الفصل 1 | من 26 فصل

رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الأول 1 - بقلم اية محمد

المشاهدات
55
كلمة
6,738
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

توقفت السيارة بصوت صدح بفزع للجميع، فأسرع السائق بفتح باب السيارة. وضع قدماه على الأرض بتثاقل ثم هبط بجسده الممشوق، فخطى للداخل بخطاه المجسمة بالكبرياء. نعم، فهو له رفيق لم يتخل عنه قط. عيناه المذهبة محاوطة بحماية من طول الرموش الكثيفة لحمايتها. شعره البني الطويل يجعله فتاكًا لمن يراه. خاتمات توقيعاتهم أن من أمامهم من أكفأ رجال الشرطة، فربما أن علموا بأنه الابن الأكبر لياسين الجارحي، ألتمسوا العذر.

أكمل خطاه لغرفة مكتبه، فأسرع الشرطي بفتح باب المكتب سريعًا ثم رفع يديه يقدم التحية الرسمية التي تليق به. خلع جاكيته ثم جذب المقعد وعيناه تتفحص ملامح وجه رفيقه المسند أمامه بشرود. خرج صوته ومازالت عيناه العسلية تتفحص الأوراق من أمامه: "مالك؟ تلجلج مازن بوقفته قائلاً بارتباك: "مالي مأنا... كاد أن يكمل خدعته المدبرة منذ الصباح، ولكن نظرته جعلته يجلس على المقعد بحزن واستسلم قائلاً بدمع فشل بكبته: "وليد اتقتل يا عدي"

صُدم عدي، فرفع عينيه القاتمة حينما علم باستشهاد رفيقه من هؤلاء اللعناء. نعم، يتذكر بسمته قبل رحيله حينما أخبرهم أنه سينهي مهمته ليعود لزفافه سريعًا، ولكن إرادة الله كانت أقوى من كل شيء. هدوء عدي كان خوفًا لمازن، الذي تراقب تعبيرات وجهه برعب شديد. ازداد الرعب حينما ترك المكتب وتوجه للعميد. *** بمشفى من أفخم ما يكون، فهي أسست بإشراف يحيى الجارحي لابن رفيقه المقرب.

عمر ياسين الجارحي كان يتنقل بين المرضى ببسمة لا تليق إلا به، فهي متناقضة مع عدي بابتسامته المرسومة على وجهه باستمرار. أنهى عمر عمله ثم صعد ليرتاح قليلاً ليتفاجأ بمشاكسه تدلف للداخل بسرعة كبيرة. مليكة بسعادة: "عمرررر" كاد كوب القهوة أن يتساقط من بين يديه، فقال بغضب: "مفيش فايدة فيكِ، مش قولتلك ميت مرة إننا في مستشفى" تعالت ضحكاتها قائلة بعدم اكتراث: "هو أنا عملت إيه بس؟! لوى فمه بازدراء على تلك المشاكسة قائلاً بسخرية:

"معملتيش، أنا اللي عملت. ارتحتي؟ جلست على المقعد المقابل له قائلة بمرح: "مش أوي" طرق على سطح مكتبه بحزم: "أنتِ جاية تهزري وأنا مش فاضيلك" عبست ملامح وجهها قائلة بحزن: "كدا يا عمر، وأنا اللي كنت بقول عليك طيب وهادي عن أبيه. عدي طلعت ألعن منه." تخلى عن مقعده واقترب منها قائلاً بشرار يلهب الجنون: "ألعن من مين يابت؟ صرخت بشدة حينما جذبها من أذنيها ليكمل هو:

"مش كفاية إنك بتحترميه وبتقوليله أبيه رغم إن بينا 10 دقايق بس، وأقول ماشي مش مشكلة. أختك الصغيرة يا عمر، استحمليها." تأوهت من الألم قائلة بصراخ: "آه خلاص، أنا آسفة. لما أدخل المستشفى مش هتكلم خااالص، أوعدك. بس سيب ودني هموت." تركها ثم توجه لمقعده مرة أخرى قائلاً بغرور مصطنع: "أيوا كدا اتعدلي." فركت أذنيها بضيق من انتزاع حجابها المنسق بعناية، فأعادت ترتيبه قائلة بهدوء وبراءة مخادعة:

"أنا كنت جاية هنا عشان عايزة منك حاجة" أكمل ارتشاف قهوته قائلاً بتعجب: "حاجة إيه دي؟ اقتربت من المكتب قائلة بخجل مصطنع: "كنت عايزة فلوس" رفع عينيه الزيتونيتين المحاوطتين برموش كثيفة ورثها عن أبيه قائلاً بصدمة: "وأنتِ معكش فلوس؟! لوت فمها بازدراء قائلة بسخرية: "هيبقى معايا وأتحوج ليك؟ عمر بسخرية أشد: "لا وانتِ الأحق. بتخدعيني بطريقتك. والأغرب إن مليكة الجارحي معهاش فيزا أو فلوس؟ تأففت بغضب: "هعمل إيه يعني؟

مامي سحبت مني كل حاجة. قال إيه لازم أتعود على المصاريف القليلة عشان لو اتجوزت واحد على قد حاله أعرف أعيش كويس." عمر بهدوء وجدية: "إيه اللي يهمك بالشاب اللي هتتجوزيه يا مليكة؟ أسندت بظهرها للخلف قائلة بشرود: "مش مهم الفلوس ولا المستوى الاجتماعي خالص. أهم حاجة عندي أخلاقه وتدينه وكمان يكون مز ووسيم نفس جمال أبيه عدي كدا. آه، أمال إيه." عمر بغضب: "ولو مجاش شكله يعني هتعنسي؟ وقفت قائلة بجدية لا تحتمل تقاش:

"أيوا أعنس معنسش ليه، دا حتى الحرية نص كمال الحياة." عمر بصدمة: "كمال إيه؟! أرتدت نظارتها بغرور: "هفهمك." قاطعها مسرعًا وهو يخرج المال: "لا أبوس رجلك مش عايز أفهم. أنا عندي جراحة كمان ربع ساعة. خدي دول وشوفي نفسك. وإن كان عليا هباشرك بالدعاء يوقعك في واحد بنص عصبية عدي عشان تشرفي جانبنا طول العمر." مليكة بحزن: "في حد يقول لأخته كدا؟ عمر بخبث: "أه، أنتِ زعلتي. طب خلاص، أكيد مش هتاخدي الفلوس."

