الفصل 13 | من 26 فصل

رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اية محمد

المشاهدات
21
كلمة
5,236
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

حل المساء ولمع القمر بنوره الخافت ليعلن انكسار قلوب حطمها الجانب المظلم من العشق القاتل. صعدت لغرفتها والدمع يعلم طريقه الدائم على وجهها، أبت الجلوس بالأسفل ومازال يتجاهلها. هي تعشقه وتعلم جيداً ولكنها ترى نفسها لا تليق به. ربما كما أخبرها أنها لا تناسبه. أغلقت باب غرفتها بقوة ترعد الأفواه. جلست على الأريكة بأهمال تتذكر كلماته القاسية لها بحزن وألم. *** _*** بغرفة أسيل. صاح بغضب: يا بنتي فوقي من اللي انتِ فيه ده.

تطلعت له بأعين ملتهبة بحرارة البكاء الحارق ثم قالت بحزن: حتى انت يا جاسم! أقترب منها ثم جلس لجوارها قائلا بهدوء وحزن مصاحب على حالها: أيوا أنا يا أسيل عشان بحبك وبخاف عليكِ، متنسيش أنك أختي الوحيدة ويهمني سعادتك. رفعت عيناها بسخرية: سعادة! وهي السعادة هتكون بجوازي من أحمد! انكمشت ملامح وجهه قائلا بثبات: ماله أحمد؟ تعالت

شهقات بكائها قائلة بدموع: أحمد هو الإنسان الوحيد اللي بحس معاه بالراحة، أي حاجة كنت بقولها له هو، لأنه مش صديق طفولة دا أخويا، ليه ترغموه يتجوزني؟ جاسم بهدوء: مين قالك أننا أجبرناه؟ تطلعت له بحيرة من أمرها، لم تعد تفهم شيء مما تستمع إليه. رفع يديه يزيح دموعها قائلا بحزن على حالها: بلاش تفكري كتير يا أسيل، وبعدين أحمد هو الاختيار المناسب ليكي. كادت الحديث

فقاطعها قائلا بتحذير: اسمعيني للآخر. سهل أي صديق يكون زوج مثالي، لكن صعب أي زوج يكون صديق لمراته، وبعدين انتِ هتكوني معانا ببيت واحد، صدقيني يا أسيل لازم تمحي الوهم ده من تفكيرك. لم تستمع له فكانت بأسر تلك الكلمات. نعم، هي تريد العيش معهم بمنزل واحد، لا تريد الابتعاد عنه. ربما تشبع قلبها بنظراتها له. إذا مفتاح البقاء هو أحمد، هذا هو قرارها الأخير بعد تفكير عميق، لا تعلم بأنها تدعس هذا القلب بكل قسوة وجفاء.

خرجت من غرفتها ثم توجهت لغرفته. تحت تظرات استغراب جاسم. *** _*** بالمقر. أنهت عملها ثم لملمت أغراضها وهبطت للأسفل تنتظر سيارة أجرة كالعادة، ولكن تلك المرة بمفردها لغياب رفيقتها الأولى. علقت نظرها بالطريق فتأملته بلهفة لعلها تلمح سيارة. فتلبلشت حينما وجدت شاب بملامح سوقية يقترب منها. انقبضت أنفاسها ولكنها تماسكت، فما زال الليل بأوله أو كما كانت تعتقد بأنه من المحال التحدي على حدوده بمثل هذا الوقت المبكر.

ابتعدت عنه قليلا حينما بدأ الأمر بالحديث المسف، ولكنه زاد عن الحد حينما اقترب منها. سقط قلبها من محله، فحاولت دفعه بعيداً عنها بغضب ولكن لم تستطع. وما زاد صدمتها رؤية شابين آخرين لتعلم بأنهم أصدقائه بعدما أشار لهم. ركضت شروق سريعاً باتجاه المقر لعلها تجذب انتباه الحرس فيتدخلون على الفور، ولكن وجدت من يسد طريقها من هؤلاء اللعناء. استدارت بعينيها إلى أن وقعت على منشأ سكني حديث، فلم يكن هناك خيارات أخرى.

صعدت للأعلى بسرعة كبيرة حتى كادت أنفاسها تنقطع، ولكن لم تبالي. كل ما يشغلها هي الهروب منهم كما تظن. لا تعلم بأنها من قدمت نفسها كبش لهم. لحقوها للأعلى، فاختبأت خلف المعدات الملقاة أرضاً. بحثوا عنها كثيراً، فاستمعت لحديثهم وإصرارهم بالوصول لها. بالمقر. مكتب معتز. لا بجد البنت دي زودتها قوي يا ياسين. قالها معتز بغضب جامح بعدما استمع لما حدث بينه وبين تلك الفتاة.

