الفصل 12 | من 26 فصل

رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اية محمد

المشاهدات
18
كلمة
4,229
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

أسرع خلفها وقلبه يتحطم كلما أبتعدت عنه. تلقى صدمات متتالية حينما وجدها تعبر الطريق ولم ترى السيارة القادمة. بغضب كأنها في سباق مع الزمن القاسي، صاح بلهفة وخوف: _مليكة! كانت تركض كأنها تهرب من واقع مرير لم ترد تصديق ما استمعت إليه منذ قليل. شعرت بإضاءة قوية تشوش رؤيتها، فرفعت يدها على عينيها حتى تتمكن من الرؤية. تصنمت في مكانها حينما وجدت السيارة تقترب منها فعلمت أن لا مفر من مصيرها المحتوم.

على الجانب الآخر، كان يهبط من سيارته بعدما أعطى المفاتيح للحارس. فتوجه للداخل ولكنه تصنم في مكانه حينما وجد ابنة عمه تركض بسرعة كبيرة والبكاء حليفها. حتى ياسين يركض خلفها بلهفة ويحثها على الوقوف. تخشب في مكانه حينما وجد سيارة قادمة بسرعة الريح، ربما لم ترها مليكة، فأسرع إليها. تجمدت خطوات ياسين من رؤية المشهد القادم، ولكن عاد قلبه مجددًا للنبض حينما وجدها آمنة بعد أن جذبها معتز سريعًا عن الطريق.

أزاحت يدها ببطء لتجد أنها مازالت على قيد الحياة. لم تتمالك نفسها بمجرد التفكير بالأمر. كان صوت معتز هو الملجأ لها من دوامة الفكر وإعادة ذكري ما استمعت إليه. معتز بخوف: _انتِ كويسة؟ رفعت عينيها المغمورة بالدموع كأنها تشكو له ما بها. اقترب منهم ياسين سريعًا ثم جذبها بقوة من معصمها قائلاً بغضبٍ جامح: _انتِ مجنونة! حاولت أخفاء دموعها ولكن لم تستطع، فرفعت عينيها لمعتز قائلة برجاء: _رجعني القصر يا معتز أرجوك.

وزع نظراته بينها وبينه قائلاً بشك: _انتوا اتخقتوا؟ خشيت أن تفضحها دمعاتها، فهرولت لسيارة معتز. معتز باستغراب: _في إيه يا ياسين؟ مليكة مالها؟ تتابعها بعينيها ثم رفع يديه قائلاً بنبرة لا تحتمل نقاش: _مفاتيح عربيتك. _مع الحارس. قالها معتز بعدم فهم لما حدث. *** بالقصر. تطلع لهم الجميع بزهول، على عكس نظرات أسيل كانت صدمة مغلفة بالدموع. حصلت الآن على إجابة مصرحة لكافة أسئلتها. آية باستغراب: _عدي!

أقترب منها ومازالت هي تحتضن يديه، تشعر برجفة تسري بجسدها. فسارت الآن تعلم بنفوذ عدي عندما رأت هذا المكان الضخم المأوي بالحرس. وقف عدي أمام والدته قائلاً بهدوء وهو يشير لها: _دي رحمة يا ماما. حينما استمع عمر لاسمها تأملها باهتمام وصدمة بآنٍ واحد. أما آية فكانت بحيرة من أمرها من تلك الفتاة؟ وماذا تفعل معه؟ لم تجد سوى الصمت تلتزم به. خرج صوت ياسين قائلاً بابتسامة هادئة: _مش محتاج تعرفنا عليها.

علم الجميع بمعرفة ياسين بها، فكان محل صدمة للجميع وبسمة غامضة لعدي. أسترسل حديثه قائلاً بغموض: _هي محتاجة تتعرف علينا. مازن بصدمة: _إيه دا؟ الوحش وقع بجد! جاسم بصدمة تفوقه أضعاف: _بص هو حلم وأنت معايا فيه صح؟ صفعهم عمر بقوة قائلاً بسخرية: _عودوا لأرض الواقع. تطلعوا له بغضب جامح، فاسرع ليقف أمامهم.

