحست بالوجع الشديد. وبدأت الدموع تجمع بشدة. ليحس أنه تهور وأخطأ بشدة. ولم يعرف كيف يتصرف. فانتظرها جعله يحس بالجرم والشناعة التي قالها.
لتدفعه عنها وتقول:
"تصدق إنك واحد مش طبيعي. إنت إزاي تكلمني بالطريقة دي؟ وعمر مين ده اللي أنا ضحكت له وبضحك له؟ إذا كنت إنت ما بتشوفش أو بتشوف حاجات وهمية في دماغك ده يرجع لك مشكلتك. إنما تتجاوز معي بالشكل ده، لا إنت ولا غيرك يقدر يتكلم معايا بالشكل ده. إذا كنت فاكر إن أنا ممكن أفكر أبص لحد، اطمن يا بيه على بشواتك. لأن عمري ما أبص لحد."
حط في دماغك. ونظرت إليه بقرف شديد:
"استحالة أبص لحد. فيا ريت ما تخافش أوي كده على بشواتك مني. لأن استحالة حد يخش دماغي ولا دماغي تفكر أصلًا لحد ما أموت. فحط ده في دماغك كويس قوي. بعد كده تلزم حدودك معايا. أنا هعديها المرة دي بس عشان تاليا. وكان ممكن أسيبلك الدنيا في لحظة. قسما بالله المرة الجاية مش هاسكت. دي إهانة وأنا مش قابلها منك ولا من غيرك. أنا لا يهمني بشواتك ولا يهمني حد ولا عايزاهم أصلًا. ولا بأفكر فيهم ولا هأفكر. مش أنا البنت اللي إنت فاكرها بالشكل ده."
وهمت أن تنصرف. ليمسكها ويهتف بمراضية وغلب:
"يا آسيا، أنا ماكنتش أقصد. أنا كنت..."
لتقاطعه:
"بس بس."
ودفعته بعيدًا والدموع تتساقط من عينيها. وتركته وفتحت الباب بسرعة وذهبت إلى حجرتها. وأجهشت بالبكاء على تلك الإهانة. على أنها تجري وراء الرجال وهي لا حول لها ولا قوة. لتشعر بالقهر الشديد والإهانة. لأنها لم تفعل شيئًا له.
هو بيعمل كده ليه؟ مش كان بقي حنين؟ دا بيتحول. هو فيه إيه؟ وأجهشت بالبكاء.
أما هو كان واقفًا ينهج بشدة، يشعر ببعض الألم وتأنيب الضمير عندما رأى دموعها. فهو لم يعلم ماذا حدث له عندما رآها تبتسم وتضحك على مداعبات صديقه. أحس بأن هناك بداخله شيئًا ليس مضبوطًا. وأن غضبه نار حارقة غير مبررة. وأخذ يفكر لماذا يفعل ذلك معها. وقلبه يؤلمه على تصرفاته الغريبة. وأنه جعلها تبكي وجرحها بشدة. ولكن كان هناك بعض الكلمات التي انتبه عليها منها. لأنها لا تبحث عن الرجال ولا تريد أن تدخل أحدًا في حياتها.
فظل يفكر لماذا؟ فهي امرأة رائعة وجربت حياتها قبل ذلك. فكيف لها أن ترفض وجود رجل في حياتها؟ ليستفسر ماذا فعل بها ذلك الرجل الذي كانت مرتبطة به ليوجعها بهذا الشكل ولتنقم على الرجال هكذا.
ظل طوال الليل يأكل في نفسه. وأنه أبكاها. وقلبه يؤلمه. حتى استسلم للنوم من كثر التعب والتفكير. أما هي فقضت ليلتها باكية. لا تعلم ماذا فعلت لتستحق كل هذا. فهي لا تقترب من أحد. وتبتعد عنهم كثيرًا. وكل علاقتها بتاليا. وأنها تتعمد أن تبتعد عن مراد بشدة. فهي تعلم أنه مصدر الألم لأي شخص حوله عندما يتحول. رغم أنها في الصباح كانت قد تعاطفت معه. وقلبها وجعها عليه عندما حكت لها السيدة حكمت عن حياته. وما فعلته به زوجته.
نامت آسيا وهي تبكي. داعية ربها أن يخفف وجعها وأن يخفف من أثقالها. فهي تألمت كثيرًا. ولا تعلم هل ستستمر حياتها دائمًا موجوعة أم سيأتي يوم لتشعر به ببعض الراحة بداخلها. وكل عزاءها أنها وجدت ضالتها المنشودة، تلك الجميلة الصغيرة التي تعشقها. وتصبر من قلبها على أي شيء. لأنها موجودة في حياتها. وأنها تتحمل أي شيء من أجل تاليا. التي أصبحت تعتبرها طفلتها الجميلة. فأصبحت تشعر بغريزة الأمومة تجاه تلك الطفلة. التي تغذي بداخلها شعورًا بالسعادة التي تفقدها. مع شعورها ببعض الخوف أنها إذا لم تحتمل تصرفات مراد. كيف ستفارق تلك التي أصبحت روحها.
في الصباح استيقظ مراد بعد أن قضى ليلة مؤرقة له لما فعله في آسيا. وأنه كان منفعلًا زيادة عن اللزوم. وأنه ليس من حقه أن يحاسبها على شيء لم تفعله من الأساس. لم تفعل شيئًا واتهمها بدون حق. وأحس فعلاً أنه أوجعها. وأحس شيئًا بداخله يتألم مع وجعها.
كان صباحه سيئًا. وكان مزاجه سيئًا. كل ذلك وهو لا يدرك حقيقة مشاعره. وأنها أصبح لها بداخلة مكان. ولكنه بعد لم يدرك ذلك ولم يصل إليه. ليجلس في المكتب مهمومًا. ثم ذهب إلى حجرة الطعام ينتظرها على أحر من الجمر. ليرآها ويرى كيف هي. كان يجلس منشغلًا وليس على ما يرام. وأمه تلاحظ أن هناك شيئًا بابنها. فسألته. ولكنها طمأنته عليه. لتدخل آسيا بطلتها الرائعة مع تاليا. لتجلس بهدوء. وقد ألقت عليهم تحية الصباح بهدوء. لينظر إليها ويتفرس في وجهها. ليجد بعض الشحوب عليها. ويبدو عليها الإرهاق من عدم النوم. أحس فعلاً أنه أخطأ في حقها. ظلت تجلس في صمت. وكانت الأم تحاول أن تجعلها تختلط معهم. وتتكلم. ولكنها لم تكن قادرة على التجاب. وكانت تجلس في المكان بصعوبة شديدة. وما أن أنهت تاليا طعامها حتى استأذنت وذهبت معها إلى حجرتهما.
ليتأفف مراد ويترك الطعام. فلم يعد قادرًا على أن يصمد أكثر من ذلك. فاستأذن والدته ليذهب إلى عمله. وظل طوال اليوم مزاجه متعكرًا. قاطبًا وجه متعصبًا على أي شيء. ولا يعلم أن بداخله قد بدأت شرارة جميلة تجعله يريد قرب تلك الجميلة. وأن بداية تلك الشرارة هذه ليست إلا بداية لعذابات أخرى. ربما تنتهي بحياة رائعة. وربما تنتهي بعذابهم معًا.
دخل عليه صديقه وعمر. ليجده مغمض العينين وعلى وجهه تعب السنين. يكشر عن جبينه. ليبدأ في حديثه:
"فيه إيه يا مراد؟ مالك النهاردة مش طبيعي ليه؟ إنت فيك حاجة النهاردة غريبة. فيه حاجة مضايقاك؟"
ظل مراد صامتًا لفترة. ولا يعلم ماذا يقول له. ليتنهد بشدة وفتح عينيه وقال:
"لأ، ما فيش. ما تشغلش بالك."
ليصر عمر على إكمال الموضوع:
"لأ، فيه إيه يا ابني؟ مش أشغل بالي إزاي؟ إنت مش شايف حضرتك عامل إزاي؟ وكل اللي داخل واللي خارج إنت مش طايقه. فيه إيه يا مراد؟"
هنا هتف مراد وقال:
"مش عارف يا عمر. أنا امبارح عملت حاجة مضايقاني جدًا. لحد دلوقت مش عارف أنا عملت كده إزاي أصلًا."
فقال له:
"فيه إيه يا حبيب أخوك؟ إنت شكلك مش كويس. قول قول. أنا سامعك."
فحكى له الجزء الذي اتهم به آسيا. وكيف صرخ بها وتهجم عليها. واتهمها أنها تبحث عن البشوات. وهي ليست هكذا. ولكنه لم يعرف لماذا قال لها تلك الأفعال البشعة. وأخبره عن هجومها عليه وصبرها الذي نفذ. وأنها تجلس فقط من أجل تاليا.
ظل عمر ينظر إليه بدهشة. غير مصدق أنه قال لها ذلك. وهتف بهمس:
"إنت قلت لها كده بجد؟ نهار أسود. ليه يا مراد؟ هي ما عملتش حاجة خالص. ده ما فتحتش يا ابني بقها. ولما ضحكت ضحكة بهدوء. ودي نسمة يا ابني."
هتف مراد:
"ماهو ده اللي وجعني وقهرتي. أنا ما أعرفش إيه اللي جرالي. كنت عايز أطبق في زمارة رقبتها لما ضحكتلك."
فهتف عمر بهدوء:
"مراد، إنت حاسس بحاجة ناحيتها؟ ما هو إيه اللي يخليك تعمل كده؟ وبتجي عليها بالشكل ده. إلا ما يكون إنت حاسس بحاجة جواك."
قطب مراد جبينه وظل يفكر وقال:
"حاجة إيه دي يا عمر؟ لأ طبعًا ما فيش حاجة."
فهتف عمر:
"لأ، فيه يا مراد. وفيه كتير كمان. إنت كنت غيران امبارح. إنت كنت مش على بعضك. بص جواك كويس وانت هتعرف إن فيه حاجة جواك. ممكن تكون مش قادر تعترف لها أو مش عارفها خالص. بس اللي أنا لاحظته امبارح إن انت كنت هتموت عليها. وهي مش حاسة بحاجة. وده اللي خلاك تنفعل عليها امبارح. إنت جرحتها قوي يا مراد. عشان انت ما كنتش مستحمل إنها تكلم أو تضحك مع أي حد. وهي أصلًا لا فتحت بقها ولا اتكلمت."
وفجأة قال:
"مراد، إنت بتحبها؟"
فبهت مراد وفتح عينيه. وظل ينظر إليه بذهول:
"إنت بتقول إيه؟ إنت اتجننت؟ حب إيه وزفت إيه؟ أنا بعد اللي جرالي ده كله أحب؟ لأ طبعًا ما فيش حاجة زي كده."
فأردف عمر:
"ما هو مش بمزاجك يا مراد. الحب بيجي فجأة من غير ما يخبط. من غير ما يأذن. هو إنت أصلًا كنت حبيت أول واحدة عشان تعرف إنك دلوقتي بتحب. إنت جواك مشاعر يا مراد لآسيا. المشاعر دي مش قليلة. واجه نفسك وشوف إنت اللي جواك إيه بالظبط. ويا ريت ما تصبش غضب عدم معرفتك بمشاعرك عليها. لأنها بنوتة رقيقة. مش بتاعة لوع أو كيد. آسيا بسيطة وقريبة. وأكيد إنت تعرف كويس في الستات. بص جواك وحدد مشاعرك كويس. وعلى أساسها اتصرف. إنت من الآخر كنت هتموت عالبت. وهي في دنيا تانية. أسيبك دلوقتي وأشوفك بعدين."
خرج عمر بعد أن فجر بداخله حقيقة واضحة أنه فعلاً يكن لآسيا مشاعر كبيرة. ربما لا تكون حبًا. ولكن هناك مشاعر لها لا يعلم ماهيتها وليست واضحة أمامه. ولكنها موجودة وتشغل قلبه. فمنذ فترة وهناك شيئًا يطحن بداخله ويجعله يغلي. فقربها يشعله. وتجاهلها يشعله أكثر. ويريد قربها. ويتمنى منها بسمة. كان كل المشاعر تأتي أمامه. ليتضح أن بداخله قد تكونت لآسيا شيئًا كبيرًا. وهنا بدأ يفكر هل يضغط على نفسه ليقتل تلك المشاعر أم يترك نفسه لها. ليناله من الدنيا بعض الحب الذي لم يأخذه من زوجته السابقة.
ظل متخبطًا في مشاعره. ولا يعرف ماذا يفعل. وأحس بالتعب من كثرة التفكير. وتعب قلبه أيضًا. ما بين مريد ومعارض.
رواية الوهم القاتل الفصل السابع 7 - بقلم ميفو سلطان
في الصباح كان مراد منتظراً أسيا على السفرة، فهو لم ينم ليلته من كثرة التفكير فيها.
أتت ومعه تاليا، وهي خجولة. في المساء جلست في هدوء ولا ترفع نظرها، وهو لا يحيد نظره عنها. أمه تراقب ما يحدث في صمت وسعادة، وتتمنى أن يتحقق ما بداخلها.
ليجلسا معاً وتبدأ تاليا في الثرثرة كالعادة، فأصبحت مشعة كرفيقتها.
ليتحدث مراد بمرح:
"إيه يا حبيبتي، ما تفصلي. إنتِ مابتتبطليش. ما تاكلي وكفاية. كليتي ودان أسيا، سيبها تاكل. دا مابتلحقش تمد إيدها."
لتهتف أسيا بخجل:
"لا يا مستر مراد، أنا والله مش مضايقة. دا تاليا تقول وتعمل اللي تحبه."
ليهتف:
"آه والله، نفسي تعمل اللي تحبه بجد."
لم ترد أسيا. لتقول الأم:
"هو عمر هيجي انهارده صح؟"
ليقطب جبينه ويقول بضيق:
"آه هيجي، ما هو أنا اترازيت بيه خلفته ونسيته."
لتضحك أسيا ضحكة خفيفة. لينظر إليها ببلاهة:
"هو فيه إيه؟"
لتقول الأم:
"طيب عشان أعمل حسابي بقى."
لتهتف أسيا:
"طب أستأذنكم يعني، لو فيه ضيوف أبقى مش موجودة يعني تبقوا براحتكم."
لتهتف الأم، وكان مراد يريد أن يسكت أمه ويذهب ليقتل عمر:
"هو مين اللي ضيوف؟ دا عمر دا ابني حتة سكرة. دانتِ لو قعدتي معاه ماتبطليش ضحك، دا واد عسل."
لتضحك أسيا. ليغضب مراد:
"إيه اللي عسل؟ ولو قعدتِ ولو بتاع وضحك وزفت. دا وش أمه فقر وعيل سدغ. أنا مش عارفة رزياني بيه ليه، ما يترازق في أي مصيبة."
لتنظر إليه الأم بخبث.
"فيه إيه يابني؟ دا حبيبك يا قلب أمك. يهون عليك أهو. ييجي ويتونس بينا، وإنتِ يا أسيا تقعدي وتنوري الدنيا. واللي ييجي يتشرف بيكي يا حبيبتي. دانا لو طلت أعرفك على الناس كلها."
ليهتف مراد:
"استغفر الله العظيم يا رب. فيه إيه يا أمي عالصبح؟ حبيبي وزفت على دماغه."
ليستدير لأسيا:
"ما تصدقيش أمي، دا واد بارد ورزل."