زفر قائلا بغضب: أنا مش عارف إيه اللي رجعها تاني بعد ما خلاص نهيت علاقتي بيها. معتز بهدوء: أهم حاجة أن مليكة اقتنعت. كاد أن يجيبه ولكن صوت هاتفه صدح بالغرفة. رفع معتز هاتفه باستغراب لرؤية اسمها على شاشته، وسرعان ما تحولت لصدمة حينما استمع لبكائها. شروق ببكاء حارق: ألحقني يا معتز أرجوك. صاح بلهفة: في إيه؟ أنا جنب المقر بمسافة بسيطة في عمارة لسه مكملتش.

قالتها شروق بنبرة متسرعة، ثم التزمت الصمت القاتل حينما عثر عليها أحدهم. لم يفهم ماذا يحدث معها، فركض سريعاً للمكان الذي أخبرته عنه بقلب مسلوب من الراحة ومفعم بالقلق واللهفة. تعجب ياسين لتبدل قسمات وجهه، فأتبعه على الفور لرؤية ماذا هناك. تراجعت للخلف بخوف قاتل حتى الدموع صاحت على وجهها كالسيل. ربما تشعر بأنها النهاية، نعم نهاية ستختارها فلم تحتمل العيش وهناك بقعة عار على جبينها.

تطلعت للمسافة من خلفها بينها وبين الأرض، فرأت أنه مسافة معقولة للقضاء عليها. فرت دمعة هاربة بغضب على هؤلاء اللعناء الذين يقضوا على حياة أناس أبرياء بدون رحمة أو ضمير. تعالي يا حلوة في حضني بدل وقفتك بالشارع ده، حتى حنين عليكِ من الواقفة كدا. قالها أحدهما بعدما فرد ذراعيه اللعينة ببسمة تسلية، فتعالت ضحكات الآخرين. منظرهم المقزز جعلها تغتاظ مما تراه، ولكن الخيار سطع أمامها.

خالفها قلبها مردداً بهمس بأنه قريب منها وسيُحميها من هؤلاء الشياطين كما تراهم، ولكن رفض عقلها الخضوع أكثر، فتراجعت أكثر وأكثر. تبقت خطوة واحدة وستفتك بحياتها، فأغمضت عيناها بخوف شديد ودموع تغزو بقوة كالسيل. "شروق". لا توهمي، ذاك صوته. صوت محبوبيها. فتحت عيناها ببطء وخوف من كونه وهم، فتستيقظ على حقيقة هؤلاء، ولكنه لم يكن إلا واقع حقيقي، فهو أمامها.

أقترب منها سريعاً تاركاً لياسين زمام الأمر بعدما قضى على من يقترب منها بغل وغضب. ربما حفر اسم معتز الجارحي بذاكرته قبل الموت، فيعلم عقوبة ما ارتكبه. تطلع لها بخوف شديد بعدما تطلع لآخر خطوة بينها وبين الموت، فأبتلع ريقه بخوف ثم قال بهدوء مصطنع: خلاص محدش هيقربلك. ابتسمت وما زال الدمع اللعين رفيقها، لعلها لم تصدق أن الرابح بالمعركة هو القلب، فها هو يقف أمامها ليكون لها الحماية والأمان.

اقتربت منه بخطوات مرتجفة ثم وقفت أمام عينيه التي تحولت لغضب جامح لتحذيره لها صباحاً بأن تنتظره. ذاب الجليد وقسوة قلبه، فتطلع لمن تسكن أحضانه وتتشبث به بقوة ودموع كأنها تستمد القوة منه. تخشب محله وربما حال جسده هكذا، فجاهد ليرفع يديه يطوفها بين ذراعيه. كلما تشدد من احتضانه كلما تمرد عليه قلبه ليشدد من احتضانها. أنهى ياسين عليهم بأقل ما هو مذكور، فمن هم ليقفوا أمام هذه البنية القوية.

خرج ليرى ماذا هناك، فوجدها ساكنة بين أحضان زوجها. ابتسم بهدوء ثم قال بسخرية وصوت منخفض: شكلي هروح ماشي. وبالفعل أخرج مفاتيح سيارته ووضعها على أحد البراميل الموضوعة وغادر بهدوء بعدما كتف من بالداخل بحبل ثم طلب من حرس المقر الاهتمام بالأمر. *** _*** بالقصر. تعالت ضحكات نور ورحمة على مرح مليكة ومروج كذلك رانيا بعد أن هبطت لتبحث عن ابنتها، فحثتها شذا على الجلوس معهم. مليكة بغضب: بتضحكوا بقولكم والله البت طفشت على طول.