وكاد أن يسحب المال من على طاولة المكتب، ولكن ذراعيها كانت الأسرع إليه قائلة برجاء: "بلاش ماما تعرف، الله يكرمك. أنت أخويا العسل وأنا عارفة إنك جدع." حلت ملامح الجدية عن وجهه الوسيم ليخرج بصورة لا تحتمل النقاش: "بره يا مليكة." لم تتناقش معه ووضعت المال بحقيبتها ثم انصرفت على الفور. ليكمل هو عمله المجاني لمن فقد بصرهم ولم يجدوا الدعم والمساندة. ليكون مصيره محتومًا بين أحدهما. *** بمكتب العميد، رفع صوته بالمكان قائلاً

بجدال: "قولت لا يعني لا. مستحيل أعرض حياتك للخطر." عدي بهدوء يصاحبه أينما كان: "يا فندم، حضرتك عارف إني أقدر أخلص المهمة دي وإنها بسيطة جدًا، مش محتاجة الخوف دا كله." العميد بنبرة غاضبة: "قولتلك من شوية دا مش مجالك ولا شغلك يا عدي. أنا عارف إيه هو سبب تصميمك للسفر، بس مش هقبل أقدمك للموت بأيدي." عدي بثبات: "يا فندم، المهمة دي سهلة، مش محتاجة الخوف دا." أجابه بحزم:

"كانت سهلة قبل ما وليد الله يرحمه يتكشف، لكن دلوقتي بقت خطر." كاد أن يتحدث، ولكن العميد أنهى حديثه قائلاً بنفاذ صبر: "على مكتبك يا سيادة الرائد، الموضوع منهي." وقف عدي ولهيب الانتقام ممن فعل برفيقه يشتعل بعينيه، فأقترب منه قائلاً بصوته الفاقد للثبات المعتاد: "حق وليد مش هيروح، حتى لو هيكون فيها استقالتي عن إذن حضرتك." وغادر الثعلب الماكر ليواجه مصيرًا سيجعله للصدفة أسيرًا.

زفر العميد بقوة، فهو يتهاون معه كثيرًا ليس لأنه ابن ياسين الجارحي، ولكن لأنه من أكفأ الضباط بالقسم. نعم، يعلم أن من المحال التغلب عليه، ولكنه سيكون محاطًا بالأخطار لكشف المهمة سابقًا. خرج عدي لسيارته بعدما أشار للشرطي بالهبوط. قادها بسرعة فائقة لينال من هؤلاء الأوغاد. ***

بقصر الجارحي، هبط على الدرج بطلته الجذابة، شعره الأسود متناثر على عينيه الرومادية بحرافية معتادة، فخطى للأسف بتأفف حينما استمع للجدال اليومي بين أبناء العم. "مشاكلكم دي مش بتنتهي." قالها رائد بعدما هبط ليكون على مقربة منهم. هبط معتز هو الآخر قائلاً بغضب شديد: "وحياة عيالك يا شيخ، تخلصنا من الحيوانات دي بجد صداع رهيب كل يوم على الصبح." وقف حازم يتطلع لهم بنظرات مكبوتة بالغضب ليخرج صوته الساخر: "لا والله، كتر خيرك."

جاسم بهدوء مريب وهو يتقدم من معتز: "مين الحيوانات دي يالا؟! كبت ضحكاته قائلاً بجدية مصطنعة: "إيه دا جاسم؟ جاسم بسخرية: "مفاجأة صح؟ معتز: "والله مفاجأة عسل، بس أنا لما شتمت كنت أقصد الحيوان اللي وراك." دفع حازم يده قائلاً بغرور: "حبيبي والله." استدار جاسم له قائلاً بغضب: "اخرس يا زفت." حازم: "حاضر."

رفع رائد يديه على رأسه، فلم يعد يحتمل هذا الصداع اليومي بمشاكسة جاسم ومعتز اليومية، فتوجه للمائدة يتناول فطوره بعدم مبالاة. بعد قليل، هبط ياسين لأسفل بتأفف، فأنسحب للطاولة التي يعتليها رائد. ياسين ببسمة لا تليق سوى به: "صباح الخير." بادله نفس البسمة: "صباح النور يا ياسين." ثم رفع يديه يتطلع للوقت بذهول: "دقيق في مواعيدك." ألتقط الفطائر يتناولها وعيناه الزرقاء تتأمل ما يحدث بين معتز وجاسم وحازم بتسلية.

على بعد مسافات قليلة منهم، انفجر معتز ضاحكًا حينما نجح بقلب السحر على الساحر، فلطم جاسم حازم بقوة وصارت المعركة بينهم كصباح كل يوم. توجه معتز للجلوس على الطاولة، فأتاه صوت ياسين الهادئ: "مش بتستريح غير لما تقيد بينهم الحرب؟ أرتشف معتز قهوته بتلذذ قائلاً بفرحة:

"بصراحة بستريح جدًا جدًا، لإن الحيوان حازم دا ميستهلش غير ضرب جاسم المبرح. وبعدين هو الوحيد فينا اللي بيهتم بعضلاته والجيم، ولازم يتدرب كويس، فأنا بخدمه بقدمله كبش بشري يتدرب بيه." استند رائد بيده على الطاولة قائلاً بصوتٍ خافت لياسين: "كلمت فاروق يا ياسين؟ أعاد شعره المتناثر على عينيه قائلاً بثبات: "ومش هكلمه. الصفقة دي تمت بينك وبينه، بلاش تدخلني بالنص، عشان تصرفي مش هيعجبك."