كان الغيظ يأكله. فهتف في نفسه:
"ما تسكتي يا أمي بقى. هتعرفيها لمين. فاتحينه معرض. دانا ما صدقت إنها تقعد دقيقتين. ترازيني بحد يقرفني. مالك الحب طرشق في الواد كده ليه؟ والله لأطحنه بس أشوفه."
ولكن الأم لم تسكت وقالت:
"طب يا قلب أمك، ماعرفش إيه اللي مدايقك من الواد. بس هاته لو مزعلك هصالحك عليه أنا وأسيا بكلمتين من وشها القمر ده، مش كده يا أسيا؟"
لتبتسم أسيا.
ليقوم مراد:
"لأ كده كتير وكفاية بقى عشان والله ماينفع. أما أقوم أغور أروح للزفت وهفلقلك دماغه قبل ما ييجي عشان ترتاحي."
ورزع المعالق على الطربيزة وقام وهو يغلي. وخرج مهتاجاً. وأمه تبتسم وتهتف بصوت عالٍ:
"مالك يا بني عالصبح؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، مضايق ليه بس؟ هو أنا عملت حاجة؟"
خرج مراد وهو يغلي من الغضب.
"عايزة تجيب البيه ويقعد ويتونس بالبت وأنا مابنطقش معاها كلمتين، وهو عايز ييجي يتونس هو كمان. هو فيه إيه؟ دا ماحدش عاتق. متغاظ أروح أطحنه دلوقتي. جاي ليه أنا نفسي أعرف. ما أطفحه في أي مطعم ويترزق بعيد. طيب يا عمر أديني جايلك."
مر اليوم وجاء عمر ليستعدا للعودة مرة أخرى. ومراد قاطب وجهه. ليهتف عمر:
"مالك يابني من الصبح وإنت راسم مية وحداشر. هو فيه إيه؟"
ليهتف مراد بغيظ:
"بقلك إيه، تسكت خالص. أنا على أخري. تطفح من سكات وتتنيل تمشي."
ليهتف عمر:
"ما تِرميلي لقمتين عالباب، أكرم. دانت عيل تقيل. بقيت بومة يا ساتر."
دخل كلا من مراد وعمر الفيلا. وكان عمر شخصاً مرحاً مشاكساً، فما أن دخل ليجلس بجوار والدة مراد وبدأ في مشاكستها وهي تضحك بشدة قائلة:
"يا واد، إنت هتفضل طول عمرك كده مش هتعقل أبداً."
فهتف:
"يعني ينفع يا أمي أعقل؟ والعقل كله قاعد قدامك اهو. ده ما شافش حد. اللي أخذ عقله منه. لأ خليه قاعد عاقل كده لوحده. وإحنا جايين نقول ونفرفش ونفك القعدة."
فضحكت بشدة. ونظر إليه مراد وقال:
"إنت هتتلم ولا أقوملك؟"
فهتف مسرعاً:
"قلبك أبيض. خلاص يا عم خلاص، اديني سكت اهو. عندكم إيه يتاكل عشان أنا هاموت وعلى لحم بطني من الصبح."
نادت السيدة حكمت على الخدم ليجهزوا المائدة. وبعثت من ينادي على أسيا وابنته. ولم يعرف مراد بداخله لماذا لم يرد أن يناديهم. وأحس مراد ببعض الغضب بوجود عمر وكلامه المسبق.
ليجلس الجميع على المائدة. وتنزل تاليا لتجلس مكانها. ودخلت بجمالها الهادئ وطلتها الرائعة، ليصاب عمر بالدهشة.
ينظر إليها ببلاهة. فانحنى على مراد قائلاً بهيام:
"إيه ياض حتة القشطة دي؟ مش تقول. ده أنا كده ما عدتش هتحرك من هنا. يا دين النبي، ده المنصورة بتتحدف علينا حاجات وحاجات يا ولاد. أيوه يا عمورة، هتاكل وقدامك حتة لوزة مقشرة."
هنا أحس مراد بدوار وحرق بداخله. كان يضغط على يديه حتى لا يقوم ويفتك به. ونظر إلى عمر نظرة غاضبة وقال:
"لسانك لو اتفتح هقوم أجزهولك وأرقّدك على بعضك. لم نفسك أحسن لك. أنا بأقول لك اهو."
أتت أسيا لتجلس بجوار تاليا بهدوء. وقد حيت الجميع. وكانت لا تتكلم، فهي لا تعرف عمر ومن الأساس لم تكن تتكلم كثيراً في وجود مراد. وبدأت في مساعدة تاليا في الطعام. وبين الحين والآخر تأكل بعض الأشياء البسيطة.
ليبدا عمر في الكلام:
"وإنت بقى يا أسيا، أول مرة تيجي القاهرة؟"
لتقول بهمس:
"لأ والله ما جيت قبل كده. واول مره اشتغل."
ليهتف بسعادة:
"ده من بختنا والله."
ليغرز مراد رجله على قدمه يهرسها. ليصرخ عمر. لتهتف الأم:
"إيه يبني فيه إيه؟"
لينظر إليه مراد بغل. ليقول عمر:
"لأ، لأ. ومافيش. دا بس افتكرت حاجة صرعتني."
ليبتسم مراد بسذاجة:
"لأ خفيف يا واد."
ظلا يأكلان. وتاليا وعمر والسيدة حكمت يثرثران. وأسيا صامتة.
ليهتف عمر مواجهاً إليها الكلام:
"هو إنتِ كده عادي زينا يعني؟"
فقطبت جبينها، لا تفهم. ومراد يكز على أسنانه. فاكمل مشاكسًا:
"يا بنتي، إحنا بقى لنا ساعة نازلين أكل كأننا ما أكلناش بقالنا سنين. وإنتِ عمالة تنقنقي. ما شفتكيش بتاكلي لقمة. إنتِ مالك كتكوتة في نفسك كده؟ دا أكل."
فابتسمت بهدوء وأحست ببعض الخجل. ليغضب مراد بشدة أن عمر يراقبها. وهنا التفت إليه مراد ويقول:
"أظن يا عمر، إنت خليك في حالك وتاكل من سكات. ما إحناش ناقصين وجع دماغ هنا. مش جاي تطبخ، ما تطبخ."
أحست أسيا بالحرج الشديد، وأيضاً عمر أحس بالحرج لها فقال:
"فيه إيه يا عم؟ هو إحنا قاعدين في الجيش؟ كل واحد قاعد باصص في طبقه. اهو هي ما بتاكلش. ما تقول لها تاكل. ولا إنت قاعد وخلاص تنظر علينا."
هنا تدخلت السيدة حكمت لأن ابنها وجدته سيقوم ويطيح في عمر. فقالت بهدوء:
"بس يا عمر، سيب أسيا في حالها. هي دي طريقتها ودي طريقة أكلها. هي حرة يا حبيبي."
عمل عمر أنه يتفهم وهز رأسه.
"ماشي، مش تقولوا إنكم جايبينها عشان تجوعوها. خلاص ماشي يا سيدي، سيبوها جعانة. وإنتِ يا أسيا بالليل، قومي ليفيلك في المطبخ لفتين، كلي بعيد عن الديناصور ده من وراهم بالليل وماحدش هيقفشك. وأكيد ماحدش بياكل كده. وابقي احدفي لأخوكي حتتين لحمة."
فضحكت على كلامه، ثم وضعت يدها على فمها من الخجل.
فابتسم عمر ببلاهة من ضحكتها وقال:
"هو فيه كده؟ يا صلاة النبي، ده الشمس نورت والقمر طلع هنا."
خبط مراد على المنضدة فلم يعد قادر على الاحتمال. فقلبه كان مولعاً. ونظر إلى عمر نظرة حارقة وقال:
"له، ما تتلم بقى يا أخي. ما حدش عاجبك في القعدة."
فاكمل:
"شهادة لله، لا القعدة دي والله العظيم عجباني. عجباني قوي كمان."
ونظر إليه وغمزه غمزة تدل على إشارته إلى أسيا. هنا تماسك مراد وتجلد، وخفي ما بداخله بمعجزة. فهو قد هاج من داخله وأراد قتل عمر وتخزيق عينيه. وضحكة أسيا أشعلته. وهنا مراد في نفسه توعد له أن يحاسبه على هذا الكلام. وظل يحرق في نفسه ويكظم غيظه. حتى استأذنت أسيا وأخذت تاليا لتذهب للنوم. وظلا يجلسان مع والدتهم ويتسامران حتى قامت هي الأخرى.
ليقترب مراد من عمر وأمسكه وهو جالس من رقبته:
"سمعني بقى كده يا روح خالتك، إنت كنت بتغمزلي لي عشان إيه؟ عشان ساعتها كنت هطيح في وش أمك."
فخاف عمر ونظر إليه ببراءة:
"فيه إيه يا مراد؟ إنت هتتحول ولا إيه؟ أنا، أنا غلطت لك يا حبيب أخوك؟ ده عيني اللي كانت بتوجعني. شوف بتبربش إزاي؟ أنا برده ده أنا لا بأعرف أغمز ولا بأعرف أتنيل. ده أنا عيل أهبل."
ليضغط عليه مراد وقال:
"بقى كده. بقى ما كنتش بتغمز وإن القعدة حلوة وعاجباك."
فشهق فيه عمر:
"اهدأ يا كبير، اهدأ. ما تتهورش. ده أنا عيل سيس. شوف ولا كأني قلت حاجة ولا كأني موجود أصلاً. خلاص يا عم خلاص. إنت إيه بتتحول كده مرة واحدة؟ بس تعال هنا قل لي، هو إيه النظام؟ هيا السنارة غمزت ولا إيه؟ عشان ألم نفسي وما أخشش سكة هنا."
لم يستطع مراد أن يتحكم في نفسه وقام برزعه بوكس على وجهه. وتركه ودفعه على الكرسي بعنف.
ليقول عمر:
"منك لله يا أخي وشي. أروح الشغل كده إزاي؟ أبو شكلك يا شيخ. إنت إيه ما بتعرفش حتى تهزر؟ يا ساتر. ده هيبقى يوم أسود. اللي هتخش حياتك هتسود عشيتها. يا ساتر إيه ده."
فاستدار له مراد بغضب. فهتف عمر بسرعة:
"لأ وحياة أبوك ده هيبقي يوم أبيض ومنور وفيه كهارب جايبينها من السد العالي. أسود إيه يا أخي ده أنا عيل وكلامي أعيال من عيالك."
فنظر إليه مراد وابتسم له ابتسامة بسخرية وقال له:
"طب يلا يا خفيف وريني عرض كتافك. مش طفحت يلا."
هنا عمر قام وظله يعدل نفسه وقال:
"والله يا عمر وكرامتك اتبهدلت وبقيت تتطرد من اللي يسوي واللي ما يسواش."
فاقترب منه مراد وهتف بحنق:
"إنت بتتريق؟ مين ياض اللي ما يسواش؟"
زعر عمر وقال:
"إيه ده يا كبير؟ إيه ده؟ ماتتهورش، روّق كده. أنا ماشي، ماشي يا عم. بس اللي إنت عملته ده ما يرضيش ربنا. شوف وشي عامل إزاي. أروح الشغل إزاي. منك لله يا أخي."
فهتف عمر:
"أنا كنت قلت إيه يعني؟ البت قمر ومن حقي كفرد من الشعب أعبر عن اللي شابط جوايا. ده مزة طحن."
ليهجم عليه مراد:
"إيه يا روح أمك اللي شابط؟ يا حيلتها ودين أمي ما عاتقك."
ليذعر عمر:
"فيه إيه؟ أواد إنت قلبت المجنح ليه كده؟ دانا بهزر."
ليرزعه مراد بوكس آخر:
"عشان تهزر أوي وتعبر براحتك."
ليقوم عمر غاضباً:
"منك لله. عينيا الاتنين. إنت طور يابني. يا ساتر، أما أغور من وشك."
ليهتف مراد:
"قوم في داهية تاخدك. نكدت عليا."
ليذهب عمر ويفتح الباب. ويقول قبل أن يهرع هارباً:
"نكدت ليه يا بيضة؟ هو فيه شبطان عندك إنت كمان؟"
ليقوم مراد ليجري عمر مسرعاً:
"خلاص خلاص، والله حرمت."
وانطلق مسرعاً للخارج. ومراد يقف مشتعلاً.
"الله يخربيتكو بقى. هو فيه إيه. والهانم مالها بتضحك ومبسوطة ليه ومصدرالي الغم والهم. ومابصدق أطول كلمة منها. ماهو قركو وبصكو راشق فيا منكو لله. متغاظ يابن الجزمة."
خرج عمر وترك مراد في حال آخر. كان يشعر بالغضب الشديد من أن أسيا ضحكت على كلام عمر. وأنه تخيلها أنها كانت سعيدة بوجود عمر بحسه الفكاهي. وأنها لا تطيقه. أحس أنه يريد أن يذهب إليها ويخنقها على ما حدث على العشاء.
في ذلك الوقت كانت أسيا تحاول أن تضع تاليا في سريرها. ليفتح هو الباب عليهم والغضب يتاكله.
لتنظر إليه لتعرف أن به شيئاً. فهي أصبحت تعرفه إلى حد ما. ومتى يكون غاضباً وهذا في معظم الوقت. ومتى يكون هادئاً.
أنهت وضع تاليا واقترب هو منها وقبل ابنته وتمنى لها الخير. وتركها وذهب وراء أسيا وهي تخرج بهدوء. وبينما كانت أسيا تخرج هتفت بهدوء:
"تصبح على خير."
واستدارت لتصعق من رد فعله. ليهجم عليها ويمسكها بشدة ويسحبها وراءه. يدخلها حجرته ويضعها بعنف على الحائط بشدة والغضب في عينيه. وهي مذعورة لا تعلم ماذا فعلت.
ليهتف في وجهها:
"ممكن أعرف إيه اللي حصل على الأكل ده؟"
فهتفت باستغراب وخوف:
"أكل إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. وحضرتك أظن ما يصحش إنك تشدني كده وتدخلني الأوضة كده بالشكل ده. من فضلك سيب إيدي لو سمحت، عايزة أخرج."
فضغط على يديها. فأصدرت منها أنيناً من وجعها. ليقول:
"إيه مش واخدة بالك إنك كنت فاتحاها على البحري والهي والمي اللي إنتِ مدوراهم لعمر؟ كنتِ مبسوطة قوي من هزاره وكلامه ونازلة ضحك على الآخر. وتيجي عندي وتصدر لي الوش الخشب. هو فيه إيه بالظبط؟"
"ولا هو عمر مختلف ولا إيه؟ أظن ما تنسيش نفسك. إنتِ هنا إيه. وعمر ده باشا من الباشوات. ياريت تخلي بالك من تصرفاتك كويس."
كان لا يقدر كلامه. فكان هناك مطحنة بداخله. ولم يعرف أنه قال كلاماً لا يصح. وأنه لا يقصد ذلك أبداً. ولكن اشتعاله يأكل قلبه. وابتسامتها لعمر أحرقته.
وهنا بدأت الدموع تتجمع في عينيها من بشاعة كلامه. وأحست بالوجع الشديد. وبدأت الدموع تتجمع بشدة. ليحس أنه تهور وأخطأ بشدة. ولم يعرف كيف يتصرف. فانتظرها جلعه يحس بالجرم والشناعة التي قالها.