رانيا: ههههههههه حقها هو كل يوم حد بياكل الأكلة دي هههههههه. نور: ههههههه بصراحة يا رانيا معاكِ حق، أنا هموت وأجربها بس طبعاً مش هنا، أخلاق القصر لا تنحدر لذاك المستوى. آية: هههههههه لا يا قلبي أنا ودينا وشذى بننحدر في المطبخ ههههههههههه. شذى بغضب: اتفخس عليكي فضحتنا يا بت. ملك بزهول: يا نهاركم أسووووح من غيري. يارا بضيق: شفتي يا ملك دول مش بيحبوا غير بعضهم.

تالين: هههههههه أكيد آخر توقعاتهم أنكم بتحبوا الرنجة والفسيخ هههههههه. مروج: ههههههههههه مطلعناش لوحدنا إلا بننحدر. رحمة بصدمة: هي في ست مصرية أصيلة مش بتحب الرنجة؟!! دينا: هههههههه في رجال القصر هنا لو شموا خبر هنبأت في جناح الخدم ههههههه. نور: هههههه أنا بريئة. رانيا: هههههه لحقت تخلع يا أبو حنفي. رحمة: ههههههههههه بجد مش قادرة ههههههه. دلف رائد من الخارج فتوجه للصعود ولكنه تخشب حينما استمع صوت ضحكاتها.

أرشدته قدماه لمكانها كأنه مغيب لرؤية بسمتها التي اشتاق لها. وقف يتأملها ببسمة هادئة، فوقعت عيناه عليه فتعلقت النظرات طويلاً. قطعتها دينا قائلة بابتسامة فرح: رائد؟ تعال يا حبيبي. دلف للداخل باستغراب بعدما تعلقت نظرته بتلك الفتاة التي يراها لأول مرة. جلس بجوار والدته فقالت بسعادة: مريم فين؟ بتلعب مع حازم. قالها ونظراته متعلقة بزوجته، فخجلت للغاية من نظراته الغامضة.

آية: رائد ممكن تروح مع مليكة ورحمة ونور الحديقة، نور مشفتهاش خالص كمان خد رانيا معاك. يعلم جيداً بمحاولتها لخلق وقت بينه وبين زوجته، فأشار لها ثم قال باستغراب: مين العضو الجديد بالعائلة؟ تعالت ضحكاتهم، فقاطعته ملك: دي يا حبيبي أهم عضو، الزوجة المستقبلية لعدي الجارحي، رحمة. صدم رائد فقال بزهول: مش معقول عدي! رحمة بمرح: في إيه؟ هو كلكم بتتكلموا كأني عملت إنجاز ليه؟ تعالت ضحكات رائد،

فجعله للوسامة عنوان مميز: بصراحة عملتي أكتر من إنجاز، ومبدئياً منورة القصر. قالت بخجل شديد: بنوركم والله. مليكة بلهفة: طب يلا بقا. وقف رائد ثم قال بجدية: يلا يا ستي. وبالفعل أتبعته نور بمساعدة رحمة ومليكة ورانيا بعد إصرار دينا وآية. *** _*** بغرفة أحمد. عدي بأعين غامضة: يعني مش عايز تقولي مالك؟ أحمد ببسمة مخادعة: هكذب يعني الله، طب أعمل إيه عشان تصدق؟ قهقه بنظرة جعلته يجلس باستسلام لعلمه بأنه لم يقنعه بعد.

ابتسم قائلا بثقة: سكت ليه؟ كمل ولا ملقيتش كلامك دخل عليا! جلس لجواره على الأريكة، فكيف يخبره بأن الفتاة التي يعشقها تحب غيره وأنه المقصود! طرقت باب الغرفة ثم دلفت لتجده يجلس بالداخل. تعلق نظره به بشيء من الأنين، لا ترى من يتراقبها بألم ووجدان. تطلع لها عدي بحزن ثم غادر الغرفة بعدما استأذن للانصراف. عيناه تأبى تركه، فتأملته إلى أن تخفى من أمامها. لم ترى من يتأملها بحزن هو الآخر. أشاحت نظراته عنه، فالتزمت بالصمت قليلاً

ثم خرج صوتها قائلا بضيق: أنت عايز تتجوزني ليه؟ تخلت عنه الكلمات، ولكنه حسم الأمر بأنها لن تكون ملكه بيوم ما، فخرج صوته الثابت: ده جزء من الصداقة يا أسيل. انكمشت ملامحها بعدم فهم، فأكمل هو بهدوء: عمي قال أنه هيجوزك للشخص المناسب، وأنا عارفك كويس، استحالة تقبلي بحد، فمش هقبل تعيشي في الخلاف ده كتير، ومتأكد أن نهايته هتكون تنفيذ كلامه. اقتربت منه بفرحة كبيرة ثم رفعت يدها