تطلعت له رحمة بصدمة حقيقة ثم وزعت نظراتها بينه تارة وبين معشوقها تارة أخرى لتتيقن بأنه لم يكن يمزح، فبالفعل هناك نسخة متطابقة معه، ما يميزه عنه هو شعره الطويل. عمر بابتسامة واسعة بعدما رفع يديه لها: _عمر الجارحي، تؤام الأخ اللي جانبك ده، بس أنا طيب وكيوت عنه. رفعت يدها بابتسامة رقيقة على حديثه المرح، ولكنه تراجع للخلف حينما لمح نظرات غضب الوحش. تقدمت منها مروج تتأملها بدراما ثم أطلقت صفيراً قائلة باعجاب وهي توزع

نظراتها بينها وبين نور: _بتجبوا الموزز دي منين يا جدعان؟ دفشها جاسم قائلاً بخوف مصطنع: _روحي على جانب واسجدي شكرًا لله أنك ست، وإلا كان زمانك متعلقة في نجفة القصر ده. أنهى حديثه ثم أعدل قميصه قائلاً بابتسامة هادئة بعدما رفع يديه لها: _معاك جاسم الجارحي، 346588 ده رقم الفون و... دفشه مازن قائلاً بغضب: _انت لسه هتحكي قصة حياتك؟ بصي لو سمحتي أنا فضولي حبتين، عايز كل التفاصيل، إزاي قدرتي تحصلي على قلب هذا الوحش؟

تعالت ضحكات رحمة على مرح تلك العائلة وغضب الوحش الفتاك لهم، فجعلهم يهرولون للخارج. جاسم بخوف مصطنع ونظراته على عدي: _كنت أتمنى أفضل هنا، بس للأسف أنا لسه صغير وليا مستقبل، خسارة أموت من غير ما أكونه. وغادر جاسم سريعًا. مازن ببسمة واسعة: _لا أنا معنديش حاجة أخاف عليها، ولازم أعرف أجوبة مقنعة لأسئلتي. يارا بغضب: _ده وقته يا مازن. اتفضلي يا حبيبتي. تركت يده وجلست لجوارهم تتأملهم بسعادة.

صعدت للأعلى سريعًا ودموعها تزداد شيئًا فشيئًا. لم تقوى على تحمل تلك الصدمة التي ستفتك بقلبها لا محالة. دلفت لغرفتها ثم أغلقتها سريعًا غير عابئة لصوت أحمد الذي يحثها على الوقوف. جلست على الفراش محتضنة جسدها الهزيل بين ذراعيها. يحترق قلبها كلما تتذكر دلوفه معها، يدها المتشبثة بيدها. شعرت بأن قلبها يحترق بنيران الكراهية لتلك الفتاة التي تلتقي بها لأول مرة.

بكت كثيرًا وصوتها يعلو شيئًا فشيئًا فيحطم قلب العاشق ذو القلب المحمل بالأوجاع. فصاح بغضب: _أسيل افتحي الباب ده بقولك. استمعت لصوته فهو الرفيق الدائم لها على الدوم، ولكن تلك المرة لن يتمكن من تطيب جرحها العميق. أحمد بهدوء مخادع: _أسيل افتحي عشان خاطري، حرام اللي بتعمليه في نفسك ده. تعالت صوت الطرقات وتعالى صوت بكائها، فلم يجد سوى تحطيم هذا الحاجز الذي يحجب بينه وبين معشوقة القلب.

دلف للداخل يبحث عنها بجنون، إلا أن وقعت نظراته عليها فوجدها تجلس على الفراش محتضنة جسدها، والدموع تغرق وجهها كالموت الذي يحتضنها. أقترب منها بحزن يخيم عليه. يضعه القدر باختبارات تفوقه أضعاف، ألا يكفي جرعته من العذاب فتزداد عليه الآلام لرؤية دموعها؟ جذب يدها من على وجهها فتقابلت عيناها بعينيه. خرج صوته الهزيل قائلاً بحزن: _قولتلك قبل كده فوقي قبل ما تتوجعي. تطلعت له بصدمة فخرجت الكلمات بصعوبة: _انت كنت عارف يا أحمد؟

أشاح نظراته عنها فتوجهت إليه بصدمة. جذبته من جاكيته ليتطلع له فصاحت بصراخ هيستيري: _انت كنت عارف وشايفني بتعذب، طب ليييه مقولتليش ليييه؟ رفع يديه على وجهها قائلاً بحزن يمزقه: _اهدى يا أسيل. دفشت يدها بعيداً عنها ثم احتضنت وجهها بعدم تصديق. جلست على الأريكة تحاول استيعاب ما يحدث. كم تود أن تصرخ بصوت مرتفع لعله يخرج ما بداخلها. أنحنى أحمد أرضاً ليكون على مستواها، فجذب يدها حتى تنحدر الستار العازل بينهم لترى عيناه