لتدفعه عنها وتقول:
"تصدق إنك واحد مش طبيعي. إنت إزاي تكلمني بالطريقة دي؟ وعمر مين ده اللي أنا ضحكت له وبضحك له؟ إذا كنت إنت ما بتشوفش أو بتشوف حاجات وهمية في دماغك، ده يرجع لك مشكلتك. إنما تتجاوز معي بالشكل ده، لا إنت ولا غيرك يقدر يتكلم معايا بالشكل ده. إذا كنت فاكر إن أنا ممكن أفكر أبص لحد، اطمن يا بيه على بشواتك. لأن عمري ما أبص لحد."
حط في دماغك. ونظرت إليه بقرف شديد:
"استحالة أبص لحد. فيا ريت ما تخافش أوي كده على بشواتك مني. لأن استحالة حد يخش دماغي ولا دماغي تفكر أصلاً لحد ما أموت. فحت ده في دماغك كويس قوي. بعد كده تلزم حدودك معايا. أنا هعديها المرة دي بس عشان تاليا. وكان ممكن أسيبلك الدنيا في لحظة. قسماً بالله المرة الجاية مش هاسكت. دي إهانة وأنا مش قابلاها منك ولا من غيرك. أنا لا يهمني بشواتك ولا يهمني حد. ولا عايزاهم أصلاً. ولا بافكر فيهم ولا هافكر. مش أنا البنت اللي إنت فاكرها بالشكل ده."
وهمت أن تنصرف. ليمسكها ويهتف بمراضية وغلب:
"يا أسيا، أنا ماكنتش أقصد. أنا كنت..."
لتقاطعه:
"بس بس."
ودفعته بعيداً والدموع تتساقط من عينيها. وتركته. وفتحت الباب بسرعة وذهبت إلى حجرتها. وأجهشت بالبكاء على تلك الإهانة. على أنها تجري وراء الرجال وهي لا حول لها ولا قوة. لتشعر بالقهر الشديد والإهانة. لأنها لم تفعل شيئاً له. هو بيعمل كده ليه؟ مش كان بقي حنين؟ دا بيتحول. هو فيه إيه؟ وأجهشت بالبكاء.
أما هو كان واقفاً ينهج بشدة. يشعر ببعض الألم وتأنيب الضمير عندما رأى دموعها. فهو لم يعلم ماذا حدث له عندما رآها تبتسم وتضحك على مداعبات صديقه. أحس بأن هناك بداخله شيئاً ليس مضبوطاً. وأن غضبه نار حارقة غير مبررة. وأخذ يفكر لماذا يفعل ذلك معها. وقلبه يؤلمه على تصرفاته الغريبة. وأنه جعلها تبكي وجرحها بشدة. ولكن كان هناك بعض الكلمات التي انتبه عليها منها. لأنها لا تبحث عن الرجال ولا تريد أن تدخل أحد في حياتها. فظل يفكر لماذا. فهي امرأة رائعة. وجربت حياتها قبل ذلك. فكيف لها أن ترفض وجود رجل في حياتها؟ ليستفسر ماذا فعل بها ذلك الرجل الذي كانت مرتبطة به ليوجعها بهذا الشكل ولتنقم على الرجال هكذا.
ظل طوال الليل يأكل في نفسه. وأنه أبكاها. وقلبه يؤلمه. حتى استسلم للنوم من كثر التعب والتفكير. أما هي فقضت ليلتها باكية. لا تعلم ماذا فعلت لتستحق كل هذا. فهي لا تقترب من أحد. و تبتعد عنهم كثيراً. وكل علاقتها بتاليا. وأنها تتعمد أن تبتعد عن مراد بشدة. فهي تعلم أنه مصدر الألم لأي شخص حوله عندما يتحول. رغم أنها في الصباح كانت قد تعاطفت معه. وقلبها وجعها عليه عندما حكت لها السيدة حكمت عن حياته. وما فعلته به زوجته.
نامت أسيا وهي تبكي. داعية ربها أن يخفف وجعها. وأن يخفف من أثقالها. فهي تألمت كثيراً. ولا تعلم هل ستستمر حياتها دائماً موجوعة. أم سيأتي يوم لتشعر به ببعض الراحة بداخلها. وكل عزاءها أنها وجدت ضالتها المنشودة. تلك الجميلة الصغيرة التي تعشقها. وتصبر من قلبها على أي شيء. لأنها موجودة في حياتها. وأنها تتحمل أي شيء من أجل تاليا. التي أصبحت تعتبرها طفلتها الجميلة. فأصبحت تشعر بغريزة الأمومة تجاه تلك الطفلة. التي تغذي بداخلها شعوراً بالسعادة. التي تفقدها. مع شعورها ببعض الخوف. أنها إذا لم تحتمل تصرفات مراد. كيف ستفارق تلك التي أصبحت روحها.
في الصباح استيقظ مراد بعد أن قضى ليلة مؤرقة له. لما فعله في أسيا. وأنه كان منفعلًا زيادة عن اللازم. وأنه ليس من حقه أن يحاسبها على شيء لم تفعله من الأساس. لم تفعل شيئاً واتهمها بدون حق. وأحس فعلاً أنه أوجعها. وأحس شيئاً بداخله يتألم مع وجعها.
كان صباحه سيئاً. وكان مزاجه سيئاً. كل ذلك وهو لا يدرك حقيقة مشاعره. وأنها أصبح لها بداخله مكان. ولكنه بعد لم يدرك ذلك ولم يصل إليه. ليجلس في المكتب مهموماً. ثم ذهب إلى حجرة الطعام ينتظرها على أحر من الجمر. ليراها ويرى كيف هي. كان يجلس منشغلاً وليس على ما يرام. وأمه تلاحظ أن هناك شيئاً بابنها. فسألته. ولكنها طمأنته عليه. لتدخل أسيا بطلتها الرائعة مع تاليا. لتجلس بهدوء. وقد ألقت عليهم تحية الصباح بهدوء. لينظر إليها ويتفرس في وجهها. ليجد بعض الشحوب عليها. ويبدو عليها الإرهاق من عدم النوم. أحس فعلاً أنه أخطأ في حقها. ظلت تجلس في صمت. وكانت الأم تحاول أن تجعلها تختلط معهم. وتتكلم. ولكنها لم تكن قادرة على التجاوب. وكانت تجلس في المكان بصعوبة شديدة. وما أن أنهت تاليا طعامها حتى استأذنت وذهبت معها إلى حجرتها.
ليتأفف مراد ويترك الطعام. فلم يعد قادراً على أن يصمد أكثر من ذلك. فاستأذن والدته ليذهب إلى عمله. وظل طوال اليوم مزاجه متعكراً. قاطب وجهه متعصباً على أي شيء. ولا يعلم أن بداخله قد بدأت شرارة جميلة تجعله يريد قرب تلك الجميلة. وأن بداية تلك الشرارة هذه ليست إلا بداية لعذابات أخرى. ربما تنتهي بحياة رائعة. وربما تنتهي بعذابهم معاً.
دخل عليه صديقه وعمر. ليجده مغمض العينين وعلى وجهه تعب السنين. يكشر عن جبينه. ليبدأ في حديثه:
"إيه يا مراد؟ مالك النهارده مش طبيعي ليه؟ إنت فيك حاجة النهارده غريبة. فيه حاجة مضايقاك؟"
ظل مراد صامتاً لفترة. ولا يعلم ماذا يقول له. ليتنهد بشدة وفتح عينيه وقال:
"لأ، ما فيش. ما تشغلش بالك."
ليصر عمر على إكمال الموضوع:
"لأ، فيه إيه يا ابني؟ مش أشغل بالي إزاي؟ إنت مش شايف حضرتك عامل إزاي؟ وكل اللي داخل واللي خارج إنت مش طايقه. إيه يا مراد؟"
هنا هتف مراد وقال:
"مش عارف يا عمر. أنا امبارح عملت حاجة مضايقاني جداً. لحد دلوقتي مش عارف أنا عملت كده إزاي أصلاً."
فقال له:
"إيه يا حبيب أخوك؟ إنت شكلك مش كويس. قول قول. أنا سامعك."
فحكى له الجزء الذي اتهم به أسيا. وكيف صرخ بها وتهجم عليها. واتهمها أنها تبحث عن البشوات. وهي ليست هكذا. ولكنه لم يعرف لماذا قال لها تلك الأفعال البشعة. وأخبره عن هجومها عليه وصبرها الذي نفذ. وأنها تجلس فقط من أجل تاليا.
ظل عمر ينظر إليه بدهشة غير مصدق أنه قال لها ذلك. وهتف بهمس:
"إنت قلت لها كده بجد؟ نهار أسود. ليه يا مراد؟ هي ما عملتش حاجة خالص. ده ما فتحتش يا ابني بقها. ولما ضحكت ضحكة بهدوء. ودي نسمة يا ابني."
هتف مراد:
"ماهو ده اللي وجعني وقهرتي. أنا ماعرفش إيه اللي جرالي. كنت عايز أطبق في زمارة رقبتها لما ضحكت لك."
فهتف عمر بهدوء:
"مراد، إنت حاسس بحاجة ناحيتها؟ ما هو إيه اللي يخليك تعمل كده؟ وبتجي عليها بالشكل ده إلا ما يكون إنت حاسس بحاجة جواك."
قطب مراد جبينه وظل يفكر وقال:
"حاجة إيه دي يا عمر؟ لأ طبعاً ما فيش حاجة."
فهتف عمر:
"لأ، في يا مراد. وفيه كتير كمان. إنت كنت غيران امبارح. إنت ما كنتش على بعضك. بص جواك كويس وانت هتعرف إن فيه حاجة جواك. ممكن تكون مش قادر تعترف لها أو مش عارفها خالص. بس اللي أنا لاحظته امبارح إن أنت كنت هتموت عليها. وهي مش حاسة بحاجة. وده اللي خلاك تنفعل عليها امبارح. إنت جرحتها قوي يا مراد عشان إنت ما كنتش مستحمل إنها تكلم أو تضحك مع أي أحد. وهي أصلاً لا فتحت بقها ولا اتكلمت."
وفجأة قال:
"مراد، إنت بتحبها؟"
فبهت مراد وفتح عينيه وظل ينظر إليه بذهول:
"إنت بتقول إيه؟ إنت اتجننت؟ حب إيه وزفت إيه؟ أنا بعد اللي جرالي ده كله أحب؟ لأ طبعاً ما فيش حاجة زي كده."
فأردف عمر:
"ماهو مش بمزاجك يا مراد. الحب بيجي فجأة من غير ما يخبط من غير ما ياذن. هو إنت أصلاً كنت حبيت أولاني عشان تعرف إنك دلوقت بتحب؟ إنت جواك مشاعر يا مراد لأسيا. المشاعر دي مش قليلة. واجه نفسك وشوف إنت اللي جواك إيه بالضبط. ويا ريت ما تصبش غضب عدم معرفتك بمشاعرك عليها. لأنها بنوتة رقيقة. مش بتاعة لوع أو كيد. أسيا بسيطة وقريبة. وأكيد إنت تعرف كويس في الستات. بص جواك وحدد مشاعرك كويس. وعلى أساسها اتصرف. إنت من الآخر كنت هتموت عالبت. وهي في دنيا تانية. أسيبك دلوقتي وأشوفك بعدين."
خرج عمر بعد أن فجر بداخل مراد حقيقة واضحة. أنه فعلاً يكن لأسيا مشاعر كبيرة. ربما لا تكون حباً. ولكن هناك مشاعر لها لا يعلم ماهيتها. وليست واضحة أمامه. ولكنها موجودة وتشغل قلبه. فمنذ فترة وهناك شيئاً يطحن بداخله ويجعله يغلي. فقربها يشعله. وتجاهلها يشعله أكثر. ويريد قربها. ويتمنى منها بسمة. كان كل المشاعر تأتي أمامه. ليتضح أن بداخله قد تكونت لأسيا شيئاً كبيراً. وهنا بدأ يفكر هل يضغط على نفسه ليقتل تلك المشاعر. أم يترك نفسه لها. ليناله من الدنيا بعض من الحب الذي لم يأخذه من زوجته السابقة. ظل متخبطاً في مشاعره. ولا يعرف ماذا يفعل. وأحس بالتعبت من كثرة التفكير. وتعب قلبه أيضاً. ما بين مريد ومعارض.
رواية الوهم القاتل الفصل الثامن 8 - بقلم ميفو سلطان
في الصباح دخلت أسيا صامتة متجهمة، يبدو على وجهها البكاء. فأحس مراد بالقهر ومدى شناعة ما فعله لها. وظلت تاليا تتكلم وهي لا تنطق، وتمنت أن يشدها ويذهب بها بعيداً. وفي لحظة أنهت فطورها هي وتاليا، لتستأذن مسرعة.
فيقوم مراد على الفور وينادي عليها:
"أسيا أنا كنت بس عايز أقولك..."
لتقاطعه:
"معلش يا مراد بيه، أستأذنك، عندي شغل كتير. حضرتك أجل أي كلام من فضلك اللي هتقولهولي عن تاليا."
كانت تشد على الكلام، أو ليس له كلام إلا عليها.
"أستأذنك معلش، تقوله لطنط حكمت عشان مش هينفع والله. ومعلش، أصلي مابحبش أقف في طريق حد. أستأذنك."
وتركته، ونزل الكلام على قلبه شقة. أحس بالقهر، فهي كانت لانت قليلاً من جانبه، ليأتي كلامه البشع ليبعدها آلاف الأميال. ليذهب إلى عمله وهموم الدنيا تضغط على قلبه وتؤنب ضميره.
على الناحية الأخرى، قضت أسيا يومها. كانت تلعب مع تاليا، ولكنها كانت في وادٍ آخر. كانت متألمة من اتهامات مراد لها بأنها تبحث عن الرجال. كان ذلك الشيء يوجعها كثيراً وينغص عليها يومها، وهي آخر من يكون ليتهم بهكذا اتهام. ولكنها حاولت أن تتغاضى عن الأمر، وبدأت في اللعب ومشاركة تاليا في نشاطاتها. وكانت تاليا أصبحت كل حياتها، وأصبحت هي كل حياة تاليا. فكانت تشبعها حناناً وحباً لتعود تاليا مرة أخرى فتاة طبيعية تأخذ حناناً طبيعياً. فأسيا أصبحت أمها، تغدق عليها المشاعر والحب ولا تنتظر أي مقابل لذلك.
جاء المساء وجاءت، وجلست أسيا وتاليا مع السيدة حكمت. ليدخل عليهم مراد. لتقوم ابنته وتحتضنه بشدة، ويرى كم يشع وجه ابنته نوراً وكم سعادتها، وأنها في غضون وقت قصير أصبحت فتاة طبيعية لا ينقصها شيء. وذلك بفضل أسيا، التي كان يظن أنها ذات خبرة قليلة. ولكن المشاعر الجياشة لا تأتي من الخبرة، ولكنها تأتي من مدى وجود حب داخل ذلك الشخص. ليدرك مراد أن أسيا ليست أنثى كأي أنثى، وأن بداخلها كم حب شديد تغدق ابنته به. وكان مكافئتها في المقابل أن اتهمها اتهامات بشعة، وهي لا تستحق ذلك.
جاء وقت الطعام، وجلسوا جميعاً وهو يشعر بالخزي من منظرها. فهي لا ترفع وجهها من طبقها ولا تأكل من أساسه، وصامتة. كان يحس بالوجع ويريد أن يشدها ويأخذها بعيداً ليعتذر لها. كان هناك شيئاً يوجعه، لا يقوى أن تستمر معه هكذا. كان جمودها فوق الاحتمال. فكانت بادراتها البسيطة التي كانت مؤخراً تفعلها معه، كانت تلهب قلبه. كان يكتفي مما تجود به، كان يأكل نفسه.