على يديه الموضوعة بسعادة: يعني أنت هتفضل صديق طفولتي على طول! رفع عيناه يتأمل فرحتها ببسمة فرح ثم ردد بصوت منخفض: على طول يا أسيل. احتضنته بسعادة، فرفع يديه يربت على كتفيها وبداخله نيران تتأجج، ولكن عهده لها أنه سيظل جوارها لنهاية المطاف يلزمه به. *** _*** بغرفتها تشكو له عما بصدرها، لا مانع من الانهيار، فهو الملجأ لها. شكت له عن أنين قلبها، شكت له حماقتها وعدم امتلاك الثقة الكافية لإقناع ذاتها.

أنهت لقاءها مع الملك ثم لملمت سجادة الصلاة بوجه ممتد بالدمعات، ثم جلست على المقعد تتذكر حديثه القاسي. وقف أمام غرفتها بتردد، فرفع يديه حتى يطرق كحال قلبه الطارق بقوة له، ولكنه أطبق على يديه بقوة ثم هبط للأسفل تاركاً داليا بحالة من الانهيار. *** _*** بالأسفل. كانت تتأمل الحديقة بإعجاب شديد، ولجوارها نور التي تتسلل رائحة الزهول أنفها، فأبتسمت لرؤيتها الحديقة بأكملها.

خطت رانيا معهم وهي شاردة بذكريات العشق لها بذلك المكان، فكانت تتأمل رائد بشرود، وحينما تتقابل عيناهما كانت تهرب سريعاً، فيبتسم بخبث. جلست رحمة ومليكة ونور على الطاولة تتناقشان الحديث المرح، فكانت سعيدة للغاية باختيار عمر وعدي لتلك الفتيات الرقيقة. لمعت عيناها بفرحة حينما رأت ياسين يقف على مقربة منها، فتركتهم وتوجهت إليه حينما أشار لها بيديه.

تأملتهم رحمة بتعجب من ذاك الشاب، ولكن لم تتعجب لعلمها بأن هناك الكثير التي لم تلتقي بهم. مليكة بخجل: نعم. حل بالصمت وتأملها باهتمام ثم قدم لها حقيبة صغيرة مغلقة. تناولتها منه قائلة بتعجب: إيه ده؟ ابتسم قائلا بسخرية: كنت راجع من غير عربيتي، ففكرت أعمل شوبنج خفيف وأفتكرتك معايا بشوكلا. مليكة بفرحة: بجد شوكلا ليااااا أنا. ابتسم قائلا بخبث: هو مش كل اللي في الشنطة شوكلا. مليكة بلهفة: طب هفتح أشوف هنا. وضع

يديه على يدها قائلا بمكر: بلاش هنا. أردفت بعدم فهم: ليه؟ ابتسم قائلا بخبث: أوك براحتك. وبالفعل فتحت الحقيبة، فأبتسمت بسعادة لرؤية الشوكلا المفضلة لديها، ثم تحولت نظراتها لخجل شديد حينما رأت باقي محتويات الحقيبة. تطلعت له فوجدته ابتعد عنها، ثم استدار قبل الدلوف للداخل وعلى وجهه ابتسامة تسلية لرؤية وجهها المشابه لحبات الفراولة الحمراء.

جلست رانيا على الطاولة التي تبعد قليلاً عن طاولة نور، ترى بعينيها أكثر ذكرى لها معه هنا، نعم كانت هنا بالتحديد حينما كانت تتخفى منه بذلك المكان خلف الزهرات. تتذكر حينما خبأت الهدية المميزة له بجوار أحد الزهور تحت طبقة من إحدى الطبقات، فكانت تعد لإخباره ولكن بطريقة تحمل المشقة. اقتربت من المكان بدموع وهو يتراقبها من بعيد، ثم انحنت تزيل الطبقة التي تحولت لطين يحفظ جذوع الأزهار، فأزالتها بحرص وأزالت العوائق لتصل إليها.

حملته بين يديها الصندوق الملوث بتراب السنوات التي قضتها بعذاب وقلب يشبه لون الصندوق، ثم فتحته بعد معاناة لتجد ذاكرها به. أقترب منها رائد ونظرات الاستغراب لما تفعله تحل فسمات وجهه، فرفع ما بيدها ليجده صندوق مزين باسم رائد، فتحه ليجد ورق مقسم على هيئة جمل صغيرة، الأولى كانت كلمة مأخوذة: "بحبك". الورقة الثانية: "انت أحسن حاجة في حياتي كلها". الورقة الثالثة كانت أكبر صفعة لرائد: "أنا حامل".