كبت رائد بسمته الهادئة، فهو يعلم أن ياسين لا يحب هذا الأحمق. أنهى جاسم ما يفعله، ثم وقف أمام المرآة المطولة بطول الحائط يرتب ملابسه بعناية، حتى شعره المصفف بحرافية أبى أن يتركه دون التأكد من تصفيفه. رفع عينيه بنظرة رضا لمظهره الوسيم وتقدم لينضم لهم على المائدة. هبطت الفتيات من الأعلى لينضموا لهم. مروج ببسمة مرحة: "صباح الخير أيها القوم." بادلها الجميع التحية، إلا أخاها، لوى فمه قائلاً بغضب: "صباح الزفت على دماغكم."

مروج بصدمة: "ليه كدا يا ميزو؟ وقف والغضب يشتعل بعينيه قائلاً بصوت جهوري: "اسمي معتز، ومن الأفضل متقوليش اسمي خالص." مروج بغضب: "على فكرة أنا بدلع أخويا الصغير." معتز بحزم: "سنة وأربع شهور اللي بينا. وبعدين مش شايفه نفسك ولا الفرق بينك وبيني؟ وقفت أسيل تتابع ما يحدث، على عكس داليا التي جلست لجوار أخيها رائد تتناول طعامها لتذهب للجامعة. لم تر نظرات العاشق المتيم لها. ياسين بجدية:

"مروج، معتز، ممكن تبطلوا هبل على الصبح. خلصنا من جاسم وحازم، طلعتوا أنتوا؟ حازم بألم: "آه ياني، أنتوا بتتشطروا عليا عشان أخويا الكبير. مش هنار" رائد بنفاذ صبر: "أنا هسبقكم على المقر." ياسين هو الآخر وهو يلملم متعلقاته: "استنى يا رائد، جاي معاك." غادر رائد وياسين للمقر، فجلست مروج لجوار داليا بهدوء، فأنضمت لهم أسيل قائلة بمرح: "هههه، لأزم الأسطوانة بتاعت كل يوم دي، والله حرام كدا." مروج بغضب: "هو اللي بيعملها مش أنا."

جاسم بهدوء: "خلاص بقى، الله." ثم أكمل باستغراب: "فين مليكة؟ رفعت داليا عينيها القرمزيتين له قائلة بخفوت وخجل من نظراته: "مليكة عند عمر وزمانها راجعة." معتز بسخرية: "هو لازم تقليب الفلوس يكون بالمستشفى؟ ما تقلبه هنا." تعالت ضحكات الجميع، فأتى صوتها المززلزل من خلفه قائلة بغضب: "ودي هتفرق يعني؟ خلاص وفر عليا المشوار وهات الفلوس أنت." جاسم ببسمة هادئة:

"معتز معاه حق يا مليكة. بابا وعمي والكل مسافرين، يعني لو أخدتي منه هنا والدتك مش هتعرف لأنها مسافرة مش موجودة." جلست بجانب مروج بتفكير، ثم قالت بصدمة: "تصدق صح." معتز بمشاكسة: "صح إنك غبية!!! زمجرت قائلة بغضب: "ماشي يا معتز، هعديهالك المرادي." ثم وجهت حديثها لجاسم: "جاسم، الامتحانات بعد يومين." أرتشف جاسم قهوته قائلاً بمكر: "والمطلوب؟ أسرعت مليكة بالجلوس لجواره قائلة ببسمة كبيرة:

"زي كل سنة تذكر لنا أنا والبت داليا الغلبانة دي." أكمل ارتشاف قهوته ببرود: "ولو رفضت." مليكة برجاء: "لا كدا هنشيل المادة. يخليك عيالك دي أمي، جايز تعلقني. يرضيك كدا تذلني بأخواتي؟ واحد ضابط شرطة والتاني دكتور، وأنا مستقبلي هيتدمر." معتز بابتسامة واسعة: "مستقبل العيلة هيتدمر، والله صعبت عليا." رُسمت البسمة على وجه جاسم قائلاً بهيام بمعشوقته الخجولة: "أما أرجع من المقر هشرحلكم." تعالت ضحكات مليكة الطفولية قائلة بسعادة:

"روح يا شيخ، الله يكرمك بمزة كدا تهز قلبك الجبل دا." جاسم بمكر ونظراته تتوج معشوقته: "موجودة، بس أهز أنا قلبه." معتز بخبث لعلمه بما يحدث: "يا ضنايا يابني، حالتك صعبة." مروج: "هههههه جدًا والله. بين تصدق إنك صعبت عليا وهساعدك." أسيل: "وأنا كمان يا جاسم يا حبيبي، هعمل كل اللي أقدر عليه. دا أنت أخويا الغالي." رمقهم جاسم بنظرة مميتة، ثم جذب مفاتيح سيارته جذبًا. معتز من باب قميصه: "أنا لسه مخلصتش أكل." جاسم:

"تخلص أكل ولا أخلص عليك." هنا انصاع له معتز ورحل معه بهدوء. وتبقت داليا المرتبكة من نظرات الفتيات، لتبدأ المشاكسة اليومية. مليكة بهيام: "سمعتي الكلمتين دول يا بت يا أسيل؟ أسيل ببسمة رقيقة: "اللي سمعت، دانا كلتا الأذنين كانت مع أخويا حبيبي، مز الواد، اللهم." مروج: "هههههه، مين يشهد للعروسة يا أختي." داليا بخجل شديد: "يلا يا مليكة، أتأخرنا." مليكة بخبث: "على جاسم؟ تلون وجهها بشدة فقالت بغضب: "أنا هروح لوحدي."