"انبسط يا مراد، هي مش طايقة وش أمك، ورزعتك الصبح كلمتين يحرقوا الدم. بس أنت زبالة وتستاهل. بشوات إيه وزفت إيه على دماغك. هي بتستعنيك وتبصلك أصلاً؟ لما تبص لبشواتك يا حزين. أنت كنت مقهور وهبدت كلام زبالة زيك. طب أعمل إيه دلوقتي؟ دي قاعدة كأن حد مهددها تقعد. ده هاين عليها تطفش. يا نهار أسود، ده انت قلت كلام زي وشك العكر، هي ممكن تتطفش؟ ده أنا أموت. هتطفش البت يا طور. كنت بتنطحها ليه؟ عملت إيه؟ ده قاعدة قمر ومابتنطقش. منك لله، كل في نفسك بقى عشان تبصلك بصة تاني."
وبدأت تاليا تتكلم عما فعلته طول النهار مع أسيا، كانت سعيدة جداً وكانت تتكلم كثيراً وبسرعة شديدة لكي تخبر والدها بكل شيء. فهنا قاطعها والدها وقال لها:
"بالراحة يا تاليا، بالراحة يا حبيبتي. قولي كل اللي أنت عايزاه بس بالراحة. أنا عارف إنك مبسوطة وأسيا السبب."
ونظر إلى أسيا، لعلها تنظر إليه وتستحق أننا نشيلها فوق راسنا.
"ده أسيا بقت حاجة كبيرة أوي في البيت."
لتقطب جبينها. هل جن؟ ماذا به؟ لقد نعتها بالأمس بأشياء بشعة، والآن يقول هذا.
ليبتسم ويقول:
"وأنا سامعك يا حبيبتي."
هنا صمتت تاليا قليلاً، ثم بدأت تتكلم بهدوء تخبره ماذا فعلت معها أسيا طول النهار. كانت أيضاً تخبره عن مشاكساتها لها وحبها الشديد. وفجأة نظرت إلى أبيها وقالت له:
"بابا، هو أنا ممكن أطلب من أسيا حاجة وأنت توافق عليها من فضلك؟"
استغربت أسيا وقالت لها:
"طب ما تطلبي يا حبيبتي، هو أنت طلبتي مني حاجة وأنا قلت لك لأ؟"
لتنهض تاليا وتتجه إلى أبيها، لياخذها في أحضانه ويجلسها على قدميه، لتقول له ما جعل الجميع يتفاجئ. فقالت له:
"بابا، ممكن عشان خاطري توافق إني أقول لأسيا يا ماما؟"
هنا أحاط الصمت على الجميع. وهنا تخشبت جسد أسيا، وأحس مراد بالاندهاش الشديد، وابتسمت الأم ابتسامة حانية. وكان كل واحد في حاله. لم يعرف ماذا يجيب، ولم تعرف أسيا كيف تستكمل جلستها بينهم. لتقوم بسرعة تأخذ تاليا من والدها لتقول:
"يلا يا حبيبتي عشان ميعاد النوم بتاعك جه وهنبقى نتكلم بعدين."
هنا قبلت تاليا والدها. كانت صغيرة بريئة وتحتاج إلى كل الحنان والحب، وعبرت عن حب أسيا لها بهذه الطريقة. لتذهب أسيا وهي تشعر بالحرج الشديد من أن يفكر مراد بأنها تريد ذلك وخططت لذلك. وهي تعلم أن مراد يفكر ليس مثل أي أحد. لتضع تاليا في السرير وتتمنى لها الخير وتذهب وهي متلبكة، ولا تعلم كيف تقضي ليلتها. كما قابلت السيدة حكمت وأوصلتها أيضاً إلى حجرتها. وتمنت لها الخير.
في مكان بعيد، كان ذلك البغيض أكمل يكمل يحاصر خالتها ويحرض العائلة عليها، وأنها هربت منه، وأنه يريد أن يرجعها. وكان رجال العائلة معه. كيف تذهب أسيا هكذا دون حتى أن تخبر أحداً. كانت خالتها سيدة ليست قوية، هي وزوجها، ولكنهم يتصدون لذلك الحقير. ليحاول بشتى الطرق أن يجدها. وكان يراقب خالتها ولكن دون جدوى. فذهب إلى بيتها وبدأ بتهديدها ومعه رجال من العائلة ليحاول أن يعرف مكانها. فهو مصاب بالجنون منذ أن رحلت. فهو يحبها بمرض، ولكنه كائن سادي مريض، لا يهتم إلا بنفسه.
ليدخل على خالتها وصرخ:
"أنت يا ولية أنت، أنت تقولي لي من سكات كده؟ مخبية أسيا فين؟"
لتهتف السيدة:
"ماتتكلم عدل يا جدع أنت، وهخبيها ليه؟ ده هي راحت ترتاح بعيد عنك. وبكلمها في التليفون وماعرفش عنها حاجة."
يصرخ:
"أنت ولية كدابة، أنت أكيد عارفة هي فين. ماهو أنا مش مختوم على قفايا، أنطقي البت فين؟"
لتصرخ به:
"ماعرفش، ولو أعرف ما هقول لكش عشان أنت جاحد وجبروت. عايز منها إيه يا كافر؟ مش خلاص خلصتوا من بعض؟ ماتسيبها تعيش."
ليصرخ:
"يا نهارك أسود، أسيبها تعيش؟ هي شايف لها شوفة؟ قولي كده بقى. والله لأكون قاتلها."
ليتدخل زوج خالتها، وتحدث حالة من الهرج. ليتمكن الرجال من فصلهم. لتهتف خالتها:
"اخرس، قطع لسانك ده. أسيا جارتك وتاج راسك. جاي ليه؟ عايز منا إيه؟ شبكة سودة وحلينها ليك. عندها إيه؟ كفاية سنين سودت عيشتها. لا بترحم ولا تسيب رحمة ربنا تنزل."
ليهتف بغل:
"ليا عندها إن راجل العيلة."
"طب بصي بقى عشان ويمين بالله ما هسكت. ومش أكمل الهلالي اللي يتساب بروح أمها. هجيبها لو في آخر الدنيا. عرفيها إني هجيبها يا ولية أنت، وهرجعها وهتبقى مراتي. إحنا بناتنا ما تروحش في حتة. ومش خلاص عمها مات، عيارها يفلت فيه عم تاني وتالت وفيه رجالة يقطعوها. خليكي مخبية وأنا هعرف مكانها بطريقتي. ما بقاش أكمل الهلالي إن مارجعتك يا أسيا يا بنت عمي."
وخرج والغيظ يأكله. ليذهب إلى فيلته وأمه تنتظره. لتهتف:
"أنت مش هتتهدي إلا ما تجيب لنا مصيبة. ماهي غارت في داهية، بتدور عليها ليه؟ وتقوم رجالة العيلة."
ليصرخ:
"أسيا لازم ترجع، ماينفعش تعيش بعيد عن هنا. أنا مش قليل. افرضي شافتلها شوفة، هموت وأنقهر."
لتهتف الأم بسخط:
"يا أخي بقي شوفة إيه وزفت إيه؟ هي عادت هتهوب لمخلوق بعد اللي عملته معاها؟ خلاص بقى يا أكمل اعقل وانسى."
ليصرخ:
"أنت عايزاني أنسى أسيا؟ أسيا ماتتنسيش. وعايزاني أتفضّح صح؟ أنت ناويه على فضحتي؟ ماهو أنا لو مارجعتهاش هموت مفضوح. أكمل الهلالي من أكبر التجار في المنصورة. ينقهر ويتفضّح عشان حتة بت عيلة ماتعرفش حاجة. أنا نفسي أعرف الولية خالتها ودتها فين؟ طب يا أسيا، هوصلك وأجيبك وأرجعك، ساعتها ههدي. عشان تعيشي وتموتي هنا. أنا غلطت إني ضربتك وعملت كده. كنت سبتك متلقحة زي الكلبة، بس عيل غبي. بس خلاص، يمين بالله لهرجعها. والولية دي هعرف أخليها تنطق."
نعود لأسيا بعد أن ذهب الجميع إلى النوم. ولكنها كانت تشعر بخنقة من وضعها وما حدث معها. ولكنها لم تستطع النوم. ذهبت إلى الحديقة لتجلس فيها بعض الوقت لترتاح قليلاً وتهدئ من روعها. وهنا تذكرت خالتها، ورفعت السماعة وبدأت تكلم خالتها. كانت الخالة ملهوفة عليها وتسألها عن أخبارها. وهي تقول لها إنها بخير، وأنها قلقة عليها. لتخبرها أنها بدأت أن تعمل. لتبدأ الخالة تستفسر وهي قلقة على ابنة أختها. لتحاول أسيا ألا تخبرها بكل شيء، وتقول إنها سعيدة في عملها. ثم أتت خالتها على ذكر سيرة ذلك الحقير أكمل، لتقول لها إنه يأتي إليهم يومياً لكي يعرف مكانها، وأنه أصبح مجنوناً بها ويريد أن يرجعها بأي شكل. وتهجم عليهم هو ورجاله العائلة ويحارب إنه يلاقي أسيا.
كانت خالتها مرعوبة وتقول:
"ده كان زي الطور الهائج، وجوزي مسك فيه وكانت فضيحة. ولم علينا الخلق وحالف يلاقيِكِ. اللي منه لله، ده وعايز يرجعك."
أحست أسيا بقبضة في قلبها، ولم تحس بذلك الذي اقترب منها وظل واقفاً يستمع إلى ما تقوله. فبدأت تهتف بقهر وتستنكر كلام خالتها، لتقول:
"هو عايز مني إيه يا خالتي؟ مش كفاية اللي عمله فيا. هو عايز مني إيه؟ يسيبني في حالي بقى وينساني؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيه. أنا كرهت الدنيا بسببه. نسيت يعني إيه دنيا أصلاً. يبعد عني، ما يسيبني في حالي ليه؟ سنتين من العذاب عذبني فيهم. منه لله على اللي عمله فيا. عشان خاطري يا خالتي، أوعي تقولي ليه أنا فين. أنا مش ممكن في يوم من الأيام إني أرجع له. ولو حصل ممكن أموت نفسي. ده مش بني آدم يا خالتي. صحيح أنا مش فاهمة، هو ليه لسه لحد دلوقتي حاططني في دماغه؟ قولي له يا خالتي، هي بتقول لك ابعد عنها. من رابع المستحيلات ترجعلك. أنا أهون علي إني أموت نفسي ولا إني أرجعلك. أنا أصلاً سعيدة باللي أنا فيه، وهاعيش عمري كله كده."
"يا خالتي، ده أنا سنتين ماشفتكيش. حابسني ضرب وإهانة ووجع وغلبت أترجاه يطلقني. إنما هو جبروت. طب أعمل إيه؟ وهو عارف إني ماينفعش أرجع ولا هرجع. سنتين موتني هو وأمه. موت سنتين ذل ومرمطة. لما كرهت نفسي والله يا خالتي، كرهت الدنيا. مش عايزة حد يخش في حياتي، ولا عايزة أخش في حياة حد. وصدقيني يا خالتي، مش عايزة صنف راجل في حياتي. كفاية قوي اللي حصل ليا من أكمل."
كان يسمع ذلك كله ويحس كلماتها التي تقطر ألماً، ويستعجب ويتساءل كيف فعل بها ذلك الحقير كل هذا. لتحس بكل ذلك الألم ويجعلها تكره الرجال بشكل عام، وأن تقسم ألا تدخل رجلاً في حياتها. كيف تجرأ على أذية ذلك الملاك؟ هل كان يؤذيها ويضربها ولا يفعل شيئاً آخر لتكرهه هكذا وتكره معه صنف الرجال؟ أحس بالوجع بداخله عليها وعلى كلماتها، وأحس أنه يريد أن يحتضنها ويطبطب على آلامها. وهنا قد وعى تماماً أن بداخله يكن لها مشاعر جياشة، ظهرت الآن بعد تلك الكلمات التي سمعها وبعد أن أحس بألمها. أراد أن يطبطب على روحها وأن يقترب منها، ولكن لا يعرف كيف يفعل ذلك، وهو من آلمها بالأمس. واليوم تخبر خالتها أنها لن تقترب من أي رجل. فإذًا سيفعل.
ظلت تكلم خالتها بعض الوقت، ثم أغلقت المكالمة وبدأت تبكي. ليحس بوجع شديد بداخله. ليقترب منها وهي في دنيا غير الدنيا، ليهمس بحنان بجوارها ويقول:
"أسيا، أنت كويسة؟"
لتشهق متفاجئة بوجوده، لتمسح دموعها على الفور وهي تشعر بالارتباك الشديد من وجوده، لتقول له:
"أنا كويسة، ما فيش حاجة."
وتحاول أن تترك المكان.
ليقف أمامها، لتستعجب من فعلته، لترفع عينيها إليه، لينظر إليها ليجد تلك اللآلئ في عينيها والألم واضح. ليحس بنغزات في قلبه. لتحاول هرب منه ومن نظراته الفاحصة الحانية، لتقول له مرة أخرى:
"تصبح على خير."
وتحاول أن تتجنبه، ولكنه وقف أمامها مرة أخرى، لتنظر إليه باستغراب. ليبدأ في الكلام ويقول:
"على فكرة، أنا مدين لك باعتذار."
فنظرت إليه بذهول. فهتف بحنية شديدة:
"أنا آسف على اللي عملته امبارح."
نظرت إليه غير مصدقة على ما قال، فهو ليس ذلك النوع الذي يعتذر بسهولة، وكانت غير مصدقة. وهنا أكمل كلامه وقال:
"أنا آسف إني اتعديت حدودي معاكي امبارح، وآسف على الكلمات اللي أنا قلتها لك، وآسف مرة ثانية على إنك قضيتي ليلة سيئة بسببي. بس صدقيني، أنا ما كنتش أقصد حاجة وحشة، ولا عمري أفكر فيك بطريقة مش كويسة. بس أنا كنت متعصب امبارح، يا ريت تسامحيني. والله يا أسيا، أنا ما نمت من ساعة ما قلت الكلام السم ده. بس... بس كان بيني وبين عمر مشكلة كبيرة وأنت اللي جت فيكي. ده انتي نوارة البيت والله، ولا أقدر أنطق عليكي بكلمة. مش هقول لك عشان خاطري ماتزعليش مني، لا هقول لك عشان خاطر تاليا، وحياة تاليا ماتزعلي. ولا أقصد ربع كلمة والله، ده انتي تتشالي على الراس."
لم تصدق أذنيها أن مراد ممكن أن يصدر منه ذلك الكلام، وأن تلك الكلمات الحانية تأتي من داخله، وأن اعتذاره كان صادقاً وحانياً. وصل لقلبها، وهي التي كانت تظنه بلا مشاعر. فلاح على وجهها ابتسامة خفيفة، ولانت ملامحها وقالت:
"صدقني خلاص، ما فيش حاجة. ومتشكرة على كلامك ده."
حاولت أن تمشي مرة أخرى، ولكنه كان واقفاً أمامها كحائط صد. فهي لا تفهم لماذا لا يفتح لها الطريق، وهو أيضاً لا يعلم لماذا يقف أمامها، فهو يريدها أن تكون أمامه ولا يريدها أن تتركه. ففي داخله شيئاً يريد بشدة أن يبقى بجوارها. وما أن تذكر كلام ابنته تاليا، وقال لها:
"بالنسبة لتاليا بنتي انهارده..."
