تحميل رواية «الوحش الثائر (احفاد الجارحي3» PDF
بقلم اية محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت السيارة بصوت صدح بفزع للجميع، فأسرع السائق بفتح باب السيارة. وضع قدماه على الأرض بتثاقل ثم هبط بجسده الممشوق، فخطى للداخل بخطاه المجسمة بالكبرياء. نعم، فهو له رفيق لم يتخل عنه قط. عيناه المذهبة محاوطة بحماية من طول الرموش الكثيفة لحمايتها. شعره البني الطويل يجعله فتاكًا لمن يراه. خاتمات توقيعاتهم أن من أمامهم من أكفأ رجال الشرطة، فربما أن علموا بأنه الابن الأكبر لياسين الجارحي، ألتمسوا العذر. أكمل خطاه لغرفة مكتبه، فأسرع الشرطي بفتح باب المكتب سريعًا ثم رفع يديه يقدم التحية الرسمية التي تل...
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اية محمد
بكت بأحضانه كثيراً ولم تشعر بالوقت، كل ما تشعر به بأنه مخفف لآلامها.
رفع يديه يضمها لصدره، لعله يتمكن من مداواة جرحها، ولكن كان صدى أوجاعه هو من تصدح عالياً.
كم تمنى إخراجها من أحضانه وصفعها بقوة تجعلها تفيق عن واقع تتخفى منه.
تلك الحمقاء أصبحت كفيفة، لا ترى من يعشقها ويتحمل أشواك الآلام بصمتٍ قاتل.
ابتعدت عنه ثم رفعت عيناها الممتلئة بالدموع لتشكو له كعادتها ما حدث:
"أنا مجروحة أوي يا أحمد، إحساس بشع أوي."
أغاظ منه الصمت، فخرج الحديث الساخر:
"أنتِ كنتِ متخيلة رد فعل تاني؟"
تطلعت له بعدم فهم، فأكمل بغضب يلاحق نبرته القاسية:
"بلاش تكدبي على روحك يا أسيل، أنتِ كنتِ عارفة معاملة عدي ليكِ كانت إزاي، هو بيعتبرك ذي مليكة وداليا والكل هنا."
شقت العبرات الحارقة وجهها كأنها لم تصدق حديثه، فاسترسل حديثه بهدوء:
"أسيل، أنا أكتر واحد حاسس بيكِ، عشان كدا بقولك شيلي عدي من تفكيرك خالص."
تعالت ضحكاتها الساخرة ثم قالت من وسط سيل الدموع:
"أشيله؟ بالبساطة دي؟!!! تفتكري أني محاولتش؟"
لم يجد الكلمات ليتحدث بها، فقلبه ينزف بغزارة لحديثها.
لم يمتلك القوة ليتحدث أكثر من ذلك، فخرج من الغرفة حتى لا يفقد ما يمتلكه من السكون المخادع.
***
حاولت التملص من بين قبضة يديه القوية، ولكن هيهات، لم تستطع.
دلف جاسم لغرفته ثم دفعها بقوة كبيرة للداخل.
صاحت بغضب جامح:
"أنت إيه اللي بتعمله دا؟!"
اقترب منها وعيناه لا تبشر بالخير، فتراجعت للخلف بخوف زرعه لرؤيته هكذا.
خرج صوته الهادئ على عكس ما بداخله قائلاً بسكون مريب:
"محدش فاهمك غيري يا داليا، عشان كدا هحققلك اللي في دمك، بس ساعتها ما تلوميش إلا نفسك."
رفعت عيناها بعدم فهم فقالت بخفوت:
"أنت بتقول إيه؟"
"اللي سمعتيه، أنا عارف ليه بتعملي كل دا، وأنتِ فعلاً صح، أنا لازم أشوف بنت تليق بيا غيرك، أنتِ مش المناسبة."
تطلعت له بصدمة تتابعه إلى أن غادر الغرفة.
جلست أرضاً تبكي بقوة، كانت تعلم أنه سيفعل ذلك بيومًا ما، ولكن لم تعلم بأنه قريب.
خرج من الغرفة والنيران تشتعل بقلبه، فتلك الفتاة تقوده للجنون، كيف سيجعلها تشعر بأنها ملكة لقلبه؟
لم يرى أحدًا بجمالها، وما زالت تشكك بذلك.
***
بغرفة رائد.
صعد لغرفته حينما لم يجدها بالأسفل، فوجدها ساكنة على الفراش مثلما تركها منذ الصباح.
أقترب منها بخطوات بطيئة ثم جلس على الفراش وعيناه تفترش الأرض.
هربت منه الكلمات، فلم يجد ما يقوله.
قطعت هي الصمت قائلة بدموع:
"خطة ذكية ومنكرش إعجابي بيها."
رفع عيناه قائلاً باستغراب:
"خطة؟ خطة إيه؟!"
ابتسمت بسخرية وعيناها تتنقل بالغرفة:
"إنك تراجعني هنا عشان أفتكر اللي حصل من أربع سنين، أشوف بعيني ذكرياتك السودة اللي بحاول أمحيها من حياتي، بس مفيش غير طريق واحد اللي دايما بلاقي نفسي فيه، أنت اتجوزتني ليه يا رائد؟ والطريق التاني بلاقي سؤال تاني، هتستفاد إيه لما تشوفني بتكسر تاني؟!"
تطلعت له بصدمة جعلته متخشبًا كحال قلبه، هل تظن به هكذا؟!!!!
لم يتمكن من الحديث حتى قدميه تخشبت محلها، فرفع يديه يزيح خصلات شعره بغضب جامح يفرغه بعنف شديد.
شعر بأنه على وشك الانهيار، فرمقها بنظرة أخيرة ثم أسرع لحمام الغرفة.
دلف سريعًا ثم استند على باب الغرفة والحزن يلهو بتعبرات وجهه.
حديثها يحطم قلبه، ذكريات الماضي تلاحقه بلا رحمة، فتنهش ما تبقى بأوجاعه.
صرخة مدوية جعلته يهرع للخارج.
بالخارج.
تسللت العبرات الحارقة وجهها، فما زال هذا القلب يرتجف لقرب معشوق الروح لجواره.
نهضت عن الفراش بتعب نفسي شديد ثم توجهت للخروج من تلك الغرفة البشعة كما تعتقد.
لم تعد تشعر بطوفان ملحمة العشق المجسد بين أحضانها، كل ما تراه ذكرى هذا اليوم البشع الذي هدم حياتها.
توجهت للخروج ودموعها رفيقتها، كالعادة تكون الرفيقة الجيدة برحلة الأوجاع.
لم تشعر بأنها تستند على الزجاج المهشّم.
صرخت بقوة حينما جرحت قدماها، فخرج مسرعًا.
أسرع رائد إليها، فأنحنى حينما وجدها تحمل قدميها عن الأرض.
عيناها مغلقة بقوة جعلته يشعر بمعاناتها.
أنحنى ليرى ماذا هناك، فأزاح عنها الزجاج بعناية.
فتحت عيناها لتجده يجلس أرضًا يزيح عنها ما يؤلمها.
طالت النظرات بينهم والعتاب سيد الموقف.
وقف حينما دوى جرحها، فتأمل دموعها بحزن، انقلب عليه هذا القلب، فرفع يديه يلامس وجهها قائلاً بنبرة صادقة:
"أسئلتك مالهاش غير إجابة واحدة وهي أني بعشقك يا رانيا، أنا معترف أني غلطت، عاقبيني زي ما تحبي، بس بلاش تعملي كدا في نفسك، صدقيني دموعك دي أكبر عذاب ليا."
رفعت يدها تحاول إزاحة يديه، ولكنه حاصرها بيده الأخرى مجبرًا لها أن تنظر بعينيه.
رانيا بدموع:
"خليني أمشي من هنا أرجوك، بجد مش هقدر أعيش هنا تاني."
حطمت قلبه بكلماتها، فأحتضنها بقوة هامسًا بصوته الرجولي:
"وأنا مش هضيعك من إيدي تاني، فاهمه؟"
سكنت بين ذراعيه، فرفعت يدها الصغيرة تشدد من احتضانه.
ابتسم بفرحة، فطافها بفيض من عشقه الخاص لتذوب حواجز القسوة والجفاء.
***
تخطى المحال وتفادى الكثير من الحوادث ليصل إليها.
صف سيارته أمام الفيلا ثم أسرع للداخل بعدما تأكد من الحارس بأن الأمور على ما يرام، ولكنه ما زال يشعر بالقلق عليها.
دلف للداخل بعدما استخدم المفتاح الخاص به، يبحث عنها بجنون، فصعد للأعلى عندما لم يجدها بالأسفل.
تسلق الدرج سريعًا ثم دلف لغرفتها يبحث عنها بعسلية عيناه.
شعر بأنه عاد للحياة مجددًا حينما رآها غافلة على سجادة الصلاة بعد مشقة يوم قضته بالدعاء لوالدتها، بعدما أخبرها الطبيب بأنه تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا.
أقترب منها، وقسمات وجهه تعود لشكلها الطبيعي.
أنخفض لمستواها يتأملها بصمت.
رسمت البسمة على وجهه بعشق وهو يتطلع لسكونها الطفولي.
حملها بين ذراعيه ووضعها برفق على الفراش ثم دثرها جيدًا.
جلس بجوارها يتأملها بذهول، فكيف كان يقضي رحلته بدونه؟ كيف استطاعت تلك الفتاة اختراق قلبه؟ لتصبح له الروح والسكون.
انقضى الليل ولم تتشبع عيناه من رؤيتها، فظل لجوارها حتى غفل هو الآخر على المقعد المجاور لها.
***
بالقصر، وبالأخص بغرفة ياسين.
كان يجلس على مقعده بشرود، حتى أنه لم يستمع لحديث أحمد وجاسم.
جاسم بغضب شديد:
"بقولك أنا واثق أنها بتحبني، تقول لي حب أخوي؟"
أحمد بهدوء:
"طب هي هتستفاد إيه من الحوار ده؟"
لوى فمه بتهكم:
"داليا مشكلتها أنها معندهاش ثقة في نفسها، هي شايفة نفسها متنفعنيش."
أسند ظهره للخلف قائلاً بسخرية:
"مش عارف البنات دي بتفكر إزاي بجد؟!!"
ابتسم جاسم قائلاً بنفس لهجة السخرية:
"أشك في الموضوع ده، وبعدين يا عم أنت راجع في وقت غلط."
لمعت عيناه بغموض ثم قال بصوت حزين:
"مش راجع بمزاجي يا جاسم."
انكمشت ملامح وجهه بعدم فهم، فأكمل أحمد قائلاً بثبات:
"عمي أدهم قرر جوازنا أنا وأسيل."
صعق جاسم مما يستمع إليه، حتى ياسين خرج من شروده قائلاً بصدمة:
"أنت وأسيل؟!"
لم يعلق أحمد، فهو يعلم مدى صدماتهم.
جاسم بهدوء معاكس:
"مش فاهم يعني إيه قرر؟ طب أنت موافق؟"
رفع عيناه لرفيقه، فهو يعلم كم يعشق شقيقته، ولكنه التزم الصمت بعدما شدد أحمد ألا يخبرها.
ساد الصمت بالغرفة، وياسين وجاسم يتراقبن الإجابة لسؤاله.
فخرج صوته الساكن:
"موافق يا جاسم، ومفيش قدامي حل تاني."
تملكه الذهول ياسين، فقال باستغراب:
"هو عمي عارف؟"
تفهم ما يقصد قوله، فأكتفى بإشارة بسيطة كانت كفيلة للصمت القاتل.
***
بغرفة معتز.
قضى الليل بحديث الهاتف بينه وبين الحورية الغامضة، فشعرت بأنها برواية خيالية، ووجدت أميرها، لا تعلم بأنه من سيحرص على تحطيمها.
مر الليل الغامض على البعض بالعذاب، والبعض الآخر بالدموع، وعلى معظمهم بالسعادة لتذوق رحيق الحب.
وسطعت شمس يوم جديد محفل بلقاء عاشق ومعشوق.
بغرفة ياسين.
استيقظ على رنين هاتفه، فرفع يديه بتكاسل للكومود ثم جذب الهاتف بتأفف قائلاً بصوت هامس من أثر النوم:
"الـ..."
صوت أنفاس تعلو وتهبط.
استمع لها جيدًا ليعلم من المتصل.
خرج صوتها أخيرًا قائلة بهدوء:
"صباح الخير يا ياسين."
تلون وجهه بشدة، فأجابها بغضب جامح:
"عايزة إيه؟"
"عايزاك تسمعني يا ياسين، أنا معملتش حاجة، صدقني."
قالتها بدموع كثيفة، فخرج صوته القاطع:
"اسمعيني أنتِ، أفضل لك. أنا دلوقتي رجل متزوج، عارفة يعني إيه متزوج؟"
ضغط على كلمته لتفهم جيدًا مغزى الرسالة، فتخلت عنها الكلمات من هول الصدمة.
"متزوج؟!!!"
ظلت ترددها بهمس، كأن عقلها لم يستوعب ما استمعت إليه.
"فتخلينيش أستخدم معاكِ أسلوب أحقر من إني أوصفهولك."
وأغلق الهاتف.
استقام بجلسته والغضب يتمكن منه، فيجعل عيناه الزرقاء مخيفة بعض الشيء.
***
فتحت عيناها بدلال، فأبتسمت بعشق لظنها أنها ترى حلمًا جميلًا، فانتفضت عن الفراش حينما قال ببسمة جذابة:
"صباح الخير."
رحمة بفزع وهي تغلق عيناها بعدم تصديق:
"عدي!! أنت هنا إزاي؟"
تعالت ضحكاته ثم اقترب منها قائلاً بنبرة خبث:
"أنا مش عدي، أنا توأمه الدكتور عمر الجارحي."
أغلقت عيناها بغضب جامح، ثم رفعت الوسادة وانقضت عليه قائلة بغضب جامح:
"فاكرني هبلة وهصدق الهبل ده؟"
رفع يديه في محاولة فاشلة لأيقافها، ولكن لم يستطع، فجذب منها الوسادة بشكل مفاجئ، فكادت السقوط أرضًا لولا يديه احتضنت يدها.
لم تبالي بالسقوط، فكانت تحت تأثير هذا السحر الخالد.
يا الله، لم تجد عينًا هكذا.
تطلعت لعينيه بسكون مريب.
حتى هو شعر كأن الزمان توقف ليتبقى هي عالمه.
جذب يديها برفق، فتقربت منه بصورة تلقائية.
حاولت الهرب من نظراته، ولكن لم تستطع.
خرج صوته الهامس:
"لحد إمتى يا رحمة؟"
تطلعت له بعدم فهم، فأبتسم قائلاً بثباتٍ معتاد:
"أقصد أ..."
كاد أن يكمل كلماته، ولكن تعلى صوت هاتفه، فعاونها على الوقوف ثم رفع هاتفه قائلاً ببعض الغضب:
"نعم؟"
مازن بسخرية:
"طب قول صباح الخير، مش داخل شمال كده."
"أنجز."
قالها عدي بحزم، فتأفف قائلاً:
"مش عارف إيه اللي جرالك، ده أنت حتى معبرتنيش وأنا في المستشفى يا شيخ."
انكمشت ملامحه بضيق:
"أنت طالبني عشان كده؟"
"طالب سيادتك لأن محدش عارفلك مكان، أنا قاعد مستنيك من الصبح."
"مستنيني أنا؟ فين؟"
"بالقصر، عايزك في موضوع مهم."
"طب خليك عندك، أنا راجع حالا."
"أوك."
وأغلق الهاتف بضيق، فتمنى قضاء بعض الوقت معها.
أستدار فلم يجدها خلفه، فتعجب كثيرًا.
بالقصر.
مازن بغرور:
"خدت بالك يا عمي وأنا بكلمه."
تعالت ضحكات عز قائلاً بتأكيد:
"خدت بالي طبعًا."
حازم بضيق:
"هو في حد يا أخويا بيعرف يكلم الوحش؟ تلقيه لسه مفاقش."
ابتسم ياسين قائلاً بسخرية:
"لا صادق يا مازن، إحنا سمعنا كل حاجة، ولا إيه يا جاسم؟"
جاسم بمزح:
"متقلش معاه يا مازن عشان ميبقاش عندك دراعين."
تطلع ليديه المغطاة بشاش أبيض قائلاً بخوف مصطنع:
"طب أعمل إيه؟ أتصل أعتذر؟"
تعالت ضحكات جاسم، ليكمل حازم بمكر:
"المكتوب مكتوب."
مازن بخوف:
"يعني إيه؟"
حازم بخبث:
"يعني أنا عمري ما لبست أسود أبدًا، بس عشان خاطر عيونك الخضرة دي هلبس يوم جنازتك نظارة سودا، وأبقى كدا عملت اللي عليا."
"لا تصدق أنك شهم."
قالها مازن بسخرية، وعين متوردة من الوعيد لهذا الأحمق.
حازم بغرور:
"طبعًا يا ابني."
جاسم بغضب:
"أنت لسه قاعد ليه يا حيوان؟ مش وراك جامعة؟"
جذب الفاكهة قائلاً بهدوء:
"والله يا جاسومة، ماليش مزاج أتحرك من مكاني."
مازن بزهول:
"جاسومة؟ ده اسم جرثومة جديدة؟"
رفع ياسين ساعته قائلاً بضيق:
"كنت أتمنى أفضل معاك يا مازن، بس عندي اجتماع مهم."
مازن بتفهم:
"ولا يهمك، أشوفك بعدين."
أكتفى ببسمة بسيطة ثم توجه للخروج، ولكنه توقف حينما استمع لصوتها تناديه.
ألتفت لتجدها تقف أمامه بفستانها الرمادي وحجابها الأسود الطويل الذي أبرز جمال تلك العينان الساحرة.
سكن بمكانه يتأمل تلك الحورية بأعين متلهفة لأحتضانها من الأعين الفتاكة.
هبطت لتقف أمامه قائلة بابتسامة رقيقة:
"صباح الخير."
"صباح الجمال والرقة."
قالها ياسين ونظرات عيناه تأبى تركها، فجعلت الحمرة تتسلل بخفة لوجهها.
رفعت وجهها قائلة بخجل من نظراته التي ما زالت تتطوفها:
"أنا نازلة أجيب شوية حاجات ناقصاني، فقولت لماما، قالت لي لازم آخد إذنك من النهاردة."
تطلع لها بتسلية لرؤية لون وجهها الذي يزداد شيئًا فشيئًا، فخرج صوته أخيرًا:
"حاجات إيه؟"
رفعت مليكة هاتفها قائلة بارتباك:
"أنا هستعجل مروج وداليا عشان هروح معاهم."
"مش هتروحي غير لما أعرف راحة ليه؟"
قالها ياسين بمشاكسة، فرفعت وجهه قائلة بغضب شديد:
"مش عايزة أروح."
وأستدارت لتغادر، فقبض على يدها قائلاً ببسمة خبث:
"لا، ما أنا هعرف، هعرف، فقولي عشان بجد متأخر على الاجتماع."
تلونت عيناها بعند يعلمه جيدًا:
"روح اجتماعك يا ياسين، مش هتكلم."
ياسين بمكر:
"يبقي مفيش خروج."
"هخرج بعد خروجك على طول."
قالتها بعند، فأبتسم قائلاً بسخرية:
"ده تهديد أني لو روحت الاجتماع هتخرجي؟"
ربعت يدها أمام صدرها بثقة:
"سميها زي ما تحبي."
كان تحديًا واضحًا له، لعلمها بأنه لن يتمكن بترك عمله.
أشار ياسين للخادم، فأتى على الفور.
أعطاه حقيبته تحت نظرات استغراب مليكة، فقالت بصدمة:
"أنت مش رايح المقر؟"
صرخت حينما حملها بين ذراعيه قائلاً بدهشة مصطنعة:
"أنا لا، طبعًا هروح، بس أنتِ هتشرفي معايا عشان أعلمك من البداية أن التحدي مع ياسين الجارحي آخره مطاف واحد."
صرخت بقوة وهي تحرك قدماها بالهواء قائلة بصراخ:
"إيه الجنان ده؟ نزلني."
وقف يتأملها بنظراته الساحرة، فكفت عن الحركة وأنخضعت لسحره الخاص.
حتى هو تمنى أن تتوقف الدقائق ويبقى كما هو.
تحرك بخطى واثقة وعين تتأمل عيناها، يسير بخطاه الثابت كأنه يحمل عقد من الألماس ويخشى أن ينكسر.
وضع الخادم الحقيبة الصغيرة الخاصة به بالخلف، ثم أسرع بفتح باب السيارة حينما رأه يهبط بها.
وضعها على المقعد بهدوء ثم أستدار ليجلس بجوارها.
صمتت والخجل سيدها، فما زالت تحت أسر تلك العينان.
تحرك ياسين بسيارته للمقر وعيناه تخطف النظرات لتلك الحورية القابضة على زمام قلبه.
***
هبط عدي للأسفل متوجه للخروج، فتوقف حينما لمحها تعد الفطور.
كاد أن يكمل طريقه على عجالة من أمره، ولكن توقف حتى لا يحزنها.
أقترب ليستند على الباب يتأملها بسكون وعشق غارم.
أعدت الفطور ثم شرعت بتحضير الخضروات.
رفعت عيناه وما زالت لم تستدر قائلة بابتسامة صغيرة:
"هتفضل واقف عندك كتير؟"
تعجب عدي، ولكن لم يعلق، فهو بعلم بأنها تشعر به مثلما يشعر بها.
دلف للداخل ثم وقف بجوارها يعاونها على ما تصنعه.
رفع يديه يجذب الطبق الموضوع أمامه، فتلامست يده معها بدون قصد.
جذبت يديها سريعًا، فأبتسم قائلاً بهمس بعدما حاصرها بين ذراعيه قائلاً بصوته المنخفض:
"ليه دايما بتهربي مني يا رحمة؟"
أرتجفت من قربه المهلك لها، فحاولت الفرار من نظرات عيناه، ولكن لم تستطع، فهي محاصرة بين ذراعيه بإحكام.
رفع وجهها له قائلاً بجدية وعشق يتابعه:
"أنا عارف أنك متلخبطة ووجودي معاكي هنا السبب، بس أنا فعلاً مش قادر أعيش من غيرك ثانية واحدة... عارفة ليه؟"
أنتظرته يكمل حديثه، فمال على أذنيها هامساً بصوته الساحر:
"لأنك ملكتي قلبي."
أغمضت عيناها وبسمتها الرقيقة تزين وجهها، فأبتعد عنها حينما صاح هاتفه بغضب ليتذكر رفيقه.
تركها وتوجه للخروج، ففتح الباب وتقدم للخروج، ولكنه أستدار ليجدها تقف أمام باب المطبخ ونظراتها تحمل الحزن التي تحاول إخفائه لرحيله.
نبض قلبه بدقات يعلمها جيدًا، فنقلت له ما تشعر به.
فأبتسم على مرآة قلبه الصادقة لها.
رفع يديه لها والأبتسامة تجعله أكثر جاذبية ووسامة.
تطلعت له بصدمة وزهول من إشارة يديه، نعم هي تريد مرافقته لأي مكان يريده، لم تشعر بقدماها وهي تركض له سريعًا.
رفعت يدها ليديه الممدودة، فظل ساكنًا يتأملها تارة، ويدها الموضوعة بيديه بقوة تارة أخرى.
فتح باب السيارة ثم أشار لها بشكل ملكي، فأبتسمت وصعدت للسيارة.
***
بالقصر.
مازن بغضب:
"كده كتير."
جاسم:
"زمانه جاي، اهدأ شوية."
هبط معتز للأسفل ليطل بحلة سوداء اللون وشعره المصفف بنظام، فكان رونق للجمال.
تعجب من وجود مازن بهذا الوقت، فقال بتعجب:
"مازن؟ إيه اللي عمل فيك كده؟"
مازن بسخرية:
"اتخبطت في التلاجة."
"يا ساتر يارب، طب مقلتش ليه يا عم؟ كنا جينا عملنا الواجب."
قالها معتز بعدما جلس جواره.
ابتسم جاسم على اجتماع شياطين الجحيم حينما رأى الضلع التاسع يهبط الدرج.
أحمد:
"صباح الخير."
جاسم:
"صباح النور يا أحمد."