وجذبت داليا حقيبتها وغادرت، فلحقت مليكة بها سريعًا والضحك يتمدد على ثنايا وجهها. مروج بملل بعد رحيل الفتيات: "طب وأحنا هنعمل إيه النهارده؟ أسيل: "مش عارفة والله يا مروج. أنا عايزة أكلم بابا ننزل معهم الشركة نعمل أي حاجة، لأن بجد من ساعة ما خلصنا الجامعة والحياة بقت مملة أوي." مروج بغضب: "شركة إيه؟ لا أنا عايزة أكون حرة كدا أسافر أي بلد أو أي مكان." حازم بألم: "حد يجبلي تلج، ينوبكم ثواب." مروج: "عههههههه، حاضر."

وبالفعل أحضرت له قطعًا من الثلج، فوضعها على الكدمات بوجهه. أسيل بجدية: "قولتلك ميت مرة ما تشدش مع جاسم، مش قده." حازم بصراخ: "آه، براحة يا بت." مروج بغضب: "ما أنا بعمل براحة أهو، أنت اللي متفشفش." حازم بغضب: "حسبي الله ونعم الوكيل في أخوكى وأخوه." مروج بتأكيد: "ادعي معتز يستهل." أسيل بمرح: "جاسم عسل والله، بس دام ضربك يستهل."

قطع حديثهم رنين هاتف أسيل المعلن عن رفيقها المقرب أو العاشق المجروح ببسمة مخادعة يخدعها بها، فتبوح له عما بداخلها من عشق جارف لرجل آخر غيره. أسيل بسعادة لرؤية اسمه يزين الهاتف: "أحمد." حازم بفرحة: "قوليله يرجع عشان أخوه بيتبهدل من غير." ركضت أسيل لغرفتها والهاتف بيدها، غير عابئة بما يتفوه به هذا الأحمق، فتركته لمروج تداوي كدماته. دَلفت لغرفتها وبيدها الهاتف قائلة بسعادة: "أحمد."

استدار بمقعده مستندًا برأسه عليه، يهيم بالسماء لسماع طرب اسمه يتراقص بين نغمات صوته. دَلفت السكرتيرة للداخل، فأشار لها بالخروج على الفور ليكمل حديثه بالهاتف قائلاً بثبات يخيم على صوته: "عامله إيه؟ أسيل بفرحة لسماع صوته: "أنا الحمد لله كويسة، بس محتاجة لصديق طفولتي يكون جنبي. أرجع بقى." أحمد ببسمة ألم: "أنا جنبك على طول يا أسيل." ثم أكمل بمزح:

"وبعدين أنا معاكي طول اليوم على الفون ومستحمل وبآخد أدوية للصداع، لو رجعت احتمال آخد جرعة زيادة." أسيل بغضب طفولي: "كدا يا أحمد، ماشي، مش هكلمك خالص." أحمد ببسمة زادت جمال وجهه الأبيض إشراقًا: "ليه بس، دا أنتِ الحب كله يا أسو." أسيل بحزن مصطنع: "لا، مش هكلمك تاني." تخلى عن مقعده، فظهر جسده الرياضي، فمن يراه يظن أنه بطل للملاكمة بفعل تمارينه القاسية.

تقدم من الشرفة، فأزاح الستار ليتأمل الأشجار الممتدة حول شركته المتميزة، فهو المسؤول عن شركات الجارحي بإيطاليا بعدما ترك مصر منذ عامين أو هروبًا من الواقع الذي صارحته به الحب الوحيد بحياته. خرج صوته أخيرًا بجدية: "صارحتيه بحبك؟ حل الحزن على قسمات وجهها، فجلست على الفراش بحزن: "هو عارف يا أحمد إني بحبه، بس دايما بيتجاهلني." أغمض عينيه السمراء بقوة ليتحمل الخنجر الموضوع بقلبه، وتزيد تلك الحمقاء الضغط عليه، فيحتمل

هذا العاشق الجراح بصمت: "عدي طبعه غريب عن الكل يا أسيل. أكيد حاسس بيكِ ومنتظر الوقت المناسب عشان يفاتح عمي بالموضوع." رسمت سعادة على وجهها قائلة بفرح: "بجد يا أحمد؟ أحمد بهدوء: "إن شاء الله. أنا هقفل عشان عندي meeting وهبقى أكلمك بعدين." أسيل بحزن: "لا، خليك معايا شوية، لسه في حاجات كتير حابة أقولها لك." أحمد: "هكلمك بليل إن شاء الله." أسيل: "وعد." أحمد ببسمة هادئة: "وعد."

وأغلق معها الهاتف والألم يتزيد على قلبه شيئًا فشيئًا. *** جلس على مقعده بالطائرة المتوجهة لنيويورك، بعدما تألق بسروال أسود اللون على تيشيرت أبيض وجاكيت من اللون البني، فكان ساحرًا للغاية. عاوته ملامحه المائلة لملامح الغرب على تقمص شخصية أمريكية حتى ينال ما يفكر به. أسند رأسه على مقعد الطائرة بتفكير وعين هائمة بالتوق للانتقام من هؤلاء اللعناء، فلونت بلون قاتم للحياة.

بدأ يتلاشى حينما استمع لصوت شهقات بكاء مكبوتة تأتي من المقعد المجاور له. استدار بوجهه ليجد فتاة في العقد الثاني من عمرها. ترتدي ملابس سوداء اللون، لم يتمكن من رؤية وجهها جيدًا، أو هي أرادت ذلك بعدما وضعت على حجابها إسْكَارْف أسود اللون بإهمال حتى يخفي ملامح وجهها.

لم يبالي بها وجلس بثقته المعتادة يفكر بخطة للقضاء على مافيا متنقلة بين مصر ونيويورك، مقرها الأساسي لا يعلم إلى أي دين ينتمون، كل ما يعلمه أنهم جنى وهو من سيضع لهم خط الهلاك. على جواره كانت تجلس بحزن ونحيب على مصيرها المجهول بعدما أعلنت رغبتها بانتهاء السيطرة الكامنة عليها، فهربت تاركة كل شيء خلفها بأمر من والدتها.