فقالت له مقاطعة، وهي تحس ببعض الخوف:
"أنا أول مرة أعرف إن هي هتقول كده، وما حسيتش قبل كده إن هي ممكن تقول كده. وعارفة إن هو ممكن ده يسبب مشكلة لك. إحنا ممكن نفكر بطريقة إزاي نخليها تنسى الموضوع ده. أنا مش عايزة أأذيها، وعارفة إن حضرتك مش هتوافق على حاجة زي كده. وطبعاً معاك حق، وإن ما ينفعش إن هي تفكر بالطريقة دي. وأنا أصلاً ما قولتلهاش أو ما عملتش أي حاجة تخليها تقول أو تفكر بالشكل ده."
ظلت تبرر له، وهو يبتسم بهدوء. لأنها لا تفهم شيء. فهو فعلاً أحب الكلمة من ابنته. فقال بهدوء:
"ومين قال لك إن أنا زعلان أو متضايق اطلاقاً؟ أنا سعيد إن بنتي أخيراً حست ووجدت وشعرت بمشاعر الأمومة. أنا عارف إن الموضوع مش سهل، بس أنت فعلاً اديتيها كل اللي كان ناقصها، وده أنا مش عارف هرد لك إزاي. بالنسبة إنها تقول لك كده، دي مش حاجة هتضايقني خالص. بالعكس، هاكون سعيد إن بنتي سعيدة. بس أنا عارف إن أنت اللي هيبقى صعب عليك إن هي تقول لك كده، وأنت مش دايمة في حياتها عشان يوم ما تبعدي عنها هي هتتوجع وتتألم، وأنا مش عايز بنتي تتألم."
فهتفت بلهفة وأبعدت عنه:
"ليه؟ هو حضرتك ناوي تمشيني ليه؟ أنا ما عملتش حاجة غلط ليها. وأنا تاليا بالنسبالي بقت روحي، حاجة كبيرة. ليه حضرتك عايز تمشيني؟"
وبدأت الدموع تتجمع في عينيها. ليسرع بلهفة بالقول:
"لا، أنت فاهمة غلط. أنا عمري والله ما هعملها أبداً. بس أنت اللي ممكن تقرري في يوم إن كده كفاية. الإنسان بيتغير يا أسيا، ما فيش حاجة بتدوم."
فهتفت مسرعة:
"حضرتك، أنا هفضل شغالة وهفضل جنب تاليا لحد آخر يوم في عمري. ليه حضرتك تفترض إن أنا ممكن أبعد عنها؟ أنا ما أقدرش أبعد عن تاليا، صدقني."
قطب جبينه وقال:
"يا أسيا، ما حدش بيستمر مع حد العمر كله. أنت أكيد في يوم من الأيام هتبعدي، وممكن تتجوزي، ممكن يحصل أي حاجة. فإيه اللي يخليني أضمن إن أنت تفضلي مع بنتي طول العمر، وبالتالي تقول لك الكلمة دي؟"
فهتفت بسرعة:
"أنا عمري ما هبعد عن تاليا. أنا مش قصدي إني بقول لك الكلام ده إني عايزها تقول لي يا ماما. لا، هي لها أم. بس أنا بحب أفهم حضرتك إني مش هبعد عنها، ولا في نيتي أبداً إني أبعد عنها. أنا هفضل معاها لأني ارتبطت بها. أما الموضوع اللي أنت بتقول عليه الجواز والحاجات دي، فده شيء عمره ما هيحصل. أنا جربت حظي في الدنيا مرة، من رابع المستحيلات إن الموضوع ده يحصل مرة ثانية. فحضرتك تطمن كويس إن أنا مش بعد سنة أو اثنين ولا عشرة هاسيب تاليا. هي هتفضل جوه قلبي، جوه عيوني. لـ ما شاء الله. ده أنا أموت لو سبتها. ده أنا اللي هوصلها لعريسها."
أحس هو من كلماتها بالراحة الشديدة، وكم من الحب الموجود بداخلها، وأنها تستحق فعلاً حب تاليا إليها. واطمأن بشدة لوجودها في بيته، وأحس براحة أنها لا تفكر بالزواج أو أن تبتعد عنه. ليبدأ من داخله يدرك أنها تمكنت من دواخله، وأن حنيتها وروحها الجميلة تغلغلت بداخله. ولكن ترن في أذنه تلك الكلمة، أنها لا يمكن أن تتزوج أو أنها تدخل رجلاً إلى حياتها أو تكون لرجل. ليدرك أنها تفكر فقط في تكريس حياتها لتاليا، ولا تفكر في شيء آخر. بينما هو بدأ يفكر فيها، وبداخل نفسه تقرر شيء آخر عما تريده أسيا. وتنوي أن تفعله.
وقف أمامها وابتسم ابتسامة رائعة، وظل ينظر إليها، لتشعر بالخجل الشديد من نظراته. فهذه أول مرة ينظر إليها نظرات حانية مختلفة، تشعرها بالخجل. لتنظر إلى الأرض ولا تستطيع أن ترفع نظرها من قوة نظراته التي يتضح فيها مشاعره. وهنا قال:
"أنا مقدر كلامك كويس. مش لاقي وصف معين يليق بك أنت يا أسيا. أنت رجعت الروح في البيت ده. أنت جواك مشاعر جميلة اديتها لبنتي، وأنا مش هقدر أوفيك حقك. وثاني بعتذر لك عن اللي حصل مني قبل كده."
هنا تلبكت أسيا وأكملت أن تقول له:
"بالنسبة لموضوع تاليا، أنا هعرف أتصرف فيه عشان ما ينفعش هي تقول لي يا ماما، ومامتها موجودة في الحياة، وأنا بالنسبة لها لا شيء. صحيح أنا بحبها وهي بتحبني، بس كلمة ماما دي مش رابط بيني وبينها، لأن ما فيش رابط بيني وبينها. فـ أنا هعرف أخليها تنسى الموضوع ده."
فاستأذنت منه ورحلت، وقلبها يخفق بشدة، ولا تعلم ماذا حدث لها من تلك النظرات التي كان ينظر لها، وكلماته الحانية. فكان مختلفاً، فليس هو مراد الحاد الذي يغرس كلماته البشعة بداخلها، ولكنه كان شخصاً آخر ينظر إليها بطريقة لم تعهدها، ويتكلم بحنية شديدة. وكان متفهماً ومراعياً بشكل كبير. أحست بشيء بداخلها يتحرك، ولكنها لم تكن أبداً لتدرك أو تصدق أن ممكن أن يكون بداخلها مشاعر له. ولا يمكن أن تتصور ذلك، فكل اعتقادها أنها ليس مقدر لها في اعتقادها أن تفكر مرة أخرى أن يكون لها مشاعر تجاه أي رجل، أو أن تفكر من الأساس في أي رجل. فهي ليست تلك المرأة السوية التي يمكن أن تحب وتُحَب وتعطي مشاعر. ليس مقدر لها أن تدخل رجلاً لتعذبه مرة أخرى وتعيد مأساتها مع أكمل.
ذهبت وتركتها في حال مع نفسه، ودخلت حجرتها، وظلت طول الليل تفكر به وتنهر نفسها وتحاول أن تكبت أي مشاعر تتكون بداخلها. ولكن الحب والمشاعر لا تستأذن عند الدخول، فهي تتسلل لداخل الإنسان دون أن يشعر، لتنام ليلتها مرهقة، وهي تظن أنها مجرد لخبطة من تناقض تصرفاته، وأنها لا تشعر ولا يمكن أن تشعر تجاهه بشيء.
ذهبت أسيا وتركته محرجة، وظل هو لفترة يجلس في هدوء مغمض العينين يفكر بها وبكلامها، ويرى كم هي جميلة، ساحرة، فاتنة. سرح بعيداً وأحس بالفرق الشديد بينها وبين زوجته. فزوجته كانت محبة لنفسها، لا تهتم بأحد. لا تسعى إلا للمال والسلطة ورحلاتها ومجونها. لدرجة تخليها عن طفلتها، طفلة بريئة لا حول لها ولا قوة. كانت مثال لأسوأ وصف لامرأة.
أما تلك الجميلة، فكانت مثال للتفاني والحب. كانت رائعة، محبة، فتاة خيالية ليست من هذا العالم، تشع حباً ونوراً. وخاصة مع تاليا، كمصباح وهاج لا ينطفئ نوره. لتعشقها ابنته عشقاً. كان مغمض العينين ومبتسماً وهو يفكر في كل الصفات الرائعة التي تتسم بها. كان يعلم أن قلبها يسع العالم حباً، وأنها تمتلك قلباً يكفي لإغراقه في المشاعر الجياشة. ليتنهد ويقول في نفسه:
"إيه يا مراد؟ أنت ما بقيتش طبيعي؟ أنت بتفكر فيها كتير ليه؟ وآخرته إيه اللي أنت بتعمله ده؟ أنت فاكر أنت لما تفكر فيها وتخش دماغك وتتغلغل جواك هيحصل إيه يعني. واحدة بالشكل ده والظروف دي وبالتفكير ده هتفكر فيك. بتوجع قلبك بإيدك ليه تاني؟ اهدي على نفسك. أنت تلاقيَك متاثر بس بحب بنتك ليها ومشاعرهم مع بعض. حتى لو حصل وده مستبعد، يا مراد، مش أنت اللي تجري ورا مشاعرك. لو حصل.. هي عمرها ما هتفكر فيك. لو واحدة في غير ظروفها كانت سهلة. إنما أنت سمعتها وحسيت بكل اللي جواها. استحالة تقرب. دي نسيت أصلاً يعني إيه ست ورجل. نسيت ورفضت إنها تدخل راجل في حياتها. أنت هتعمل إيه عشان تدخل حياتك؟ وهتدخلها إزاي؟ أنت بعيد أوي، وخصوصاً بدايتك معاها كانت قاسية. شوف نفسك وراجعها يا مراد واجمد. أنت مش حمل مناهدة. بنتك يا مراد وبس. غير كده أنت خلاص خدت نصيبك، حتى لو هي أحسن ست في الكون. أنت مالكش في المشاعر والكلام الفارغ ده."
فتحدث قلبه:
"بس مش عارف، قلبي بدأ يدق ليها ليه كده؟ ممكن يكون إعجاب. ممكن يكون مشدود ليها من جمالها. بس أنا عارف إن جوايا حاجة عايزها بشدة. معرفش هو إيه. أنا فعلاً عايزها وبغير عليها. ما هو ده مالوش إلا تفسير واحد. ده إيه العذاب ده؟ أنت وبنتك يا مراد. وهيا عشقت بنتك وهترفضك. ولو قربت ممكن تقتلك. ده كانت هتقتل خالتها على التليفون. أعمل إيه طيب؟ أنا شايفها ست وبس، مش شايف أي حاجة غيرها. وقلبي ملهوف يشوفها. مش عارف أفكر. بس ماينفعش يا مراد، وأنت أصلاً قاسي وجامد. مش ليك السكة دي يا مراد. وخصوصاً إنك قسيت عليها جامد، وهي كمان بتخاف منك. يا رب، ما عدت عارف غير إني فعلاً عايزها جنبي، بس أكيد ده عشان بنتي. أيوه صح، يا مراد، أنت نفسك تبقى جنبك عشان بنتك ماتتوجعش. أنت كل همك بنتك، بلا مشاعر بلا هبل. مش مراد الشهاوي اللي يتهز أو ينخ ويتنازل ويجري ورا واحدة معقدة أصلاً ومش هتديه فرصة. اعقل يا شهاوي واعرف حجمك. أنت كبير بنفسك ومش محتاج حد. فاهم؟ ولو حصل هيبقي لبنتك وبس. ولازم تعمل حاجة تخلي بنتك ما تتأذاش."
وجلس يفكر وتاه في عالم لوحده. وهنا جاء في عقله كلماتها وهي تكلمه عن تاليا:
"مش ممكن تقول لي يا ماما، لأن ما فيش رابط بيني وبينها."
ظل يفكر ويفكر، وبدأت الفكرة تتضح في عقله وتتغلغل. وبدأ يشعر بالتخبط ما بين "آه" و"لا". وظل متردداً، إلا أن استقر أخيراً على شيء ليشعر بالارتياح، وأنه وصل إلى قرار معين سيضعه أمام عينيه وهدف لحياته. بدأ يبرر أنه سيفعل ذلك من أجل ابنته، وأن يحفظ لها سعادتها بأي شكل، حتى لو بالإجبار والتحايل. وهو سيقدم على ما قرر لنفسه، وداخله الذي يريدها بشدة. فهو لا يعلم بعد ما بداخله، ولا يعرف ما هو. فأراد أن يسعد ابنته، رغم أن ما قرره شيء صعب جداً. ولكنه هو شخص لا يعرف معنى المستحيل.
ذهب إلى النوم وأحس أنه أمامه ملحمة سيخوضها ليست هينة. وظل يفكر طوال الليل كيف سيصل إلى ما قرره، وكيف ستكون طريقة الوصل مستحيلة. ولكن داخله ينهشه أن يعافر ليصل لما قرر، حتى غلبه النوم من كثرة التعب.
رواية الوهم القاتل الفصل التاسع 9 - بقلم ميفو سلطان
البارت التاسع..بقلم ميفو السلطان..
.في الصباح استيقظت اسيا بعد ان نامت متعبه من التفكير في محادثتها مع مراد ومدي تغيره في تلك اللحظه ولكنها نفضت تفكيرها بسرعه وفجاه احست بقبضه مره واحده في قلبها فلا تعلم ماذا بها... كانت تشعر بان شيئا سيئا سيحدث ولكنها لا تعلم ماهو.. استغفرت ربها وصلت فرضها وخرجت وذهبت الي تاليا وبدات في ملاطفتها وتقبيلها.لتشعر بشئ من الراحه لتاخذها وتنزل لتناول الفطار... جلسو جميعا واسيا لا تعلم مابها وكانت السيده حكمت تتكلم وتاليا تثرثر وهيا صامته قاطبه جبينها لا تعلم ما بها فهناك شئ يطبق علي صدرها.. كان مراد يراقبها جيدا ليلاحظ التغير عليها واحس ان بها شئ وتسائل هل هيا غاضبه من شئ ام ماذا... ام ان محادثتهم امس قد استائت منها فاحس بالرجفه مما يفكر فيه من الاساس.. ماذا بها لماذا تبدو شارده... احست بعدها ببعض الدوار لتستاذن وتستدعي الخادمه لتاخذ تاليا لتخرج الي الشرفه لتستنشق بعض الهواء فكانت هذه الحاله تصيبها عندما كان اكمل في حياتها.. كانت تقف في ملكوتها اذ فجأه يرن تليفونها لتجد نمره غريبه ترن عليها لتستعجب فلم ترد.. ظلت النمره مستمره حتي فتحت اخيرا ليهوي قلبها في قدميها ولتعلم ان احساسها منذ الصباح كان علي حق ولم تنتبه لذلك الذي اتي ليقف ورائها وقد شعر بالقلق وقلبه ينهشه من حالها لياتي ليطمئن عليها... علي الجهه الاخري من الهاتف سمعت صوتا حادا... يقول.. بقي عملالي بلوك يا اسيا وفاكره اني مش هعرف اجيبك.. فاصابها الرعب من صوته.. ولم ترد من رعبها.. فهتف انت فين انطقي.. انت فاكره اني مش هعرف اجيبك .ميفو ميفو .