معتز:
"صباحك بيضحك."
مازن بصدمة:
"أحمد!!! أنت رجعت إمتى يا جدع؟"
هبط ليقف أمامه قائلاً بسخرية:
"أنا نفسي معرفش، سيبك مني وقولي إيه اللي بهدلك بالشكل ده؟"
مازن بضيق ونظراته تتربص بمعتز:
"إصابة خفيفة يا خوي، بس العتب مش عليكم، العتب على الكبير بتاعكم والحيوان اللي جنبي ده."
دعت ضحكة جذابة:
"خلاص بقى يا ميزو، ميبقاش قلبك أسود يا جدع."
مازن بضيق شديد:
"احترم نفسك يالا، ميزو ده بيلعب معاكم."
معتز بسخرية:
"كده؟ طب غادر إذن أروح الشركة وأرجع لك، متمشيش، فاهم؟"
مازن بغضب:
"أنا أستناك إنت ليه؟ الدنيا ماشية بدهرها."
معتز:
"عايزك في موضوع."
مازن بغرور مصطنع:
"أدام فيها موضوع، يبقا تشرفني في مكتبي يا خويا."
جاسم بشماته:
"هو ده الكلام ولا إيه يا أحمد؟"
أكتفى بابتسامة بسيطة.
معتز بغضب:
"بقا كده، ماشي."
مازن:
"لو تقدر يا أخ معتز تشد الباب في إيدك، يبقا كتر ألف خيرك."
غادر معتز وهو يتوعد له، فأشار له قائلاً:
"والله ما هرحمك بالتمارين، اصبر بس للجمعة الجاية."
جاسم:
"هههههه، البس."
مازن بصدمة:
"يا نهار أسوح، ده أنا نسيت، تعال يا زيزو وقول الموضوع."
معتز بغرور مثلما فعل:
"ليا مكتب، تقدر تشرفني فيه."
رفع جاسم يديه بإشارة التعادل للطرفين.
ابتسم أحمد لذكريات مضت، قاطعها بزهول:
"هو أنتم لسه بتلعبوا ملاكمة؟"
مازن بحزن مصطنع:
"زعل معتز مني وهو اللي هينزل الخصم معايا الجمعة الجاية، يعني أنا الكبش بتاعكم بإيدي دي، منك لله يا جاسم."
جاسم بخبث:
"وأنا مالي يا عم، ما أنت اللي الداية سحباك من لسانك."
أحمد:
"ههههههه، واضح أن فيه حاجات كتير فاتتني وأنا بره، وأولهم أخلاق ولاد عمي، واحد بيقول قشطة والتاني الداية، لا حاجة تشرف بجد."
مازن بسخرية:
"اضحك يا خويا، ما أنت مش عارف إيه اللي هيجرالي من الحيوان اللي ماشي ده."
جاسم:
"تصدق صعبت عليا وهتنازل عن الخصم بتاعي وأنزل قصاد معتز."
مازن بسعادة:
"بجد يا جاسم؟"
جاسم بمكر:
"حبيبي يا ميزو، ده أنت رقبتي سدادة يا جدع."
مازن بفرحة:
"لا وأي رقبة دي؟ رقبة حازم."
جاسم بابتسامة مكبوتة:
"إيه اللي جاب سيرة حازم في الموضوع؟"
مازن بزهول:
"مش ده الخصم؟"
جاسم ببسمة غرور:
"No. الخصم بتاعي المرادي حاجة تانية، الوحش بنفسه."
كانت صدمة قوية لم يستوعبها مازن، فانقض عليه بغضب جامح.
تعالت ضحكات أحمد على ما يراه.
هبطت مروج وداليا للأسفل يبحثان عن مليكة كما اتفقت معهم بأنها ستهبط للأسفل لتنتظرهم، فصدموا حينما وجدوا جاسم في اشتباك مع مازن.
ابتعد مازن عنه سريعًا حينما وجدوا أنفسهم خارج القاعة.
تطلعوا لأحمد الجالس على مقربة منهم يلهو بهاتفه كأن لم يكن.
وقف مازن ولجواره جاسم المبتسم بخفوت على ما حدث من خطط ليتلقى أحد المواجهة أمام الوحش الثائر بدلاً منه.
رفع عيناه ليجدها أمامه، حتى هي تطلعت له بصمت، تشعر بأنها رأته من قبل، ثم تذكرت بأنه الرفيق المقرب من عدي.
رفعت عيناها المتورمة من أثر بكاء أمس، فتقابلت مع عيناه الغير مهتمة لوجودها، كأنها ورقة وأزيلت من حياته.
كان ذلك كالصفعة القوية لها لتجعلها تفيق على واقع لا طالما حاولت التهرب منه.
لم تعلم بأنه سيجعلها هي من ترى عشقه بقلبها.
جاسم باستغراب:
"رايحة فين يا مروج؟"
لم تستمع له، فكانت نظراتها معلقة بمن يتأملها بشكل ملحوظ، فأفاقت على صوت خطوات أحمد المقترب منهم.
أحمد بتعجب هو الآخر:
"أنتوا خارجين ولا إيه؟"
داليا بهدوء:
"أيوا رايحين المول ومليكة جاية معانا."
"طب وأسيل؟"
قالها أحمد وعيناه تبحث عنها، فأجابته داليا بخذلان:
"رفضت تنزل معانا."
مروج باستغراب:
"هي مليكة فين؟"
جاسم:
"معرفش، كانت هنا دلوقتي."
رفعت هاتفها قائلة بثبات مصطنع لنظرات مازن:
"هطلبها أشوفها فينا."
أشار لها براسه، فابتعدت عنهم بقليل ورفعت هاتفها تطلب ابنة عمها وعيناها تتابع هذا الغامض الذي يتابعها بنظراته.
على الجهة الأخرى.
وصلت سيارته أمام المقر، فهبط للداخل وهي بيده تحاول التخلص من قبضة يديه ولكن لم تستطع.
أوقف المصعد ثم دلف للداخل وهي معه.
مليكة بغضب شديد:
"ممكن أفهم سبب وجودي إيه هنا؟"
رفع يديه يرتب شعره الغزير وجاكيته الراسم لعضلات جسده المثير بمرآة المعدم بعدم اهتمام بها، فجن جنونها.
جذبته من معصمه قائلة بصوت هادئ على عكس جنون القلب:
"يا ياسين، داليا ومروج زمانهم مشوا."
"ميهمنيش."
قالها ونظرات عيناه تتطوفها، ثم رفع يديه على وجهها قائلاً بنظرات تتطوفها:
"أنتِ عايزة تعرفي نهاية التحدي بينك وبين جوزك زي أي واحدة عاقلة، فأنا هساعدك من الأول."
"ها..."
قالتها بارتباك من قربه ونظرات عيناه الزرقاء، فتبسم بمكر.
وقف المصعد فأصدر صوت جعلها تفيق وتعد لأرض الواقع.
خرج من المصعد فلحقت به قائلة بعصبية:
"هو أنا جبت سيرة تحديات؟"
دلف لمكتبه وهي خلفه، فجلس على مقعده وهي تلحق به بوعي.
فصرخت حينما كادت السقوط.
أستندت على ذراع المقعد بيدها ثم رفعت عيناها لتتقابل مع وجهه الوسيم بفعل بسمته المضحكة عليها.
غلفته بنظراتها لتؤكد له بأنها صاحبة هذا القلب.
تأملها كثيرًا ثم جذب الملفات قائلاً بمكر:
"هتأخر عن الـ Meeting."
أشارت له بعدم اكتراث، فوقف بشكل مفاجئ لتصبح بين ذراعيه أو بين براثنه.
ابتلعت ريقها بارتباك، فخرج صوته قائلاً بثبات مخادع ليخيفها، فكيف يخبرها أنه فعل ذلك لتكون على مقربة منه، فكم يود اعتقالها بمعتقل قلبه لتظل رفيقته لآخر نفس يرفرف بنبضاته:
"خليكِ عاقلة كده لحد ما أرجع، دا عشان متزعليش، أظن كلامي واضح."
أشارت له بالموافقة، الكلمات تخلت عنها، فجعلتها بمواقف تلعنه كثيرًا.
ابتسم بسمة رضا ثم غادر لغرفة الاجتماعات.
ظلت كما هي تنظر للفراغ بشرود بحديثه، فأبتسمت بتلقائية حينما تذكرته وهو يحملها بين ذراعيه.
***
بغرفة عمر.
أفاق على صوت هاتفه، فأخبره أحمد بالهبوط لوجود مازن والجميع.
خرج من الحمام فأرتدى سروال بني اللون، وتيشرت بدرجة أفتح، صفف شعره بحرافية ثم وضع البرفنيوم الذي اشتراه حديثًا، ثم أدى فريضته وهبط للأسفل.
بالأسفل.
أجتمع الجميع لتناول طعام الفطور، حتى مازن، فصممت عليه تالين ويارا الجلوس معهم، فشاركهم الطعام.
أخبرت مروج داليا بأن مليكة لن تتمكن من القدوم، فأخبرتها بأن عليهم الذهاب غدًا.
زفر أدهم بغضب شديد على حال ابنته التي لم تتغير بعد، فكيف ستحتمل معرفة زوجها من أحمد؟
صعد أحمد للأعلى ليجبرها على الهبوط لتناول طعام الإفطار.
بالأسفل.
عمر بفرحة:
"إيه دا مازن؟"
مازن بابتسامة هادئة:
"أهلًا يا دوك."
عمر:
"أهلًا إيه؟ ده أنا هعمل مغامرات تحقيق سداسي الأبعاد."
ياسين بحزم:
"بعد الفطار أبقى أعمل اللي يريحك."
عمر بتذمر:
"تحت أمرك يا حاج."
كبت رعد ضحكاته قائلاً بصعوبة:
"ما تسيب الولد براحته يا ياسين."
عمر بفرحة:
"آه والنبي يا عمي تقوله يعتقني لوجه الله، ده حتى أمي بقيت أخاف أتكلم معاه."
تعالت ضحكات الجميع، ومنهم تلك الحورية العمياء التي تتمنى من الله أن تراه ولو دقائق قليلة.
حمزة:
"أبوك لو محبكهاش ما يبقاش ياسين الجارحي، اسألني أنا يا خويا."
عز:
"هههههه، ما بلاش يا حمزة."
أدهم:
"هههههه، لا عيب، كبرنا وبقى عندنا شباب."
جاسم:
"خد راحتك يا والدي، حقك."
شذا:
"هو خد راحتك يا والدي، لكن أنا عيب يا ماما."
مروج:
"تفرقة عنصرية يا طنط."
تالين:
"هههههه، بس يا موجه، هي طنطك ناقصة تسخين."
آية لمازن:
"أنت مش بتأكل ليه يا حبيبي؟"
مازن بصدمة:
"كل ده ومش بأكل؟ ده فاضل أكل عمر اللي قاعد جانبي ده."
تعالت ضحكات الجميع، وما زادهم فرحة هبوط أسيل للأسفل بعدما تمكن أحمد من إقناعها.
يحيى بسعادة:
"بجد فرحة برجوع أدهم وأحمد."
ابتسم أحمد بسمة هادئة.
ياسين بجدية:
"قولتلكم قبل كده، الشغل بره في كتير يديروه، وأظن كلامي مفهوم."
دينا بمكر:
"خلاص رعد يسافر بدالهم."
رعد بصدمة:
"أنتِ عايزة تتخلصي مني يا دينا؟"
دينا بتأكيد:
"جدًا على فكرة."
مروج لداليا:
"الحقي أبوكي وأمك."
داليا بشرود بجاسم المتجاهل لها:
"هيتصالحوا بعد 5 دقايق."
هبطت الصغيرة الدرج وما زالت لا تعلم الطرقات، تبكي بخفوت وهي تبحث عن والدتها.
أقترب منها رعد ببسمة واسعة، نعم هي حفيدته مريم، فلم يلتقي بها بعد.
حملها بين أحضانه بعدم تصديق، فتبدلت دموعها سعادة للعب جاسم وعمر ومازن وأحمد معها.
حمزة بصدمة:
"إيه اللي جرا لشباب العيلة؟ سابوا الأكل ولعبوا مع البنت."
يحيى:
"هههههه، يا عم سيبهم، أنت عايز منهم إيه؟"
حمزة:
"على رأيك، هما يلعبوا وأنا كنت باخد كل القف."
تعالت ضحكاتهم لذكرى ما مر.
***
بالأعلى.
أفاقت من نومها لتجد نفسها بغرفة غير غرفتها، فتشت بعيناها لتعلم أين هي.
رفعت الغطاء ثم وقفت تبحث بالغرفة، فوجدت مياه تتناثر على رقبتها.
أستدارت لتجده خلفها بعدما خرج من الحمام.
رائد ببسمة جذابة:
"صباح الخير يا حبيبتي."
تطلعت له بمشاعر متلخبطة، أبتعد عنه أم تظل بمخضع الأمان؟ يا له من قلب لعين.
أبتعد عنها بهدوء، فهو لم يقبل بمعانتها.
قالت بصوت متخشب:
"أنا فين؟"
وضع عيناه أرضًا بحزن:
"دي أوضة غير التانية، نقلتك فيها امبارح."
وتركها وجذب قميصه يرتديه مسرعًا، ثم صفف شعره بأهمال وغادر سريعًا.
جلست على الفراش والفكر يشغلها، هل تمنحه الفرصة أم تقسو عليه؟ لم تجد نفسها سوى تحدث أخيها بالهاتف كعادتها.
***
بالمقر الرئيسي.
جلست بملل وهي تنتظره، فتوجهت لغرفة الاجتماعات حتى ترى ماذا يفعل.
أنهى اجتماعه ولملم الأوراق الخاصة به ثم توجه للخروج، ولكن الصدمة كانت حليفته حينما رآها أمامه.
صاح بغضب جامح:
"أنتِ إيه اللي جابك هنا؟"
دلف للداخل قائلة بثبات:
"ياسين، أنا مظلومة، صدقني، أنا بعدت عنك الفترة اللي فاتت دي عشان تعرف الحقيقة."
جذبها من معصمها بقوة كبيرة قائلاً بصوت كالنيران المتأججة:
"واضح أنك مش بتفهمي بالكلام، أنا مش بحبك."
دلت لتستمع كلمات تسرد لها صدمة الا وهي...
"أنا عارفة أنك بتحبني يا ياسين، البنت اللي أنت كتبت كتابها دي مجرد تنفيذ وصية وعهد بين أبوك وعمك، لكن أنا واثقة أن قلبك معايا أنا، وأنت بنفسك كنت بتقولي كده."
ياسين بصدمة:
"مليكة..."
غزت الدموع وجهها، فرفعت يدها على وجهها تحاول الثبات عما استمعت إليه، ولكنها لم تحتمل.
ركضت سريعًا لتهرب من عيناه المخادعة لها، فلحق بها سريعًا، ولكن هيهات، هناك مجهول سطر لها.
صاح بصوتٍ متقطع من الصدمة "مليكة" حينما وجدها تعبر الطريق غير واعية لتلك السيارة القادمة، ربما ستضع نهاية لحد ما، وربما بداية لمجهول؟!!!
***
بالقصر.
جلسوا جميعًا بعد الطعام بالقاعة يتبادلون الحديث المرح، إلى أن دلف عدي ومعه تلك الفتاة صاحبة الوجه الملائكي، يده تتطوف يدها.
تطلع لهم الجميع باستغراب، إلا ياسين، فهو يعلم بالأمر.
نظرات خوف أحمد كانت تلاحق أسيل المنصدمة ممت تراه، فقلبه ذبح لرؤية دموعها، ولكن ماذا لو صار القلب عدوًا له من قبل رؤيته؟
أحداث... مجهول... تشويق... حقائق... خدعة... انكسار... ألم... عشق...
انتظروني غدًا في حلقة جديدة من
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اية محمد
أسرع خلفها وقلبه يتحطم كلما أبتعدت عنه.
تلقى صدمات متتالية حينما وجدها تعبر الطريق ولم ترى السيارة القادمة.
بغضب كأنها في سباق مع الزمن القاسي، صاح بلهفة وخوف:
_ مليكة!
كانت تركض كأنها تهرب من واقع مرير لم ترد تصديق ما استمعت إليه منذ قليل.
شعرت بإضاءة قوية تشوش رؤيتها، فرفعت يدها على عينيها حتى تتمكن من الرؤية.
تصنمت في مكانها حينما وجدت السيارة تقترب منها فعلمت أن لا مفر من مصيرها المحتوم.
على الجانب الآخر، كان يهبط من سيارته بعدما أعطى المفاتيح للحارس.
فتوجه للداخل ولكنه تصنم في مكانه حينما وجد ابنة عمه تركض بسرعة كبيرة والبكاء حليفها.
حتى ياسين يركض خلفها بلهفة ويحثها على الوقوف.
تخشب في مكانه حينما وجد سيارة قادمة بسرعة الريح، ربما لم ترها مليكة، فأسرع إليها.
تجمدت خطوات ياسين من رؤية المشهد القادم، ولكن عاد قلبه مجددًا للنبض حينما وجدها آمنة بعد أن جذبها معتز سريعًا عن الطريق.
أزاحت يدها ببطء لتجد أنها مازالت على قيد الحياة.
لم تتمالك نفسها بمجرد التفكير بالأمر.
كان صوت معتز هو الملجأ لها من دوامة الفكر وإعادة ذكري ما استمعت إليه.
معتز بخوف:
_ انتِ كويسة؟
رفعت عينيها المغمورة بالدموع كأنها تشكو له ما بها.
اقترب منهم ياسين سريعًا ثم جذبها بقوة من معصمها قائلاً بغضبٍ جامح:
_ انتِ مجنونة!
حاولت أخفاء دموعها ولكن لم تستطع، فرفعت عينيها لمعتز قائلة برجاء:
_ رجعني القصر يا معتز أرجوك.
وزع نظراته بينها وبينه قائلاً بشك:
_ انتوا اتخقتوا؟
خشيت أن تفضحها دمعاتها، فهرولت لسيارة معتز.
معتز باستغراب:
_ في إيه يا ياسين؟ مليكة مالها؟
تتابعها بعينيها ثم رفع يديه قائلاً بنبرة لا تحتمل نقاش:
_ مفاتيح عربيتك.
_ مع الحارس.
قالها معتز بعدم فهم لما حدث.
***
بالقصر.
تطلع لهم الجميع بزهول، على عكس نظرات أسيل كانت صدمة مغلفة بالدموع.
حصلت الآن على إجابة مصرحة لكافة أسئلتها.
آية باستغراب:
_ عدي!
أقترب منها ومازالت هي تحتضن يديه، تشعر برجفة تسري بجسدها.
فسارت الآن تعلم بنفوذ عدي عندما رأت هذا المكان الضخم المأوي بالحرس.
وقف عدي أمام والدته قائلاً بهدوء وهو يشير لها:
_ دي رحمة يا ماما.
حينما استمع عمر لاسمها تأملها باهتمام وصدمة بآنٍ واحد.
أما آية فكانت بحيرة من أمرها من تلك الفتاة؟ وماذا تفعل معه؟
لم تجد سوى الصمت تلتزم به.
خرج صوت ياسين قائلاً بابتسامة هادئة:
_ مش محتاج تعرفنا عليها.
علم الجميع بمعرفة ياسين بها، فكان محل صدمة للجميع وبسمة غامضة لعدي.
أسترسل حديثه قائلاً بغموض:
_ هي محتاجة تتعرف علينا.
مازن بصدمة:
_ إيه دا؟ الوحش وقع بجد!
جاسم بصدمة تفوقه أضعاف:
_ بص هو حلم وأنت معايا فيه صح؟
صفعهم عمر بقوة قائلاً بسخرية:
_ عودوا لأرض الواقع.
تطلعوا له بغضب جامح، فاسرع ليقف أمامهم.
تطلعت له رحمة بصدمة حقيقة ثم وزعت نظراتها بينه تارة وبين معشوقها تارة أخرى لتتيقن بأنه لم يكن يمزح، فبالفعل هناك نسخة متطابقة معه، ما يميزه عنه هو شعره الطويل.
عمر بابتسامة واسعة بعدما رفع يديه لها:
_ عمر الجارحي، تؤام الأخ اللي جانبك ده، بس أنا طيب وكيوت عنه.
رفعت يدها بابتسامة رقيقة على حديثه المرح، ولكنه تراجع للخلف حينما لمح نظرات غضب الوحش.
تقدمت منها مروج تتأملها بدراما ثم أطلقت صفيراً قائلة باعجاب وهي توزع نظراتها بينها وبين نور:
_ بتجبوا الموزز دي منين يا جدعان؟
دفشها جاسم قائلاً بخوف مصطنع:
_ روحي على جانب واسجدي شكرًا لله أنك ست، وإلا كان زمانك متعلقة في نجفة القصر ده.
أنهى حديثه ثم أعدل قميصه قائلاً بابتسامة هادئة بعدما رفع يديه لها:
_ معاك جاسم الجارحي، 346588 ده رقم الفون و...
دفشه مازن قائلاً بغضب:
_ انت لسه هتحكي قصة حياتك؟ بصي لو سمحتي أنا فضولي حبتين، عايز كل التفاصيل، إزاي قدرتي تحصلي على قلب هذا الوحش؟
تعالت ضحكات رحمة على مرح تلك العائلة وغضب الوحش الفتاك لهم، فجعلهم يهرولون للخارج.
جاسم بخوف مصطنع ونظراته على عدي:
_ كنت أتمنى أفضل هنا، بس للأسف أنا لسه صغير وليا مستقبل، خسارة أموت من غير ما أكونه.
وغادر جاسم سريعًا.
مازن ببسمة واسعة:
_ لا أنا معنديش حاجة أخاف عليها، ولازم أعرف أجوبة مقنعة لأسئلتي.
يارا بغضب:
_ ده وقته يا مازن.
اتفضلي يا حبيبتي.
تركت يده وجلست لجوارهم تتأملهم بسعادة.
صعدت للأعلى سريعًا ودموعها تزداد شيئًا فشيئًا.
لم تقوى على تحمل تلك الصدمة التي ستفتك بقلبها لا محالة.
دلفت لغرفتها ثم أغلقتها سريعًا غير عابئة لصوت أحمد الذي يحثها على الوقوف.
جلست على الفراش محتضنة جسدها الهزيل بين ذراعيها.
يحترق قلبها كلما تتذكر دلوفه معها، يدها المتشبثة بيدها.
شعرت بأن قلبها يحترق بنيران الكراهية لتلك الفتاة التي تلتقي بها لأول مرة.
بكت كثيرًا وصوتها يعلو شيئًا فشيئًا فيحطم قلب العاشق ذو القلب المحمل بالأوجاع.
فصاح بغضب:
_ أسيل افتحي الباب ده بقولك.
استمعت لصوته فهو الرفيق الدائم لها على الدوم، ولكن تلك المرة لن يتمكن من تطيب جرحها العميق.
أحمد بهدوء مخادع:
_ أسيل افتحي عشان خاطري، حرام اللي بتعمليه في نفسك ده.
تعالت صوت الطرقات وتعالى صوت بكائها، فلم يجد سوى تحطيم هذا الحاجز الذي يحجب بينه وبين معشوقة القلب.
دلف للداخل يبحث عنها بجنون، إلا أن وقعت نظراته عليها فوجدها تجلس على الفراش محتضنة جسدها، والدموع تغرق وجهها كالموت الذي يحتضنها.
أقترب منها بحزن يخيم عليه.
يضعه القدر باختبارات تفوقه أضعاف، ألا يكفي جرعته من العذاب فتزداد عليه الآلام لرؤية دموعها؟
جذب يدها من على وجهها فتقابلت عيناها بعينيه.
خرج صوته الهزيل قائلاً بحزن:
_ قولتلك قبل كده فوقي قبل ما تتوجعي.
تطلعت له بصدمة فخرجت الكلمات بصعوبة:
_ انت كنت عارف يا أحمد؟
أشاح نظراته عنها فتوجهت إليه بصدمة.
جذبته من جاكيته ليتطلع له فصاحت بصراخ هيستيري:
_ انت كنت عارف وشايفني بتعذب، طب ليييه مقولتليش ليييه؟
رفع يديه على وجهها قائلاً بحزن يمزقه:
_ اهدى يا أسيل.
دفشت يدها بعيداً عنها ثم احتضنت وجهها بعدم تصديق.