نعم، تعلم أنها تتحدى الموت بذاته، فهي تعلم بقوة خطيبها المزعوم وتعلم ما بأمكانه فعله، ولكنه ستلوز بالفرار حتى تهرب من رغبته المريضة بالحصول عليها. كم تمنت أن تحظى بأخ يحميها بعد والدها من براثين ابن عمها، ولكنها وحيدة، لم تمتلك سوى والدتها العاجزة عن حمايتها بعد وفاة زوجها، فتركهم لعم يوافق ابنه المريض بنزواته حتى ولو كانت ابنة أخيه ستكون من ضمن ضحاياه.

بكت كثيرًا عندما تذكرت والدتها وهي تحتضنها أمام المطار وتخبرها بالهرب كلما استطاعت. انقبض قلبها لمجرد التفكير بتمكنه من الوصول إليها، لا تعلم بأن هناك مشيئة للقاء مع وحش خلق للدمار، فمن هم للتجرؤ على الوقوف أمام وحش ثائر. مرت الدقائق وبكائها يزداد، فأخرجت من حقيبتها مصحفًا صغيرًا تحتمي به، ترتل بخشوع ودموع تهبط بصمت.

أما هو، فكان يرتدي نظارته السوداء التي تخفي جمال عينيه الفتاكة لمن يراها، عين ممزوجة بلون البني والعسل بحرافية ربانية، يفكر بالثائر ممن فتك برفيقه. ولكنه فقد تركيزه حينما بدأ قلبه يغزو بقوة، كأن آلة حادة تطعن به، لا يعلم ما به؟ أو لما يشعر هكذا؟ لا يعلم أن عشقه المجهول لجوارها فقرب الوقت لينال علقم العشق، حينها يلتمس لابن عمه العذر. *** بالمشفى، خرج عمر من غرفة العمليات بعدما أنجز الجراحة بدقة عالية. إسلام:

"برافو عليك يا عمر، الحالة كانت هتروح مننا." عمر بهدوء: "الحمد لله يا إسلام، ربنا كتب له عمر جديد." إسلام بتأييد: "ونعم بالله. أنت هتروح؟ أرتدى عمر جاكيته الطبي قائلاً بنفي: "لا، هطلع أشوف الحالة اللي جيت إمبارح عشان أحدد لها المعاد المناسب للجراحة." إسلام: "يا بني روح ارتاح شوية، هي الدنيا هتطير؟ عمر بصدمة من حديث رفيقه: "أروح أنام وأسيب المرضى كدا؟ إسلام:

"يا بني هو حد هيحاسبك، دي مستشفى خاصة وبتاعت جنابك وكمان إيه بالمجان." هبط عمر الدرج بعدما تسلق أول درجاته قائلاً بغضب جامح: "عشان المستشفى بتاعتي وبالمجان أسيب الناس تموت يعني؟ تحدث سريعًا: "لا مقصدش بس... أسقطه عمر بحزم: "انت شغال هنا وبتآخد مرتبك، شوف شغلك أحسن لك يا إسلام." وتركه عمر والغضب يتغلل بعينيه، فصعد لمكتبه أولًا يهدئ ما نزعه رفيقه. جلس على المقعد بأهمال. استمع لصوت هاتفه، فرفعه ببسمة واسعة. عمر:

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وحشتيني أوي يا ماما." على الجانب الآخر كانت تجلس على الأريكة بحماس لسماع صوت ابنها، فقالت بفرحة: "وأنت كمان وحشتني يا روح قلب ماما. أهم حاجة طمني عنك." عمر بمرح: "أنا الحمد لله والله. مش ناوين ترجعوا بقى؟ ولا الحب خدك من عيالك؟ ألتقط الهاتف منها بعدما احتضنها بعشق. ياسين بثبات وعين لامعة بعشقها: "وانت مالك يالا." عمر بصدمة: "بابا!!! ياسين بسخرية:

"اتفا جئت ولا كنت متوقع إني هسيبك تخلس عليها؟ أجابه عمر مسرعًا: "لا أبداً والله، أنا أقدر برضه." ياسين: "طب يلا على شغلك يا دكتور." آية بصراخ: "لا يا ياسين متقفلش، عايزة أطمن على الولد." أغلق ياسين الهاتف قائلاً بغضب: "اتطمنتي وكلمك؟ عايزة إيه تاني؟ كبتت ضحكاتها قائلة بجدية: "كنت هسأله عن عدي." وضع ياسين الهاتف على الطاولة ثم استدار لها بسخرية: "على أساس إن حد بيعرف ابنك فين؟ تعالت ضحكاتها، فرفعت ذراعيها

حول كتفيه قائلة بثقة: "أيوا، في ياسين الجارحي بنفسه عارف كل حاجة." ابتسم بسمته الهادئة قائلاً بغموض: "أغريني وأنا أقولك." انفجرت ضاحكة حتى تورّدت وجهها، فلم تستطيع السيطرة عليها وجلست على الأريكة: "مفيش فايدة فيك، هتفضل زي ما أنت." تعالى الصوت بالغرفة قائلاً بضحكة عالية: "نسيت تقفل التليفون يا والدي؟ ههههههه." رفع ياسين الهاتف قائلاً بغضب: "ماشي يا زفت، بس أما أرجعلك بس." عمر بمرح: "طب وأنا ذنبي إيه بسسس يا حاااج؟

الله يخربيت التليفونات على بيت اللي اخترعها." ياسين بحزم: "اقفل يا حيوان." عمر: "ههههه، حاضر." وأغلق عمر الهاتف، ثم خرج ليباشر عمله. بينما خجلت آية كثيرًا مما حدث. ياسين بغضب: "عجبك كدا؟ آية: "هو أنا اللي سبت الفون مفتوح. المهم عدي فين؟ جلس لجوارها على الأريكة قائلاً بتأفف: "ابنك مش ناوي يجيبها لبر. مش عارف طالع لمين، أنا مكنتش كدا." آية بشك: "نعم؟ أنت كنت أسوأ من كدا." نظرة منه جعلتها تتراجع سريعًا:

"لكن دلوقتي بقيت لطيف." لم تتبادل نظراته، فأسترسلت حديثها: "جدًااا." ابتسم الغامض واحتضنها بعشق جارف لم يتبدل بعد. *** بالمقر الرئيسي، كان رائد يتابع عمله إلى أن دلف جاسم ومعاه العقد الخاص للتوقيع، فقدمه له قائلاً: "رائد، الملف أهو، بس فاضل توقيع ياسين وعمي." أشار له رائد وحمله منه يتفحصه بتعجب: "بس دا ملف صفقة الحديد." جاسم بزهول: "وريني كدا... لا أنا جبت الملف غلط، هرجع أجيبه قبل الاجتماع." رائد:

"خليك في اجتماعك، هروح أنا أجيبه." جاسم: "أوكو." خرج لقاعات الاجتماعات وتوجه رائد لبئر الأوجاع من جديد. *** بالمشفى، أنهى عمر عمله، فرفع الهاتف قائلاً بتأفف: "كل دا عشان ترد؟ ياسين: "يابني أنا كنت باجتماع ولسه مخلص حالًا." عمر: "طب خلص شغلك وعدي عليا أنت ورائد والشباب نخرج نتعشى بره." ياسين: "اوك. شوف حازم، خليه يجيب مروج وأسيل ومليكة وداليا، نجبلهم الأكل وراهم امتحانات." عمر بسخرية: "دول اللي هيقعدوا بالبيت؟ ياسين:

"ههههه، والله هنشوف." عمر: "تمام، سلام." ياسين: "سلام." وأغلق عمر الهاتف، فصدم حينما اقترب من الصوت المرتفع بالاستقبال ليرى ما يخفى بعيدًا عنه. المرأة ببكاء: "طب يا بني أديني بس دقيقتين، والله ما هاخد من وقته أكتر ولا أقل." العامل بصياح: "أنتِ مبتفهميش يا ست أنتِ؟ قولتلك عمر بيه مش فاضي، خلصنا." بكت المرأة كثيرًا ولم تعلم إلى أين ستذهب بابنتها، فتوجهت للخروج، ولكنها توقفت حينما وجدت من يجذبها برفق للداخل.

جذب عمر المقعد وأجلسها عليه، ثم انحنى ليجثو على ركبته مقبلًا يدها وماسحًا دمعاتها تحت نظرات استغراب من المرأة ونظرات صدمة العامل. عمر بحنان: "تحت أمرك يا أمي." بكت المسنة أكثر ولم تعلم من أين تبدأ الحديث، فألتمس لها العذر وعاونها على الوقوف حتى يتوجه لمكتبه، ولكنه استدار بوجهه للعامل قائلاً بنظرات الهلاك: "لو عايز تبقى على عمرك، انزل ما لقش هنا، والا يبقى أنت اللي حددت مصيرك."

أرتعب الرجل وهرول للخارج سريعًا، بينما أكمل هو طريقه للأعلى مع المرأة باستخدام المصعد. *** دلف جاسم لغرفة الاجتماعات فوجد معتز وياسين بالداخل. جلس على المقعد، فسأله ياسين باستغراب: "فين الملف يابني أدم؟ جاسم بتعب: "جبت ملف غلط ورائد راح يجيبه." وقف ياسين بصدمة: "إيه؟ انت بعت رائد الخزنة؟ جاسم بعدم فهم: "أيوا، لييه م... كاد أن يكمل حديثه، ولكنه صدم هو الآخر كحال معتز وياسين، فخبط رأسه بخفة: "لاااا."

ومن ثم هرول سريعًا راكضًا للحاق به. لم يبالي بنظرات العمال له، ولكن أسرع لينقذ رفيقه من دوامة الذكريات التي ظلت لأربع أعوام. ولكن هيهات للقدر آراء أخرى. بغرفة كبيرة للغاية تحوي ملفات هامة لصفقات شركات الجارحي، وقف رائد يتفحص الملفات بملل، ليعثر على الملف الصحيح، ولكنه تخبط بملف خاطئ فسقط أرضًا وسقطت معه دقات قلبه.

بعثرت بكل مكان بالغرفة ذكرياتها، فانحنى ليجذب صورة منهم، ثم استقام بوقفة ليحول الحنين بعينيه محو تمامًا حينما تذكر ما حدث من أربعة سنوات. دلف جاسم وهو يلهث بشدة، ولكنه صدم بأن ما حاول إخفاءه أصبح بين يديه. اقترب منه رائد والغضب يشكل عليه علامات: "إيه دا؟ تلجلج جاسم ولم يجد إجابة لسؤاله، فأكمل رائد بصوت كالرعد: "أنا مش قولت الحاجات دي تتحرق؟ أي حاجة خاصة بيها؟ جاسم بهدوء: "يا رائد، رانيا مظ...