استجمعت شجاعتها لتقول.. وانت مالك مش خلاص خلصنا عايز مني ايه تاني..
فهتف بها.... بس انا مش خلاص ولسه انت مراتي وهترجعيلي...
ردت عليه........ مراتك ايه انت اتجننت وارجعلك ايه دانا ادبح نفسي قبل مايحصل وتقرب مني........ كل ده علي مرأي ومسمع مراد.. وكانت قد بدات ترتعش..
ليهتف اكمل بحنق.... انت فين يا بنت عمي وطفشتي ليه وعايزه تجيبلنا الفضيحه.. انت فين ورجاله العيله مش هيسكتو هتجيبلنا العار وشرفنا يبقي في الوحل... بتطفشي ليه...
فصرخت فيه... اطفش ايه انت مجنون... واطفش من ايه ومن مين انا حره واحده اطلقت وانا حره... وفضيحه ايه اللي هجيبهالك انت مين اصلا وشرف ايه اللي همرمغه في الوحل يا زباله .. انا اشرف منك ومن صنفك.. وبتتكلم عن رجاله العيله كانو فين لما كنت بتمو تني... ياخي منك لله ومنهم لله بعد عمي وانا اتذليت من طوب الارض ولا اقدر افتح بقي... اه يا اكمل طفشت منك ومن شكلك ولا عايزه اشوف وشك... انت ايه يا اخي مريض وعارف اللي فيها وفيا وغاوي تعذب نفسك وتعدبني.. ابعد عني لاما والله هبلغ عنك و َاقول بيطاردني..ميفوميفو
هنا هتف صارخا.. ابقي قولي لبقية العيله لما نجيبك متربطه ماهو ماتفضحيناش ونسيبك دايره علي حل شعرك...والله ماسيبك وهرجعك زي الكليه وابقي ساعتها هتبقي حرجتك يا بنت عمي واحده زيك معيوبه وبتتبجح يا فاجره.. هجيبك وارجعك واحبسك اكتر من الاول دانا اكَل الهلالي..
هاجت وظلت تحاول الا تصرخ وهتفت بحقد.. اخرس جك قطع لسانك مين دي اللي دايره علي حل شعرها يا زباله يا واطي.. بنت عمك َمن لحمك وتقول عليها كده... انا اللي عمري ماخرجت بره بيتك اصلا.. انا اللي صنتك رغم تعذيبك فيا.. انا اللي كرهت صنف الرجاله تقلي دايره.. هدور مع مين يا حسره ماليش في الستات... واكيد ماعتش ليا في الرجاله.. عايز تجيبني متربطه يا اكمل.قطع ايدك وايد اللي يعملها مش اسيا الهلالي اللي يتعمل فيها كده. . دا بعدك ويبقي يوم دفنتي لو رجعتلك او حتي عرفت انا فين..عايز ترجعني وتخبسني زي الكلبه يا زباله عايز رعمل خرجتي من بيتك اللي لو دخلت هموت نفسي . اعتبرني مت يا اخي وانسي انت بني ادم مريض مريض انا بكرهك وبكره روحي وبكره الدنيا كلها.. حرام عليك سيبني في حالي منك لله منك لله.. ميفو ميفو ... وقفلت الخط ورزعته في الارض وجلست علي الارض وظلت تكسر في تليفونها وتشهق بالبكاء لا لا مش هرجع مش هيرجعني كانت تهذي وترتعش وتصرخ.. لا مش هيرجعونا هموت مش قادره اكمل هيرجعني اكمل هيرجعني كانت قد بدات تصرخ وتشد في وجهها وتلطم وجهها من رعبها فد فقدت القدره تماما علي الهدوء لينصعق مراد من حالتها ليقترب منها بسرعه ويرفعها ويشدها اليه بسرعه ليحاول ان يطمئنها فهي دخلت في حاله هيستيريه ليقول اهدي اهدي انا معاكي ماحدش هيقدر يلمسك الا انهاظلت تصرخ وتصرخ بجنون وهو يشدد عليها ويحتضنها بشده وهيا تقاومه وليست في حالتها الطبيعيه وكأن الشياطين تلبستها..كانت عنيفه وهو مصعوقا اول مره يري ذلك الملاك مهتاجا كانت تضرب علي صدره وتصرخ مش راجعه مش راجعه وهو يضع كل قوته حولها ليضمها كانت مفجوعه وهو مصعوق وقلبه ينهشه وصدره سينفجر من خوفه وهلعه من حالتها كان هياجها فوق الوصف لم تحس من اساسه ان مراد يحتضنها بل يعتصرها بين يديه لتهدأ.. حتي لم تعد قادره واستسلمت لالامها وفقدت وعيها بين ذراعيه .فجاه وجدها استكانت لينظر اليها ليجدها ملقيه بين يديه ولا تعي شئ ودموعها تغرق وجهها فحملها فجاه وهو يشعر بالرعب عليها وعلي ما سمعه وعلي مامرت به وذهب بها لحجرتها لتلحق بها امه ويحاول ان يفيقها واستدعي الطبيب بسرعه.. وخرج هو وفضلت معها امه ليكشف عليها.. ليخرج بعد بعض الوقت ويقول له المدام عندها انهيار عصبي انا اديتها مهدئ ولما تفوق هتبقي كويسه.. احس هو بكلبشه في صدره وغضب شديد من ذلك الحقر الذي اذاها واوجعها فقد سمع المكالمه وادرك ان ذلك الحقير يخطط لتعود اليه وانه يحرض عليها العائله لتعود اليه مجبره فلم تتحمل ليدرك انه كان يعذبها علي مدي سنتين وانه افقدها نفسها وانهي عليها تماما.. دخل عليها ليجدها في ثبات عميق الدموع كانت مازالت اثارها علي وجهها وهيا قاطبه و وجهها عابس ولا حول لها ولا قوه.. لتاتي امه وتتسائل.. فيه ايه يابني انت عملتلها ايه يا مراد.انت يابني مش هتبطل عصبيتك وقسوتك دي عملت ايه هيا عشان تقع كده. هيا يابني دي واحد تتحمل حاجه..
فتنهد بوجع.. والله يا امي ماعملت دي كانت بتتكلم في التليفون وقعدت تصرخ ووقعت من طولها..
فهتفت الام يا حبيبتي يا بنتي.. ومين يابني اللي عمل كده.. فهتف بغضب دا الحيوان جوزها عايز يرجعها..
خبطت الام علي صدرها يا قلبي يانا عشان كده ماستحملتش كانت مره قالتلي انها اتعذبت معاه وشافت معاه المر منه لله البعيد ... اوعي يا مراد اوعي حد يقرب منها وتسيبهاله اوعي يابني دا تموت وتاليا يجرالها حاجه.. اسيا روح البيت يابني اوعي يا مراد انت بجبروتك تقدر تبعد عنها اي حاجه حتي لو مابتحبهاش يبني.. عشان بنتك وعشان الغلبانه دي.. وحياه امك يا مراد..
كلمه امها وجعته.. حتي لو مابتحبهتش ليتنهد وهتف بوجع اطمني يا امي طول مانا موجود مفيش َمخلوق هيقرب منها... واضطر ان يرحل ليتركها تنعم ببعض الراحه.. ونزل هو مكتبه يفكر ماذا سيفعل مع ذلك الحقير وكيف سيبعده بعد ان قلب عيلتها عليها و كيف سوف ستكون رده فعلها تجاههم وهي وحيده ويبدو ان خالتها لا حول لها ولا قوه..
نزل الي مكتبه وطلب احد من حراسه وطلب منه ان ياتي بمعلومات عن شخص يدعي اكمل الهلاللي من مدينه المنصوره ويجَمع جميع المعلومات في خلال ذلك اليوم.. كان ينتظر علي احر من الجمر تلك المعلومات ليعرف ماهيه خصمه رغم جبروته فلابد له ان يعرف مع من سيلعب... كان يفكر طوال الوقت في كلامها وانهيارها وكيف انها تكرهه بشده وتكره اي منهم وانها لو طالت وعادت اليه ستقتل نفسها.. ظل يفكر اي بشاعه ممكن قد يكون الحقها بها ليحدث لها كل ذلك الانهيار من جراء مكالمه ولماذا يصمم عليها هكذا طالما تكرهه بهذه الطريقه... لم يعد يفهم شيئا غير ان قلبه يوجعه عليها وهيا منهاره وهيا تبدو كالملاك لا تقترب من احد ولا تؤذي احد... ظل جالسا في مكتبه مده واعطي اوامر صارمه للخدم بان يعتنو بتاليا و الا تذهب الي اسيا لترهقها او توقظها... ..مر بعض الوقت ليدخل عليه حرسه ويخبره....... ان اكمل من اعيان مدينه المنصوره ويمتلك شركات وانه من عائله كبيره.... وانه كان متزوجا من اسيا لمده سنتين بعد موت عمها الذي كان حنونا عليها وقد ترك لها ارثا جيدا ايضا وبعد الزواج لم يعلم احد عنها شيئا الا بعد سنتين من زواجهما كانت لا تخرج الا علي الامتحانات في حراسه فقد كان يحبسها في البيت طوال السنتين ولا يقترب منها احد حتي خالتها لم تستطع ان تزورها.. وكان السبب في الطلاق انه تعدي عليها بالضرب الشديد ليحدث فيها كسورا وجروحا وكانت في عداد الموتي لترفع خالتها عليه قضيه ويحبس لفتره بتهمه الضرب والشروع في قتلها... ثم يعود ويتنازل في النهايه مقابل الطلاق حتي لا يحبس وتنازلت له عن كل حقوقها.. ولكنه. من الواضح انه يبحث عنها وان هناك لغط في العائله حولها وانهم يثيرون المشاكل لخالتها ليعرفو مكانها ... هنا استمع جيدا لكل حرف قاله الحارس ثم شكره وصرفه.... ليفكر مالذي فعلته تلك المسكينه لتستحق ان يضربها احد لحد القتل.. وبعد ان تطلقا لماذا يبحث عنها بجنون.. احس ان هناك سرا لا يعلمه وان اكمل ربما يحب اسيا بجنون..ظل يفكر حتي احس بالضغط الشديد فلم يعد يتحمل كل ما جري لها وهيا ملاك برئ لا يستطيع ان يوذي احدا.ليه انضربت بالعنف ده... ليه يا اكمل تعمل في حته البسكوته دي كده.. تكسرها وتخنقها وكنت هتموتها ليه احس انه سيجن.. فنهض وصعد اليها ليراها.. ليدخل بهدوء ليراها نائمه بوداعه ومستكينه كانها في غيبوبه ولانت ملامحها ولكنها مازالت شاحبه.... ليجلس بجوارها وينظر اليها كانت هناك خصله بنيه اللون تخرج من حجابها ليمسكها بهدوء ويتلمسها بنعومه وشغف ثم يعيدها مكانها.. ظل ينظر اليها ويحس بالوجع.. ويتكلم.. ليه يجرالك ده كله.... طفله لسه بنوته جميله تتجوز وتتحبس وتنضرب وتموت وتطلق في سنتين.... كل ده ازاي اتحملتيه ازاي.. وانت البراءه بتشع منك .انت ازاي عايشه وبتدي حب كده وماخدتيش الا كل الوجع...انت ازاي ماشيه ملاك بتشعي نور وحواكي كل العذاب ده انا قلبي بيوجعني. نفسي اخدك في حضني واخبيك من الدنيا وطرف الطرف مايصيبك.. انت يتعمل فيكي كده.. دانت مابتنطقيش يضرب ويخنق.. هتجنن يا عالم.. دا قمر نايم وملاك يتشال عالراس وجوا العين.. دانا هاين عليا اخبيكي من الدنيا اللي كلت قلبك.. قلبك اللي بنوره رجعلنا دنيتنا.. يقوم الوسخ ده يعمل فيكي كده.. انت تتربطي وتجابي زي الكلبه دانا هطلع ميتين اهله ولا يمسك.. انت تفضحي حد.. دانت بسكوته رقيقه يتحاوط عليكي.. حاجه كده تنام في القلب وتنصان اه يا قلبك يا مراد. اقترب منها ولمس خدها وظل يلامسه بحنان كانه مغيب وهو يتفرس في ملاَمحها الفاتنه ملاك يا ربي هموت عاللي جرالك وقدبي بياكلني.. ظل يتلمس وجنتها وخدها بحنان شديد وقلبه يرجف حتي رصل لشفتيها كان مغيبا تماما كانها سحرته واحس باضطراب ليسحب يده فورا.. فيه ايه يا مراد.. دي نايمه وانت قاعد تحسس ماتلم نفسك واجمد كده وشوف هتعمل ايه مع الحيوان ده... نظر اليها مره اخري ليحن قلبه وهتف بهمس.. اطمني طول مانا عايش وفيا نفس ماحدش هيجرؤ يقرب لشعره منك مابقاش مراد الشهاوي ان ماكنت اعرفه ازاي يتجبر علي ست.واجيب مصارينه واطلعها في ايدي دا دخل سكه غلط وانت بقيتي تخصيني وانا اللي يقرب للي يخصني انهش قلبه.. طب يا اكمل الكلب ان ماخليتك تعوي زي النسوان مابقاش انا. وانت نامي ولما تصحي ليا كلام تاني خالص ربنا يعيني عليكي وعلي دماغك اللي عارف انها هتبقي صعبه في اللي هعمله وهتقفي قدامي وتحاربيني بس مفيش قدامي حل تاني.. لازم ابعدك عن الشيطان ده ويقفل صفحتك نهائي ولا يفكر يقرب ويوم ما يحصل يبقي بموته واخر يوم في عمره.. اللي هعمله عشانك وعشاني وعشان تاليا واستحاله اقبل بغير ده حل.. وخرج وكله عزيمه علي تنفيذ مافي راسه ...
ترك مراد البيت وهو مثقل بهمومها التي صبت عليه صبا وكان قد قضي الوقت كله يفكر كيف يبعد عنها مايؤذيها وبرر ذلك انه من اجل ابنته لانها اصبحت روحها رغم تخبطه من الداخل ولكنه رفض لان يعترف باي مشاعر تجاهها... ذهب الي العمل ليستدعي محمود كبير المهندسين ومعه صديقه عمره وبدا في الكلام.... بصو بقه انا عايزكم تركزولي كده وتصحصحو.. فيه حد هنلعب معاه لعب من التقيل.. صحيح هو مش اد كده بس انا عايز اجيب دماغه الارض..
فهتف عمر.. خير يا مراد مين ده االي انت حاطيته اوي في دماغك..
فهتف مراد بغل.. اكمل الهلالي..
قطب محمود جبينه مش ده بتاع الاستيراد بتاع المنصوره اسمع عنه.. بس احنا مالنا وماله دا بعيد عن شغلنا...
فاكمل مراد بجديه.. شوفو بقه انا عايز اسهم شركته تبقي في التراب ومايعرفش مين الي بيعمل كده ولما الدع لدعتي اخرتها يعرف كل حاجه.. محمود انا عايزه يجي يشحت الرضا فاهم.عايزه جربوع شحات... ميفو ميفو
فهتف محمود دانت تؤمر يا كبير.. يبتدي يقري عديه يس علي شركته...
وخرج فنظر اليه عمر ماتفطمني عالفوله طيب... قال ده دا اكمل المنصوري طليق اسيا...
فقال عمر وايه اللي هيودينا عند اكمل المنصوري وايه علاقتنا بيه مش خلاص ساب اسيا احنا ما لنا وماله يا مراد..