جلست على الأريكة تحاول استيعاب ما يحدث.
كم تود أن تصرخ بصوت مرتفع لعله يخرج ما بداخلها.
أنحنى أحمد أرضاً ليكون على مستواها، فجذب يدها حتى تنحدر الستار العازل بينهم لترى عيناه لعلها تشعر بصدق حديثه:
_ كنت عارف بس مقدرتش أحطمك بأيدي يا أسيل.
تعالت شهقاتها قائلة بصوت متقطع من البكاء يحمل السخرية بين أحضانه:
_ خلاص يا أحمد، اتحطمت واتكسرت من زمان.
لم يحتمل سماع بكائها المزلزل فجذبها بين أحضانه.
استكانت قليلاً ثم رفعت عينيها لعينيه قائلة بسخرية:
_ كنت فاكرة أنه هيديني فرصة أكون بحياته، بس خلاص غيري أخدها.
_ انتِ بالنسباله مجرد أخت، أنا سبتك تعيشي بالوهم ده بس مش كتير يا أسيل.
قالها أدهم بغضب جامح فأستدارت لتجد والدها يقف أمامها والغضب يشكل قسمات وجهه.
صدمت من معرفته الأمر وما زاد صدماتها صوته الصارم:
_ أنا السبب من البداية، بس النهاردة الموضوع ده هيكون له حد.
الأسبوع الجاي هيكون فرحك انتِ وأحمد، ودا آخر كلام عندي حتى لو هجوزك غصب.
وترك الغرفة وغادر والغضب يلعب دوره بنجاح.
تطلعت للفراغ بصدمة لم تستوعب ما قاله منذ دقائق.
استدارت تتأمله بفيض من الزهول، فأقترب منها قائلاً بهدوء:
_ أسيل أنا.
قاطعته قائلة بدموع:
_ سبني لوحدي يا أحمد من فضلك.
تطلع لها بحزن دافين ثم خرج تاركها تستوعب ما استمعت له منذ قليل.
***
بالأسفل.
ابتسمت بسعادة وهي تجلس معهم، حتى أنها تعرفت على نور وأحبت الحديث معها كثيرًا.
ولكن ما شغل تفكيرها آية التي أشارت لعدي وصعدوا للأعلى.
بالأعلى.
صاحت بغضب:
_ أنا مش مصدقة بجد! أنت يا عدي.
عدي بهدوء:
_ هو أنا عملت حاجة غلط؟
أقتربت منه قائلة بنبرة هادئة:
_ يابني أنا واثقة في أخلاقك وعارفة أنا ربيتك أنت وأخواتك على إيه، بس الناس متعرفش كده، يعني تواجدك معها بمكان واحد وهي لسه مبقتش مراتك دا شيء مثير للشكوك، والناس مبترحمش.
أستدار قائلاً بغضب:
_ من امتى واحنا بندور على اللي يرضي الناس؟
زفرت بعصبية:
_ يا حبيبي أنت ميهمكش، لكن هي لا، حتى لو محدش يعرفها، وبعدين في أصول محدش يتعداها.
هو أنا أكره أشوفك مبسوط أنت وأخواتك؟ أنا فعلاً زعلت لما اتفاجئت بيها ومكنتش أعرف حاجة عن اللي حصل، بس دا ميمنعش أني شوفتها زي مليكة، واللي ما يرضوش لبنتي ما يرضوش لغيرها، عشان كده حاول مترددش هناك كتير.
أقترب منها ثم قبل يدها قائلاً بتفهم:
_ حاضر يا حبيبتي.
ثم أكمل بمكر:
_ بس دا لحد كتب الكتاب.
تعالت ضحكاتها ثم قالت بفرحة:
_ ربنا يسعدك يا حبيبي.
هنزل بقى أتعرف عليها، أصل زمانها أخدت عني فكرة مش كويسة بعد ما أصدرتلها الوش الخشب.
أكتفى بابتسامته الصغيرة ثم تتابعها بعينيه إلى أن هبطت للأسفل.
***
بقيت بالسيارة تنتظر معتز والدموع تشق وجهها.
قلبها يتحطم كلما تذكرت كلماتها.
لا يعقل ذلك؟ هل خانها قلبها فشعرت بأنها نالت قلبه؟
حاولت إيقاف سيل الدموع الحارقة ولكن لم تستطع.
دلف للسيارة فما أن رأته حتى أسرعت للهبوط.
جذبها من معصمها قائلاً بغضبٍ جامح:
_ لحد كده وكفايا، أنا استملت جنانك ودلوقتي هتهدى وتسمعيني.
تطلعت له بنظرة مميته ثم صرخت قائلة بعصبية شديدة:
_ انت أيه لسه ليك عين تتكلم!
تطلع له بنظرة كادت أن تقتلها فأرتعبت من ردة فعله.
كبت غضبه بصعوبة كبيرة ثم شغل محرك السيارة وأنطلق بسرعة كبيرة تنقل غضبه الفتاك.
وقف أمام أحد المطاعم الهادئة ثم خرج من السيارة، فأبت الهبوط ولكن انحازت له حينما جذبها بقوة كبيرة للغاية.
دلفوا للداخل ثم عاونها على الجلوس.
جلست بهدوء بعد تأكدها بأنها لن تتمكن منه.
جلس ياسين يتراقبها بصمت مؤقت فوجدها تبذل قصارى جهدها حتى لا تسقط دموعها أمامه.
تحطم لرؤيتها فمازالت هي نبض هذا القلب.
ترك مقعده ثم أقترب من المقعد المجاور لها ممسكاً يدها بين يديه.
ياسين بنبرة تحمل العشق في أحضانها:
_ اللي شوفتيه النهاردة ده مش صحيح يا مليكة، صدقيني أنتِ فهمتي غلط.
رفعت عينيها المغمورة بالدموع، فأزاحها عنها بوجع، يرتد هذا القلب لرؤيتها هكذا.
خرج صوتها أخيراً قائلة بدموع:
_ انت تعرفها؟
تلامست يديه وجهها غير عابئ بمن حوله:
_ هجاوب على كل أسئلتك، بس عشان خاطري متبكش.
أشارت له بالموافقة، فهي تتلهف لمعرفة الكثير والكثير.
أسترسل حديثه قائلاً بعين تلتهب بنيران العشق القاتل:
_ عايزك تعرفي حاجة واحدة بس، أنا محبتش في حياتي حد زيك.
_ جاوبني يا ياسين، كنت فعلاً على علاقة بيها؟
قالتها مليكة بخوف شديد من معرفة الحقيقة.
أخفض يديه لجواره قائلاً بشرود بالماضي:
_ أعرفها من أيام الجامعة، منكرش أني بالأول أعجبت بيها، وبعدين كنت فاكر أني بحبها لما اتقربت مني وبقيت أنا كل اهتماماتها، أو زي ما كنت فاكر.
_ وبعدين؟
قالتها بلهفة لمعرفة المزيد، فأكمل حديثه قائلاً بغضب دافين لسنوات:
_ علاقتنا كانت شبه معدومة أو سطحية جدًا، بس مع الوقت بقيت أحس أنها مهمة في حياتي، عرضت عليها الجواز وكانت سعيدة جدًا.
عملت كده إزاي صدقيني معنديش إجابة على السؤال، يمكن عشان اتربينا أن مفيش علاقة بتجمع الراجل بالست غير الجواز.
كبتت أحزانها وشهقاتها قائلة بصوت مرتجف:
_ عمي موفقش؟
ابتسم قائلاً بسخرية:
_ قولتلك من أول ما بدأنا الكلام أن كلامها مش مظبوط، بلاش تربطي الأحداث بطريقة غلط يا مليكة.
حاولت الصمود فقالت بثبات مخادع:
_ يعني هي رفضتك؟
_ تقصدي خدعتني.
قالها بنبرة تحمل الغضب الشديد، فتطلعت له بعدم فهم.
أسترسل حديثه قائلاً بنبرة متقطعة من الغضب:
_ مخططها كان ناجح جدًا، شاب وسيم وغني يعني عيشة مرتاحة.
_ دا غرور؟
قالتها مليكة بسخرية، فأكمل هو بهدوء:
_ دي الحقيقة اللي عرفتها وسمعتها بنفسي، لا والغريبة أن الطمع عماها، ففسخت خطوبتها من ابن خالتها حب حياتها زي ما سمعت.
الفلوس عمت نفوس كتير يا مليكة، صحيح وقت بس بعد ما اكتشفت أنها مش كل حاجة بحياتنا.
رفع يديه محتضنًا ليدها المرتجفة، عيناه تتفحصها باهتمام، فخرج صوته قائلاً بشرود بعينيها:
_ أنا ندمت فعلاً يا مليكة، لأنك كنتِ جانبي طول الوقت، كنت فاكر أن ده هو الإعجاب، لكن بالعكس أنتِ ملكتي قلبي قبل ما أعترفلك بحبي يا مليكة.
رفعت عينيها المحتقنة بالدموع فشعرت بصدق مشاعره، ارتمت بأحضانه تبكي بقوة، فشدد من احتضانها كأنه طوق النجاة لها من الموت.
شعرت بأمان مريب بين أحضانه، فتسللت حمرة الخجل وجهها حينما وجدت الجميع يتطلع إليهم.
تطلع لها ياسين قائلاً بمرح لرؤية دموعها مازالت تلامس وجهها:
_ ها مش هتقوليلي بقا راحة ليه؟
تعالت ضحكاتها قائلة بدلال:
_ لما تطلبلي أكل الأول.
رمقها بنظرة عشق ثم همس بنبرة منخفضة:
_ بس كدا، دانا كلي ملكك.
وأشار بيده للنادل ليحضر لهم ما ألذ وأطيب.
***
بالمقر.
جلس على المقعد بشرود، فرفع هاتفه قائلاً بنبرة غامضة:
_ ممكن أخد من وقتك دقيقتين.
دلفت للداخل ببسمة على طريقته المرحة، فجلست أمامه ومازال نظراته ساكنة.
زرع القلق بقلبها فقالت بقلق:
_ أنت كويس يا معتز؟
طال صمته فقطعه قائلاً بثبات مريب:
_ خايفة عليا؟
أردفت بتأكيد:
_ أكيد طبعاً.
تخل عن مقعده ثم جلس مقابل لها قائلاً بنظراته الساحرة:
_ ليه؟
كانت بمازق حقيقي، أتهرب من سؤاله المربك أم من نظراته الفتاكة؟
عبثت بالملف على قدميها كمحاولة للهروب منه، فقالت لأعين متعلقة بالفراغ:
_ الملف ده واقف على توقيعك.
جذبه منها ثم ألقاه على المكتب بأهمال، فجذبها لتقف أمامه.
رفعت عينيها بارتباك حينما رفع يديه على وجهها بحنان قائلاً بصوت هامس وأعين متفحصة:
_ مجاوبتش على سؤالي.. ليه بتخافي عليا يا شروق؟
علمت أنها محاصرة لا محالة، فوضعت عينيها أرضاً قائلة بصوت منخفض:
_ لأنك جوزي.
أقترب أكثر قائلاً بمكر:
_ بس؟
… ها.
قالتها بارتباك وتوتر جامح.
صدح الهاتف الخاص بالمكتب، فدفشته بعيداً عنها وهرولت للخارج كمن رأت شبحًا مخيف.
لم ترى من يتجه للمكتب فصطدمت به، رفعت عينيها لتجد جاسم أمامها.
جاسم ببسمة مكبوتة:
_ إيه يا شروق، قفشة في وشك كدا وراحة فين؟
تخلت عنها الكلمات فقالت بعد جهد كبير:
_ ها أصل أنا.
قاطعها قائلاً بمكر:
_ طب اهدى كدا وكل شيء هيكون تمام، قولي يارب.
رمقته بغضب ثم أكملت طريقها لمكتبها وهي تلعن عقلها الذي تخل عن مهامه الأساسية فجعلها أضحوكة هذا الأحمق.
***
بالجامعة.
دلف بسيارته الفاخرة، ثم هبط بطالته المميزة كعادته.
بحث عنهم بعينيه إلى أن وقعت عيناه عليهم، توجه حازم إليهم.
فجذب المقعد وجلس على الطاولة المخصصة كافيه الجامعة قائلاً بابتسامة بسيطة:
_ صباحوو يا شباب.
_ صباحو فل يا جارحي.
قالها صديقه السوء، ولكن هذا الأحمق مازال يعتقد أنهم أخيار، لا يعلم خططهم الدنيئة للأيقاع بتلك الفتاة وتحمل هو نتيجة المجهول.
صعدت للأعلى فجتمعت برفيقاتها قائلة بابتسامة:
_ السلام عليكم يا قوم.
_ لسه فاكرة يا أختي.
_ سيبك منها، معتش حاطة حد في دماغها.
جلست قائلة بغضب:
_ إيه دا انتوا اجتمعتوا عليا ولا إيه!
_ أنعم، ولازم تجبيلنا حاجة على حسابك والا تستهلي اللي هيحصلك.
قالت لها رفيقتها، فغضبت نسرين للغاية، فتركت الطاولة قائلة بتذمر:
_ ماشي يا أختي هروح وأمري لله.
وتوجهت نسرين للأعلى أو لمصير سطره لها هؤلاء الأوغاد.
أشار له بعينيه، فتطلع لها وهي تحمل أكواب القهوة الساخنة وتتجه لرفيقاتها، فوزع نظراته عليها وعلى حازم المنشغل بهاتفه، فوضع خطة محبوكة.
وضع قدماه بطريقها فتعثرت لتسقط بين على صدره.
وقف والغضب تسلل لعروقه، فمن تلك اللعينة التي تجرؤ على فعل ذلك؟
ابتسم نادر بخبث لحدوث مراده، فقال بمكر:
_ أنتِ مبتشفيش.
نسرين بارتباك وهي تتفادى الحديث مع هذا اللعين، فوجهت حديثها لحازم:
_ أنا أسفة صدقني مقصدتش.
دء حينما شعر بالصدق بعينيها، فتلك الفتاة تأسره بسحرها الخاص.
تمالك الغضب نادر لظنه بأن خطته باتت بالفشل، فعال صوته قائلاً بغضب مصطنع:
_ أنتِ متقصديش! ههههههه دي دخلة جديدة دي ولا إيه؟
قال الشاب الآخر:
_ مش قولتلك يا حازم البنت دي عايزة اللي يفوقها عشان تعرف مين هو حازم الجارحي، بتتعمد تبين للكل أنك ولا حاجة.
لمع الغضب بعينيه، وما زاده حديثها حينما أقتربت رفيقاتها منها، فصاحت بغضب:
_ أنتوا فعلاً أشكال زبالة، أنا غلطانة إني وقفت واعتذرت.
قالت كلماتها وكادت أن تخرج من المكان، ولكن وجدت من يجذبها بالقوة ليهوي على وجهها بصفعة قوية للغاية، كانت صدمة لطلاب الجامعة بأكملها.
رفعت عينيها بصدمة فرأته يقف أمامها قائلاً بصوت كالرعد:
_ الزبالة دي أمثالك، الغلط اللي حضرتك بتتكلمي عليه ده جه من زمان يا حلوة، أنا عديتلك المرة اللي فاتت بس خلاص شكلك مش بتفهمي بالذوق، وأمام الكل لو حد شافك تاني هنا مبقاش حازم الجارحي.
قالها بعين من جحيم، فجذبتها رفيقتها على الفور، فهي تعلم جيدًا ماذا يستطيع أن يفعل؟
ولكن لا تعلم بأنها ملكٌ له وسيعافر لتحظو بحياتها ليتحمل هو الأشواك والطعنات القاتلة لتراقب هي شمس العشق الدافئ.
***
بالقصر.
لم تصدق رحمة أن بهذا الزمان كم من الطيبة.
نعم، فما أن جلست معهم بالقصر شعرت بأنها محاطة بحصون من الحب مجتمع بقوة.
وما زادها إعجاب شخصية آية الغامضة.
بالأعلى.
صعدت لغرفتها بمساعدته ونظراته تشملها بعشق، فزفر بضيق طفولي:
_ كل ده عشان أشوق الرسمة؟
كبتت ضحكاتها قائلة بجدية مصطنعة:
_ أنا تعبت في رسمتها ولازم تتعب لما تشوفها.
عمر بسخرية:
_ دا إيه الذل ده؟
تعالت ضحكاتها قائلة بشفقة:
_ خلاص هجبها.
وتوجهت بمفردها للخزانة ثم لامست بيدها اللوح وجذبته لينصدم عمر.
نور بلهفة:
_ إيه رأيك؟
عمر بصدمة كبيرة:
_ مين دا يا نور؟
تلبلكت قائلة باستغراب:
_ مين دا إيه؟
أكيد أنت طبعاً.
_ يا نهار أسود.
قالها عمر بأعين متسعة على مصارعيها، فأقتربت منه قائلة بلهفة:
_ ليه بس في إيه؟
جذب عمر اللوحة في محاولة أخيرة لأقناع نفسه، ثم صاح بهدوء:
_ في حاجات مش حاجة واحدة، بصي يا قلبي مترسميش تاني، أقولك على حاجة حلوة مترسميش خااالص يكون أفضل، أنا عايزك ترتاحي وتصفي ذهنك.
ثم رمق اللوحة نظرة مجددًا فتمتم بخفوت:
_ بسم الله الحافظ.
أنفجرت ضاحكة ثم قالت:
_ أعمل إيه يعني ما أنا تعبت من التخيلات.
عمر بغضب وعينيه على اللوحة تأبى تركها:
_ متتخيليش خااااالص بعد كده.
ابتسمت قائلة بجدية:
_ نفسي أشوفك يا عمر.
غزت كلماتها قلبه فحطمته بنجاح، أقترب منها ثم قربه منه قائلاً بعشق:
_ قريب أوي يا قلب عمر، بس ساعتها هشوف هتقدري تعرفيني ولا لا.
ابتسمت بخجل:
_ أكيد هعرفك من صوتك.
تعالت ضحكاته ثم قال بجدية:
_ عدي صوته بيشبهني.
دلت دوامة الحيرة، فأحتضانها بقوة لعلها تتمكن من تميزه بنبضات القلب المتراقص.
أبتعد عنها وهو يتأمل وجهها، ملامحها البريئة، عيناها الزرقاء.
رفع يديه على وجهها وباليد الأخرى حرر حجابها ليلمع شعرها الأسود بجمال.
خجلت كثيرًا وهي تحاول الابتعاد عنه ولكنه حاصرها بين ذراعيه هامسًا بجوار أذنيها:
_ بتثقي فيا يا نور؟
كان سؤال مزلزل لها، فمرت ذكريات الماضي أمام عينيها لتجده المنقذ لها على الدوام.
خرج صوتها الخجول كحالها قائلة بتأكيد:
_ مش بثق في حد غيرك.
غمرها بين ذراعيه بسعادة كبيرة لسماعه كلماتها الرقيقة، حملها للفراش فأنقبض قلبها بقوة ولكنها علمت بأنها صرحت له بالثقة.
طبع قبلة خفيفة على جبينها قائلاً بعشق:
_ ارتاحي شوية لما أرجع من المستشفى عشان نبدأ علاج للجراحة.
ابتسمت قائلة بحماس:
_ خلي بالك من نفسك.
_ لما توعديني بدا أوعدك أنا كمان.
قالها بهيام بعينيها، فقالت ببسمة رقيقة:
_ الكل هنا واخدين بالهم مني يا عمر، وبعدين انت مش عادتك تتأخر على المرضى، هتغير عادتك عشاني ولا إيه يا دكتور؟
تعالت ضحكاته قائلاً بسخرية على كلمتها:
_ اتعلمتي منهم.
أشارت بغرور مصطنع:
_ أنا بقيت منهم، نور الجارحي.
_ ههههههه ماشي يا عم محدش بقا قدك.
قالها عمر وهو يتوجه للخروج، فقالت بعشق:
_ متنساش تكلمني.
ابتسم قائلاً بتأكيد:
_ إن شاء الله يا حبيبتي، سلام.
نور:
_ في رعاية الله.
وغادر عمر للمشفى وتبقت هي هائمة به.
***
بالأسفل.
هبط عدي للأسفل، فأبتسم حينما وجد مليكة عادت من الخارج وجلست تشاركهم الحديث والمرح.
فرحمة تعلقت بجميع الفتيات، وآية ويارا وشذا، حتى دينا وتالين أعجبن بها للغاية.
هبط ليكون على مقربة منهم، فركضت مليكة لأحضانه كالمعتاد قائلة بابتسامة مرحة:
_ وحشتني يا ديدو، قليل لما بشوفك.
رفع يديه يحتضن أميرته الصغيرة ثم قال بثبات:
_ لو عاوزيني عارفة إزاي توصلي، بس دا مش في مخططك، مخططك الفلوس اللي بتاخديها من عمر، فعارفة إزاي توصليله هو.
فتحت عينيها على مصارعيها قائلة بصدمة:
_ هو أنا اتفضحت كده؟
_ وأكتر كمان يا أختي.
قالتها مروج بضيق، كانت تتأمله بغضب وغيرة شديدة.
أجابها بجدية:
_ لا يا دالي.
رحمة باستغراب:
_ مين رائد؟
مروج:
_ أخوه.
رحمة بصدمة:
_ مش جاسم أخوه؟
تعالت ضحكات الجميع، فأجابت مليكة مؤكدة لها:
_ عندك حق تتلخبطي، العيلة كبيرة أوي ما شاء الله، بس أنا هفهمك كل حاجة ثانية واحدة.
وتركتهم وهرولت للأعلى ثم هبطت بعد دقائق ومعها ألبوم كبير بعض الشيء، فردته أمامها لتجد بكل صورة عائلة متكاملة، فقالت بسعادة:
_ يعني أنتِ أخت عدي؟
مليكة بغرور:
_ أنعم، الصغيرة.
سعدت كثيرًا، فعلم عدي ما كان سبب غضبها منذ قليل.
أنغمست معهم بسعادة عائلية فقدتها رحمة بحياتها، ولكن هل ستدوم السعادة طويلاً؟
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اية محمد
حل المساء ولمع القمر بنوره الخافت ليعلن انكسار قلوب حطمها الجانب المظلم من العشق القاتل.
صعدت لغرفتها والدمع يعلم طريقه الدائم على وجهها، أبت الجلوس بالأسفل ومازال يتجاهلها.
هي تعشقه وتعلم جيداً ولكنها ترى نفسها لا تليق به. ربما كما أخبرها أنها لا تناسبه.
أغلقت باب غرفتها بقوة ترعد الأفواه.
جلست على الأريكة بأهمال تتذكر كلماته القاسية لها بحزن وألم.
***
___________
***
بغرفة أسيل.
صاح بغضب: يا بنتي فوقي من اللي انتِ فيه ده.
تطلعت له بأعين ملتهبة بحرارة البكاء الحارق ثم قالت بحزن: حتى انت يا جاسم!
أقترب منها ثم جلس لجوارها قائلا بهدوء وحزن مصاحب على حالها: أيوا أنا يا أسيل عشان بحبك وبخاف عليكِ، متنسيش أنك أختي الوحيدة ويهمني سعادتك.
رفعت عيناها بسخرية: سعادة! وهي السعادة هتكون بجوازي من أحمد!
انكمشت ملامح وجهه قائلا بثبات: ماله أحمد؟
تعالت شهقات بكائها قائلة بدموع: أحمد هو الإنسان الوحيد اللي بحس معاه بالراحة، أي حاجة كنت بقولها له هو، لأنه مش صديق طفولة دا أخويا، ليه ترغموه يتجوزني؟
جاسم بهدوء: مين قالك أننا أجبرناه؟
تطلعت له بحيرة من أمرها، لم تعد تفهم شيء مما تستمع إليه.
رفع يديه يزيح دموعها قائلا بحزن على حالها: بلاش تفكري كتير يا أسيل، وبعدين أحمد هو الاختيار المناسب ليكي.
كادت الحديث فقاطعها قائلا بتحذير: اسمعيني للآخر. سهل أي صديق يكون زوج مثالي، لكن صعب أي زوج يكون صديق لمراته، وبعدين انتِ هتكوني معانا ببيت واحد، صدقيني يا أسيل لازم تمحي الوهم ده من تفكيرك.