لعلها تشعر بصدق حديثه: _كنت عارف بس مقدرتش أحطمك بأيدي يا أسيل. تعالت شهقاتها قائلة بصوت متقطع من البكاء يحمل السخرية بين أحضانه: _خلاص يا أحمد، اتحطمت واتكسرت من زمان. لم يحتمل سماع بكائها المزلزل فجذبها بين أحضانه. استكانت قليلاً ثم رفعت عينيها لعينيه قائلة بسخرية: _كنت فاكرة أنه هيديني فرصة أكون بحياته، بس خلاص غيري أخدها. _انتِ بالنسباله مجرد أخت، أنا سبتك تعيشي بالوهم ده بس مش كتير يا أسيل.

قالها أدهم بغضب جامح فأستدارت لتجد والدها يقف أمامها والغضب يشكل قسمات وجهه. صدمت من معرفته الأمر وما زاد صدماتها صوته الصارم: _أنا السبب من البداية، بس النهاردة الموضوع ده هيكون له حد. الأسبوع الجاي هيكون فرحك انتِ وأحمد، ودا آخر كلام عندي حتى لو هجوزك غصب. وترك الغرفة وغادر والغضب يلعب دوره بنجاح. تطلعت للفراغ بصدمة لم تستوعب ما قاله منذ دقائق. استدارت تتأمله بفيض من الزهول، فأقترب منها قائلاً بهدوء: _أسيل أنا.

قاطعته قائلة بدموع: _سبني لوحدي يا أحمد من فضلك. تطلع لها بحزن دافين ثم خرج تاركها تستوعب ما استمعت له منذ قليل. *** بالأسفل. ابتسمت بسعادة وهي تجلس معهم، حتى أنها تعرفت على نور وأحبت الحديث معها كثيرًا. ولكن ما شغل تفكيرها آية التي أشارت لعدي وصعدوا للأعلى. بالأعلى. صاحت بغضب: _أنا مش مصدقة بجد! أنت يا عدي. عدي بهدوء: _هو أنا عملت حاجة غلط؟ أقتربت منه قائلة بنبرة هادئة:

_يابني أنا واثقة في أخلاقك وعارفة أنا ربيتك أنت وأخواتك على إيه، بس الناس متعرفش كده، يعني تواجدك معها بمكان واحد وهي لسه مبقتش مراتك دا شيء مثير للشكوك، والناس مبترحمش. أستدار قائلاً بغضب: _من امتى واحنا بندور على اللي يرضي الناس؟ زفرت بعصبية: _يا حبيبي أنت ميهمكش، لكن هي لا، حتى لو محدش يعرفها، وبعدين في أصول محدش يتعداها. هو أنا أكره أشوفك مبسوط أنت وأخواتك؟

أنا فعلاً زعلت لما اتفاجئت بيها ومكنتش أعرف حاجة عن اللي حصل، بس دا ميمنعش أني شوفتها زي مليكة، واللي ما يرضوش لبنتي ما يرضوش لغيرها، عشان كده حاول مترددش هناك كتير. أقترب منها ثم قبل يدها قائلاً بتفهم: _حاضر يا حبيبتي. ثم أكمل بمكر: _بس دا لحد كتب الكتاب. تعالت ضحكاتها ثم قالت بفرحة: _ربنا يسعدك يا حبيبي. هنزل بقى أتعرف عليها، أصل زمانها أخدت عني فكرة مش كويسة بعد ما أصدرتلها الوش الخشب.

أكتفى بابتسامته الصغيرة ثم تتابعها بعينيه إلى أن هبطت للأسفل. *** بقيت بالسيارة تنتظر معتز والدموع تشق وجهها. قلبها يتحطم كلما تذكرت كلماتها. لا يعقل ذلك؟ هل خانها قلبها فشعرت بأنها نالت قلبه؟ حاولت إيقاف سيل الدموع الحارقة ولكن لم تستطع. دلف للسيارة فما أن رأته حتى أسرعت للهبوط. جذبها من معصمها قائلاً بغضبٍ جامح: _لحد كده وكفايا، أنا استملت جنانك ودلوقتي هتهدى وتسمعيني. تطلعت له بنظرة مميته ثم