لمع الدمع بعيناه، فحطم هو مخططه الجميل الذي أصبح بين يديه ملوثاً بالطين. لم تقوى على الوقوف كثيراً، فتركته ودلفت للغرفة المقابلة له الممتلئة بأزهار نادرة، فأقتربت من الصنوبر وأزالت ما بيدها، ثم توجهت لدلوف القصر الداخلي من الباب المقابل لها كمحاولة للهرب منه، فهو يقف بالحديقة. أقتربت من الباب الداخلي ولكن ذراعيه كانت الأقرب لها. أبعدت

يديه عنها قائلة بدموع: عشان خاطري يا رائد، خرجني من هنا، أنا عارفة أنت ليه عايزاني أفضل هنا شهر، بس صدقني أنا مش قادرة. تعالى صوت بكائها المحطم لقلبه، فكأنه ذبح بخنجر مسنون، لم يقوى على الوقوف طويلاً، فوضع ما بيده قائلا بنبرة تحمل الجدية: خلاص يا رانيا، أنا مش هقبل أشوفك كدة. تهرب من نظراتها قائلة بصوت مكبوت: ورقة طلاقك هتوصلك أول ما أخرج من هنا.

وتركها وخطى للخارج بخطى متثاقلة يشعر بأنه كلما يتجه للخارج كأنه يقترب من الموت. لم يتمالك نفسه، فلعنات الظلم والانكسار اخترقت حوائط قلبه، فهبط الدمع الساخن من عيناه على فراقها. نعم فعل ما بوسعه ليجعلها تغفل عما فعله، توجه للخارج وقدماه تتثاقل شيئاً فشيئاً، فحمد الله كثيراً حينما خرج، فاستند بجسده على باب الغرفة من الخارج، مغلق عيناه بقوة لعلها تحتمل الألم.

تترنح خصلات شعره الغزير بفعل الهواء البارد، فتمنى أن تغزو هذا القلب المشتعل فتهدأ من اشتعاله. ما أن اختفى من أمامها حتى صدحت كلمته بالطلاق بعقلها، لم تستوعب ما سمعته، فهرولت بسرعة للخارج والدموع تغزو وجهها. لم تعد تعلم ما يريده ذاك القلب. كان يتلهف للحرية من معتقل هذا المغرور، وما أن حصد الحرية تمرد عليها؟ ركضت للخارج وصوتها يصيح باسمه عالياً "رائد……." "رائد"………."رائد". قالتها بصوت متقطع كمن تسارع للحياة.

لهثت من الركض فوقفت تتطلع للحديقة بصدمة لعدم رؤياه، فرفعت يدها تحتضن وجهها، سينفذ ما تفوه به؟ هل ستتحرر رابطة عشقهم لتنال لقب مطلقة؟ لم تحملها قدماها، فجلست على الأعشاب تبكي بقوة وألم. عيناها تتأمل المساحات الواسعة من هذا القصر الشاسع لعلها تلقطه فتتمكن من إيقافه. أحنت وجهها أرضاً بيأس، لتستمع لصوته المحطم كحالها: لسه بتكابري يا رانيا؟

استدارت بوجهها بلهفة لتراه يستند بجسده على الحائط، يتطلع للأعلى كأنه شارد، البسمة البسيطة تزين وجهه بسخرية حينما استمع لصوتها تناجي اسمه بأستماته. ابتسمت حينما رأته أمامها، فكانت كالمجنونة تبكي وتضحك بآن واحد، إلى أن قطعت ما تبقى بينهم، فوقف تتطلع له بغضب أنهته بالركض لأحضانه لتجده مرحب بها. أحتضنها بقوة فقالت بدموع: ما تبعدش عني أرجوك. لو أقدر كنت عملتها من سنين.