لم تستمع له فكانت بأسر تلك الكلمات. نعم، هي تريد العيش معهم بمنزل واحد، لا تريد الابتعاد عنه. ربما تشبع قلبها بنظراتها له. إذا مفتاح البقاء هو أحمد، هذا هو قرارها الأخير بعد تفكير عميق، لا تعلم بأنها تدعس هذا القلب بكل قسوة وجفاء.
خرجت من غرفتها ثم توجهت لغرفته.
تحت تظرات استغراب جاسم.
***
________
***
بالمقر.
أنهت عملها ثم لملمت أغراضها وهبطت للأسفل تنتظر سيارة أجرة كالعادة، ولكن تلك المرة بمفردها لغياب رفيقتها الأولى.
علقت نظرها بالطريق فتأملته بلهفة لعلها تلمح سيارة. فتلبلشت حينما وجدت شاب بملامح سوقية يقترب منها.
انقبضت أنفاسها ولكنها تماسكت، فما زال الليل بأوله أو كما كانت تعتقد بأنه من المحال التحدي على حدوده بمثل هذا الوقت المبكر.
ابتعدت عنه قليلا حينما بدأ الأمر بالحديث المسف، ولكنه زاد عن الحد حينما اقترب منها.
سقط قلبها من محله، فحاولت دفعه بعيداً عنها بغضب ولكن لم تستطع. وما زاد صدمتها رؤية شابين آخرين لتعلم بأنهم أصدقائه بعدما أشار لهم.
ركضت شروق سريعاً باتجاه المقر لعلها تجذب انتباه الحرس فيتدخلون على الفور، ولكن وجدت من يسد طريقها من هؤلاء اللعناء.
استدارت بعينيها إلى أن وقعت على منشأ سكني حديث، فلم يكن هناك خيارات أخرى.
صعدت للأعلى بسرعة كبيرة حتى كادت أنفاسها تنقطع، ولكن لم تبالي. كل ما يشغلها هي الهروب منهم كما تظن.
لا تعلم بأنها من قدمت نفسها كبش لهم.
لحقوها للأعلى، فاختبأت خلف المعدات الملقاة أرضاً.
بحثوا عنها كثيراً، فاستمعت لحديثهم وإصرارهم بالوصول لها.
بالمقر.
مكتب معتز.
لا بجد البنت دي زودتها قوي يا ياسين.
قالها معتز بغضب جامح بعدما استمع لما حدث بينه وبين تلك الفتاة.
زفر قائلا بغضب: أنا مش عارف إيه اللي رجعها تاني بعد ما خلاص نهيت علاقتي بيها.
معتز بهدوء: أهم حاجة أن مليكة اقتنعت.
كاد أن يجيبه ولكن صوت هاتفه صدح بالغرفة.
رفع معتز هاتفه باستغراب لرؤية اسمها على شاشته، وسرعان ما تحولت لصدمة حينما استمع لبكائها.
شروق ببكاء حارق: ألحقني يا معتز أرجوك.
صاح بلهفة: في إيه؟
أنا جنب المقر بمسافة بسيطة في عمارة لسه مكملتش.
قالتها شروق بنبرة متسرعة، ثم التزمت الصمت القاتل حينما عثر عليها أحدهم.
لم يفهم ماذا يحدث معها، فركض سريعاً للمكان الذي أخبرته عنه بقلب مسلوب من الراحة ومفعم بالقلق واللهفة.
تعجب ياسين لتبدل قسمات وجهه، فأتبعه على الفور لرؤية ماذا هناك.
تراجعت للخلف بخوف قاتل حتى الدموع صاحت على وجهها كالسيل. ربما تشعر بأنها النهاية، نعم نهاية ستختارها فلم تحتمل العيش وهناك بقعة عار على جبينها.
تطلعت للمسافة من خلفها بينها وبين الأرض، فرأت أنه مسافة معقولة للقضاء عليها.
فرت دمعة هاربة بغضب على هؤلاء اللعناء الذين يقضوا على حياة أناس أبرياء بدون رحمة أو ضمير.
تعالي يا حلوة في حضني بدل وقفتك بالشارع ده، حتى حنين عليكِ من الواقفة كدا.
قالها أحدهما بعدما فرد ذراعيه اللعينة ببسمة تسلية، فتعالت ضحكات الآخرين.
منظرهم المقزز جعلها تغتاظ مما تراه، ولكن الخيار سطع أمامها.
خالفها قلبها مردداً بهمس بأنه قريب منها وسيُحميها من هؤلاء الشياطين كما تراهم، ولكن رفض عقلها الخضوع أكثر، فتراجعت أكثر وأكثر.
تبقت خطوة واحدة وستفتك بحياتها، فأغمضت عيناها بخوف شديد ودموع تغزو بقوة كالسيل.
"شروق".
لا توهمي، ذاك صوته.
صوت محبوبيها.
فتحت عيناها ببطء وخوف من كونه وهم، فتستيقظ على حقيقة هؤلاء، ولكنه لم يكن إلا واقع حقيقي، فهو أمامها.
أقترب منها سريعاً تاركاً لياسين زمام الأمر بعدما قضى على من يقترب منها بغل وغضب. ربما حفر اسم معتز الجارحي بذاكرته قبل الموت، فيعلم عقوبة ما ارتكبه.
تطلع لها بخوف شديد بعدما تطلع لآخر خطوة بينها وبين الموت، فأبتلع ريقه بخوف ثم قال بهدوء مصطنع: خلاص محدش هيقربلك.
ابتسمت وما زال الدمع اللعين رفيقها، لعلها لم تصدق أن الرابح بالمعركة هو القلب، فها هو يقف أمامها ليكون لها الحماية والأمان.
اقتربت منه بخطوات مرتجفة ثم وقفت أمام عينيه التي تحولت لغضب جامح لتحذيره لها صباحاً بأن تنتظره.
ذاب الجليد وقسوة قلبه، فتطلع لمن تسكن أحضانه وتتشبث به بقوة ودموع كأنها تستمد القوة منه.
تخشب محله وربما حال جسده هكذا، فجاهد ليرفع يديه يطوفها بين ذراعيه. كلما تشدد من احتضانه كلما تمرد عليه قلبه ليشدد من احتضانها.
أنهى ياسين عليهم بأقل ما هو مذكور، فمن هم ليقفوا أمام هذه البنية القوية.
خرج ليرى ماذا هناك، فوجدها ساكنة بين أحضان زوجها.
ابتسم بهدوء ثم قال بسخرية وصوت منخفض: شكلي هروح ماشي.
وبالفعل أخرج مفاتيح سيارته ووضعها على أحد البراميل الموضوعة وغادر بهدوء بعدما كتف من بالداخل بحبل ثم طلب من حرس المقر الاهتمام بالأمر.
***
________
***
بالقصر.
تعالت ضحكات نور ورحمة على مرح مليكة ومروج كذلك رانيا بعد أن هبطت لتبحث عن ابنتها، فحثتها شذا على الجلوس معهم.
مليكة بغضب: بتضحكوا بقولكم والله البت طفشت على طول.
رانيا: ههههههههه حقها هو كل يوم حد بياكل الأكلة دي هههههههه.
نور: ههههههه بصراحة يا رانيا معاكِ حق، أنا هموت وأجربها بس طبعاً مش هنا، أخلاق القصر لا تنحدر لذاك المستوى.
آية: هههههههه لا يا قلبي أنا ودينا وشذى بننحدر في المطبخ ههههههههههه.
شذى بغضب: اتفخس عليكي فضحتنا يا بت.
ملك بزهول: يا نهاركم أسووووح من غيري.
يارا بضيق: شفتي يا ملك دول مش بيحبوا غير بعضهم.
تالين: هههههههه أكيد آخر توقعاتهم أنكم بتحبوا الرنجة والفسيخ هههههههه.
مروج: ههههههههههه مطلعناش لوحدنا إلا بننحدر.
رحمة بصدمة: هي في ست مصرية أصيلة مش بتحب الرنجة؟!!
دينا: هههههههه في رجال القصر هنا لو شموا خبر هنبأت في جناح الخدم ههههههه.
نور: هههههه أنا بريئة.
رانيا: هههههه لحقت تخلع يا أبو حنفي.
رحمة: ههههههههههه بجد مش قادرة ههههههه.
دلف رائد من الخارج فتوجه للصعود ولكنه تخشب حينما استمع صوت ضحكاتها.
أرشدته قدماه لمكانها كأنه مغيب لرؤية بسمتها التي اشتاق لها.
وقف يتأملها ببسمة هادئة، فوقعت عيناه عليه فتعلقت النظرات طويلاً.
قطعتها دينا قائلة بابتسامة فرح: رائد؟
تعال يا حبيبي.
دلف للداخل باستغراب بعدما تعلقت نظرته بتلك الفتاة التي يراها لأول مرة.
جلس بجوار والدته فقالت بسعادة: مريم فين؟
بتلعب مع حازم.
قالها ونظراته متعلقة بزوجته، فخجلت للغاية من نظراته الغامضة.
آية: رائد ممكن تروح مع مليكة ورحمة ونور الحديقة، نور مشفتهاش خالص كمان خد رانيا معاك.
يعلم جيداً بمحاولتها لخلق وقت بينه وبين زوجته، فأشار لها ثم قال باستغراب: مين العضو الجديد بالعائلة؟
تعالت ضحكاتهم، فقاطعته ملك: دي يا حبيبي أهم عضو، الزوجة المستقبلية لعدي الجارحي، رحمة.
صدم رائد فقال بزهول: مش معقول عدي!
رحمة بمرح: في إيه؟ هو كلكم بتتكلموا كأني عملت إنجاز ليه؟
تعالت ضحكات رائد، فجعله للوسامة عنوان مميز: بصراحة عملتي أكتر من إنجاز، ومبدئياً منورة القصر.
قالت بخجل شديد: بنوركم والله.
مليكة بلهفة: طب يلا بقا.
وقف رائد ثم قال بجدية: يلا يا ستي.
وبالفعل أتبعته نور بمساعدة رحمة ومليكة ورانيا بعد إصرار دينا وآية.
***
________
***
بغرفة أحمد.
عدي بأعين غامضة: يعني مش عايز تقولي مالك؟
أحمد ببسمة مخادعة: هكذب يعني الله، طب أعمل إيه عشان تصدق؟
قهقه بنظرة جعلته يجلس باستسلام لعلمه بأنه لم يقنعه بعد.
ابتسم قائلا بثقة: سكت ليه؟ كمل ولا ملقيتش كلامك دخل عليا!
جلس لجواره على الأريكة، فكيف يخبره بأن الفتاة التي يعشقها تحب غيره وأنه المقصود!
طرقت باب الغرفة ثم دلفت لتجده يجلس بالداخل.
تعلق نظره به بشيء من الأنين، لا ترى من يتراقبها بألم ووجدان.
تطلع لها عدي بحزن ثم غادر الغرفة بعدما استأذن للانصراف.
عيناه تأبى تركه، فتأملته إلى أن تخفى من أمامها.
لم ترى من يتأملها بحزن هو الآخر.
أشاحت نظراته عنه، فالتزمت بالصمت قليلاً ثم خرج صوتها قائلا بضيق: أنت عايز تتجوزني ليه؟
تخلت عنه الكلمات، ولكنه حسم الأمر بأنها لن تكون ملكه بيوم ما، فخرج صوته الثابت: ده جزء من الصداقة يا أسيل.
انكمشت ملامحها بعدم فهم، فأكمل هو بهدوء: عمي قال أنه هيجوزك للشخص المناسب، وأنا عارفك كويس، استحالة تقبلي بحد، فمش هقبل تعيشي في الخلاف ده كتير، ومتأكد أن نهايته هتكون تنفيذ كلامه.
اقتربت منه بفرحة كبيرة ثم رفعت يدها على يديه الموضوعة بسعادة: يعني أنت هتفضل صديق طفولتي على طول!
رفع عيناه يتأمل فرحتها ببسمة فرح ثم ردد بصوت منخفض: على طول يا أسيل.
احتضنته بسعادة، فرفع يديه يربت على كتفيها وبداخله نيران تتأجج، ولكن عهده لها أنه سيظل جوارها لنهاية المطاف يلزمه به.
***
________
***
بغرفتها تشكو له عما بصدرها، لا مانع من الانهيار، فهو الملجأ لها.
شكت له عن أنين قلبها، شكت له حماقتها وعدم امتلاك الثقة الكافية لإقناع ذاتها.
أنهت لقاءها مع الملك ثم لملمت سجادة الصلاة بوجه ممتد بالدمعات، ثم جلست على المقعد تتذكر حديثه القاسي.
وقف أمام غرفتها بتردد، فرفع يديه حتى يطرق كحال قلبه الطارق بقوة له، ولكنه أطبق على يديه بقوة ثم هبط للأسفل تاركاً داليا بحالة من الانهيار.
***
___________
***
بالأسفل.
كانت تتأمل الحديقة بإعجاب شديد، ولجوارها نور التي تتسلل رائحة الزهول أنفها، فأبتسمت لرؤيتها الحديقة بأكملها.
خطت رانيا معهم وهي شاردة بذكريات العشق لها بذلك المكان، فكانت تتأمل رائد بشرود، وحينما تتقابل عيناهما كانت تهرب سريعاً، فيبتسم بخبث.
جلست رحمة ومليكة ونور على الطاولة تتناقشان الحديث المرح، فكانت سعيدة للغاية باختيار عمر وعدي لتلك الفتيات الرقيقة.
لمعت عيناها بفرحة حينما رأت ياسين يقف على مقربة منها، فتركتهم وتوجهت إليه حينما أشار لها بيديه.
تأملتهم رحمة بتعجب من ذاك الشاب، ولكن لم تتعجب لعلمها بأن هناك الكثير التي لم تلتقي بهم.
مليكة بخجل: نعم.
حل بالصمت وتأملها باهتمام ثم قدم لها حقيبة صغيرة مغلقة.
تناولتها منه قائلة بتعجب: إيه ده؟
ابتسم قائلا بسخرية: كنت راجع من غير عربيتي، ففكرت أعمل شوبنج خفيف وأفتكرتك معايا بشوكلا.
مليكة بفرحة: بجد شوكلا ليااااا أنا.
ابتسم قائلا بخبث: هو مش كل اللي في الشنطة شوكلا.
مليكة بلهفة: طب هفتح أشوف هنا.
وضع يديه على يدها قائلا بمكر: بلاش هنا.
أردفت بعدم فهم: ليه؟
ابتسم قائلا بخبث: أوك براحتك.
وبالفعل فتحت الحقيبة، فأبتسمت بسعادة لرؤية الشوكلا المفضلة لديها، ثم تحولت نظراتها لخجل شديد حينما رأت باقي محتويات الحقيبة.
تطلعت له فوجدته ابتعد عنها، ثم استدار قبل الدلوف للداخل وعلى وجهه ابتسامة تسلية لرؤية وجهها المشابه لحبات الفراولة الحمراء.
جلست رانيا على الطاولة التي تبعد قليلاً عن طاولة نور، ترى بعينيها أكثر ذكرى لها معه هنا، نعم كانت هنا بالتحديد حينما كانت تتخفى منه بذلك المكان خلف الزهرات.
تتذكر حينما خبأت الهدية المميزة له بجوار أحد الزهور تحت طبقة من إحدى الطبقات، فكانت تعد لإخباره ولكن بطريقة تحمل المشقة.
اقتربت من المكان بدموع وهو يتراقبها من بعيد، ثم انحنت تزيل الطبقة التي تحولت لطين يحفظ جذوع الأزهار، فأزالتها بحرص وأزالت العوائق لتصل إليها.
حملته بين يديها الصندوق الملوث بتراب السنوات التي قضتها بعذاب وقلب يشبه لون الصندوق، ثم فتحته بعد معاناة لتجد ذاكرها به.
أقترب منها رائد ونظرات الاستغراب لما تفعله تحل فسمات وجهه، فرفع ما بيدها ليجده صندوق مزين باسم رائد، فتحه ليجد ورق مقسم على هيئة جمل صغيرة، الأولى كانت كلمة مأخوذة: "بحبك".
الورقة الثانية: "انت أحسن حاجة في حياتي كلها".
الورقة الثالثة كانت أكبر صفعة لرائد: "أنا حامل".
لمع الدمع بعيناه، فحطم هو مخططه الجميل الذي أصبح بين يديه ملوثاً بالطين.
لم تقوى على الوقوف كثيراً، فتركته ودلفت للغرفة المقابلة له الممتلئة بأزهار نادرة، فأقتربت من الصنوبر وأزالت ما بيدها، ثم توجهت لدلوف القصر الداخلي من الباب المقابل لها كمحاولة للهرب منه، فهو يقف بالحديقة.
أقتربت من الباب الداخلي ولكن ذراعيه كانت الأقرب لها.
أبعدت يديه عنها قائلة بدموع: عشان خاطري يا رائد، خرجني من هنا، أنا عارفة أنت ليه عايزاني أفضل هنا شهر، بس صدقني أنا مش قادرة.
تعالى صوت بكائها المحطم لقلبه، فكأنه ذبح بخنجر مسنون، لم يقوى على الوقوف طويلاً، فوضع ما بيده قائلا بنبرة تحمل الجدية: خلاص يا رانيا، أنا مش هقبل أشوفك كدة.
تهرب من نظراتها قائلة بصوت مكبوت: ورقة طلاقك هتوصلك أول ما أخرج من هنا.
وتركها وخطى للخارج بخطى متثاقلة يشعر بأنه كلما يتجه للخارج كأنه يقترب من الموت.
لم يتمالك نفسه، فلعنات الظلم والانكسار اخترقت حوائط قلبه، فهبط الدمع الساخن من عيناه على فراقها.
نعم فعل ما بوسعه ليجعلها تغفل عما فعله، توجه للخارج وقدماه تتثاقل شيئاً فشيئاً، فحمد الله كثيراً حينما خرج، فاستند بجسده على باب الغرفة من الخارج، مغلق عيناه بقوة لعلها تحتمل الألم.
تترنح خصلات شعره الغزير بفعل الهواء البارد، فتمنى أن تغزو هذا القلب المشتعل فتهدأ من اشتعاله.
ما أن اختفى من أمامها حتى صدحت كلمته بالطلاق بعقلها، لم تستوعب ما سمعته، فهرولت بسرعة للخارج والدموع تغزو وجهها.
لم تعد تعلم ما يريده ذاك القلب. كان يتلهف للحرية من معتقل هذا المغرور، وما أن حصد الحرية تمرد عليها؟
ركضت للخارج وصوتها يصيح باسمه عالياً "رائد……." "رائد"………."رائد".
قالتها بصوت متقطع كمن تسارع للحياة.
لهثت من الركض فوقفت تتطلع للحديقة بصدمة لعدم رؤياه، فرفعت يدها تحتضن وجهها، سينفذ ما تفوه به؟ هل ستتحرر رابطة عشقهم لتنال لقب مطلقة؟
لم تحملها قدماها، فجلست على الأعشاب تبكي بقوة وألم.
عيناها تتأمل المساحات الواسعة من هذا القصر الشاسع لعلها تلقطه فتتمكن من إيقافه.
أحنت وجهها أرضاً بيأس، لتستمع لصوته المحطم كحالها: لسه بتكابري يا رانيا؟
استدارت بوجهها بلهفة لتراه يستند بجسده على الحائط، يتطلع للأعلى كأنه شارد، البسمة البسيطة تزين وجهه بسخرية حينما استمع لصوتها تناجي اسمه بأستماته.
ابتسمت حينما رأته أمامها، فكانت كالمجنونة تبكي وتضحك بآن واحد، إلى أن قطعت ما تبقى بينهم، فوقف تتطلع له بغضب أنهته بالركض لأحضانه لتجده مرحب بها.
أحتضنها بقوة فقالت بدموع: ما تبعدش عني أرجوك.
لو أقدر كنت عملتها من سنين.
قالها بحزن بعدما تطلع لعيناها، فكم كان يود خيانتها أو حتى الزواج حتى يكوي قلبها، ولكن لم يستطع ذلك.
تلون وجهها بالغضب، فأحتضنها مجدداً قائلا بعشق: مش هزعلك تاني أوعدك.
ابتسمت بخفوت وأستكانت بأحضانه إلى أن حملها للأعلى من الباب الداخلي.
بالخارج.
نور بابتسامة صغيرة: بس يا ستي دي حكايتي مع عمر من الأول لحد ما اتجوزنا.
رحمة بهيام: لا جامدة بجد.
تعالت ضحكات نور قائلة بسخرية: هو أنا بحكيلك مسلسل! جامدة إيه؟
ابتسمت قائلة بتأكيد: عجبتني والله وبعدين منطقية جداً ومش زيي.
تملكها الفضول فقالت بلهفة: دورك بقى.
رحمة بخبث: ما بلاها.
نور بغضب: هو إيه اللي بلاش أحكي يا بت.
تعالت ضحكات نور، فما أن تقابلت معها حتى شعرت بأنها تعرفها منذ أعوام، وبالفعل قصت لها كل شيء ليحل الصمت على الطرفين، فربما الطبيعي لرحمة الصمت بعدما قصت لها ما حدث، فهي الآن بمرحلة الانتظار على عكس نور التي أثارت الصدمة ما تبقى بعقلها.
فقالت بسخرية: يا بنت الأيه والله تنفع راوية خيالية، دانا صدقتك.
تعالت ضحكات رحمة قائلة بجدية ألتمستها نور: بس دي الحقيقة يا نور.
زادت صدمات نور فرددت بهمس: سبحان الله.
ثم صاحت: لا بصي أنا هرجع أوضتي أحسن وبدون مساعدتك.
تعالت ضحكات رحمة وهي تتراقبها تحاول التوجه للداخل، فلحقت به والأبتسامات تنهل عليها قائلة بصعوبة: يا نوررر استنى.
لم تستمع لها وكادت السقوط لتجد يد سريعة لها.
عمر بخوف: إنتِ كويسة؟
نور بسخرية: بعد اللي سمعته.
عمر باستغراب: سمعتي إيه؟
رحمة بابتسامة بسيطة لرؤية عمر: ما سمعتش حاجة ولا إيه يا نور.
نور بسخرية: والله على حسب.
أعانها عمر على الجلوس ثم جلس جوارها وعيناه تأبى تركها، فربما كان دليل قوي لرحمة عن عشقه المتيم، فقالت بخجل: أنا هدخل أشوف عدي يوصلني عشان الوقت اتأخر.
نور بحزن ملحوظ لها ولعمر: بالسرعة دي؟
رحمة ببسمة مرحة: الله أنتِ من شوية مكنتيش طايقني.
بالعكس حبتك جداً يا رحمة، أول مرة أستريح لحد كدة.
قالتها نور بدمع صادق، فأسرع عمر بالحديث: طب ما تخاليكي معانا يا رحمة.
رحمة بخجل: مش هينفع.
أتى صوت من خلفها: ليه يا رحمة؟
استدارت لتجد ياسين الجارحي أمام عينيها، فأرتبكت للغاية لسماعها عنه الكثير.
وقف عمر قائلا بابتسامة واسعة: مساء الخير يا حاااج.
ضيق عيناه بغضب شديد، فصمت عمر على الفور.
أشار له ياسين فعلم ما يريد وأنسحب على الفور.
جلس ياسين على المقعد قائلا بابتسامة لم تفقد جاذبيته بعد: واقفين ليه؟ اتفضلوا.
اقتربت رحمة منهم وجلست على المقعد كما أشار لهم ياسين، وكذلك جلست نور يستمعان له باهتمام لمعرفة ماذا هناك.
حل الصمت قليلاً ثم خرج صوته الثابت: أنا وزعت الحيوان ده عشان نعرف نتكلم براحتنا.
ابتسمت الفتيات فأكمل حديثه قائلا بهدوء: فترة 20 سنة من حياتي كانت كافية تخليني أشوف نفس الطريق بعيون أولادي الاتنين. عمر كنت بشوف فيه الشهامة والرحمة الغريبة لأي حد سواء من قريب أو من بعيد. عدي كنت بشوفه أسوأ مني بمراحل، عمري ما لمحت في عيونه حب أو تفكير بالحياة، كل تفكيره كان شغل وبس. منكرش أنه بيشبهني بطباع كثيرة بس مقدرتش أغير فيه حاجة منهم. انتوا خليتوني أشوف أولادي من جديد. نظرة الحب وتغير عدي كان بالنسبالي شبه مستحيل، عشان كدا كنت دايماً بوفرلهم كل حاجة بدون ما يحسوا بيها.