صرخت قائلة بعصبية شديدة: _انت أيه لسه ليك عين تتكلم! تطلع له بنظرة كادت أن تقتلها فأرتعبت من ردة فعله. كبت غضبه بصعوبة كبيرة ثم شغل محرك السيارة وأنطلق بسرعة كبيرة تنقل غضبه الفتاك. وقف أمام أحد المطاعم الهادئة ثم خرج من السيارة، فأبت الهبوط ولكن انحازت له حينما جذبها بقوة كبيرة للغاية. دلفوا للداخل ثم عاونها على الجلوس. جلست بهدوء بعد تأكدها بأنها لن تتمكن منه.

جلس ياسين يتراقبها بصمت مؤقت فوجدها تبذل قصارى جهدها حتى لا تسقط دموعها أمامه. تحطم لرؤيتها فمازالت هي نبض هذا القلب. ترك مقعده ثم أقترب من المقعد المجاور لها ممسكاً يدها بين يديه. ياسين بنبرة تحمل العشق في أحضانها: _اللي شوفتيه النهاردة ده مش صحيح يا مليكة، صدقيني أنتِ فهمتي غلط. رفعت عينيها المغمورة بالدموع، فأزاحها عنها بوجع، يرتد هذا القلب لرؤيتها هكذا. خرج صوتها أخيراً قائلة بدموع: _انت تعرفها؟ تلامست يديه

وجهها غير عابئ بمن حوله: _هجاوب على كل أسئلتك، بس عشان خاطري متبكش. أشارت له بالموافقة، فهي تتلهف لمعرفة الكثير والكثير. أسترسل حديثه قائلاً بعين تلتهب بنيران العشق القاتل: _عايزك تعرفي حاجة واحدة بس، أنا محبتش في حياتي حد زيك. _جاوبني يا ياسين، كنت فعلاً على علاقة بيها؟ قالتها مليكة بخوف شديد من معرفة الحقيقة. أخفض يديه لجواره قائلاً بشرود بالماضي:

_أعرفها من أيام الجامعة، منكرش أني بالأول أعجبت بيها، وبعدين كنت فاكر أني بحبها لما اتقربت مني وبقيت أنا كل اهتماماتها، أو زي ما كنت فاكر. _وبعدين؟ قالتها بلهفة لمعرفة المزيد، فأكمل حديثه قائلاً بغضب دافين لسنوات: _علاقتنا كانت شبه معدومة أو سطحية جدًا، بس مع الوقت بقيت أحس أنها مهمة في حياتي، عرضت عليها الجواز وكانت سعيدة جدًا.

عملت كده إزاي صدقيني معنديش إجابة على السؤال، يمكن عشان اتربينا أن مفيش علاقة بتجمع الراجل بالست غير الجواز. كبتت أحزانها وشهقاتها قائلة بصوت مرتجف: _عمي موفقش؟ ابتسم قائلاً بسخرية: _قولتلك من أول ما بدأنا الكلام أن كلامها مش مظبوط، بلاش تربطي الأحداث بطريقة غلط يا مليكة. حاولت الصمود فقالت بثبات مخادع: _يعني هي رفضتك؟ _تقصدي خدعتني. قالها بنبرة تحمل الغضب الشديد، فتطلعت له بعدم فهم. أسترسل حديثه قائلاً

بنبرة متقطعة من الغضب: _مخططها كان ناجح جدًا، شاب وسيم وغني يعني عيشة مرتاحة. _دا غرور؟ قالتها مليكة بسخرية، فأكمل هو بهدوء: _دي الحقيقة اللي عرفتها وسمعتها بنفسي، لا والغريبة أن الطمع عماها، ففسخت خطوبتها من ابن خالتها حب حياتها زي ما سمعت. الفلوس عمت نفوس كتير يا مليكة، صحيح وقت بس بعد ما اكتشفت أنها مش كل حاجة بحياتنا. رفع يديه محتضنًا ليدها المرتجفة، عيناه تتفحصها باهتمام، فخرج صوته قائلاً بشرود بعينيها:

_أنا ندمت فعلاً يا مليكة، لأنك كنتِ جانبي طول الوقت، كنت فاكر أن ده هو الإعجاب، لكن بالعكس أنتِ ملكتي قلبي قبل ما أعترفلك بحبي يا مليكة. رفعت عينيها المحتقنة بالدموع فشعرت بصدق مشاعره، ارتمت بأحضانه تبكي بقوة، فشدد من احتضانها كأنه طوق النجاة لها من الموت. شعرت بأمان مريب بين أحضانه، فتسللت حمرة الخجل وجهها حينما وجدت الجميع يتطلع إليهم. تطلع لها ياسين قائلاً بمرح لرؤية دموعها مازالت تلامس وجهها:

_ها مش هتقوليلي بقا راحة ليه؟ تعالت ضحكاتها قائلة بدلال: _لما تطلبلي أكل الأول. رمقها بنظرة عشق ثم همس بنبرة منخفضة: _بس كدا، دانا كلي ملكك. وأشار بيده للنادل ليحضر لهم ما ألذ وأطيب. *** بالمقر. جلس على المقعد بشرود، فرفع هاتفه قائلاً بنبرة غامضة: _ممكن أخد من وقتك دقيقتين. دلفت للداخل ببسمة على طريقته المرحة، فجلست أمامه ومازال نظراته ساكنة. زرع القلق بقلبها فقالت بقلق: _أنت كويس يا معتز؟ طال صمته فقطعه قائلاً

بثبات مريب: _خايفة عليا؟ أردفت بتأكيد: _أكيد طبعاً. تخل عن مقعده ثم جلس مقابل لها قائلاً بنظراته الساحرة: _ليه؟ كانت بمازق حقيقي، أتهرب من سؤاله المربك أم من نظراته الفتاكة؟ عبثت بالملف على قدميها كمحاولة للهروب منه، فقالت لأعين متعلقة بالفراغ: _الملف ده واقف على توقيعك. جذبه منها ثم ألقاه على المكتب بأهمال، فجذبها لتقف أمامه. رفعت عينيها بارتباك حينما رفع يديه على وجهها بحنان قائلاً بصوت هامس وأعين متفحصة:

_مجاوبتش على سؤالي.. ليه بتخافي عليا يا شروق؟ علمت أنها محاصرة لا محالة، فوضعت عينيها أرضاً قائلة بصوت منخفض: _لأنك جوزي. أقترب أكثر قائلاً بمكر: _بس؟ … ها. قالتها بارتباك وتوتر جامح. صدح الهاتف الخاص بالمكتب، فدفشته بعيداً عنها وهرولت للخارج كمن رأت شبحًا مخيف. لم ترى من يتجه للمكتب فصطدمت به، رفعت عينيها لتجد جاسم أمامها. جاسم ببسمة مكبوتة: _إيه يا شروق، قفشة في وشك كدا وراحة فين؟ تخلت عنها الكلمات

فقالت بعد جهد كبير: _ها أصل أنا. قاطعها قائلاً بمكر: _طب اهدى كدا وكل شيء هيكون تمام، قولي يارب. رمقته بغضب ثم أكملت طريقها لمكتبها وهي تلعن عقلها الذي تخل عن مهامه الأساسية فجعلها أضحوكة هذا الأحمق. *** بالجامعة. دلف بسيارته الفاخرة، ثم هبط بطالته المميزة كعادته. بحث عنهم بعينيه إلى أن وقعت عيناه عليهم، توجه حازم إليهم. فجذب المقعد وجلس على الطاولة المخصصة كافيه الجامعة قائلاً بابتسامة بسيطة: _صباحوو يا شباب.

_صباحو فل يا جارحي. قالها صديقه السوء، ولكن هذا الأحمق مازال يعتقد أنهم أخيار، لا يعلم خططهم الدنيئة للأيقاع بتلك الفتاة وتحمل هو نتيجة المجهول. صعدت للأعلى فجتمعت برفيقاتها قائلة بابتسامة: _السلام عليكم يا قوم. _لسه فاكرة يا أختي. _سيبك منها، معتش حاطة حد في دماغها. جلست قائلة بغضب: _إيه دا انتوا اجتمعتوا عليا ولا إيه! _أنعم، ولازم تجبيلنا حاجة على حسابك والا تستهلي اللي هيحصلك. قالت لها رفيقتها، فغضبت نسرين للغاية،

فتركت الطاولة قائلة بتذمر: _ماشي يا أختي هروح وأمري لله. وتوجهت نسرين للأعلى أو لمصير سطره لها هؤلاء الأوغاد. أشار له بعينيه، فتطلع لها وهي تحمل أكواب القهوة الساخنة وتتجه لرفيقاتها، فوزع نظراته عليها وعلى حازم المنشغل بهاتفه، فوضع خطة محبوكة. وضع قدماه بطريقها فتعثرت لتسقط بين على صدره. وقف والغضب تسلل لعروقه، فمن تلك اللعينة التي تجرؤ على فعل ذلك؟ ابتسم نادر بخبث لحدوث مراده، فقال بمكر: _أنتِ مبتشفيش.