قالها بحزن بعدما تطلع لعيناها، فكم كان يود خيانتها أو حتى الزواج حتى يكوي قلبها، ولكن لم يستطع ذلك. تلون وجهها بالغضب، فأحتضنها مجدداً قائلا بعشق: مش هزعلك تاني أوعدك. ابتسمت بخفوت وأستكانت بأحضانه إلى أن حملها للأعلى من الباب الداخلي. بالخارج. نور بابتسامة صغيرة: بس يا ستي دي حكايتي مع عمر من الأول لحد ما اتجوزنا. رحمة بهيام: لا جامدة بجد. تعالت ضحكات نور قائلة بسخرية: هو أنا بحكيلك مسلسل! جامدة إيه؟

ابتسمت قائلة بتأكيد: عجبتني والله وبعدين منطقية جداً ومش زيي. تملكها الفضول فقالت بلهفة: دورك بقى. رحمة بخبث: ما بلاها. نور بغضب: هو إيه اللي بلاش أحكي يا بت. تعالت ضحكات نور، فما أن تقابلت معها حتى شعرت بأنها تعرفها منذ أعوام، وبالفعل قصت لها كل شيء ليحل الصمت على الطرفين، فربما الطبيعي لرحمة الصمت بعدما قصت لها ما حدث، فهي الآن بمرحلة الانتظار على عكس نور التي أثارت الصدمة ما تبقى بعقلها.

فقالت بسخرية: يا بنت الأيه والله تنفع راوية خيالية، دانا صدقتك. تعالت ضحكات رحمة قائلة بجدية ألتمستها نور: بس دي الحقيقة يا نور. زادت صدمات نور فرددت بهمس: سبحان الله. ثم صاحت: لا بصي أنا هرجع أوضتي أحسن وبدون مساعدتك. تعالت ضحكات رحمة وهي تتراقبها تحاول التوجه للداخل، فلحقت به والأبتسامات تنهل عليها قائلة بصعوبة: يا نوررر استنى. لم تستمع لها وكادت السقوط لتجد يد سريعة لها. عمر بخوف: إنتِ كويسة؟

نور بسخرية: بعد اللي سمعته. عمر باستغراب: سمعتي إيه؟ رحمة بابتسامة بسيطة لرؤية عمر: ما سمعتش حاجة ولا إيه يا نور. نور بسخرية: والله على حسب. أعانها عمر على الجلوس ثم جلس جوارها وعيناه تأبى تركها، فربما كان دليل قوي لرحمة عن عشقه المتيم، فقالت بخجل: أنا هدخل أشوف عدي يوصلني عشان الوقت اتأخر. نور بحزن ملحوظ لها ولعمر: بالسرعة دي؟ رحمة ببسمة مرحة: الله أنتِ من شوية مكنتيش طايقني.

بالعكس حبتك جداً يا رحمة، أول مرة أستريح لحد كدة. قالتها نور بدمع صادق، فأسرع عمر بالحديث: طب ما تخاليكي معانا يا رحمة. رحمة بخجل: مش هينفع. أتى صوت من خلفها: ليه يا رحمة؟ استدارت لتجد ياسين الجارحي أمام عينيها، فأرتبكت للغاية لسماعها عنه الكثير. وقف عمر قائلا بابتسامة واسعة: مساء الخير يا حاااج. ضيق عيناه بغضب شديد، فصمت عمر على الفور. أشار له ياسين فعلم ما يريد وأنسحب على الفور. جلس ياسين على المقعد قائلا بابتسامة

لم تفقد جاذبيته بعد: واقفين ليه؟ اتفضلوا. اقتربت رحمة منهم وجلست على المقعد كما أشار لهم ياسين، وكذلك جلست نور يستمعان له باهتمام لمعرفة ماذا هناك. حل الصمت قليلاً ثم خرج صوته الثابت: أنا وزعت الحيوان ده عشان نعرف نتكلم براحتنا. ابتسمت الفتيات

فأكمل حديثه قائلا بهدوء: فترة 20 سنة من حياتي كانت كافية تخليني أشوف نفس الطريق بعيون أولادي الاتنين. عمر كنت بشوف فيه الشهامة والرحمة الغريبة لأي حد سواء من قريب أو من بعيد. عدي كنت بشوفه أسوأ مني بمراحل، عمري ما لمحت في عيونه حب أو تفكير بالحياة، كل تفكيره كان شغل وبس. منكرش أنه بيشبهني بطباع كثيرة بس مقدرتش أغير فيه حاجة منهم. انتوا خليتوني أشوف أولادي من جديد. نظرة الحب وتغير عدي كان بالنسبالي شبه مستحيل، عشان كدا كنت دايماً بوفرلهم كل حاجة بدون ما يحسوا بيها.

تطلع لنور ثم قال بحنان: نور وجودك معانا هنا فرق معانا، إحنا مش معاكي عشان كدا عايزك تختاري اللي يناسبك أنتِ مش اللي تختارييه عشان غيرك. كانت رسالة واضحة لها. فأستدار لرحمة التي تنظر له باستغراب وإعجاب: وانتِ يا رحمة خلاص مصطفى ده مش هيديقك تاني، لأن ببساطة وقع في طريق اللي مبيرحمش، وخاصة بعد اللي عرفته عنه واللي عامله فيكِ ووالدتك الحمد لله ابتدت تستعيد وعيها، يعني خلاص مفيش حزن تاني ولا إيه.