تطلع لنور ثم قال بحنان: نور وجودك معانا هنا فرق معانا، إحنا مش معاكي عشان كدا عايزك تختاري اللي يناسبك أنتِ مش اللي تختارييه عشان غيرك.
كانت رسالة واضحة لها. فأستدار لرحمة التي تنظر له باستغراب وإعجاب: وانتِ يا رحمة خلاص مصطفى ده مش هيديقك تاني، لأن ببساطة وقع في طريق اللي مبيرحمش، وخاصة بعد اللي عرفته عنه واللي عامله فيكِ ووالدتك الحمد لله ابتدت تستعيد وعيها، يعني خلاص مفيش حزن تاني ولا إيه.
ابتسمت قائلة بخجل: بجد مش عارفة أقول لحضرتك إيه.
قاطعها بحزم: مفيش بنت بتقول الكلام ده لوالدها، والا إيه؟
ابتسمت بسعادة هي ونور، فبالفعل ما زال ياسين كما هو.
ختم حديثه بأنها ستظل معهم إلى أن يتم عقد القرآن والزفاف مع أحمد ومعتز.
بالقصر.
هبط عدي يبحث عنها فوجد عمر يتخفى خلف الستار.
عدي باستغراب: أنت بتعمل إيه عندك؟
لقيت الإزاز عندنا متوسخ فقولت أنضفه.
قالها بسخرية ثم صاح: بشوف ابووووك ناوي على إيه؟
انكمشت ملامحه بعدم فهم، فأكمل عمر بخوف: بقاله ساعة قاعد مع نور ورحمة معرفش بيقولهم إيه؟ أنا شاكك يكون بيقنعهم يسبونا.
رمقه عدي بنظرة قاتلة ثم غادر بصمت قبل أن ينهي حياته.
***
___________
***
بغرفة مريم.
أحبت حازم كثيراً حتى أنها غفلت على يديه، فحملها للفراش وظل جوارها يتأمل الفراغ بشرود في تلك الفتاة.
يتذكر كيف رفع يديه على وجهها بقوة. يتذكر دموعها الغزيرة ونظرتها القاتلة.
فصدح هاتفه برقم رفيقه الذي أخبره القدوم لشققته على الفور.
تعجب حازم من تأخر الوقت وسرعة حديثه، فأنصاع له وأخبره أنه سيأتي على الفور.
لا يعلم بأنه سيشهد ضحاياهم بيده، فربما يقتلع قلبه لرؤيتها لقمة سائغة بينهم.
ولكن هل سيصبح من صفهم أم سيتمرد ليصبح ضحية؟
***
___________
***
وقفت السيارة أمام منزلها والسكون ما زال مخيم عليهم.
هو يحاول التحكم بنبضات قلبه، وهي تفكر بما حدث وكيف لجأت إليه سريعاً.
انتبهت لوقوف السيارة فرفعت عينيها تتأمل سكونه بحزن ثم جذبت حقيبتها وهمت بالهبوط، ولكنها صرخت ألماً حينما وقفت على قدميها المجروحة بشدة من ركضها.
صاحت بألم: اااااه.
هبط سريعاً ليقف بالقرب منها، فأستندت عليه رافعة قدمها بألم.
معتز بلهفة: في إيه؟
حاولت الحديث فقالت بصوت متقطع من الألم: رجلي اتجرحت.
حملها بين يديه للسيارة مرة أخرى، فشُهقت بخجل من الناس حولها.
صعد للسيارة هو الآخر ثم توجه لأقرب طبيب.
شروق: مش مستاهلة دكتور.
لم يبالي بحديثها وحملها للداخل، وهي تتأمله بفرحة وسعادة. نعم، من طريقته تشعر بأنه يعشقها مثلما تعشقه، لا تعلم بصراعه بين قلبه وعقله المشحون بالثائر.
***
___________
***
بغرفة ملك.
دلف ياسين للغرفة بعدما استمع أذن والدته للدلوف، فدلف ليجدها تجلس على الفراش بفرحة ما أن رأته.
ملك بسعادة: تعال يا حبيبي.
دلف بعدما قبل يدها ثم جلس جوارها قائلا بمشاكسة: لقيتك لسه صاحية على الفيس فقولت أجى أقرفك شوية.
تعالت ضحكات ملك قائلة بضيق مصطنع: في حد يقرف مامته العسل دي.
ياسين: يعجبني ثقتك بنفسك يا لوكة.
ملك بغرور مصطنع: أكيد أنا لو مكنتش حلوة كنت هتطلع حلو لمين.
تقصدى أنا أبوه مش حلو.
قالها يحيى بتذمر بعدما دلف للداخل.
همس لها ياسين بخبث: أوبس وقعتي.
أجابته بنفس مستوى الصوت: مش أنا اللي أقع، أبوك بيحبني ومش هيزعلني.
تطلعت له فأشارت بغرور، فتعالت ضحكات الثلاث.
***
___________
***
صعدت رحمة مع نور لغرفتها بعدما أقنعها ياسين بالمكوث بالقصر.
لم تذق النوم، فكان قلبها ينبض بقوة كأنه يستمع لنبض معشوق الروح، فتأملت نور الغافلة لجوارها ثم خرجت للشرفة بعدما ارتدت حجابها.
وقفت تتأمل الحديقة بإعجاب إلى أن لمحت السلم الجانبي لحديقة أخرى غير الرئيسية.
تملكها الفضول، فهبطت لترى ماذا هناك.
كانت حديقة منفصلة عن ولها باب جانبي مزين بجذوع. دلفت منه لتجد حديقة أخرى ودرج يؤدي لغرفة، وبالحديقة باب يؤدي لغرفة أخرى، فتيقنت أن لكل غرفة حديقة خاصة به والوصول إليها عبر درج الغرفة.
ما لفت انتباهها تلك الحديقة المميزة، فلما يكن بها حشائش ولا أزهار، كان بها حمام سباحة كبير للغاية.
نبض قلبها بقوة لتعلم بأنها أمام غرفة معشوق الروح، فأبتسمت بخجل لتأكدها بأنه يقف خلفها، فقلبها يفضح خطاه.
***
___________
***
وصل حازم للشقة المنفردة الخاصة برفيقه.
فطرق الباب ففتح على الفور.
حازم بضيق: إيه يابني جايبني على ملا وشي ليه؟
ثم صاح بزهول حينما رأى أصدقائه بالداخل: إيه دا الفريق كله هنا.
رفع نادر كأسه المعبأ بالمحرمات قائلا بتلذذ: مش عايز تشوفنا والا إيه؟
جلس لجواره قائلا بتعب: أشوفك بالوقت ده والله لو أعرف إن ده الموضوع مكنتش عبرتكم.
نادر ببسمة خبث: لا مش ده الموضوع، فيه أهم.
استند برأسه على المقعد قائلا بنوم: الأ هو؟
نار ببعض الغضب: البنت اللي قلت أدبها معاك لازم نربيها عشان عملت كدا.
حازم بلا مبالاة: الموضوع خلص خلاص يا نادر.
لا مخلصش.
قالها رفيقه بعدما أغلق الباب.
كاد حازم أن يجيبه ولكنه استمع لصراخ مكبوت يأتي من الداخل.
صدم وهو يتتابع الصوت إلى أن وقعت الصدمة على عتاقه، فوجدها مقيدة بأحكام على الفراش تبكي بقوة وتحاول تحرير يدها وهناك من بالغرفة يزرع الكاميرات.
تطلع لهم بصدمة: انتوا اتجننتوا؟ إيه ده.
دلف نادر وهو يرتشف الكأس وعيناه تتأملها قائلة بطريقة مقذذة: مبدأناش من غيرك، لازم نعلمها مين هو حازم الجارحي.
تعالى صوت بكائها المكبوت وهي ترى أمامها أربع لعناء فقدوا عزاء الأخلاق، وأكثرهم هذا المغرور لا تعلم بأنه المجهول لها.
صاح بغضب: انتوا مجانين أزاي وصلت بيكم الحقارة للدرجة دي! أنا مش هسمحلكم بالقرف ده.
وتوجه حازم ليحل وثاقها ولكن جذبه نادر بصدمة: بعد اللي عملته فيك؟
حازم بسخرية: وأنت مالك كنت وصي عليا، وبعدين تعال هنا أنت مين عشان تخطف الناس وتجردهم من مشاعرهم بالطريقة الزبالة دي. واضح إنك نسيت نفسك ومحتاج اللي يفوقك.
تعالت ضحكاته التي أوضحت معدنه الرخيص، ثم صاح به قائلا بنبرة مخيفة لنسرين الباكية: أنت صح، بس وفر طاقتك للجاي. أنت هددتها قدام الكل إنك مش هتخليها تخطي الجامعة تاني، وإحنا هننفذ. هناخد اللي عايزينه وبعدين هنخلص عليها. ومش بس كدا، كل الأدلة اللي هنعملها هتكون ضدك أنت عشان تقضي عمرك كله بالسجن وأكون سويت حسابي مع الزبالة دي، محدش قدر يرفضني غيرها. هنشوف دلوقتي هتعرف تدافع عن نفسها إزاي؟
حازم بصدمة: أنا مش مصدق نفسي؟
تعالت ضحكات نادر بعدما أشار لرفيقه، فاقترب من حازم وقيده هو والآخر واستمر هو بالتقرب من تلك الفتاة المسكينة.
فكان خطأها الوحيد أنها قالت "لا"، كلمة قالتها لشاب وضيع أرد أن يغضب الله ويمسد الأخلاق، فكانت عاقبتها الوقوع بعرينه وعرين اللعناء.
ولكن مهلاً، لم يعلم ما يخطط له حازم، فبنهاية الأمر الجارحي لقب نسب إليه وهو ليس للضعفاء.
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اية محمد
تطلع له حازم بنظرات أشبه للموت لا يصدق ما استمع إليه.
بكت بقوة وهو يقترب منها. لم ترى هذا الصقر القابض للأرواح.
جذبهم حازم بقوة ثم أنهال عليهم بكم من اللكمات القاتلة. فأفتك بهم بغمض البصر.
ولم يكتف منهم، فجذب نادر بقوة ليرى لهيب عيناه فتخشب محله من الخوف.
رفع يديه بلكمته القابضة للأرواح قائلاً بغضبٍ شديد:
"كل..."
حاول الدفاع عن نفسه ولكن هيهات. لم يسمح له بذلك.
أقترب حازم منها وهي تنظر له بخوف شديد. نعم، استمعت لحديثهم ولكن ما رأته يستدعي ذلك.
جلس على طرف الفراش يتأمل ما حدث لها بأسى شديد. ثم رفع يديه.
فأستدارت بوجهها بخوف ورعب. بدا بتصرفاتها ولكنها تفاجئت به يحرر قيودها.
ألتفت ليجد أنهم على وشك استعادة وعيهم. فتطلع لها قائلاً بجدية:
"لازم نخرج من هنا حالا."
أشارت له بمعنى الموافقة. فعاونها على الوقوف ومن ثم أتابعته للخارج.
لم تمانع الصعود بسيارته فقدماها لم تحملها على المشي بعدما تعرضت له.
خرج بسيارته مسرعاً ثم أوقفها بمكانٍ هادئ. فساد الصمت بينهم ليقطعه حازم وعيناه على مقبض السيارة:
"صدقيني أنا ماليش علاقة بلا كانوا عايزين يعملوه."
دارت رفعت عيناها أخيراً قائلة بتماسك مصطنع:
"أنا بشكرك على الا عملته عشاني."
وتوجهت للهبوط من السيارة. فجذب معصمها مسرعاً بالقول:
"راحه فين؟"
تطلعت ليديه فسحبها قائلاً بهدوء:
"بعتذر بس مش هينفع تمشي من غير ما نتكلم. نادر مش هيسيبك في حالك واضح أوى من كلامه."
تطلعت له بدموع ثم صاحت بعصبية:
"كل دا لييييه؟ عشان أخلاقي وتربيتي متسمحليش أرتبط بالحيوان دااا. خلاص بقينا لقمة سهلة للطبقة الراقية يدوسوا علينا."
تطلع لها بحزن شديد. فجففت دموعها قائلة بصوت متقطع:
"لازم أرجع البيت مش عايز ماما ولا بابا يقلقوا عليا أكتر من كدا."
حازم:
"طب على الأقل هاتى رقمك نعرف نتكلم."
نسرين بخجل:
"مش هقدر أنا أخده من بابا ثقة مقدرش أكسرها. أسفه."
صمت قليلا يفكر فصاح قائلاً:
"طب نتقابل بكرا فى الكافية الا جانب الجامعه."
تطلعت له بأرتباك ثم قالت بتوتر:
"أنا مش هقدر أبلغ عنهم أو أفضح أهلى."
حازم بتفهم:
"متقلقيش."
ثم أكمل قائلاً بحزن:
"أرجو متكونيش لسه زعلانه مني."
أشارت له بمعنى لا وغادرت على الفور. فبداخلها منكسرة على ما فعله ولكنه أعاد لها حياتها حينما حماها من هؤلاء الشياطين الحمراء.
بالقصر.
أستدارت بأبتسامة رقيقة. فزفر بغضب. كان يود أخافتها ولكنها كالعادة تشعر بوجوده.
رحمة بأبتسامة رقيقة:
"لسه صاحي!!"
"السؤال دا ليا ولا ليكِ؟"
قالها عدي بعدما أقترب منها. فأبتسمت قائلة بسخرية:
"هتفرق؟"
إبتسم قائلاً بمكر:
"يعني جايز قلبك الا جابك هنا عشان تشوفيني قبل النوم."
تلون وجهها بحمرة الخجل قائلة بغضب مصطنع:
"لا كان عندي فضول أشوف الحديقة مش أكتر ولا أقل."
أقترب منها ونظراته تزف لها عشقِ مفعم. فتلبكت بوقفتها حتى كادت الرحيل عنه. ولكن ذراعيه الأصعب لها لتتقابل مع نظرات عيناه الفتاكة.
عدي بمكر:
"وعجبتك؟"
أرتبكت للغاية فقالت بتوتر:
"هاا أنا هرجع أوضتي."
وتركته وهرولت سريعاً من أمام عيناه. فأبتسم بخفوت عليها.
مر الليل بتفكير عميق عليه. وسطعت شمس يوم جديد بعد توصل لخطة ستجعله يسترد راحته أخيراً.
بغرفة جاسمنهض عن الفراش بأبتسامة خبيثة للغاية بعدما توصل لما يريد. دلف لحمام الغرقة فأغتسل ثم أرتدى سروال رياضى أسود اللون وتيشرت أزرق. صفف شعره بأنتظام ثم وضع البرفنيوم المخصص له. ملقيٍ نظرة أخيرة على طالته الجذابة ثم هبط للأسفل ليشرع بتنفيذ خططته.
بالأسفل.
على الطاولة الضخمة المخصصة للطعام كان يجلس ياسين ورفيق الدرب يحيى يتناقشان بأموراً هامة خاصة بالمقر والشركات. فهبطت تلك الفتاة قائلة بأبتسامة مشرقة:
"صباح الخير."
بادلها يحيى الأبتسامة:
"صباح النور."
ياسين بأبتسامة هادئة:
"لو ميمنعش تفطري معانا ولا حابه الأنضمام لعصابة السيدات."
تعالت ضحكاتها قائلة بمكر:
"حد يطول يفطر مع ياسين الجارحي."
وجذبت رحمة المقعد ثم شرعت بتناول فطورها قائلة بخبث:
"هو فى حد بيشتغل على الأكل؟!"
تطلع يحيى لياسين ببسمة مكبوتة. فألقى ياسين الملف قائلاً ببسمة صغيرة:
"والله عندك حقي."
يحيى بصوت منخفض لياسين وبسمة شماته لحقت به:
"واضح أن فى حاجات كتير هتتغير."
"طب ودا شيء يفرحك؟!"
قالها ياسين بتعجب من تصرف يحيى. فأبتسم مؤكداً له.
بغرفة أحمددلفت للداخل سريعاً تبحث عنه بضيق إلى أن وقعت عيناها عليه. فأقتربت منه بغضب جامح:
"أحمد أنت لسه نااااايم."
فتح عيناه بضيق. فجذب الغطاء حتى يتمكن من النوم مجدداً. ولكنها لم تتركه.
أسيل بغضب:
"لا أنت كدا هتخلينى أستخدم المية."
وبالفعل حملت المياه وتوجهت إليه. فناثرت قطرات المياه على وجهه. فستيقظ على الفور.
تعالت ضحكاتها وهى تتأمل زعره وهو تمالكه الزهول من وجودها.
أحمد بتعجب:
"أسيل!! بتعملى أيه هنا؟"
رفعت المياه التى بيدها قائلة بسخرية:
"بحاول أصحى حضرتك. دا شكل عريس فرحه بكرا."
أحمد بصدمة:
"بكرا؟!!"
"كنت ذيك من شوية محستش بنفسي وأنا بجري غير لما وصلت هنا. أنكل ياسين قدم المعاد."
قالتها بشيء من الحزن. فقال بنفاذ صبر:
"وأيه المطلوب؟"
تطلعت له بصدمة ثم صاحت بغضب:
"يعنى أيه المطلوب؟ مفيش وقت أروح لمصمم لازم تنزل معايا أجيب الفستان."
تطلع لها قليلا ثم صاح بسخرية:
"وأنتِ يهمك كل دا فى أيه؟"
جلست جواره قائلة بحزن:
"مأنا لازم أفرح يا أحمد لأنى مش هعيش التجربة تانى. صحيح أنا عامله كل دا غصب عنى عشان بابا بس دا ميمنعش أفرح ولا أيه."
إبتسم بخفوت ثم قال بهدوء:
"أوك هغير وننزل نجيبلك أحلى فستان."
تعالت ضحكاتها قائلة بشماته:
"على عينى الخداع ده يابنى. انا عارفه انك كان نفسك تعيش الحلم بحق وحقيقى بس قدرك كدا وقعك مع صديقة طفولتك العسل الا هو انا. عشان كدا بعد الفرح هدورلك على عروسة عسسسل وأجوزهالك وأهو كله بثوابه."
"بره يا أسيل."
قالها أحمد بعدما دفشها بقوة من على الفراش. ثم أستدار ليجذبها للخارج بقوة.
أقتربت من الباب قائلة بمرح:
"كدا يا أحمد. طب مفيش جواز خالص. خاليك كدا معنس جانبي. بعد الجواز هتخلل ذي المخلل يا خفيف."
هرولت سريعاً حينما فتح الباب بغضبٍ جامح.
ركضت بسرعة كبيرة حتى كادت أنفاسها أن تنقطع. فأصطدمت بأخيها.
جاسم بنظرات غامضة:
"بتجرى ليه؟"
أنكمشت ملامح وجهها ثم تركته وهمت بالرحيل. فجذبها قائلاً بحزن:
"أسيل أنا أسف مكنش قصدى أمد أيدى عليكِ صدقينى أنا عملت كدا لمصلحتك ومش عايزك تعيشى بوهم."
رفعت عيناها اللامعة بالدمع قائلة بصوت متقطع:
"عن أذنكو."
تركته وغادرت. فمازال قلبها ينزف من فعلته. أزالت الدموع بغضب. فقد أقسمت على بدء حياة جديدة. ولكنها ستلجئ للخداع حتى تنتقم من أحمد لمعرفتها الآن بعشقه المتيم. فأبتسمت بتسلية حينما تذكرت ما حدث منذ قليل. فرددت بصوت يحمل الخبث بأحضانه:
"هشوف هتلتزم الصمت كتير ولا لا. أنا فعلا كنت غبية لما محستش بيك. فمفيش مانع لو أتسليت معاك شوية."
أسندت رأسها للخلف تتذكر ما حدث حينما دلف جاسم لغرفتها أمس. فوجدها تقف بالشرفة وعيناها تشتعل بالغضب وهى تتأمل عدي ورحمة بالحديقة الخاصة بغرفته ليلا. فبدءت الدموع تنسدل بقوة على وجهها. حاول جاسم الحديث معها ولكنها صرحت بحبها الشديد لعدي. لتفق على صفعة قوية من يديه. فمازالت جملته تردد بأذنيها منذ أمس.
"فوقى بقاا من الجنان الا أنتِ فيه داا. بصى حواليكِ كويس شوفى مين الا أنتِ بتكسريه كل دقيقة تحت مسمى كلمة الصداقة. لو مش قادرة تشوفى كمية الحب الا عنده ليكِ يبقا أنتِ أكيد كفيفة."
كلماته ظلت تهاجمها كأنها طوفان من جحيم. فلم تستطيع النوم. ذاكرياته تتطوفها فتجعلها فى عتاب مع الماضى. هبطت دموعها بقوة. فكم جرحته بعمق وحرافيه. ومازال يرحب بها بأحضانه ببسمة كبيرة وقلبٍ مطعون.
أفاقت من بئر ذكريات الأمس وتذكار الدمع علي وجهها. نعن هى سعيدة بأن هناك من يعشقها. ولكنها حزينة على غبائها وجرحها له.
بغرفة نوركانت تجلس على الفراش لجوار رحمة تستمع لجنونها ما أن علمت بأن الزفاف غداً.
مروج بأبتسامة مرحة:
"أجمدوا يا جدوعااان مش كدام."
مليكة بغضب شديد:
"تعرفى تخرسي خاالص. أنا هنزل أكلم بابي يغير المعاد."
دارانيا:
"ههههه هو حد يقدر يكلم عمى ياسين فى قرار أخده."
داليا:
"الشجاعه دي مزورة يا رانيا. أسالينى أنا. أول ما تشوفه بتبقى ذي الشوذ الا لبساه."
تعالت ضحكات الجميع على عكس رحمة الشاردة فى ما يحدث معها. هل الأيام تسارعت معها أم أن القدر يشعر بعشقهم المميز فيقرب بينهم المسافات؟
لم تجد إجابة لسؤالها سوى أنها سعيدة بأنها ستصبح ملكه هو.
مروج بغرور مصطنع:
"كلكم هتتشكموا الا أنا وداليا ونور وأصعب شكمة البت شروق والله صعابة عليا أوى."
تطلعت لها قائلة بتوتر:
"أيه دا أنتوا جايبنى على الصبح عشان تحطمونى."
نور لمروج:
"ههههه بس يا بت الله. متخافيش يا شروق دي بتهزر معاكِ."
رحمة بسخرية:
"مييين سى معتز دا كمان."
مروج بضيق:
"أخويا ياختى ومانصحكيش تتعرفى."
تعالت ضحكات داليا قائلة بأبتسامة واسعه:
"محتاجه وقت لسه عشان تحفظيهم."
مليكة بستغراب:
"داليا هى أسيل فين؟"
داليا:
"أسيل بقالها يومين مش بتخرج من أوضتها. روحنا أنا وطنط شذا شفناها فقالت أنها كويسة بس محتاجة تكون لوحدها شوية."
رانيا بستغراب:
"ليه؟ مالها يا داليا؟!"
داليا:
"معرفش."
مروج:
"طب أنا هروح أشوفها وأجيبها تتعرف على شروق ورحمة."
وبالفعل توجهت مروج لغرفتها. وتبقت الفتيات بالغرفة.
بالأسفلصاح بغضب:
"لاااا ماليش فيه."
جاسم ببسمة مكبوته:
"خلاص يا معتز تتعوض. الراجل مدشدش قدامك."
"أبداً هنلعب يعنى هنلعب."
قالها معتز بتصميم. فأنكمشت ملامحه قائلاً بضيق:
"ماشي يا معتز وربنا لأوريك. وهروح أفك الزفت دا قبل الجمعه."
جاسم بسخرية:
"سبك منه يا مازن. معتز خلاص راحت منه."
هبط عمر للأسفل قائلاً بأبتسامة واسعه:
"خناقة قشطة."
مازن بسخرية:
"قشطة! أنت متأكد أنك دكتور يالا."
أقترب منهم عمر قائلاً بغرور:
"هما بيقولوا كدا. وبعدين أنتوا بتعملوا هنا أيه؟ أنا أتوقعت أنى مش هلاقي حد خاالص."
معتز بصدمة:
"والمتوقع نروح فين؟"
عمر بجدية:
"أنت مش فرحك بكرا يالا."