كاد أن يكمل حديثه، ولكنه كف عن الحديث حينما اتاه صوته الجهوري: "مش عايز أسمع حاجة خلاص، الموضوع انتهى. دي خاينة استغفلتني وأنا عقبتها العقاب المناسب. مش هتعرف تتجوز الحيوان دا طول ما هي على ذمتي، حتى الطلاق مش هتعرف تطالب بيه، لأنها عارفة كويس مين عيلة الجارحي." دلف ياسين بعدما أتابع جاسم بخطى ثابت قائلاً بعتاب: "انت حكمت عليها بناءً عن إيه يا رائد؟ رائد بصراخ:

"قولتلك مش عايز أتكلم في الموضوع دا كتير. أنا طلبت منها كذا مرة تخرج الحيوان دا من حياتنا، بس هي اللي كانت بتتمسك بيه وتقول لي أخويا. بناءً عن إيه؟ هي رانيا أحمد السيوفي، وهو حمدي المهدي؟ مفيش قرابة بينهم." جاسم: "طب ممكن تهدي." رائد بسخرية: "ومين قالك إني مش هادي؟ أنت اللي تهدي وتسمعني. الحوار دا ميتفتحش تاني." "لأنك لسه بتحبها مش كدا؟

قالها ياسين بتحدٍ، فشعل الغضب بعينيه. فألقى بصورتها أرضًا وغادر بغضب يحاول التحكم بأعصابه ودقات قلبه المترنمة، فماذا لو علم بأنها تقاسي من دونه؟ ماذا لو علم بطفلته المجهولة التي لا يعلم بوجودها؟ ماذا لو جمعهم القدر مرة أخرى؟ *** وصلت الطائرة وتوجه الثعلب الماكر لشقة استأجرها باسمه المزيف ماكس، ليتمكن من الفتك بهم. فما أن خطت قدماه تلك البلاد، فشرع بتنفيذ مخططه، حتى أنه فتك بالذراع الأيمن لهذا اللعين.

أبدل ثيابه المغرقة بالدماء لسروال بني اللون وتيشيرت ضيق للغاية يبرز عضلات جسده المتين، ثم حمل سلاحه وأغلق باب شقته المستأجرة، وهم بهبوط الدرج، ولكنه وقف لثوانٍ حينما وجدها تدلف للشقة المجاورة له، فأبتسم بخفوت على تلك الصدفة الحمقاء كما نعتها، لا يعلم بأنها ستكون ملحقه الدائم للجمع بين بريئة منكسرة ووحش هائم للثائر. كان يتقدم بين الحشود بخطواته التي تشبه إنذارات لموت أحدهما، فهو مريب بطلته، من يراه يرتعب منه.

كان عدي يتوجه لسيارته بعدما قضى على عدد من مخبآتهم، استدار عندما شعر بأحد ما يتابعه، ولكن من هو هذا الأحمق الذي كتب رسائله الأخيرة بوداع وترك لـ Fox التوقيع؟ ابتسم بخبث لمصير هذا الأحمق. التفت لتجد المكان فارغًا ولا أثر لوجوده، فخرجت من مخبأها تبحث عنه لتصرخ بفزع عندما تجده أمامها بنظراته المفترسة التي تشبه نظرات الثعلب الماكر. تلك الحمقاء تخفي أشياء عظيمة، ولكن من هي أمام عدي الجارحي؟ (الحوار مترجم) عدي بغضب عندما

تذكر رؤيتها بمصر من قبل: "ألم يحن وقت استسلامك؟ نيروز بابتسامة مرحة: "لا، لم يحن بعد، بطلي الخارق." شدد عدي من قبضة السكين على رقبتها قائلاً بجدية لا تحتمل أي نقاش: "اسمعيني جيدًا يا فتاة، الموت مصاحب لي، فلا تتابعيني حتى لا يكون مصيرك." ابتسمت له وقالت: "سيكون من أسعد ما يكون الموت بين يدك عزيزي." تركها عدي وزفر بغضب شديد، ثم أعاد السكين لملابسه المحملة بأسلحة كثيرة قائلاً بصوت منخفض:

"يا ربي، أعمل إيه في البلاوة دي." صدمت نيروز وتقدمت منه قائلة بتعجب: "إيه دا؟ أنت بتتكلم عربي؟! نظر لها بنظرات غامضة ثم قال: "مفاجأة، مش كدا؟ نيروز بضحكة كالبلهاء: "جدًااااا. هو أنت إزاي بتتكلم عربي؟! تقدم منها عدي والغضب يسكن عينيه: "أي كان لغتك أو من إيه بلد أنت، افهمي كلامي كويس. لو شوفتك ورايا تاني حتى ولو بالصدفة، صدقيني دا اللي هيتكلم مش أنا."

وأخرج السلاح ثم صوبه عليها وأعاده مجددًا، ثم توجه لسيارته بعدما ارتدى نظارته التي تزيده وسامة وجاذبية وتجعله بالفعل يستحق لقب الثعلب، فهو خادع بمظهره الخادع ووسامته التي تجعله يتمكن مما يريد. صعد لسيارته وغادر بسرعة رهيبة. أما هي، فأبتسمت قائلة بخبث: "كنت متأكدة إنك مش هتسكت على موت صاحبك وهتيجي بنفسك، ودا المطلوب. أهلا بيك يا سيادة الرائد."

وأخرجت سلاحها وهي تنظر له بغموض وفرحة لتحصل على قصاص قتل والدها بعدما قتل على يد ضابط أدى مهامه على أكمل وجه، لا تعلم بأنه ماكر وهو من قام باستغلالها للوصول لعمها، الرأس المدبرة للمافيا. *** بالمشفى، عمر بصدمة: "معقول في كدا؟ المرأة ببكاء: "وأكتر يا بني. ناس معندهمش ضمير، خبطها بعربيته وجرى، وبنتي بقيت عامية من يومها. سابت دراستها وكل شيء، وأنا مريضة بالقلب، لو عشت لها النهاردة مش هعيش لها بكرة." قاطعها عمر بحزن:

"بعد الشر عليكِ يا أمي." المرأة ببسمة مزيفة من وراء دموع أوجاعها: "أنا كل اللي طالباه منك تساعد بنتي ترجع لنظرها. أنا عارفة إن الأمل بيد الله، بس أنا معيش تمن العملية بتاعتها، وسمعت عنك وعن المستشفى." عمر ببسمة هادئة: "ربك كريم، هنعمل اللي علينا والباقي على ربنا. بس الأول نشوف حالاتك عند دكتور قلب كويس." المرأة: "لا يا بني، أنا كويسة. أهم حاجة بنتي." عمر بتصميم: "بتقوليلي ابنك، يبقى سيبيني أقوم بواجب الابن."