ابتسمت قائلة بخجل: بجد مش عارفة أقول لحضرتك إيه. قاطعها بحزم: مفيش بنت بتقول الكلام ده لوالدها، والا إيه؟ ابتسمت بسعادة هي ونور، فبالفعل ما زال ياسين كما هو. ختم حديثه بأنها ستظل معهم إلى أن يتم عقد القرآن والزفاف مع أحمد ومعتز. بالقصر. هبط عدي يبحث عنها فوجد عمر يتخفى خلف الستار. عدي باستغراب: أنت بتعمل إيه عندك؟ لقيت الإزاز عندنا متوسخ فقولت أنضفه. قالها بسخرية ثم صاح: بشوف ابووووك ناوي على إيه؟

انكمشت ملامحه بعدم فهم، فأكمل عمر بخوف: بقاله ساعة قاعد مع نور ورحمة معرفش بيقولهم إيه؟ أنا شاكك يكون بيقنعهم يسبونا. رمقه عدي بنظرة قاتلة ثم غادر بصمت قبل أن ينهي حياته. *** _*** بغرفة مريم. أحبت حازم كثيراً حتى أنها غفلت على يديه، فحملها للفراش وظل جوارها يتأمل الفراغ بشرود في تلك الفتاة. يتذكر كيف رفع يديه على وجهها بقوة. يتذكر دموعها الغزيرة ونظرتها القاتلة.

فصدح هاتفه برقم رفيقه الذي أخبره القدوم لشققته على الفور. تعجب حازم من تأخر الوقت وسرعة حديثه، فأنصاع له وأخبره أنه سيأتي على الفور. لا يعلم بأنه سيشهد ضحاياهم بيده، فربما يقتلع قلبه لرؤيتها لقمة سائغة بينهم. ولكن هل سيصبح من صفهم أم سيتمرد ليصبح ضحية؟ *** _*** وقفت السيارة أمام منزلها والسكون ما زال مخيم عليهم. هو يحاول التحكم بنبضات قلبه، وهي تفكر بما حدث وكيف لجأت إليه سريعاً.

انتبهت لوقوف السيارة فرفعت عينيها تتأمل سكونه بحزن ثم جذبت حقيبتها وهمت بالهبوط، ولكنها صرخت ألماً حينما وقفت على قدميها المجروحة بشدة من ركضها. صاحت بألم: اااااه. هبط سريعاً ليقف بالقرب منها، فأستندت عليه رافعة قدمها بألم. معتز بلهفة: في إيه؟ حاولت الحديث فقالت بصوت متقطع من الألم: رجلي اتجرحت. حملها بين يديه للسيارة مرة أخرى، فشُهقت بخجل من الناس حولها. صعد للسيارة هو الآخر ثم توجه لأقرب طبيب.

شروق: مش مستاهلة دكتور. لم يبالي بحديثها وحملها للداخل، وهي تتأمله بفرحة وسعادة. نعم، من طريقته تشعر بأنه يعشقها مثلما تعشقه، لا تعلم بصراعه بين قلبه وعقله المشحون بالثائر. *** _*** بغرفة ملك. دلف ياسين للغرفة بعدما استمع أذن والدته للدلوف، فدلف ليجدها تجلس على الفراش بفرحة ما أن رأته. ملك بسعادة: تعال يا حبيبي. دلف بعدما قبل يدها ثم جلس جوارها قائلا بمشاكسة: لقيتك لسه صاحية على الفيس فقولت أجى أقرفك شوية.

تعالت ضحكات ملك قائلة بضيق مصطنع: في حد يقرف مامته العسل دي. ياسين: يعجبني ثقتك بنفسك يا لوكة. ملك بغرور مصطنع: أكيد أنا لو مكنتش حلوة كنت هتطلع حلو لمين. تقصدى أنا أبوه مش حلو. قالها يحيى بتذمر بعدما دلف للداخل. همس لها ياسين بخبث: أوبس وقعتي. أجابته بنفس مستوى الصوت: مش أنا اللي أقع، أبوك بيحبني ومش هيزعلني. تطلعت له فأشارت بغرور، فتعالت ضحكات الثلاث. *** _***

صعدت رحمة مع نور لغرفتها بعدما أقنعها ياسين بالمكوث بالقصر. لم تذق النوم، فكان قلبها ينبض بقوة كأنه يستمع لنبض معشوق الروح، فتأملت نور الغافلة لجوارها ثم خرجت للشرفة بعدما ارتدت حجابها. وقفت تتأمل الحديقة بإعجاب إلى أن لمحت السلم الجانبي لحديقة أخرى غير الرئيسية. تملكها الفضول، فهبطت لترى ماذا هناك.