معتز بتأكيد:
"أيوا بعد التغير."
مازن بغرور:
"سبك منه. دانا أول ما عدي كلمنى وقالى نزلت بضعت بداله من أفخم الأنواع عشان بكرا."
جاسم بسخرية:
"بضعت والعرسان لسه هنا؟!!"
مازن بغضب:
"والعرسان أفضل منى فى أيه؟؟!"
":_مين الا يقدر يقول كدا."
كان صوته كفيل بجعله يتراجع عن كلمته. فقال سريعاً:
"الا الوحش دا أفضل من الكل."
تعالت ضحكات عمر قائلاً بسخرية:
"كدا تعجبينى يا زوزو."
مازن بغضب:
"تصدق أنا غلطان أنى جيت أساعدكم فى الترتيبات للحفله. أنا راجع."
وتوجه للخروج. فجذبه معتز من يديه. فصرخ بقوة.
معتز بخبث:
"أسف مقصدش."
مازن بضيق:
"تتعوض أن شاء الله."
عمر "_هههههه ما بلاش يا مازن أنا خايف عليك. الأيام بتجرى بسرعة والحرب فاضلها يومين بس."
مازن بصدمة:
"هو أنتم ناوين تعملوا الملاكمه فى شهر العسل."
معتز بتأكيد:
"أي حد هيخلع هيدفع الضريبه. خدت بالك من أي حد دي؟"
قال جاسم من وسط سيل الضحك:
"الرياضة مفيدة عن الجواز."
عمر:
"هههههههههه عشان أقولك ألبس بقاهبط ياسين للأسفل قائلاً ببسمة هادئة:
"صباح الخير يا شباب."
عمر بنفس الأبتسامة:
"صباحو ورد."
جاسم بجدية:
"شوفت الا حصل؟"
جلس على الأريكة جوار عدي قائلاً بفرحة ظاهرة:
"أيوا ماما قالتلى قرار عمى. وبصراحة أنا معاه فى أي حاجه."
جاسم:
"واقع واقع يعنى."
عدي بجدية:
"مازن عايزك تهتم بالترتيبات هنا أنت وجاسم لحد أما نرجع."
مازن بتفهم:
"متقلقش يا وحش اليوم طويل ومش هيفتنا حاجه أن شاء الله."
عمر بتأكيد:
"أن شاء الله الحفلة هتكون على أعلى مستوى. بس لازم نتحرك دلوقتى. هنادى البنات."
وبالفعل صعد عمر ليخبرهم بالاعداد للرحيل.
هبط رائد للأسفل قائلاً بزعل مصطنع:
"أه أنتوا النهاردة بقا هتخلعوا وتسيبوا الشغل فوق دماغى صح؟"
جاسم بأبتسامة واسعه:
"كان على عينى بس انت سمعت أوامر الوحش. أنا وميزو هنجهز القصر مع الناس لحفل الزفاف."
رائد:
"حجة مرتبة."
معتز بتأييد:
"ودمها خفي."
رائد:
"فعلا. طب وحضرتك يا أستاذ معتز."
معتز بصدمة:
"حضرتى أبقا العريس يعنى رايح مع ياسين وعدي وأحمد والباقى."
مازن بضيق:
"تما تعتبرونى من باقى الطقم وتأخدونى معاكم. جايز ألقى حاجه تعجبنى بدل البداله الا جبتها."
جاسم بعصبية:
"حاجة أيه يا مازن؟"
مازن بأبتسامة واسعه:
"جرفات أسود كدا تمشى مع البداله. أو برفان ومشط مسحلب أعمل بيه التسريحة الجديدة بتاعت شعر التعلب دا. مش انتوا رايحين تشتروا حاجات الفرح أكيد هيكونوا هنا."
ياسين بصدمة:
"تعلب؟!"
معتز بنفس قوة الصدمة:
"أنت فهمت حاجة يا عدي."
عدي بتعبيرات توحى بالغضب:
"ومش عايز أفهم."
بالأعلىدلف لغرفة مليكة فوجدها فارغة وكذلك غرفة أسيل. فتوجه لغرفة نور ليجدهم جميعهم بالداخل.
عمر بسخرية:
"الطف ياررب التجمع دا أخره وحش."
آية بأبتسامة هادئة:
"تعال يا حبيبي."
تقدم للداخل قائلاً بجدية وعيناه تبحث عن معشوقته:
"يالا عشان هنتحرك."
شروق بخوف:
"هنتحرك فين؟?"
عمر بسخرية:
"متخافيش احنا مش بنخطف حد."
تعالت ضحكات الجميع. فقالت شذا بأيجاز:
"هههههه يا حبيبتى هتروحى معاهم تجيبي الفستان عشان بكرا."
مليكة بغضب:
"أنتوا مستعجلين على أيه."
لك:
"ههههههههه بجد مش مصدقة الا بسمعه. أمال هتخللوا جانبنا."
يارا:
"طب يالا ألبسوا عشان الشباب تحت مستانين. وبعدين نشوف حكاية الأستعجال دي."
وبالفعل توجهت مليكة لغرفتها لتبدل ثيابها.
تعجب عمر من عدم وجود نور. فأخبرته والدته بأنها مع رحمة بالداخل.
كانت تجلس معهم وعيناها تتفحص الحمام. فخرجت رحمة وهى تعاون نور بعدما ساعدتها بتبديل ثيابها.
تطلعت لها أسيل بصمت. فلا تعلم أتعاملها بجفاء أم ماذا؟
جلست على المقعد بعدما أكملت داليا باقى المهام الخاصة بنور.
شذا لأسيل:
"دي بقا رحمة يا أسيل."
تخشبت معالم وجهها وهى تتطلع لها بهدوء مريب. ثم خرج صوتها اخيرا:
"مبروك."
شعرت بصوتها بشيئاً ما. ولكنها قالت بهدوء:
"الله يبارك فيكِ."
دلت مليكة للداخل وعيناها تبحث عن رحمة. إلي أن وقعت عيناها عليها. أشارت لها فتوجهت لها لترى ماذا هناك؟
توجهت معها لغرفتها. فقدمت لها مليكة فستان فائق للجمال. تطلعت له رحمة بأعجاب فشكرتها كثيراً وأرتدته.
بالأسفلتعالت ضحكات عدي حينما لكم ياسين مازن بغضب جامح. ولكنه تخال عن الضحك حينما لمح تلك الحورية تهبط الدرج بفستانها البنفسج الرقيق الذي سلب عقله منذ ان وقعت عيناه عليه.
لحقت بها مليكة لتنقذ هذا المسكين الماسد بين يديه. فتركه ووقف يتأملها بأبتسامة هادئة.
خرجت رحمة معه للخارج. فجلست لجواره بالسيارة تتأمل نظراته بخجل شديد. على عكس حال القلوب تتطلع مترابطة ببعضها البعض.
هبطت شروق للأسفل مع آية ودينا ورانيا. لتجده بملامحه الغامضة بأنتظارها.
لا ينكر إعجابه بها. ولكن هناك مهام وعليه فعله.
وقفت على الدرج والدمع يلمع بعيناها. فمازال جرحها لم يشفى بعد.
أزاحت دموعها سريعاً حينما رأت أحمد يقترب منها.
أحمد بغضب:
"أتفضلى يا هانم. أما أشوف أخرتها."
إبتسمت بتلقائية حينما تذكرت ما فعلته به. فقالت بخبث:
"أخرتها جوازة بأذن الله. بس على الله زوقى يعجبك."
كم ود الأطاحة بعنقها. ولكن قلبه منعه من ذلك.
تعالت أصوات السيارات. فعلم أنها إشارة منهم للهبوط. هبط أحمد وأسيل. ثم صعد للسيارة وأتابعهم للمكان المخصص لعائلة الجارحي.
بالقصر.
بدءت التحضيرات للحفل المخلد بالغد. فهو يشهد زواج أحفاد الجارحي. فعمل جاسم ومازن على تزين القصر بطريقة أحترافية عن طريق التعليمات للعمال بفعل كذا وكذا.
هبطت مروج للأسفل للبحث عن والدتها والضيق ينهش وجهها. فلم تحسن أختيار فستان للحفل.
هبطت بعدما تآلقت بفستان من اللون الأحمر. ضيق من الأعلى ويهبط بأتساع. جعلها كسندريلا. الزمان كانت تأمل أرتدأه غداً. ولكنها لم تراه جميلا. فهبطت تبحث عن والدتها. تعاونها كالعادة فى الأختيار.
كان يقف بالأسفل يشير للعامل بوضع أضاءة خافته بزاوية القصر. فتراجع للخلف حينما أنسدل السلك المسئول عن الأضاءة. فأستدار ليجد تلك الحورية أمامه بعدما كاد أن يدفشها بدون قصد.
تحدثت معه كثيراً ولكن لم يستمع لها. فكيف لقتيل أن يستمع لأحد؟
نعم قتيل لجمال فتاك سحرته به.
كانت تعتذر له وتبرر عدم رؤياه. ولكنها تعجبت من سكونه الغريب. فتأملت بسمته الهادئة بتعجب. شعرت بنيران تأكل وجهها. لتلتهب بخجل لم ترى له مثيل. فتوجهت للقاعة. وقبل أن تختفى من أمام عيناه رمقته بأخر نظرة كأنها سهم فتك بقلبه المهزوم.
كان يجلس على الأريكة بضيق. لم يقصد أن يرفع يديه عليها. فهى شقيقته الوحيدة.
رفع الهاتف يحاول التواصل إليها كثيراً. إلى أن أجابته. فقال بحزن:
"مش هسيبك الا لما أصالحك."
"يعنى مش زعلانه منى؟"
"حبيبتي يا ناااااس والله لو كنتِ جانبي لكنت أديتك حضن وبوسه."
تعالت ضحكاته الجذابة قائلاً:
"أوك اشوفك بليلة."
سعادته أزدادت حينما تقبلت أسيل أعتذاره. على عكس من تقف على مقربة منه والصدمة الدموع حال وجهها.
توجه ليكمل عمله. فوجدها تقف وعيناها مسلطة عليه.
أقتربت منه بخطى أشبه من الموت. ثم قالت بتماسك مخادع:
"أنت كنت بتكلم مين؟"
"ودا شيء يخصك؟"
قالها بلا مبالة. فحطم قلبها. فقالت ببعض العصبية:
"مين دي يا جاسم؟"
لم يجيبها وتوجه للخروج من القاعة. فتمسكت بذراعيه قائلة بغضب:
"أنت مش بترد عليا لييه."
رفع يديه يزيح يدها بثبات مريب. جعل الحزن يحتل قلبها. لتعلم الآن بأنها فقدته.
غادر والأبتسامة تزين وجهه. فما فعلته جعله يعلم بأنها تعشقه مثلما يعشقها. إذا لا مانع من خطة أخيرة ليجعلها تعود لأرض واقعه.
وقفت السيارات أمام أحد الأماكن الراقية. يشبه الخيال من براعة تصميمه. دلفوا للداخل لتجده مكان شاسع للغاية مخصص لفساتين الزفاف وما يلزمه.
دلت رحمة للداخل مع عدي. فكانت عيناها تتنقل على ما ترأه بأعجاب شديد. ربما لم ترى مثل تلك الأماكن من قط.
عدي بأبتسامة جعلته للوسامة عنوان رئيسي:
"أساعدك؟"
رفعت عيناها له ثم قالت بزهول:
"أكيد كلهم أحلى من بعض. المكان دا فى حاجات جميلة."
إبتسم قائلاً بعشق:
"بالعكس جوهرتى أجمل حاجه هنا."
أشاحت وجهها بعيداً عنه حتى لا يرى خجلها المتزايد.
على الجهة الأخرى خطت بخطى سريع لفستان سحرها. فقالت بفرحة:
"أيه رأيك يا ياسين."
أقترب منها ثم قال ونظراته تتطوفها هي:
"جميييل."
رفعت عيناها له بخجل:
"ياسين الله."
تعالت ضحكاته ثم أستقام بوقفته. وضعاً يده بجيب سراوله قائلاً بمكر:
"هو حلو بس لما تلبسيه هيبان أكتر."
مليكة بفرحة:
"أوك هلبسه."
وأشارت لأحد العاملات بأنها تريد هذا الفستان. فحملته لها للغرفة.
دلفت للداخل. فوقفت لجواره بخجل. حتى تقدم هو بعيناه الرومادية ينقى من بينهم. فأختار فستان يشبه ثياب الأميرات. ضيق من الصدر ويهبط بأتساع مطرز بحرافية. فأشار للعامله بأنه يريده.
أقترب منها قائلاً بهدوء:
"لو مش عجبك ممكن تشوفى غيره."
شروق بأنبهار:
"لا بجد زوقك جمييل. هروح أقيسه."
أكتفى بأشارة بسيطة وجلس أمام الغرفة بأنتظارها.
قالت بتأفف:
"يا عمر فراحنا بعد العملية بفترة. ليه نجيب الفستان من دلوقتى."
أقترب من الفستان الموضوع امامه قائلاً بعدم مبالة:
"وفيها أي يا نور الله. وبعدين يا ستي أنا جايبك عشان أجبلك فستان للحفلة فقولت نجيب بتاع الفرح بالمرة."
إبتسمت قائلة بحزن:
"يعني مفيش أمل أفتح بعد العملية وأختار."
تخشبت يديه على الفستان الموضوع امامه. ثم توجه إليها مسرعاً قائلاً بجدية:
"لا طبعاً مقصدش الكلام دا. وعموماً يا ستي أنتِ الا هتختاري الفستان بعد ما تقومى بالسلامة."
إبتسمت بسعادة لحديثه الحنون. ولكن بداخلها خوفٍ كبير من القادم.
أحتضانها لشعوره بها. فقال بهدوء:
"أوعى تخافى وأنا جانبك يا نور. وتأكدي أنى عمري ما هتخل عنك."
شددت من أحتضاته قائلة بأبتسامة:
"عارفه ومتأكدة من دا."
ثم قالت بمرح:
"طيب يالا أختارلي بقا حاجه ألبسها بكرا فى الحفلة."
إبتسم قائلاً بعشق:
"بس كدا تعالى يا نور القلبرفعت يدها ليديه كأنها تعلن له بأنه الآمان والحمى لها.
زفر بملل:
"يعني كل داا ومش عاجبك حاجة يا أسيل."
تطلعت له بضيق. ثم قالت بغضبٍ جامح:
"يووه يا أحمد قولتلك هلبسه مره واحده بس. لكن انت هتلبس البدلة مرتين عشان."
أحمد بنفاذ صبر:
"أسيييييل أنجزي الله يكرمك."
":_يسسسس هو دااااا."
فزع من صوتها الموتفع. فركضت إلى الفستان بسعادة طفولية قائلة بفرحة:
"أيه رأيك يا أحمد."
"جميييل أوى."
قالها بهيام ببسمتها الساحرة. فقالت بفرحة:
"طب هرووح أقيسه وجايه خاليك هنا."
وتوجهت للغرفة تاركة قلبه يرفرف بعشقها.
بالقصر وبالأخص بغرفة ياسين الجارحي.
صعدت لغرفتها حينما أخبرها الخادم بأن ياسين يريدها بالأعلى. دلفت لغرفتها تبحث عنه. ولكنها فزعت بشده حينما شُعلت الأضاءة من تلقاء نفسها.
لتجد مجموعة من الصور موضوعه على جميع الحوائط بالغرفة. خاصة بهم من أول المطاف الي الآن. لم تشعر بدموعها المنسدلة من كثرة السعادة. فجمعت الصور وأتابعت ذلك الطريق المضيئ بشموع على شكل قلوب بيضاء وطريق محفور بالورد الأبيض يمتد لخارج الشرفة. وبجميع الأطراف صور لذاكريتها معه على مدار السنوات.
صعدت السلم الموجود بتراس غرفتهم. لتجد نفسها أعلى القصر الشاسع بالأرتفاع. ومن هناك يقف ذاك الوسيم الذي لم يخسر وسامته بعد.
نعم هو ياسين الجارحي بثباته المعهود. يرتدى حلى سوداء اللون جعلته ملكِ فتاك.
أقتربت منه بدموع وبسمة تسع وجهها. فأسرعت بخطاها البطيئة لترتمى بأحضانه.
رفع يديه يطوفها بفيض عشقه العطر. ثم ردد بين همسات الأنين:
"ليه البكى يا آية؟"
إبتعدت عنه لتتقابل مع كنز عيناه المذهب قائلة بفرحة وخجل:
"ممكن أنا الا أسال؟"
ضيق عيناه بثباته المعتاد قائلاً بمكر:
"بس دا مش فى قوانين ياسين الجارحي."
تعالت ضحكاتها الساحرة قائلة من وسطها:
"تانى يا ياسين!!"
إبتسم مقربها منه بعشق:
"ممكن أسمح لملكة قلب ياسين بس النهاردة بس."
أشارت سريعاً برأسها. فأخيراً حظت بفرصة لطرح سؤال:
"قولى النهاردة مش عيد ميلادى ولا ذكري زواجنا. ليه كل دا؟"
رفع يديه يلامس بشرتها المنكمشة قليلا. قائلاً بعشق وصوت ثابت:
"النهاردة أجمل من الأتنين يا آية."
تطلعت له بعدم فهم. فأكمل هو بأبتسامة حطمت أسور قلبها:
"فى اليوم دا أتولدت من جديد على أيدك. دا ذاكري اليوم الا أنتِ غيرتى فى حياتى الا فوقيتنى فيه على حقيقة أنى جوايا قلب. أن الحياة مش بس شغل وطموح. لا بالعكس. اليوم دا يا آية أنا هزمت فيه نفسي عشان أفوق وأرجع أحلم من جديد."
لم تستطيع أن تكبت دمعاتها. فأحتضانته مرة أخرى. ولكن تلك المرة طال العناق المعطر بطوفان من العشق والذكريات.
خرجت من الغرفة بأرتباك شديد. لتجده يقف أمام الغرفة مستدير بوجهه للناحية الأخري.
وقفت بأرتباك شديد. ثم خرج صوتها أخيراً:
"عدي."
أستدار ليتخشب محله. فتلك الفتاة تكاد تقوده للهلاك. لم يشبهها الفستان بالأميرات. بل أستحقت لتكون ملكة بأنتظار تاجها لتوالى العرش.
أقترب منها بعين عاشقة. ثم قال بصوتٍ غامض:
"أيه دا؟"
رحمة بحزن:
"وحش."
أقترب ليكون على مقربة منها:
"خايف عليكِ من العيون يا رحمة. عشان كدا بفكر فى خطة."
تأملته بحيرة ثم قالت:
"خطة أيه."
أقترب منها ليهمس بجوار أذنيها:
"بما أنى ظابط شرطة عندي خبرة فى الخطف. فممكن أخطفك بعيد عن الناس دي فى مكان منعزل لوحدينا أنا وأنتِ."
بأسترجعت للخلف ووجهها بلون مختلف عن الأبيض التى ترتديه. فأبتسم بسمته الساحرة التى فتكت بها وجعلتها بأرتباك من أمرها. فأسرعت للغرفة سريعاً تحت نظراته.
بالغرفة المجاورةخرجت مليكة حاملة للفستان الطويل. ثم تركته أرضٍ حينما وجدت ياسين بالخارج. فتطلع لها بأنبهار شديد. ثم أطلق صفيراً قوى. فأبتسمت قائلة بفرحة:
"عجبك؟"
ياسين بأعجاب:
"جدااً. بس لو متخيلة أنى هسمحلك تحضري الحفلة بالفستان دا تبقى بتحلمى."
تطلعت له بصدمة ثم صاحت:
"لييييه؟"
أتجه ينقى أخر قائلاً بلا مبالة:
"بدون نقاش يا مليكة. الفستان دا مش هتحضري بيه الحفله. خلصنا."
قالت والدمع يترقرق بعيونها:
"بس عجبنى يا ياسين."
أخرج واحداً أخر ثم قال:
"خدي دا."
تطلعت له بصدمة من تجاهلها. ثم توجهت للغرفة غير عابئة ليده الحامله للفستان.
جلست بالداخل أمام المرآة المنتصفة تبكى بقوة. لتجده بالداخل معها.
قبل أن تفق من صدمتها كان قد جذبها إلى المرآة المكتملة بالغرفة. مزيحاً حجابها الطويل لترى بنفسها ظهرها الظاهر من الخلف. جحظت عيناها بخجل شديد. فأعدت الحجاب بسرعة. فلم ترى هذا الجزء منه.
إبتسم بعشق وهو يرى خجلها. ثم رفع وجهها له قائلاً بصوتٍ رجولى عميق:
"أنا جوزك على فكرة."
تلون وجهها أكثر. فرفع يديه بطريقة مرحه تراها لاول مرة بشخصيته:
"أوك خلاص معرفكيش."
إبتسمت بقوة ثم جذبت الفستان الذي وضعه على الأريكة.
وضعت عيناها أرضاً بخجل. فعلم أن عليه الخروج. لم يرد أحراجها. فتوجه للخروج ليجدها تلقى نظرة أخيرة علي الفستان بحزن. فقال بهدوء:
"هنخده بس دا يتلبس ليا لوحدى."
دق قلبها سريعاً. حتى بدا وجهها ككتلة جمر. فأبتسم بتسلية وأغلق الباب سريعاً.
ظلت بالداخل كثيراً حتى مل من الجلوس. فتوجه للغرفة ليتخشب محله.
حورية بذي أبيض سرقت زمام قلبه. لتخضعه لها وتعلن له بأنها من فازت بذاك القلب.
أقترب منها معتز بأعجاب. فتراجعت للخلف بخجل شديد. ليتيقن من المرآة الخلفية سبب تأخيرها.
لم تفصل بينهما شيء سوى النظرات. عيناه مغلفة عليها كأنه لا يصدق ما يراه.
رفع يديه على خصرها يغلق السحاب بدون أن يرى ماذا يفعل؟ حتى لا يخجلها. فمازالت تقف أمامه ووجهها امام وجهه.
جذبها لتقف بمنتصف الغرفة بعدما أغلق السحاب. ليرى غضب الثياب من جمالها.
أرتبكت من نظراته. فهى الآن تعشقه. وربما ذاك ما يريده حتى يسهل عليه خطته المدبرة.
أقترب منها والأعجاب يحفل على وجهه. ولكنه أبتعد سريعاً حينما تعالت صوت صفعاتها من ذاكرياته. لتكون أشد الحاجز بينهم قائلا بنبرة جافة:
"هستانكى بره."
وأغلق الباب بغضب شديد كحال ذاك القلب.
دلف للداخل على صوتها المنادي له. قائلاً بنفاذ صبر:
"نعمين فى حاج…."
أنقطعت باقى جملته مما رأه. لا لن يشبهها بالحورية. فذاك بوصف قليل. يراها بالملاك ذو الرداء الأبيض.
أقترب منها وعيناه تتأملها بأنبهار. فهى جميلة حقاً. ولكن سرعان ما تحاولت لهدوء لعلمه بأن دوره محتوم على صداقة الطفولة.
ألتمست حزنه. فعلمت كم فعلت من ذنبٍ فاضح. فقالت بصوتٍ هامس:
"مش حلو!"
رمقها بنظرة طويلة. ثم قال ببسمة وجع:
"بالعكس اجمل. لما لبستيه هخرج أشوف الحساب متنأخريش."
خرج من الغرفة بحزن كبير. ينزع بقلبه كلما خطى بطريق الاشواك. فجلست على المقعد بحزن على ما فعلته به. فشكرت الله كثيراً على أفاقتها مبكراً. لتشعر بعشق أحمد الطاهر. وأقسمت على منح قلبها فرصة لتدلف لقلبه.
بقصر الجارحيأبتعدت عن أحضانه على صوت أشتعال قوى.
فتفحصت المكان بخوف شديد. لتجد كلمة مشتعلة كحال قلبه مكتوب بورد وشموع:
"العشق الأبدي آية_ياسين."
تطلعت له بسعادة قائلة بخجل:
"على فكرة أنا الا بعشقك."
تعالت ضحكاته. ثم أقترب قائلاً بمكر:
"لسه بتتحرجى منى؟"
أحتضانها من الخلف قائلاً بسخرية:
"هو أنا فاقد الذاكرة؟"
أدارها لوجهه قائلاً بنبرة ليس لها مثيل:
"بس ممكن نفقد الذاكرة من النهاردة لبكرا الصبح. لانك فى الوقت دا ملكى."