ابتسمت المرأة وزادت دموع الفرحة قائلة ببسمة محفورة بالوجع: "أوعدك هجي معاك، بس لما نور بنتي تخف وترجع تشوف." زفر عمر بارتياح: "خلاص موافق. الصبح إن شاء الله، هاتيها وتعالي كمان هاتِ لها هدوم وكل حاجة تخصها، وأنا هظبط الأوضة هنا في استقبالكم." فرحت المرأة وأخذت تدعو له كثيرًا والبكاء يحفل على وجهها من السعادة، حتى نقلت له جزءًا من دمعاتها. وغادرت لتسعد ابنتها الكفيفة، فلا تعلم أنها سجلت بمجهول لعمر الجارحي. ***

عاد رائد للقصر، ثم صعد لغرفته والحزن يسطر على وجهه، فجلس على الفراش يتذكر قصة العشق العتيق الذي أنهت بالزفاف، فكان الأول من بين أحفاد الجارحي من يتزوج بسن صغير قبل ياسين وعمر وعدي. تذكر عينيها الرومادية الساحرة، تذكر كيف كانت ضربات قلبه تتزايد حينما يقربها من صدره، تذكر كيف كان يحميها من القليل كأنها جوهرة من ألماس، تذكر كم كان يعشق رائحتها بجواره. تذكر الجراح الذي تركته بقلبه المطعون.

عاد عمر للقصر بعدما أخبره ياسين ما حدث، فجلس بالأسفل لجوارهم. معتز بهدوء: "رانيا مش ممكن تعمل كدا. هو لازم يسمعها رسالة على التليفون، مش دليل كافي إنها بتخونه؟ ياسين بحزن: "هو رافض يسمع لأي حد يا معتز." عمر بغضب: "لازم يسمع يا ياسين، دا مش لعب عيال، بقاله أربع سنين ومش عارف يفكر؟ زفر جاسم بغضب هو الآخر: "عمر معاه حق، أحنا لازم ندور عليه." دلف حازم بعدما استمع لحديثهم: "هو أحنا سبنا حتة إلا لما دورنا فيه؟ معتز:

"الحرس سهل يوصلها في أقل من ثانية." ياسين: "تفتكر الحل دا مكنش أسهلنا يا غبي؟ جاسم: "عمك لو عرف إننا بندور عليها هيعلقنا على باب القصر، لأنه سايب رائد يفكر ويحسبها صح." عمر بغضب: "خد فترة كبيرة ومفيش حل، لازم نتدخل بالموضوع." ياسين: "وأنا معاك." جاسم: "ربنا يسترد." حُسم القرار وصعد كلاهما لغرفته ليحسم الأمور بينهم حتى تتضح الحقيقة. *** بمنزل بسيط للغاية، كانت تتعثر بمشيتها، تحاول الوصول للباب، طارق بصوت أمها.

عيناها الزرقاء تجعل من يراها يسحر بجمالها، فيأتيها الحزن حينما يعلم بأنها كفيفة. وصلت نور للباب، ففتحته قائلة بخوف: "كنتِ فين يا ماما؟ قلقتيني عليكي." دَلفت المرأة بسعادة: "خلاص يا نور، وصلت لعمر بيه الجارحي وحكت له مشكلتك ووعدني إنه هيساعدك." نور بحزن: "تاني يا ماما؟ "تاني وتالت يا عين أمك، مش هرتاح غير لما ترجعي تشوفي يا ضنايا. بدعي ربنا بكل صلاتي يهونها علينا." ثم صمتت بوجع تحاول تخفيه بشدة وهي تتمسك بصدرها.

نور بقلق: "في إيه يا ماما؟ قالت بارتباك: "مفيش يا حبيبتي، دا بس صداع بسيط وهيروح إن شاء الله." نور بشك: "بجد؟ جاهدت التعب: "بجد يا حبيبتي، يلا ادخلي نامي عشان هنروح بكرا المستشفى." وأعانها على التمدد بالفراش وظلت هي تعافر الألم. *** بمنزل مخيف للغاية، صاح بصوت مخيف: "يعني إيه مش لقيناها؟ هي فييييين؟ الرجال بخوف شديد: "صدقنا يا بيه، قلبنا الدنيا عليها، مالهاش وجود." اقترب منه أبيه قائلاً بغضب:

"اهدأ شوية يا مصطفى، هنلقيها، هتروح فين؟ اقترب من والدتها الواقفة بهدوء تام قائلاً بصوت كالفحيح: "هلاقيها وساعتها هوريها مقامها كويس، لأنها ملكي أنا وبسس." ثم صاح بصوت مرتفع: "رحمة ملكي أنا ساااامعة." *** عاد عدي من الخارج، وخطته نفذت على أكمل وجه حينما قابل من تدعى نيروز، ليعلم الآن أنها واشك على المهاجمة بأي وقت. دلف لشقته ثم تمدد على الفراش والسلاح بيده يلهو به للمهاجمة بأي وقت.

ولكنه تفاجأ بصوت صرخات قوية تأتي من الشقة المجاورة له. فخرج ليجد مجموعة من الرجال حطموا باب الشقة في أقل من ثانية يحاولان جذب الفتاة للأسفل بالقوة، وهي تبكي وتتوسل لهم.

كاد الدخول للداخل ولكنه توقف حينما شعر بضربات قلبه المتزايدة للغاية، فرفع يديه على موضع قلبه كأنه يتأكد بأنه يعود إليه، فها هو يتمرد عليه لأجل غادة مقنعة لم يرى وجهها بعد، ها هي ثورة الوحش الثائر تتقلب عليه، ولكن هناك الكثير والكثير ليقذف عليه، ويعلم الآن أنين كأس العشق. لقاءات مفاتيح قلوب العشاق ببرحلة تملأها الغموض وسيد مفتاحها العشق المتوج.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...