نسرين بارتباك وهي تتفادى الحديث مع هذا اللعين، فوجهت حديثها لحازم: _أنا أسفة صدقني مقصدتش. دء حينما شعر بالصدق بعينيها، فتلك الفتاة تأسره بسحرها الخاص. تمالك الغضب نادر لظنه بأن خطته باتت بالفشل، فعال صوته قائلاً بغضب مصطنع: _أنتِ متقصديش! ههههههه دي دخلة جديدة دي ولا إيه؟ قال الشاب الآخر: _مش قولتلك يا حازم البنت دي عايزة اللي يفوقها عشان تعرف مين هو حازم الجارحي، بتتعمد تبين للكل أنك ولا حاجة.

لمع الغضب بعينيه، وما زاده حديثها حينما أقتربت رفيقاتها منها، فصاحت بغضب: _أنتوا فعلاً أشكال زبالة، أنا غلطانة إني وقفت واعتذرت. قالت كلماتها وكادت أن تخرج من المكان، ولكن وجدت من يجذبها بالقوة ليهوي على وجهها بصفعة قوية للغاية، كانت صدمة لطلاب الجامعة بأكملها. رفعت عينيها بصدمة فرأته يقف أمامها قائلاً بصوت كالرعد:

_الزبالة دي أمثالك، الغلط اللي حضرتك بتتكلمي عليه ده جه من زمان يا حلوة، أنا عديتلك المرة اللي فاتت بس خلاص شكلك مش بتفهمي بالذوق، وأمام الكل لو حد شافك تاني هنا مبقاش حازم الجارحي. قالها بعين من جحيم، فجذبتها رفيقتها على الفور، فهي تعلم جيدًا ماذا يستطيع أن يفعل؟ ولكن لا تعلم بأنها ملكٌ له وسيعافر لتحظو بحياتها ليتحمل هو الأشواك والطعنات القاتلة لتراقب هي شمس العشق الدافئ. *** بالقصر.

لم تصدق رحمة أن بهذا الزمان كم من الطيبة. نعم، فما أن جلست معهم بالقصر شعرت بأنها محاطة بحصون من الحب مجتمع بقوة. وما زادها إعجاب شخصية آية الغامضة. بالأعلى. صعدت لغرفتها بمساعدته ونظراته تشملها بعشق، فزفر بضيق طفولي: _كل ده عشان أشوق الرسمة؟ كبتت ضحكاتها قائلة بجدية مصطنعة: _أنا تعبت في رسمتها ولازم تتعب لما تشوفها. عمر بسخرية: _دا إيه الذل ده؟ تعالت ضحكاتها قائلة بشفقة: _خلاص هجبها.

وتوجهت بمفردها للخزانة ثم لامست بيدها اللوح وجذبته لينصدم عمر. نور بلهفة: _إيه رأيك؟ عمر بصدمة كبيرة: _مين دا يا نور؟ تلبلكت قائلة باستغراب: _مين دا إيه؟ أكيد أنت طبعاً. _يا نهار أسود. قالها عمر بأعين متسعة على مصارعيها، فأقتربت منه قائلة بلهفة: _ليه بس في إيه؟ جذب عمر اللوحة في محاولة أخيرة لأقناع نفسه، ثم صاح بهدوء:

_في حاجات مش حاجة واحدة، بصي يا قلبي مترسميش تاني، أقولك على حاجة حلوة مترسميش خااالص يكون أفضل، أنا عايزك ترتاحي وتصفي ذهنك. ثم رمق اللوحة نظرة مجددًا فتمتم بخفوت: _بسم الله الحافظ. أنفجرت ضاحكة ثم قالت: _أعمل إيه يعني ما أنا تعبت من التخيلات. عمر بغضب وعينيه على اللوحة تأبى تركها: _متتخيليش خااااالص بعد كده. ابتسمت قائلة بجدية: _نفسي أشوفك يا عمر. غزت كلماتها قلبه فحطمته بنجاح، أقترب منها ثم قربه منه قائلاً بعشق:

_قريب أوي يا قلب عمر، بس ساعتها هشوف هتقدري تعرفيني ولا لا. ابتسمت بخجل: _أكيد هعرفك من صوتك. تعالت ضحكاته ثم قال بجدية: _عدي صوته بيشبهني. دلت دوامة الحيرة، فأحتضانها بقوة لعلها تتمكن من تميزه بنبضات القلب المتراقص. أبتعد عنها وهو يتأمل وجهها، ملامحها البريئة، عيناها الزرقاء. رفع يديه على وجهها وباليد الأخرى حرر حجابها ليلمع شعرها الأسود بجمال. خجلت كثيرًا وهي تحاول الابتعاد عنه ولكنه حاصرها بين ذراعيه هامسًا

بجوار أذنيها: _بتثقي فيا يا نور؟ كان سؤال مزلزل لها، فمرت ذكريات الماضي أمام عينيها لتجده المنقذ لها على الدوام. خرج صوتها الخجول كحالها قائلة بتأكيد: _مش بثق في حد غيرك. غمرها بين ذراعيه بسعادة كبيرة لسماعه كلماتها الرقيقة، حملها للفراش فأنقبض قلبها بقوة ولكنها علمت بأنها صرحت له بالثقة. طبع قبلة خفيفة على جبينها قائلاً بعشق: _ارتاحي شوية لما أرجع من المستشفى عشان نبدأ علاج للجراحة. ابتسمت قائلة بحماس:

_خلي بالك من نفسك. _لما توعديني بدا أوعدك أنا كمان. قالها بهيام بعينيها، فقالت ببسمة رقيقة: _الكل هنا واخدين بالهم مني يا عمر، وبعدين انت مش عادتك تتأخر على المرضى، هتغير عادتك عشاني ولا إيه يا دكتور؟ تعالت ضحكاته قائلاً بسخرية على كلمتها: _اتعلمتي منهم. أشارت بغرور مصطنع: _أنا بقيت منهم، نور الجارحي. _ههههههه ماشي يا عم محدش بقا قدك. قالها عمر وهو يتوجه للخروج، فقالت بعشق: _متنساش تكلمني. ابتسم قائلاً بتأكيد:

_إن شاء الله يا حبيبتي، سلام. نور: _في رعاية الله. وغادر عمر للمشفى وتبقت هي هائمة به. *** بالأسفل. هبط عدي للأسفل، فأبتسم حينما وجد مليكة عادت من الخارج وجلست تشاركهم الحديث والمرح. فرحمة تعلقت بجميع الفتيات، وآية ويارا وشذا، حتى دينا وتالين أعجبن بها للغاية. هبط ليكون على مقربة منهم، فركضت مليكة لأحضانه كالمعتاد قائلة بابتسامة مرحة: _وحشتني يا ديدو، قليل لما بشوفك. رفع يديه يحتضن أميرته الصغيرة ثم قال بثبات:

_لو عاوزيني عارفة إزاي توصلي، بس دا مش في مخططك، مخططك الفلوس اللي بتاخديها من عمر، فعارفة إزاي توصليله هو. فتحت عينيها على مصارعيها قائلة بصدمة: _هو أنا اتفضحت كده؟ _وأكتر كمان يا أختي. قالتها مروج بضيق، كانت تتأمله بغضب وغيرة شديدة. أجابها بجدية: _لا يا دالي. رحمة باستغراب: _مين رائد؟ مروج: _أخوه. رحمة بصدمة: _مش جاسم أخوه؟ تعالت ضحكات الجميع، فأجابت مليكة مؤكدة لها:

_عندك حق تتلخبطي، العيلة كبيرة أوي ما شاء الله، بس أنا هفهمك كل حاجة ثانية واحدة. وتركتهم وهرولت للأعلى ثم هبطت بعد دقائق ومعها ألبوم كبير بعض الشيء، فردته أمامها لتجد بكل صورة عائلة متكاملة، فقالت بسعادة: _يعني أنتِ أخت عدي؟ مليكة بغرور: _أنعم، الصغيرة. سعدت كثيرًا، فعلم عدي ما كان سبب غضبها منذ قليل. أنغمست معهم بسعادة عائلية فقدتها رحمة بحياتها، ولكن هل ستدوم السعادة طويلاً؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...