وبستطلعت له بعدم فهم. ليخرج من جيبه مفاتيح.
تناولتهم بعدم فهم:
"دول أيه؟"
"مفاتيح أمنياتك يا آية."
قالها ياسين بعدما أشار بيده. فأتت الطائرة على الفور. لتهبط على هذا السطح الشاسع للغاية.
لم تشعر بشيء الا انها بين احضانه. بعدما حملها بخفة. لتصبح معه على متن الطائرة المحلقة لتحقيق أمنياتها.
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اية محمد
دلفت للداخل بأرتباك حتى أنها تراجعت بقرارها فأستدارت بوجهها لهبوط الدرج فوجدته أمامها.
خلع نظارته السوداء قائلا ببسمة بسيطة:
_كنت عارف أنك هترجعى عشان كدا تعمدت أستانكى فى العربية.
تلفتت من خلفها بتوتر ثم قالت بأرتباك:
_أول مرة أحس أنى بعمل حاجة غلط.
حازم بستغراب:
_ليه !!
كبتت دموعها بأنتصار:
_مش عارفه يمكن عشان بابا وماما بيكونوا على علم بتحركاتى والمرادى جيت من غير ما أعرف حد.
تابع حديثها بأبتسامة متخفية فأخلاقها هى من صنعت لها جدال من هؤلاء.
خلع نظارته قائلا بصوتٍ منخفض:
_هما دقيقتين بس متقلقيش.
أشارت له بستسلام ثم لحقت به للداخل.
جلست على الطاولة وعيناها تراقب الناس من حوالها.
_تشربي أيه ؟
قالها حازم وهو يتأمل خوفها بحزن.
وضعت الحقيبه من يدها قائلة بأرتباك:
_مش عايزه حاجه الله يخليك قولى الا عايزنى فيه عشان أمشى من هنا.
حازم بتفهم:
_أيه الا حصل بينك وبين نادر يخليه يحطك فى دماغك أوى كدا ؟
قالت بتنهيدة:
_دخلى بطريق معاكسة وكالعادة طريقتى فى الرد معجبتوش فتقدملى ورفضته.
كان يستمع لها بزهول فأردف بستغراب:
_رفضتى ؟!
إبتسمت بسخرية:
_نفس نظرة الكل لم عرف أنا ميهمنيش فلوسه ولا أملاكه ولا هو إبن مين أنا كل الا يهمنى الأخلاق الا هتهيأنى أعيش مع الشخص دا.
كان يتابع حديثها بأعجاب فخرج صوته أخيراً:
_نظرتى ليكى مش صدمة لانك رفضتيه بالعكس دي أعجاب أنا عارف دماغه كويس عشان كدا هكون ليكِ سند وهتشوفى.
أنكمشت ملامحها بخوفٍ شديد فسترسل حديثه:
_متخافيش صدقينى ميقدرش يعملك حاجه بعد كدا أرجعى الجامعه تانى ومتخافيش من حد.
حملت الحقيبة والكتب قائلة ببعض الخوف:
_ربنا يستر.
توجهت للخروج وهو يتأملها بنظرات غامضة إلى أن أختفت من أمام عيناه.
*******__________******
وقفت الطائرة أمام حلمها الدائم كان بعيداً عن عقلها للغاية وها هو يضعه أمام عيناها.
أقتربت منه بصدمة والمفتاح يلمع بيدها.
تطلعت له بفرحة ودمع يملأ عيناها فأشار لها برأسه بأن تستخدم المفتاح وبالفعل فعلت.
دلفت للداخل بفرحه ليس لها مثيل فكم تمنت أن تساهم ببناء مكان ليحوى الطفل اليتيم وها هو معشوقها يلبئ لها الحلم بل أكبر منه.
أنشئ قصراً كبير للأطفال اليتامى أسمها يلمع على بابه الضخم "آية الرحمن" نعم أطلق عليه هذا الأسم نسبة لها.
تخشبت قدماها محلها وهى تطلع المكان من حولها بفرحة ودمع يرفق سعادتها، فجذبها ياسين لترى المكان من الداخل.
تنقلت بين الغرف بسعادة كبيرة فهى سيكون مؤهل لأستقبال أكبر عدد ممكن من الأطفال.
كبرت سعادتها حينما وجدت مكان كبير مخصص لكبار السن.
لم تقوى على الوقوف من الفرحة فجلست على الأريكة تتطلع له بدموع غزيرة.
أنحنى على قدماه قائلا بقلق:
_مالك ؟
تطلعت له بصمت وعينٍ متمردة على العشق ثم قالت بفرحة:
_مش لقيه كلام أقولهولك يا ياسين.
رفع يديه على وجهها قائلا بحنان:
_متقوليش حاجه سعادتك دي عندي بالدنيا المكان دا هيكون تحت أدارتك أنتِ وأي حاجة تحتاجيها متتردديش ثانية واحدة أنك تطلبيها مني.
إبتسمت قائلة بعشق:
_ أجمل هدية فى حياتى كلها ربنا يحفظك ليا وميحرمنيش منك أبداً.
إبتسم قائلا بخبث:
_طب مش عايزة تعرفي المفتاح التانى بتاع أيه ؟
تنقلت بوجهها بالمكان قائلة بسعادة:
_بصراحة المفاجأة دي نستنى كل حاجة أنت مش متخيل يا ياسين الأطفال اليتيمة دي بتتعذب فى حياتها اد أيه حتى الرسول (صلى الله عليه وسلم) أوصانا بحسن معاملتهم وأنا كان حلمى أشارك بس ببناء يأويهم لكن أنت حققتلى أكتر من الحلم نفسه.
أقترب منها قائلا بأبتسامة مازالت ثابته كحاله:
_وطول ما فيا النفس هحققلك الا تتمنيه بس لو أقدر عليه.
تعالت ضحكاتها قائلة بمرح:
_عايزة أمنية كمان لو ممكن.
أستمع إليها بعناية فأكملت بخبث:
_أعمل معاك تحقيق وأسأل أسئلة كتيرة أووي كانت فى قلبي من سنين بس طبع حضرتك الهدوء والقوانين مسمحليش أنى أخد راحتى.
تطلع لها بصمت ثم جذب جاكيته الموضوع على الأريكة المزخرفة بنقوش طفولية:
_هبعتلك السواق يرجعك القصر.
وتوجه للطائرة فأسرعت خلفه قائلة بضيق طفولى:
_طب سؤال واحد بس.
صعد للطائرة قائلا للطيار:
_المدام هتفضل هنا أحنا الا هنتحرك.
زمجرت قائلة بعصبية محفورة بهدوء:
_معنديش ولا سؤال وهفضل ساكته.
تنح جانباً عن المقعد مشيراً لها بخبث فصعدت بغضب طفولى.
تحركت الطائرة للمكان الأخر ومازالت تلتزم الصمت شاردة فى هذا المكان الذي سيكون مرحبٍ للجميع فتطلعت له بعشق يجاهد للثبات.
وقفت الطائرة على سطح شاسع للغاية فهبطت معه بزهول مما تراه فالمكان ممتلأ بمزيج من الورود الحمراء البيضاء.
فتح الباب الجانبي للبناء فدلفت خلفه لتجد درج فتسلقته خلفة لتجد بابٍ أخر ولكنه مغلق بأحكام ومفتاحه بيدها.
رفعت يدها تفتحه بحماس وهو لجوارها يتأملها ببسمة غامضة.
دلفت للداخل فوجدت غرفة مزينة بورود حمراء وشموع كثيرة مرتبة على أنحاء الغرفة بأنتظام.
لفت أنتباهها فستان يشبه لبس العروس باللون الأبيض موضوع على التخت فألتقته بأعجاب.
بحثت بعيناها عنه فوجدته يقف خلفها مستنداً بجسده على الحائط، بتأملها بأيتسامة هادئة للغاية جعلتها تتورد خجلا.
حملت الثوب وتوجهت لحمام الغرفة تاركة خلفها نظرات العاشق المتيم بها.
جلس على المقعد ينتظر خروجها بلهفة ليراها مجدداً بفستان زفاف بعد عمراً.
نعم يقال أن المرأة ترتديه مرة بالعمر أن كان زواج واحداً فقط وها هو يحطم القواعد والقوانين فيجعلها عروسه من جديد.
خرجت من المرحاض بتوتر مازال يلاحقها بعد تلك السنوات لتجده يجلس أمامها وما أن رأها حتى وقف يتأملها بزهول، فمازالت تحتفظ بجزء كبير من جمالها المخصص له هو.
أقترب منها وعيناه تتركز على عيناها الذائبة بعشقه، فرفع يديه يزيح خصلات شعرها المنثدرة على عيناها بحرية قائلا بعشق:
_لسه زي مأنتِ.
إبتسمت قائلة بخجل:
_فى عيونك أنت بس.
أقترب منها هامساً بجوار أذنيها:
_عيونى مش شايفة ست غيرك أنتِ.
تلاقت العينان وكذلك الأرواح بلقاء خاص برحلة عتيقة بالعشق المخصص لهم.
*******__________******
بالقصر دلفوا جميعاً للداخل فجلسوا بالقاعة بعد قضاء يوماً شاق حتى الفتيات جلسن معهم.
دلف مازن للداخل قائلا بتعب شديد:
_أنا كدا تمام أوى أروح بقا وأشوفكم بكرا أن شاء الله.
رعد بتصميم:
_مش هتمشي غير لما تتعشا معانا روحى يا داليا أستعجلى الأكل.
_حاضر.
قالتها داليا وهى تتجه للخروج.
شذا بسعادة:
_ها يا بنات قولولي عملتوا أيه ؟
مليكة بفرحة:
_كله تمام.
عمر بسخرية:
_أه ياختى أدام فستانين يبقا كله تمام التمام.
تعالت ضحكاتهم لتقطعهم دلوف مروج قائلة بمرح:
_كل واحده كدا تقوم بهدوء وتورينى جابت أيه.
أسيل بسخرية:
_لو قدرتى تحركينا من مكانا هنديكى الا جبناه هدية ولا أيه يا بنات.
شروق بتأييد:
_ههههه والله معاكِ حقة.
تملكها الغضب فقالت بضيق:
_شوفت مرات أبنك يا بابا.
تعالت ضحكات عز قائلا بهدوء:
_معاهم حق يابنتى دا مشوار يستحق أسالينى أنا طب أحمدوا ربنا أنها جيت كدا على غفلة وملجئتوش لمصمم والا حالتكم كانت هتكون تحت الصفر بشوية.
يارا بغضب:
_ليه بقا أن شاء الله يا أستاذ عز.
تعالت ضحكات أدهم فقال بسخرية:
_أشرب يا عم عشان لسانك الطويل.
حمزة بشماته:
_صدقتينى يا يارا لما قولتلك أن عز مينفعكيش.
تالين بغضب:
_بلاش أنت يا حمزة.
عدي بصدمة مما يحدث:
_هى فى حرب بين الكبار كمان.
رحمة:
_هههههههههههههه.
ياسين:
_خلاص يا جماعه فوقوا وبعد الفرح أبقوا كملوا دوركم دا.
جلس عز ويارا والجميع بتفكير ثم صاح حمزة:
_أنا مع الواد ياسين نصبر لحد بعد بكرا وبعدين نحل مشاكلنا.
دينا:
_مش هيكون فى مشاكل سبوهم النهارده يطلعوا الا جواهم قبل ما ياسين يرجع.
نور:
_ههههه والله أنا عامية بس كنت حاسه أن المهرجان دا بغياب ياسين الجارح.
تعالت ضحكاتهم جميعاً فأجابها أحمد مؤكداً:
_عندك حق يا نور أنا كمان شكيت فى كدا.
عز بغضب جامح:
_أنتوا بتحفلوا عليا.
معتز:
_أبداً يا والدى أحنا نقدر بس يالا بدل ما الفرح يتلغى.
أحمد بجدية مصطنعه:
_كله الا الفرح أنا أسف يا عمى.
رحمة بتعبيرات غامضة:
_الأعتراف بالحق فضيلة والأعتراف بالذنوب رزيلة ولازم نتناقش بالامر.
عادي بصدمة:
_أنتِ كويسة يا رحمة ؟
أجابته ببسمة واسعة للغاية:
_جدااا طب أسمع دي.
أيها القوووم ها قد تم الأجتماع الجادى من قصر ياسين الجارحي وقد تم التواصل لبعض القرارت الهامة لعدم وجود زعيم المافيا.
_رحمة.
كان صوتٍ خافت من عمر ولكنها لم تستمع له فرفعت يديها تلزمه بالصمت وأكملت:
_نعم نحدثكم الآن من قصر أقصد من منزل زعيم المافيا المختفى ليفسح المجال لهؤلاء الشعب بألتقاط أنفاسهم المكبوته.
_أه والله يابنتى.
قالها حمزة بتشجيع فأسرعت مليكة برعب:
_رحمة.
لم تعبئ بهم وأكملت قائلة بغرور:
_لذا نحن الأدارة المستقبليه لأدارة الشئون القانونية نفتى بأن سلطة هذا المافيا أقصد القصر تعود ملكية عامه لشعب الجوارحى ونسبة لأنى الزوجة المستقبلية للأبن البكر أعلن بأن هذا القصر مخصص بالأيام المنفردة من عدم وجود زعيم المافيا للشعب جميعاً والأيام الا هو موجود فيها تلتزم الهدوء والطاعة المخادعة حتى ننجو بحياتنا.
جاسم بصدمة:
_هو عاد في حياة بعد كدا.
معتز وهو يبتلع ريقه بخوفٍ شديد:
_الجرى أسرع طريقة من الا جاى.
رائد:
_وتفتكروا لو جرينا على فوق عمك مش هيجبنا.
أحمد برعب:
_وأحنا مالنا يا جدع هى الا قالت يبقا تتحمل هى والوحش الا هيحصل.
رعد:
_أنت عملت أيه فى البنت يا عدي ؟
عدي بصدمة:
_والله ما جيت جنبه.
رائد:
_عمر أنت مش دكتور.
عمر ومازال يحدق لها وهى تصعد على الطاولة بالقاعة:
_معتقدش أنى هفيدك.
أحمد:
_نعم يا خوي.
دلف يحيى من الخارج ومعه ملك بعد أن قضى اليوم معها بالخارج لينقى ما يلزمها للغد فوجد الجميع ينظرون بصدمة كبيرة على الطاولة الموضوعة بمنتصف القاعة ورحمة تقف عليها.
يحيى بصدمة:
_هو فى أيه.
أستقبلته ببسمة واسعه قائلة بجدية:
_أقعد بسرعة يا أنكل يحيى.
ضيق عيناه بستغراب فأجابت ملك بزهول:
_ليه يا رحمة ؟
أشارت لهم يارا فدلفوا للداخل وجلسوا على الاريكة ليروا ماذا هناك.
رحمة بمحاولات عديدة للتذكار:
_أنا كنت بقول أيه ؟
مازن:
_ننجو بحياتنا.
رحمة بأبتسامة واسعه:
_جزاك الله خيراً وكما قال أستاذ مازن ننجو بحياتنا فعلينا أن نوزع ابو عدي الا هو ياسين الجارحي خارج القصر اينما أستطعنا.
عمر بسخرية:
_من ناحية التوزيع هيكون فيه بس أحنا مش هورانا.
_أيه الا حصل لرحمة.
مليكة:
_هههههه جنون ما قبل الجواز.
أسرع حمزة بالوقوف قائلا برعب:
_غصب عننا يا غالى وخاليك فاكر أنا مغلطتش فيك أبداااا.
أدهم بسخرية:
_هو هيستانا لما لأخر الفيديو ؟!
رحمة بستغراب:
_فيديو أيه ؟!
يحيى بأبتسامة جميلة:
_مهو الكل بيحاول يفهمك يا حبيبتي القاعة دي تبع القصر الخارجى يعنى متراقبة بالكاميرات الا موجودة بمكتب رئيس المافيا أقصد ياسين.
إبتلعت ريقها بخوف شديد وهى تنظر للكاميرا قائلة بأبتسامة واسعه:
_مساء الخير يا أنكل دانا كنت بهزر.
دينا:
_هههههه بعد أيه يا حبيبتي ههههههههه.
أحمد بسخرية:
_فين الشجاعة بتاعتك.
رحمة بغرور:
_موجودة عشان كدا هدخل المكتب وأشفر الكاميرات بس حد يقولى استعمل الجهاز اذي ؟
جاسم بصدمة:
_ كمااااان.
رائد:
_هههههههه لا تعليق.
معتز:
_أنا من رأيئ المتواضع أنك تطلعى تريحى فوق شوية.
رحمة بتأييد:
_والله معاك حق تصبحوا على خير.
لم يستطيع عمر كبت ضحكاته فصاح قائلا:
_مش هتكملى النظرية.
تطلع له عدي بنظرة جعلته يصمت قليلا ثم صاح بحزن:
_ياعينى يا عدي مش هشوفك تانى فى الأوضة ؟ طب لما أتفزع من الأحلام المرعبة هلاقى مين جانبي.
مازن:
_يا ضنايا يا بنتى متعمليش كدا فى نفسك يا حبيبتي.
جاسم:
_ععهههعهههههه أنا لو منك أفضل وراه وراه.
ياسين:
_أستنى يا رحمة لازم تسمعى الكلمتين دول.
عز بتأفف:
_أنتوا بدءتوا.
أدهم:
_سبهم لسه ميعوفوش الا فيها خاليهم يضحكولهم يومين.
_تقصد أيه يا أدهم ؟
قالتها شذا بعين تنذر بالشرار.
حمل يحيى حوريته قائلا بمرح:
_طب تصبحوا على خير بقا.
ألك بخجل:
_يحيى أنت أتجننت ؟
يحيى:
_أبقا مجنون لو فضلت معهم ثانية واحدة.
وصعد للاعلى فقال مازن لياسين بصدمة:
_الحركة الا أبوك عاملها دي لو فضلت مية سنة معرفش أعملها وهو فوق الأربعين وعملها أذي معرفش ؟؟!!
ياسين بغضب:
_يعنى أنت سبت كل ده ومركزتش غير مع أبويا وأمي.
مازن:
_أينعم.
كاد أن يجيبه ولكن صوت الخلاف بينهم تعال وكالعادة حاول رعد الفصل بينهم وحينما فشل جذب حوريته وتوجه للاعلى واتابعه عز سريعاً قبل أن تقلب يارا مثلما فعلت شذا.
تأفف عدي قائلا بنفاذ صبر:
_هو أنا هحل المشاكل للكبار ولا لمين بالظبط.
حمزة بسخرية:
_للاتنين وبعدين أنت خليفة أبوك لازم تعتاد على الاتنين.
تطلع له بهدوء ثم جلس يستمع لهم بصمتٍ قاتل.
شذا:
_أنت شايف حياتك معايا بالطريقة دي ؟
أدهم:
_مقولتش كدا يا حبيبتي.
شذا:
_لا قولت.
_مقولتش.
_بس كلامك معناه كدااا.
_شوفتى أديكى قولتى معناااه يبقى مقولتش.
كان الهدوء مخيم على الجميع يتابعون ما يحدث بصمتٍ قاتل.
جذب جاسم فاكهة من أمامه وتناولها دون أكتثار لما يحدث.
معتز بغضب:
_أنت بتأكل وسايب أبوك وامك بالشكل دا ؟
جاسم ببرود:
_أعتبرهم أهلك وحل المشكله.
قتلته الصمت بعدما استمع لتلك الجملة كانها تذكار له بمشاجرات والده.
شذا بغضب:
_ أنت قصدت يا ادهم.
حمزة:
_أينعم قصد الكلام يا شذا بس دا ميمنعش انه بفعل التجربة يا مامي.
تالين بغضب:
_حمزة انت بتهدى بينهم ولا بتشعلل.
حمزة:
_ودا شيء يخصك الله انا بتكلم مع شذا.
شذا:
_ ابعد عنى يا ادهم.
تالين:
_بتتكلم مع شذا اذي يعنى.
أدهم:
_ طب اسمعينى بس يا قلبي.
حمزة:
_والله انت ….
وكاد ان يكمل جملته فتخشبوا جميعاً على صراخ عدي:
_بسسسسسسسسس أيه داااا فى كدااا ؟؟؟!!
أنا مش حاسس بدماغى حرام الا بيحصل دا والله.
وتركهم وصعد للاعلى.
حمزة بحزن:
_ياعينى يابنى اتعقد فى الجواز يالا أنشالله محدش حوش كنا بنقول ايه يا توتو ؟
تطلعت له تالين بغضب شديد ثم صاحت لاحمد:
_شايف ابوك يا احمد.
هرول احمد سريعاً للاعلى قائلا:
_مشفتش ومش عايز اشوف تصبحوا على خير.
جاسم:
_خدنى معاااك.
معتز:
_ يالا يا شروق أوصلك الوقت اتاخر جدا.
نور:
_يالا نطلع يا رحمة.
مازن:
_ايه دا كله خلع طب انا هروح فين ؟
ياسين:
_تعال بات معايا بدل ما تروح وتيجى الصبح.
مازن:
_لا هروح.
هرول ياسين للاعلى قائلا بلا مبالة:
_وقعت لقدركم.
مروج:
_يالا يا داليا يالا يا مليكة وهاتوا اسيل وراكم.
داليا:
_والعشا ؟!
مليكة:
_خاليهم يطلعوه فى الغرف.
طلع حمزة لادهم وشذا فحسموا الامر وصعدوا للاعلى بعدما فضوا النزاع ولحقت بهم تالين.
حمزة بفرح لوجود مازن:
_حبيب قلبي يا ميزو.
مازن بخوف:
_حبيبي يا عمي.
وضع يديه على كتفيه فأبتلع ريقه بخوف شديد قائلا بهمس:
_ياسين.
حمزة:
_قولى يا ميزو ليه متجوزتش لحد دلوقتى او مرتبطتش.
مازن برعب:
_لا انا كدا قشطة.
حمزة:
_طب مبتفكرش.
مازن:
_نعممم ياااااسين.
حمزة:
_سبك منه وقولى ليه مبتفكرش تتجوز وتستقر اكيد فى حاجة كدا ولا كدا تفكيري صح.
مازن بصوت مرتفع:
_أنت يا زفت.
حمزة:
_طب مش بتفكر تكون مستقبل من الاطفال انا بس بطمن عليك يا حبيبي نظراً لتدهور الاحوال اليومين دول.
مازن بصدمة:
_أيه ؟!
حمزة بتأكيد:
_أيوا ذي ما بقولك كدااا عشان كدا لازم تخضع لأختبار كارمان اصل كارما توفت وهى بتولد يعين أمها خاليك هنا يا حبيبي هروح اجيبها وجااي.
_تجيب مييين ؟
قالها مازن بفزع ولكن ما أن أختفى من امامه حتى هرول للخروج فتعثر بحازم.
حازم بغضب:
_مش تفتح.
مازن:
_خرجنى من هنا بسرعة الله يكرمك.
حازم بستغراب:
_عفريت صح ؟
مازن:
_لا دا أبوك.
حازم بصدمة:
_ماله ؟مااات ؟!!
مازن بصدمة:
_ياررربي خدنى وريحنى من العيلة دي بص والله مأنا مروح هطلع ابات مع ياسين أو جاسم.
هرول مازن للأعلى بسرعة الريح.
حازم بستغراب:
_ماله الواد دا أتجنن ولا أيه ؟
وتوجه للأعلى ليجد والده يخرج من الغرفة.
حازم بأبتسامة واسعه:
_أيه دا أنت لسه صاحى يا حوزو.
حمزة بستغراب:
_لا دا خيالي فين مازن ؟
حازم بستغراب:
_جرى على فوق بين كدا خايف من حاجه.
حمزة بفرح:
_كنت متأكد أن فى حاجة مش طبيعية.
حازم بعدم فهم:
_حاجه ذي أيه ؟
حمزة بفرحة:
_مش مهم المهم أنه ماليش نصيب والنصيب دا جيه من نصيب مين ؟
حازم بسخرية:
_أيه كمية الأناصيب دي يا والدى والله أنا ساعات مش بفهمك.
حمزة بغرور:
_محدش بيتوقعنى عشان تفهمنى يالا سلم على كارمان.