كانت حديقة منفصلة عن ولها باب جانبي مزين بجذوع. دلفت منه لتجد حديقة أخرى ودرج يؤدي لغرفة، وبالحديقة باب يؤدي لغرفة أخرى، فتيقنت أن لكل غرفة حديقة خاصة به والوصول إليها عبر درج الغرفة. ما لفت انتباهها تلك الحديقة المميزة، فلما يكن بها حشائش ولا أزهار، كان بها حمام سباحة كبير للغاية. نبض قلبها بقوة لتعلم بأنها أمام غرفة معشوق الروح، فأبتسمت بخجل لتأكدها بأنه يقف خلفها، فقلبها يفضح خطاه. *** _***

وصل حازم للشقة المنفردة الخاصة برفيقه. فطرق الباب ففتح على الفور. حازم بضيق: إيه يابني جايبني على ملا وشي ليه؟ ثم صاح بزهول حينما رأى أصدقائه بالداخل: إيه دا الفريق كله هنا. رفع نادر كأسه المعبأ بالمحرمات قائلا بتلذذ: مش عايز تشوفنا والا إيه؟ جلس لجواره قائلا بتعب: أشوفك بالوقت ده والله لو أعرف إن ده الموضوع مكنتش عبرتكم. نادر ببسمة خبث: لا مش ده الموضوع، فيه أهم. استند برأسه على المقعد قائلا بنوم: الأ هو؟

نار ببعض الغضب: البنت اللي قلت أدبها معاك لازم نربيها عشان عملت كدا. حازم بلا مبالاة: الموضوع خلص خلاص يا نادر. لا مخلصش. قالها رفيقه بعدما أغلق الباب. كاد حازم أن يجيبه ولكنه استمع لصراخ مكبوت يأتي من الداخل. صدم وهو يتتابع الصوت إلى أن وقعت الصدمة على عتاقه، فوجدها مقيدة بأحكام على الفراش تبكي بقوة وتحاول تحرير يدها وهناك من بالغرفة يزرع الكاميرات. تطلع لهم بصدمة: انتوا اتجننتوا؟ إيه ده.

دلف نادر وهو يرتشف الكأس وعيناه تتأملها قائلة بطريقة مقذذة: مبدأناش من غيرك، لازم نعلمها مين هو حازم الجارحي. تعالى صوت بكائها المكبوت وهي ترى أمامها أربع لعناء فقدوا عزاء الأخلاق، وأكثرهم هذا المغرور لا تعلم بأنه المجهول لها. صاح بغضب: انتوا مجانين أزاي وصلت بيكم الحقارة للدرجة دي! أنا مش هسمحلكم بالقرف ده. وتوجه حازم ليحل وثاقها ولكن جذبه نادر بصدمة: بعد اللي عملته فيك؟

حازم بسخرية: وأنت مالك كنت وصي عليا، وبعدين تعال هنا أنت مين عشان تخطف الناس وتجردهم من مشاعرهم بالطريقة الزبالة دي. واضح إنك نسيت نفسك ومحتاج اللي يفوقك. تعالت ضحكاته التي أوضحت معدنه الرخيص، ثم صاح به قائلا بنبرة

مخيفة لنسرين الباكية: أنت صح، بس وفر طاقتك للجاي. أنت هددتها قدام الكل إنك مش هتخليها تخطي الجامعة تاني، وإحنا هننفذ. هناخد اللي عايزينه وبعدين هنخلص عليها. ومش بس كدا، كل الأدلة اللي هنعملها هتكون ضدك أنت عشان تقضي عمرك كله بالسجن وأكون سويت حسابي مع الزبالة دي، محدش قدر يرفضني غيرها. هنشوف دلوقتي هتعرف تدافع عن نفسها إزاي؟ حازم بصدمة: أنا مش مصدق نفسي؟

تعالت ضحكات نادر بعدما أشار لرفيقه، فاقترب من حازم وقيده هو والآخر واستمر هو بالتقرب من تلك الفتاة المسكينة. فكان خطأها الوحيد أنها قالت "لا"، كلمة قالتها لشاب وضيع أرد أن يغضب الله ويمسد الأخلاق، فكانت عاقبتها الوقوع بعرينه وعرين اللعناء. ولكن مهلاً، لم يعلم ما يخطط له حازم، فبنهاية الأمر الجارحي لقب نسب إليه وهو ليس للضعفاء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...