فهتف مراد بحنق.. الزباله بيهددها انه هيجيبها متربطه ويرجعهاله ثاني فاكر ان هيا لوحدها.. بس يمين بالله لاكون جايب بوزه الارض.. لما توصل انه يرقدها في السرير و يجيب لها انهيار عصبي من مكالمه تليفون يبقى لا انا هعرف اقفله ازاي... وهخلص عليه في السوق عشان يتربى و ميتجبرش على خلق الله...
نظر اليه عمر وهو يتكلم بحقد شديد فهتف طيب يا مراد بالراحه شويه يعني احنا بنخش في الحاجات دي ليه صحيح اسيا بتشتغل عندك وكل حاجه بس هي حره بينها وبين طليقها احنا ما ندخلش هي طلبت منك انك انت تتدخل.. فقال مراد غاضبا هيا ما طلبتش ولا عمرها هتطلب ولا عمرها.. و ده حيوان قذر عايز يرجعها بالعافيه بعد سنتين عذاب ضرب واهانه يا اخي ده كان هيموتها مخرجها من بيته مكسوره مدغدغه ما سبهاش الا لما هددته انها تحبسه.. ده مش بني ادم ده حيوان اللي يعمل كده في ست ما لهاش حد ما بالك بقى الست دي تبقى بنت عمه من لحمه ودمه ينهش فيها كده ازاي... لو سمعت المكالمه اللي انا سمعتها كنت حسيت باللي انا حاسس بيه دلوقت انا قاعد حاسس بالنار جوايا انها مستحملتش ان هي تبقى لوحدها وانها ممكن ترجع له سمعتها بودني بتقول له لو حصل يوم ورجعتلك هموت نفسي.. انت فاهم يعني ايه يا عمر واحده تكره واحد بالشكل ده لا والجميل كمان ما يكرهها في صنف الرجاله كله ومقوم رجاله العيله عليها ان هي طفشت وان هيا هتفضحهم و عايزني اسيبه.. ان ما كنتش اخليه يشحت ما بقاش انا مراد الشهاوي دانا قلبي بينهش حوايا.. انهارت وخدتها في حضني ماحست حتي كنت حاسس ان قلبي هيخرج من مكانه وشابط جوايا نار هموت واروح احيب مصراينه وانزع قلبه في ايديا.. كان يتكلم بحده وكان داخله يغلي من مشاعره تجاه اسيا التي في مكنونه لا يقدر ما هي ولكنه كان يتقلي على الجمر مما جرى لها فهي اصبحت لا حول لها ولا قوه ولكنه اخيرا قرر ان يكون حائطا صدا تركن علىه... ثم عاد لعمر وقال.. بص يا عمر انا عايزك تبقى انت ومحمود مع بعض وفي خلال شهر بالكثير لا شهر ايه في خلال اسبوعين اي مناقصه ما ترساش عليه ان شاء الله لو ليا خساره اي حاجه توقعه وقع انا عايزه يجي زاحف على رجله.. عايزه ما يفكرش بره شغله عايز دماغه تبقى في حته واحده لحد ما انفذ اللي في دماغي وساعتها يبقى يخبط راسه في الحيط.. قطب عمر جبينه وقال وانت ايه اللي في دماغك يا مراد انت ناوي على ايه بالضبط..ميفوميفو
فتنهد مراد وقال ناوي على كل خير ان شاء الله بس قولي يا رب ان انا اصلا اقدر انفذ اللي في دماغي لانه صعب صعب عليا و مستحيل بالنسبه لاسيا انها توافق عليه.بس يمين بالله لهيحصل ومافيش حاجه هتقف قصادي حتي لو بالغصب مانا قلبي ماهيهداش والنار الي بتكلني دي هتبرد الا اما يحصل . ثم انهمكا في العمل معا بعض الوقت يتحدثان في امور العمل حتي انهك مراد تماما ثم قام مراد وغادر لبيته وكان قد حل الليل ليجد البيت هادئ ليذهب ليطمئن على والدته وظلا يتحدثان معها لبعض الوقت واخبرته انا اسيا لم تستيقظ بعد و انها مازالت نائمه وان تاليا ارادت اكثر من مره ان تدخل عليها ولكن رفضنا وحاولنا كثيرا ان نبعدها حتى تستريح اسيا وتستعيد وعيها.. احس بالحزن علي ابنته التي تعشق تلك الحوريه فهي اصبحت بمثابه ام لها.. ثم قام ونوي الذهاب الى ابنته ليطمئن عليها ليجدها نائمه وظل معها لفتره ثم قبلها وخرج. ميفو ميفو . ليدخل الى حجره اسيا ليراها انها مازالت نائمه وظل جالسا لبعض الوقت ينظر اليها وداخله يحترق عليها وعلى ما اصابها من ذلك الحقير ولكنه في نفس الوقت احس ببعض الحنين وهي نائمه هكذا مستسلمه واقترب منها ولاشعوريا يمسك يدها ليهمس بهدوء.. نامي يا اسيا وارتاحي ما حدش هيقدر يقرب منك ما حدش هيقدر يؤذيك ما حدش هيقدر يغصبك على حاجه طول ما انا موجود وانت معايا ما حدش ابدا هسيبه يقرب منك دا هتبقي اخر يوم في عمره.. نامي وارتاحي ومراد هيبقي سندك واللي هيقفلك وماهتتعرضيش للنسمه.. ظل ينظر اليها لبعض الوقت.. انا جوايا حاجات لاول مره بحسها مش عارفها بس مبسوط بيها ومبسوط وعايزك جنبي.انا اللي جوايا دلوقتي بطحن في بعضه من خوفه عليكي قومي وافرحي وهتلاقيني في ضهرك واعرفي ان انت بقيتي تخصي مراد الشهاوي وانا اللي يخصني اشيله في قلبي قبل عيني.. ربنا يهديك ليا عاللي هعمله مافيش قدامي حل تاني وهيحصل وان هخليه يحصل.. نامي يا اسيا ياللي شقلبتي حالي ووجعتيلي قلبي نامي يا احمل نسمه دخلت بيتي وصمت قليلا ثم وضع يده علي خدها يتلمسه بحب واكمل.. ودخلت جوا قلبي.. نامي يا اغلي الناس. ثم قام ليستريح بعد يوما شاقا ليبدا من الغد صراعه مع اسيا الذي ستقف له ربما بضراوه لينفذ ما خطط له..قلم ميفو السلطان
رواية الوهم القاتل الفصل العاشر 10 - بقلم ميفو سلطان
بدأت أسيا تستفيق لتشعر بتحسن، ولكنها كانت مصابة ببعض الوهن. فقامت وأخذت حماماً لكي تفيق، فهي نامت يوماً كاملاً. استفاقت وبدأت تتذكر ذلك الحقير، ثم صراخها واحتضان مراد لها بشدة. فأحست بالخجل الشديد والاستياء مما حدث، وقررت أن تنزل لتتكلم معه، فما حدث يجب تبريره على الأقل.
نزلت أسيا واستأذنت ودخلت عليه، وكان هو أيضاً في حالة وجوم لتبدأ في الكلام.
"مستر مراد، أنا آسفة على اللي حصل امبارح. أنا كنت بمر بظروف صعبة وفعلاً ما قدرتش أحتمل، فبعتذر عن اللي حصل. حضرتك نبهت قبل كده إن ما فيش مشاكل تخش البيت بسببي، فبعتذر لحضرتك إنها مش هتتكرر تاني."
ظل مراد ينظر إليها برهة، رافعاً حاجبيه. كيف لها أن تكون بهذا التصالح وتحاول أن تعتذر عن شيء ليس لها فيه ذنب؟ فتنهد وقام وبدأ يتكلم.
"أسيا، أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم. أنا امبارح سمعت للأسف كل المكالمة وحسيت باللي أنتِ بتمري بيه وعارف إن الموضوع صعب. اسمعيني كويس. أكمل الهلالي مش سهل وشكله كده مش هيسيبك. أنا تقريباً عرفت عنه كل حاجة، بس اللي مش قادر أفهمه ليه مش قادر يسيبك في حالك. وعشان كده لازم أتدخل، ما ينفعش أسيبك تبقي لوحدك قدامه."
هتفت بحدة: "شوف حضرتك، أنا مش حابة الموضوع ده يتفتح نهائي. أنا قفلته خلاص، هو انتهى من حياتي."
فقاطعها: "ممكن بقى تسمعيني شوية؟ عشان هو لا انتهى من حياتك ولا طلع من حياتك ولا سابك أصلاً ولا هيسيبك."
نظرت إليه بدهشة من طريقة كلامه، فقالت: "حضرتك بتقول إيه؟"
فقال: "أنا بقول الحقيقة. أكمل مش هيسيبك إلا أما يرجعك يا أسيا. وأظن أنتِ سبب انهيارك إنكِ حسيتي فعلاً إنه هيعمل ده."
أطرقت بوجهها ولم تعرف ماذا تقول. فعلاً ما جعلها تنهار هو أنها أحست أن أكمل سيفعل المستحيل ليعيدها إلى جحيمه.
هنا تدخل مراد وقال: "بصي يا أسيا، أنا قدامي حل واحد، إني أعرض عليكِ عرض، وأعتقد إن العرض ده هو الحل الوحيد. أنتِ يا أسيا بقيتي لبنتي كل حاجة، ما أعتقدش إن بنتي تقدر تبعد عنك وإلا هيحصل لها صدمة، وأنا ما عنديش استعداد إني أخليها تنصدم تاني. فـ أنا دلوقتي بعرض عليكِ عرض، وهو الجواز."
نظرت إليه ببلاهة وأحست بقبضة في صدرها، وتحاول أن تستجمع نفسها وتتكلم.
"جواز؟ جواز إيه حضرتك؟ أنا مش ممكن أتجوز تاني، أنا استحالة إني أتجوز أصلاً."
فقاطعها محاولاً إقناعها وتخفيف الأمر وقال: "ممكن تهدّي عشان تفهمي أنا قصدي إيه؟ أنا مش قصدي جواز بالمعنى الحرفي. أنا مش هاطلب منك حاجة أنتِ رافضاها أو هاخد حق أنتِ رفضاه أو غصب عنك. بس كل اللي أنا طالبه منك إنكِ تفكري. أنتِ هتبقي أم بنتي وفي نفس الوقت هتبقي في حمايتي وتبعدي عنه تماماً وما يقدرش هو يهوب منك ولا يرجعك مرة تانية. ده الحل الوحيد لأني عرفت إن عيلتك كلها مش هتسكت. أنتِ لازم تسكتيهم بطريقة مَعادش حد فيهم يقدر يفتح بقه. وأنا قادر إني أقف له، أنتِ ساعتها هتبقي مراتي وفي بيتي وتحت عيني. فكري كويس يا أسيا، إنكِ ممكن في أي لحظة لو رفضتِ العرض ده هتبقي مرات أكمل الهلالي في ثانية."
أحست بصراع داخلها، لا تعرف ماذا تتكلم وماذا تقول. هنا تدخل ليريحها قليلاً ويقول: "بص يا أسيا، أنا مش هاخد منك أي رد دلوقتي. أنا هاديكي فرصة تفكري، بس يا ريت تفكري بعقلك. أنا مش طالب الجواز ده ليا، أنا طالب الجواز ده لكِ ولبنتي."
استأذنت منه مسرعة لتدخل إلى حجرتها لتقفل على نفسها وهي تفكر.
"جواز؟ جواز إيه اللي هو بيقول عليه؟ أنا مش ممكن أتجوز تاني. يا نهار أسود، ده أنا ساعتها أتفضح. مقدرش أعيش اللي أنا عيشته تاني، ما أقدرش أعذب إنسان وأتعذب معاه تاني. أدخل راجل تاني في حياتي؟ مش ممكن ده يحصل. بس يا أسيا، أكمل مش هيسيبك، وأنا متأكدة إنه في أي وقت هيقدر ياخدك ويرجعك تاني. أنتِ مالكيش حد. بس لو اتجوزتي هيسيبك. بس هتتجوزي إزاي وأنتِ فيكي اللي فيكي؟ هتقولي له إيه؟ هتروحي تقولي له إنك مش طبيعية؟ مريضة؟ إنك باردة؟ ما تنفعيش ست؟ ما أقدرش أبقى قدامه متعرية كده. مراد راجل تتمناه أي ست، إيه اللي يربط حياته بواحدة زيي ما تقدرش تبقى زوجة طبيعية؟ أنا عارفة ليه هو عامل كل ده، ليه؟ عشان بنته. أنا عارفة وضغط على نفسه، بس هو ما يعرفش المصيبة والمرض اللي أنا فيه. افرضي فكر وعايز زوجة، ساعتها بعد كام سنة هتتفضح وهعذبه تاني وهتعذب تاني؟ أنا لازم أفكر كويس، أنا ما أقدرش أسيب تاليا أبداً. لو سبتها هاموت، دي بقت بنتي. ولو رجعت لأكمل هموت نفسي. وما ينفعش أتزوج لأني ما أصلحش للجواز. ويوم ما أتزوج أجوز مراد، راجل الستات بتترمي عليه. طب أعمل إيه يا ربي؟ أعمل إيه؟ ولا أروح فين؟"
ظلت تبكي فترة على حالها، لا تعرف ماذا تفعل. توافق لتبقى بجوار حبيبتها، ولكن مراد هو المشكلة الكبيرة، فهو رجل وله احتياجاته، وهي أبداً لن تعطيه احتياجاته. ظلت تدور وتدور وتدعو ربها لتصل في النهاية إلى قرار. وقررت أن تريح نفسها وتنزل وتخبره به، لعلها تنهي عذاباتها وتعيش بقية حياتها سعيدة، لا تؤذي أحداً ولا أحد يؤذيها، لتعود إليه مرة أخرى.
كانت مرتبكة. ما إن دخلت، قام وجلس أمامها ودعاها للجلوس ليهتف: "أنا سامعك ومستني قرارك اللي متأكد إنه قرار لمصلحة الكل."
بدأت تتكلم بجدية شديدة: "شوف يا مستر مراد، العرض اللي أنت عملته مش هقدر أقول عنه غير إنه إنقاذ لي من الجحيم اللي أنا ممكن أعيش فيه. أنا عشت مع أكمل سنتين من أسود أيام حياتي، ما عنديش استعداد إني أرجع له تاني. وفي نفس الوقت ما عنديش استعداد إني أدخل راجل تاني في حياتي. هنا مشكلة، ومشكلة جامدة. حضرتك بتقول جواز، والجواز ده يعني عيلة وبيت، وأنا ما أقدرش أعمل حاجة زي كده. حضرتك، أنا هقول اللي أنا أقدر أعمله، ولك إنك توافق أو ما توافقش. أنا موافقة على الجواز عشان حاجتين. الحاجة الأولى طبعاً تاليا، لأن أنا خلاص معتش أقدر أبعد عنها. تاليا بقت عبارة عن جزء مني، بنتي اللي أنا ما ولدتهاش. الحاجة الثانية، إني ما ينفعش أبقى زوجة. أنا جربت حياتي مرة، ما أقدرش أدخل راجل تاني في حياتي، ودي هتبقى مشكلة بيني وبينك، يعني الجواز ده يبقى جواز بيني وبينك وعلى ورق بس، مش ممكن أبداً في يوم من الأيام يتحول لجواز طبيعي. أنا عارفة إنك ممكن ترفض، لأن حضرتك أكيد فاهم يعني إيه جواز، بس أنا بقول لك ده اللي أقدر أعمله. أنا استحالة أكون زوجة بالمعنى الحقيقي، ده كل اللي أقدر أقدمه. في مقابل طبعاً طلب حمايتك لي من أكمل. أنا عارفة إنك أنت ممكن تكون مظلوم في الموضوع ده، وعارفة إنك بتعمل ده عشان تاليا وعشان أنا ما أبعدش عنها، مش عشان حاجة تانية. بس فيه حاجة مهمة، أنا فعلاً موافقة لو حضرتك وافقت على اللي أنا قلته. بس في يوم لو حصل إن حضرتك حبيت، أنا ما عنديش مانع تماماً إن حضرتك تتجوز وتعيش حياتك. أنا ما أقدرش أمنع حضرتك إنك تحب حد، وأكيد في يوم من الأيام هتحب وإن يبقى لك بيت وزوجة تحبك وتحبها، وده طبعاً الشيء اللي أنا مش هقدر أديه لك، واستحالة هيحصل. أنت اللي المفروض تقرر إن كان كلامي ده ينفع ولا ما ينفعش، لأن وقت ما إحنا ننفذ الكلام ده، استحالة الشروط اللي بيننا تتغير. مستحيلة يبقى فيه بيني وبينك زواج طبيعي."
أحس مراد بعض الغضب وأحس بإهانة في رجولته، ولكنه كان يعلم جيداً أن الموضوع صعب لها وأن هناك شيئاً يوجعها. ولكنه غصب عنه أحس بالغضب، فهو ليس أي رجل. فالنساء تتهافت عليه، ولكنه كظم غيظه وغضبه وبدأ في الكلام.
"اسمعي يا أسيا، إن كنت أنا طلبت الجواز، فـ أنا من الأول قلت لك الجواز ده مش عشان نفسي. أنا قلت لك الجواز عشان تاليا، في المقابل هحميكِ من أكمل. أما حتة جواز راجل وست دي، أنا كمان مبفكرش فيها. بس ولو حصل زي ما أنتِ بتقولي، ساعتها ممكن، ليه لا؟ هتجوز، إيه اللي يمنعني؟ أتجوز مرة أو اتنين زي ما أنتِ بتقولي، وهتكوني أنتِ ساعتها أم تاليا وبس، وساعتها أنا أقدر أعيش حياتي زي ما أنا عايز."
أحست بوجع من جملته، ولكنها لا تعلم لماذا.
"أظن كده نكون اتفقنا على كل حاجة، وأنا هبعت أجيب خالتك وجوزها ونتم الجواز هنا، وهما يعرفوا بقية العيلة. يبقى كده حطينا أكمل قدام الأمر الواقع ويعرف هو هيقف قدام مين. أنا مش حد قليل ومش سهل، وما بتتهونش في أي أحد يخصني. في خلال يومين تلاتة هنكون أنهينا الموضوع ده. بس طبعاً هيبقى الجواز قدام الناس إننا متجوزين، يعني ما حدش هيحس بحاجة. وده شرط مني مقابل كل الشروط بتاعتك، حتى أمي مش عايزها تعرف بحاجة. أنا عايز البيت ده يعرف يعني إيه معنى السعادة، يعرف يعني إيه زوج وزوجة وأم وبيت، لأنه عمره ما دخله فيه الإحساس ده ولا مرينا بيه."
ظلت تفكر بعض الوقت في ذلك الشرط، وقالت أخيراً: "وأنا موافقة."
وهنا أحس بالارتياح الشديد وانزاح هم من على قلبه، وأحس ببعض من الراحة والسعادة بداخله، لا يعلم ما هي. رغماً شروطها المجحفة ورغم شروطها التي تهين رجولته، فهي ترفضه كرجل. ولكنه فكر أولاً في الموافقة، ثم يقرر فيما بعد ماذا سيفعل معها. فليتزوجها وليضمنها بين يديه، ثم يرى ماذا يريد. فهو ليس بالرجل السهل، إذا أراد شيئاً سيأخذه.
مرت الأيام يوماً في يوم، ليذهب ليخبر والدته أنه سيتزوج من أسيا لأنه يحبها ويجدها مناسبة له ولابنته. لتشعر والدته بالسعادة الشديدة وأنه أخيراً وجد ضالته، لأن أسيا امرأة جميلة حنونة. ليمر الوقت وتأتي خالتها وزوجها ليتم عقد القران، وتصبح أسيا رسمياً زوجة مراد الشهاوي. كانت الأجواء بسيطة، كانت تلبس فستاناً بسيطاً، كانت تبدو جميلة، وكانت تاليا تقفز بينهم بسعادة وسرور. ليحس مراد بشيء في داخله يتحرك وأنه فعل الصواب، لأنها تستحق أن تكون زوجته عن حق. وأحس فجأة بأن مشاعره مختلفة بعد أن أصبحت له وباسمه. فجأة عندما انتهى عقد القران، اقترب منها وقبلها واحتضنها، ليحس بشيء بداخله وأنه لا يريد أن يخرجها من أحضانه. وتعجب من حاله. أما هي، فكانت تحترق من الخجل ومشاعرها ملتهبة من جراء فعلته. وظل ممسكاً بيدها طول الجلسة، وكان الجميع سعداء. لتتمنى لها خالتها السعادة، وتفرق الجميع. وأخذ مراد أسيا من يدها، ووجهها أصبح كالطماطم من خجلها، وأدخلها إلى جناحه. لتتصنم في مكانها، لا تعلم كيف تبقى معه في مكان واحد. ليدخل هو بهدوء غير مبالٍ، ولكنه في الواقع يتشوق من الداخل ليعرف ماذا ستفعل. فأصبح سعيداً بمراقبتها، فكانت جميلة فعلاً.
جلست هي على طرف السرير، ورفعت نظرها إليه وقالت: "هو حضرتك، إحنا هنقعد هنا؟"
فضحك وقال: "والله يا أسيا، أنتِ مالكيش حل. حد يقول لجوزه حضرتك؟"
فأحست بالخجل أكثر ولم تعرف أن تنطق. فأكمل بمرح: "أمال هنقعد فين؟"
فهمست: "إزاي في أوضة واحدة؟"
ليرفع حاجبيه وقال: "أمال أنتِ عايزاه إيه؟ أنتِ دلوقتي مراتي قدام الناس كلها، أظن ما ينفعش يبقى كل واحد فينا في أوضة. وأنا زي ما وعدتك، أنتِ في حالك وأنا في حالي. أنا أصلاً المواضيع اللي في دماغك دي ما بفكرش فيها نهائي."
أحست بالحرج الشديد من كلامه، ثم نظرت حولها فلم تجد مكان آخر تنام عليه. لا يوجد إلا السرير واثنين فوتيه بينهما منضدة، وغرفة للملابس وحمام وتسريحة كبيرة متوسطة الحائط. فهتفت وقالت: "طيب، إحنا هننام إزاي؟ ما يصحش إن إحنا..."
فقاطعها وقال: "فيه إيه يا أسيا؟ أنتِ مكبرة الموضوع ليه؟ ما أنا قلت لك إني ما بفكرش في الحاجات اللي في دماغك دي. نامي في الحتة اللي تعجبك، فوق السرير، تحت السرير، نامي في الحتة اللي أنتِ عايزاها. أنتِ لو نمتي على السرير، أنا بالنسبة لي عادي."
أحست بالقهر من كلامه وداس دون وعي على وجعها الوهمي. فها قد لاحت معالم حياتها، وأنه بدأ يحس بأنها لا تفرق له شيئاً حتى لو نامت بجواره. فهو رجل، وأكيد حس أنها لا تثيره.
وبالحرج الشديد، هنا دخلت وأخذت ملابسها وأخذت بيجامة بيتية طويلة بأكمام، وضعت حجابها على رأسها، وخرجت تفرك في يديها. ليدخل هو أيضاً الحمام يغير ملابسه. وظلت تنظر إلى السرير ولا تعلم ماذا تفعل وكيف تنام بجواره. لتتنهد بغلب شديد.
"نامي يا أسيا، هو أصلاً قال لكِ إنكِ مش في دماغه ولا تهميه كست. أنتِ مش ست في عينه. أحمدي ربنا إنه قال لكِ كده وهو عند كلمته، مش هيحصل حاجة. حتى لو قربت منه، مش هيحصل حاجة كده. استغفري ربك واحمدي ربنا على اللي أنتِ فيه. مراد على الأقل مش هيضربك ولا يهينك. هو صحيح قاسي شوية، بس أنتِ في حالك وهو في حاله."
خرج ليجدها تهيئ السرير وتضع المخدات بينهما، ويستمتع بسذاجتها، فهو مزاجه قد تغير تماماً بعد الزواج وأصبح مراقبتها يمتعه. واتجه بهدوء إلى السرير، وهي أيضاً.
ليهتف: "وأنتِ هتنامي كده؟"
لم تفهم. فأشار إلى طرحتها. أحست بالحرج واقترب منها فجأة وشال طرحتها، لتبهت وتتراجع وتخفض وجهها. لينبهر بشلالات الشمس الجميلة التي تسقط وتتدلى على كتفيها. كانت ساحرة. ليتجمد لفترة من كتلة الجمال وأنوثتها الجميلة.
"أنثى وديعة براقة بتاج من الشمس الجميل، إيه الجمال ده؟ هو فيه كده؟ قلبك يا مراد." ليتنهد ويسيطر على نفسه ويقول ويحاول أن يكون جاداً: "أظن ماينفعش تعاملك ده كده، هنتفضح من أول دقيقة. طرحة وحضرتك وهدومك اللي تلبس تلاتة في بعض، وقدام والدتي، قدام الخدم، ماينفعش خالص. إحنا المفروض بنحب بعض، فشغل الجبس ده ماينفعش خالص. أنتِ هتلبسي لبس مختلف، أنا وصيت عليه وده اللي هيتلبس قدامي وقدام البيت كله. ده مش تحكم ومش فرض سيطرة، بس ده عشان إحنا المفروض عرايس. وأي حد غير كده هيشك فوراً. اللبس في الدواليب من بكرة، تاخدي بالك يا أسيا. وعلاقتي بيكي بره الأوضة زوج وزوجة."
أحست ببعض الغضب، ولكن وجدت أن عنده حق، فهي أصبحت زوجته وأصبحت واجهة له اجتماعياً. فعلى الأقل لترد له الجميل وأن تحافظ على شكله أمام الناس، لأنه قدم لها معروفاً ليرحمها من ذلك الحقير وجعلها تنعم بحبيبتها وروح قلبها تاليا. فهتفت بهمس ووجهها يشع احمراراً جعل قلبه يرجف من جمالها: "عندك حق، هحاول."
أراد أن يذهب إليها ويحملها كعصفورة صغيرة من جمالها وخجلها، كأنها لم تكن مع رجل من قبل. فاستغرب خجلها هذا. انتظر حتى نامت ليسهر طول الليل يتأملها، جميلة، هادئة، وفاتنة. غمازاتها رائعة وشعرها يضفي عليها جمالاً مختلفاً. كانت تخبئه لتنير قلبه الآن.
مد يده يتلمسه بنعومته وقرب منه وظل يشتم فيه، ومشاعره تتصاعد شيئاً فشيئاً. ليتطور الأمر ويلامس خدها بنعومة، ليرجف قلبه. كان هناك شيئاً متفجراً بداخله. كانت نائمة متعبة لا تحس بشيء، وهو يلاطف وجهها بنعومته. ظل يحاول أن يحدد مشاعره، وكل ما فهمه أنه يريدها كأنثى وبشدة. أما المشاعر، فعرف أن لها مكاناً كبيراً بداخله. كيف لهذا الجمال والنعومة يعامل إلا بكل ما هو رقيق؟ كان هائماً بها في دنيا لوحده، ولا يعلم كيف اقترب منها وهو لا يحس. ولمس بشفتيه جانب شفتيها وضغط عليهم ليحس بقلبه سيخرج من مكانه، وكأنه في حالة من المس. فملمس شفتيها أخرج قلبه من مكانه ليشعر بشعور أنه يريدها بشدة. ووضع رأسه في تجويف عنقها ليشعر بالقهر من كبت مشاعره. ليبتعد بسرعة وهو ينهج، ومشاعر طاحنة قد تولدت وتفجرت.
"هي حلوة ونايمة ملاك، وأنا هموت دلوقتي." كان يريدها بين أحضانه. ظل يفكر ماذا ستكون الحياة بعد ذلك، وقرر ألا يحارب مشاعره التي أصبحت طاحنة وواضحة وأدركها بعد أن أصبحت زوجته. أدرك أنه يريدها ولن ينكر بعد ذلك ما بداخله وسيسعد به. ولكن، لم يتحكم في نفسه وشدها إلى أحضانه. تململت أسيا لبعض الوقت، ليتخشب جسده خوفاً، لتستكين مرة أخرى ليضمها ويتلمسها بحب شديد. وبداخله يشعر بالغلب، فقلبه سينفجر. ظل طول الليل يقظاً ينظر إليها، يتلمسها بحنان تارة، ويمسد شعرها تارة، ويقبل رأسها مرة أخرى.
"أنت اتجننت يا مراد؟ أنت قلبك هينط من مكانه! إيه اللي أنا فيه ده يا رب؟ أنا عايزها أوي. إيه المشاعر دي؟" ليهتف: "نام يا مراد، هتصحى وتنصرع بين إيديك. نام وارتاح. نايمة مزة وقمر وأنت قافش فيها أهو. يا غلبي يا نا، البت قمرين وأنا راجل لحم ودم." وظل ساكتاً يغلي من داخله. ليهتف: "لا مش قادر." ليقترب أكثر ليقبل شفتيها بنعومة شديدة وملاطفة، وظل لفترة، أحس أنه جن. لتبدأ هي في التحرك، ليرجف قلبه ويبتعد فوراً، وهناك بركان بدأ بداخله. "قلبي هيقف يا بنت الإيه. لا والله أبداً. أنت خلاص هتهبليني. ده أنا ما كملتش ساعتين وهموت واقفش فيها. قلبي اللي هيخرج ده وشابط فيه الولعة، أطفيها إزاي؟ ههجم عليها تقوم شقاني نصين. نام يا حزين، نام. هنام أهو. دا ليلة سودة، اتنيل نام بقى. أنت هتقعد تحضن والبت نايمة وتعبانة؟ ماتتهب، هدي على روحك." لينام أخيراً مستمتعاً، ليفكر في حياته وأنه سيغير خجلها ويلين رأسها بطريقة ما، فهو ليس بالشخص الهين، ويستطيع أن يجعلها تعشقه بسهولة. ولكنه سينتظر حتى تتأقلم على وضعها لوجود رجل في حياتها. فبعد أن قضى طوال الليل يتأمل وجهها، وصل إلى هذا القرار. "لا خلاص، مانا هموت عليها، يبقى عايزها وأنا اللي أعوزه هاخده. ودي حتة قشطة، بنبوناية، ملاك نزلت من السما، تتاخد وتتحط في العين. خلاص، أنا معاش قادر، أنا قلبي هيقف لو ما قربتش ومقهور. إيه النعومة والجمال ده؟ ده انت هتموتيني من أول ليلة. بس خلاص، أنا هعرف أخليكي تتمني تبقي معايا زي ما أنا هموت عليكي ومحصور كده. أنا مش قليل، قابلي بقى يا قطتي اللي هعمله. قلبي يا ناس قمر نايم، اتخمد بقى ارحم أبويا. قلبك ولع."