حازم بزهول:
_مين دي ؟ هو حد من ولاد عمى جاب مزز تانى ؟
حمزة بسخرية:
_لا دي مزتى أنا يا غبي.
وضع حازم يديه على فم حمزة مسرعاً قائلا بغضب:
_الكلام مش هنا توتو تسمعك وترفع عليك قضية خلع.
ثم أزاح يديه قائلا ببسمة عريضة:
_بتشوفها فين وأمته وشكلها أيه المزة دي.
حمزة بأبتسامة عريضة:
_بشوفها كل يوم وهنا وشكلها بيضة وعيونها رمادى و..
قاطعه قائلا بحماس:
_بسس كفايااا عرفتى بقا عليها.
_طب ممكن ترجع ورا شوية.
قالها حمزة بأختناق بعدما حاول حازم اخماد صوته ظناً بأن احداً سيسمع حديثهم.
تراجع للخلف قائلا بأبتسامة واسعه وعيناه على الغرفة:
_كنت متأكد ان فى حاجه مش طبيعيه بالاوضه دي.
ثم رفع يديه يعدل من شعره وقميصه قائلا بغرور:
_يالا ناديها بسرعة.
_وأناديها ليه وهى فى أيدي.
قالها حمزة بعدما رفع ما كانت بجيبها.
استدار حازم والزهول على وجهه فكيف لفتاة ان تكون بيديه ولكن هنا الصدمة الكبري.
تخشب محله فلم يستطيع الحركة حتى عيناه سكنت محلها من الصدمة وما فتك به حينما وضعها حمزة بين يديه فرفع عيناه عليه تارة ثم على من تقبع بيديه تارة اخرى ثم حسم الامر فصاح بصوت زلزل مملكة الجارحي:
_لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااألحقوووووووووووووووونىلااااااااااااااااا.
ثم ركض مسرعاً يصرخ بقوة ثم يرى من بيده فيصرخ بقوة أكبر لم يستطيع أن يتركها من يديه فالصدمة افقدته عقله.
حمزة بزهول:
_لا حولة ولا قوة الا بالله ابنى كمان محتاج علاج مع ميزو.
وصعد للأعلى ثم هرول للغرف الخاصة بالشباب يصرخ بقوة.
خرج احمد من غرفته بعدما طرقها حازم بقوة فوجد أخيه يهرول ويطرق الغرف بقوة كالمجنون.
خرج جاسم ومازن ورائد وعدي وعمر على صوت الطرق الشديد فوجدوا حازم يصرخ بقوة كبيرة ويصعد على الاريكة ثم المقعد وهو فى حالة من الصراخ المريب ثم حسم اموره بالانهيار فوقع ارضاً وهو يحمل الفأرة بين يديه.
ألحقوووووونى يا بشررر ……لاااااااااا ….
اقتربوا جميعاً منه ليروا ماذا هناك فوجدوا بيده فأرة كبيرة بيضاء.
جاسم بغضب:
_جبتها منين دي يالا.
مازن بصدمة:
_الله يقرفكم.
معتز بغضب:
_يلعن أبو شكلك يا حيوان كنت خلاص قربت أنام.
أحمد بنوم:
_انا كنت تقريباً نمت.
تطلع جاسم لصدره العاري قائلا بتأكيد:
_ماهو بينما.
مازن بغضب:
_أنا مروح أبات فى بيتى بكرامتى أنتوا عيلة مخبولة.
رائد بغضب:
_فى أيه يا حيوان.
حازم:
_ أنقذووونى الأول وبعدين اشتمووو.
عمر:
_طب جبت البتاع دي منين ودفشها عمر بقدمياه.
خرجت الفتيات لترى ماذا هناك فصرخن بقوة حينما القى عمر ما يكمن به النصيب عليهم.
لم تتمالك أسيل اعصابها فسقطت مغشى عليها وظلت داليا ومليكة ومروج تصرخان بقوة.
خرجت رحمة ونور ليروا ماذا هناك ف تخشبت رحمة محلها وتقدمت نور قائلة بستغراب:
_فى أيه ؟؟
وقف حازم يتطلع ليديه فوجدها فارغة فطاف بنظره ليجدها تقترب منه فصاح قائلا بصراخ:
_فاااااااااار.
ما أن أستمعت نور لتلك الكلمة حتى صرخت هى الاخرى وظلت المعركة كالأتى.
حازم يصرخ ويطوف حول أخيه والجميع بكلمة فأااار.
ورحمة تحاول أستيعاب ما تراه.
ونور تصرخ بقوة وتتجه لأى من الغرف بأستخدام يدها.
وياسين ورائد يتطلع للجميع بصدمة وزهول.
مليكة وداليا هرولوا لغرف يحيى فدلفوا للداخل واغلقوا الباب.
أحمد حمل أسيل وتوجه للداخل.
مروج تصرخ تارة وتستوعب تارة اخرى.
وما كان من عدي الا أنه لكم حازم بقوة ففقد الوعى.
خرج رعد ويحيى وعز للخارج ليروا ماذا هناك فتصمنوا محلهم لنضع عنوان مميز الفأرة التى هزت عرش الجارحي.
****_________****
خرجت معه للشرفة تتامل هذا المظهر الجذاب بين يديه لحظة شروق الشمس بنورها الذهبي كأنه يخبرها بأنها مثلها تنير ظلمات القلب.
سكنت بين أحضانه تتأمل ما حولها بسعادة.
فحان وقت العودة للقصر لتتابع ترتيبات الزفاف وحان الوقت لنحسم الأحداث المزلزلة لاحفاد الجارحي فى أطار ألغاز ومجهول صادم للجميع.
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل السادس عشر 16 - بقلم اية محمد
أسرع خلفها وقلبه يتحطم كلما أبتعدت عنه.
تلقى صدمات متتالية حينما وجدها تعبر الطريق ولم ترَ السيارة القادمة.
بغضب كأنها في سباق مع الزمن القاسي، صاح بلهفة وخوف:
"مليكة!"
كانت تركض كأنها تهرب من واقع مرير.
لم ترد تصديق ما استمعت إليه منذ قليل.
شعرت بإضاءة قوية تشوش رؤيتها، فرفعت يدها على عينيها حتى تتمكن من الرؤية.
تصنمت محلها حينما وجدت السيارة تقترب منها، فعلمت أن لا مفر من مصيرها المحتوم.
على الجانب الآخر، كان يهبط من سيارته بعدما أعطى المفاتيح للحارس.
فتوجه للداخل، ولكنه تصنم محله حينما وجد ابنة عمه تركض بسرعة كبيرة والبكاء حليفها.
حتى ياسين يركض خلفها بلهفة ويحثها على الوقوف.
تخشب محله حينما وجد سيارة قادمة بسرعة الريح، ربما لم ترها مليكة، فأسرع إليها.
تجمدت خطوات ياسين من رؤية المشهد القادم، ولكن عاد قلبه مجددًا للنبض حينما وجدها آمنة بعد أن جذبها معتز سريعًا عن الطريق.
أزاحت يدها ببطء لتجد أنها مازالت على قيد الحياة.
لم تتمالك نفسها بمجرد التفكير بالأمر.
كان صوت معتز هو الملجأ لها من دوامة الفكر وإعادة ذكري ما استمعت إليه.
معتز بخوف:
"أنتِ كويسة؟"
رفعت عينيها المغمورة بالدموع كأنها تشكو له ما بها.
اقترب منهم ياسين سريعًا ثم جذبها بقوة من معصمها قائلاً بغضبٍ جامح:
"أنتِ مجنونة!"
حاولت إخفاء دموعها ولكن لم تستطع، فرفعت عينيها لمعتز قائلة برجاء:
"رجعني القصر يا معتز أرجوك."
وزع نظراته بينها وبينه قائلاً بشك:
"انتوا اتخضيتوا؟"
خشيت أن تفضحها دمعاتها، فهرولت لسيارة معتز.
معتز باستغراب:
"في إيه يا ياسين؟ مليكة مالها؟"
تتابعها بعينيه ثم رفع يديه قائلاً بنبرة لا تحتمل نقاش:
"مفاتيح عربيتك."
"مع الحارس."
قالها معتز بعدم فهم.
***
بالقصر.
تطلع لهم الجميع بزهول، على عكس نظرات أسيل كانت صدمة مغلفة بالدموع.
حصلت الآن على إجابة مصرحة لكافة أسئلتها.
آية باستغراب:
"عدي!"
اقترب منها ومازالت هي تحتضن يديه، تشعر برجفة تسري بجسدها.
فسارت الآن تعلم بنفوذ عدي عندما رأت هذا المكان الضخم المأوى بالحرس.
وقف عدي أمام والدته قائلاً بهدوء وهو يشير لها:
"دي رحمة يا ماما."
حينما استمع عمر لاسمها تأملها باهتمام وصدمة بآنٍ واحد.
أما آية فكانت بحيرة من أمرها من تلك الفتاة؟ وماذا تفعل معه؟
لم تجد سوى الصمت تلتزم به.
خرج صوت ياسين قائلاً بابتسامة هادئة:
"مش محتاج تعرفنا عليها."
علم الجميع بمعرفة ياسين بها، فكان محل صدمة للجميع وبسمة غامضة لعدي.
أسترسل حديثه قائلاً بغموض:
"هي محتاجة تتعرف علينا."
مازن بصدمة:
"إيه دا؟ الوحش وقع بجد!!!"
جاسم بصدمة تفوقه أضعاف:
"بص هو حلم وأنت معايا فيه صح؟"
صفعهما عمر بقوة قائلاً بسخرية:
"عودوا لأرض الواقع."
تطلعوا له بغضب جامح، فاسرع ليقف أمامهم.
تطلعت له رحمة بصدمة حقيقة، ثم وزعت نظراتها بينه تارة وبين معشوقها تارة أخرى لتتيقن بأنه لم يكن يمزح، فبالفعل هناك نسخة متطابقة معه.
ما يميزه عنه هو شعره الطويل.
عمر بابتسامة واسعة بعدما رفع يديه لها:
"عمر الجارحي، تؤام الأخ اللي جانبك ده بس أنا طيب وكيوت عنه."
رفعت يدها بابتسامة رقيقة على حديثه المرح، ولكنه تراجع للخلف حينما لمح نظرات غضب الوحش.
تقدمت منها مروج تتأملها بدِراما، ثم أطلقت صفيرًا قائلة بإعجاب وهي توزع نظراتها بينها وبين نور:
"بتجيبوا الموزز دي منين يا جدعان؟"
دفشها جاسم قائلاً بخوف مصطنع:
"روحي على جنب واسجدي شكر لله أنك بنت، وإلا كان زمانك متعلقة في نجفة القصر ده."
أنهى حديثه ثم أعدل قميصه قائلاً بابتسامة هادئة بعدما رفع يديه لها:
"معاك جاسم الجارحي، 346588 ده رقم الفون و..."
دفشه مازن قائلاً بغضب:
"انت لسه هتحكي قصة حياتك. بص لو سمحت أنا فضولي حبّتين، عايز كل التفاصيل. إزاي قدرتي تحصلي على قلب هذا الوحش؟"
تعالت ضحكات رحمة على مرح تلك العائلة وغضب الوحش الفتاك لهم، فجعلهم يهرولون للخارج.
جاسم بخوف مصطنع ونظراته على عدي:
"كنت أتمنى أفضل هنا، بس للأسف أنا لسه صغير وليا مستقبل، خسارة أموت من غير ما أكونه."
وغادر جاسم سريعًا.
مازن ببسمة واسعة:
"لا، أنا معنديش حاجة أخاف عليها ولازم أعرف إجابات مقنعة لأسئلتي."
يارا بغضب:
"ده وقته يا مازن. اتفضلي يا حبيبتي."
تركت يده وجلست لجوارهم تتأملهم بسعادة.
صعدت للأعلى سريعًا ودموعها تزداد شيئًا فشيئًا.
لم تقو على تحمل تلك الصدمة التي ستفتك بقلبها لا محالة.
دلفت لغرفتها ثم أغلقتها سريعًا، غير عابئة لصوت أحمد الذي يحثها على الوقوف.
جلست على الفراش محتضنة جسدها الهزيل بين ذراعيها.
يحترق قلبها كلما تتذكر دلوفه معها، يدها المتشبثة بيدها.
شعرت بأن قلبها يحترق بنيران الكراهية لتلك الفتاة التي تلتقي بها لأول مرة.
بكت كثيرًا وصوتها يعلو شيئًا فشيئًا، فيحطم قلب العاشق ذو القلب المحمل بالأوجاع.
فصاح بغضب:
"أسيل افتحي الباب ده بقولك."
استمعت لصوته، فهو الرفيق الدائم لها على الدوام، ولكن تلك المرة لن يتمكن من تطيب جرحها العميق.
أحمد بهدوء مخادع:
"أسيل افتحي عشان خاطري، حرام اللي بتعمليه في نفسك ده."
تعالت صوت الطرقات وتعالى صوت بكائها، فلم يجد سوى تحطيم هذا الحاجز الذي يحجب بينه وبين معشوقة القلب.
دلف للداخل يبحث عنها بجنون، إلا أن وقعت نظراته عليها فوجدها تجلس على الفراش محتضنة جسدها، والدموع تغرق وجهها كالموت الذي يحتضنها.
اقترب منها بحزن يخيم عليه.
يضعه القدر باختبارات تفوقه أضعاف، ألا يكفي جرعته من العذاب فتزداد عليه الآلام لرؤية دموعها؟
جذب يدها من على وجهها، فتقابلت عيناها بعينيه.
خرج صوته الهزيل قائلاً بحزن:
"قولتلك قبل كده فوقي قبل ما تتوجعي."
تطلعت له بصدمة، فخرجت الكلمات بصعوبة:
"انت كنت عارف يا أحمد؟"
أشاح نظراته عنها، فتوجهت إليه بصدمة.
جذبته من جاكيته ليتطلع له، فصاحت بصراخ هيستيري:
"انت كنت عارف وشايفني بتعذب، طب لييييه مقولتليش لييييه؟"
رفع يديه على وجهها قائلاً بحزن يمزقه:
"اهدّي يا أسيل."
دفشت يدها بعيدًا عنها، ثم احتضنت وجهها بعدم تصديق.
جلست على الأريكة تحاول استيعاب ما يحدث.
كم تود أن تصرخ بصوت مرتفع، لعله يخرج ما بداخلها.
انحنى أحمد أرضًا ليكون على مستواها، فجذب يدها حتى تنحدر الستار العازل بينهم، فترى عيناه لعلها تشعر بصدق حديثه:
"كنت عارف بس مقدرتش أحطمك بأيدي يا أسيل."
تعالت شهقاتها قائلة بصوت متقطع من البكاء يحمل السخرية بين أحضانه:
"خلاص يا أحمد، اتحطمت واتكسرت من زمان."
لم يحتمل سماع بكائها المزلزل، فجذبها بين أحضانه.
استكانت قليلاً ثم رفعت عينيها لعينه قائلة بسخرية:
"كنت فاكرة إنه هيديني فرصة أكون بحياته، بس خلاص غيري أخدها."
"أنتِ بالنسباله مجرد أخت. أنا سبتك تعيشي بالوهم ده بس مش كتير يا أسيل."
قالها أدهم بغضب جامح، فأستدارت لتجد والدها يقف أمامها والغضب يشكل قسمات وجهه.
صدمت من معرفته الأمر، وما زاد صدماتها صوته الصارم:
"أنا السبب من البداية، بس النهارده الموضوع ده هيكون ليه حد. الأسبوع الجاي هيكون فرحك أنتِ وأحمد، وده آخر كلام عندي حتى لو هجوزك غصب."
وترك الغرفة وغادر، والغضب يلعب دوره بنجاح.
تطلعت للفراغ بصدمة، لم تستوعب ما قاله منذ دقائق!!!
أستدارت تتأمله بفيض من الذهول.
فأقترب منها قائلاً بهدوء:
"أسيل أنا..."
قاطعته قائلة بدموع:
"سبني لوحدي يا أحمد من فضلك."
تطلع لها بحزن دافين ثم خرج، تاركًا إياها تستوعب ما استمعت له منذ قليل.
***
بالأسفل.
ابتسمت بسعادة وهي تجلس معهم، حتى أنها تعرفت على نور وأحبت الحديث معها كثيرًا.
ولكن ما شغل تفكيرها آية التي أشارت لعدي وصعدوا للأعلى.
بالأعلى.
صاحت بغضب:
"أنا مش مصدقة بجد!!! أنت يا عدي؟"
عدي بهدوء:
"هو أنا عملت حاجة غلط؟"
اقتربت منه قائلة بنبرة هادئة:
"يا ابني أنا واثقة في أخلاقك وعارفة أنا ربيتك أنت وأخواتك على إيه، بس الناس متعرفش كده. يعني تواجدك معها بمكان واحد وهي لسه مبقتش مراتك ده شيء مثير للشكوك والناس مبترحمشي."
استدار قائلاً بغضب:
"من امتى واحنا بندور على اللي يرضي الناس؟"
زفرت بعصبية:
"يا حبيبي أنت ميهمكش، لكن هي لأ، حتى لو محدش يعرفها. وبعدين في أصول محدش يتعداها. هو أنا أكره أشوفك مبسوط أنت وأخواتك؟ أنا فعلاً زعلت لما اتفاجئت بيها ومكنتش أعرف حاجة عن اللي حصل، بس ده ميمنعش أني شفتها زي مليكة، واللي ميرضوش لبنتي ميرضوش لغيرها. عشان كده حاول مترددش هناك كتير."
اقترب منها ثم قبل يدها قائلاً بتفهم:
"حاضر يا حبيبتي."
ثم أكمل بمكر:
"بس ده لحد كتب الكتاب."
تعالت ضحكاتها ثم قالت بفرحة:
"ربنا يسعدك يا حبيبي. هنزل بقى أتعرف عليها، أصل زمانها أخدت عني فكرة مش كويسة بعد ما صدرتلها الوش الخشب."
أكتفى بابتسامته الصغيرة، ثم تتابعها بعينيه إلى أن هبطت للأسفل.
***
بقيت بالسيارة تنتظر معتز والدموع تشق وجهها.
قلبها يتحطم كلما تذكرت كلماتها.
لا يعقل ذلك؟ هل خانها قلبها فشعرت بأنها نالت قلبه؟
حاولت إيقاف سيل الدموع الحارقة ولكن لم تستطع.
دلفت للسيارة، فما أن رأته حتى أسرعت للهبوط.
جذبها من معصمها قائلاً بغضبٍ جامح:
"لحد كده وكفاية، أنا استحملت جنانك ودلوقتي هتهدى وتسمعيني."
تطلعت له بنظرة مميتة ثم صرخت قائلة بعصبية شديدة:
"انت إيه لسه ليك عين تتكلم!"
تطلع له بنظرة كادت أن تقتلها، فأرتعبت من ردة فعله.
كبت غضبه بصعوبة كبيرة، ثم شغل محرك السيارة وأنطلق بسرعة كبيرة تنقل غضبه الفتاك.
وقف أمام أحد المطاعم الهادئة، ثم خرج من السيارة.
فأبت الهبوط ولكن انحازت له حينما جذبها بقوة كبيرة للغاية.
دلفوا للداخل، ثم أعانها على الجلوس.
جلست بهدوء بعد تأكدها بأنها لن تتمكن منه.
جلس ياسين يتراقبها بصمت مؤقت، فوجدها تبذل قصارى جهدها حتى لا تسقط دموعها أمامه.
تحطم لرؤيتها، فمازالت هي نبض هذا القلب.
ترك مقعده ثم اقترب من المقعد المجاور لها ممسكًا يدها بين يديه.
ياسين بنبرة تحمل العشق في أحضانها:
"اللي شوفتيه النهاردة ده مش صحيح يا مليكة، صدقيني أنتِ فاهمة غلط."
رفعت عينيها المغمورة بالدموع، فأزاحها عنها بوجع.
يرتد هذا القلب لرؤيتها هكذا.
خرج صوتها أخيرًا قائلة بدموع:
"انت تعرفها؟"
تلامست يديه وجهها، غير عابئ بمن حوله.
"هجاوب على كل أسئلتك، بس عشان خاطري متبكيش."
أشارت له بالموافقة، فهي تتلهف لمعرفة الكثير والكثير.
استرسل حديثه قائلاً بعين تلتهب بنيران العشق القاتل:
"عايزك تعرفي حاجة واحدة بس، أنا محبتش في حياتي حد زيك."
"جاوبني يا ياسين، كنت فعلاً على علاقة بيها؟"
قالتها مليكة بخوف شديد من معرفة الحقيقة.
أخفض يديه لجواره قائلاً بشرود بالماضي:
"أعرفها من أيام الجامعة، منكرش إني بالأول أعجبت بيها، وبعدين كنت فاكر إني بحبها لما اتقربت مني وبقيت أنا كل اهتماماتها، أو زي ما كنت فاكر."
"وبعدين؟"
قالتها بلهفة لمعرفة المزيد، فأكمل حديثه قائلاً بغضب دفين:
"علاقتنا كانت شبه معدومة أو سطحية جدًا، بس مع الوقت بقيت أحس أنها مهمة في حياتي. عرضت عليها الجواز، وكانت سعيدة جدًا. عملت كده إزاي صدقيني؟ معنديش إجابة على السؤال. يمكن عشان اتربينا إن مفيش علاقة بتجمع الراجل بالست غير الجواز؟"
كبتت أحزانها وشهقاتها قائلة بصوت مرتعش:
"عمي موفقش؟"
ابتسم قائلاً بسخرية:
"قولتلك من أول ما بدأنا الكلام إن كلامها مش مظبوط. بلاش تربطي الأحداث بطريقة غلط يا مليكة."
حاولت الصمود فقالت بثبات مخادع:
"يعني هي رفضتك؟"
"تقصديني خدعتني؟"
قالها بنبرة تحمل الغضب الشديد.
فتطلعت له بعدم فهم.
استرسل حديثه قائلاً بنبرة متقطعة من الغضب:
"مخططها كان ناجح جدًا، شاب وسيم وغني، يعني عيشة مرتاحة."
"ده غرور؟"
قالتها مليكة بسخرية، فأكمل هو بهدوء:
"دي الحقيقة اللي عرفتها وسمعتها بنفسي. لا والغريبة إن الطمع عماها، ففسخت خطوبتها من ابن خالتها حب حياتها زي ما سمعت. الفلوس عمت نفوس كتير يا مليكة. صحيح، فوقت بس بعد ما اكتشفت إنها مش كل حاجة بحياتنا."
رفع يديه محتضنًا ليدها المرتجفة، عيناه تتفحصها باهتمام.
فخرج صوته قائلاً بشرود بعينيها:
"أنا ندمت فعلاً يا مليكة، لأنك كنتِ جنبي طول الوقت. كنت فاكر إن ده هو الإعجاب، لكن بالعكس، أنتِ ملكتي قلبي قبل ما أعترفلك بحبي يا مليكة."
رفعت عينيها المحتقنة بالدموع، فشعرت بصدق مشاعره.
ارتمت بأحضانه تبكي بقوة، فشدد من احتضانها كأنه طوق النجاة لها من الموت.
شعرت بأمان غريب بين أحضانه، فتسللت حمرة الخجل لوجهها حينما وجدت الجميع يتطلع إليهم.
تطلع لها ياسين قائلاً بمرح لرؤية دموعها مازالت تلامس وجهها:
"ها، مش هتقوللي بقى رايحة فين؟"
تعالت ضحكاتها قائلة بدلال:
"لما تطلب لي أكل الأول."
رمقها بنظرة عشق، ثم همس بنبرة منخفضة:
"بس كده، ده أنا كلي ملكك."
وأشار بيده للنادل ليحضر لهم ما ألذ وأطيب.
***
بالمقر.
جلس على المقعد بشرود، فرفع هاتفه قائلاً بنبرة غامضة:
"ممكن آخد من وقتك دقيقتين."
دلفت للداخل ببسمة على طريقته المرحة، فجلست أمامه ومازالت نظراته ساكنة.
زرع القلق بقلبها، فقالت بقلق:
"أنت كويس يا معتز؟"
طال صمته، فقطعه قائلاً بثبات مريب:
"خايفة عليا؟"
أردفت بتأكيد:
"أكيد طبعًا."
تخلى عن مقعده ثم جلس مقابل لها قائلاً بنظراته الساحرة:
"ليه؟"
كانت بمأزق حقيقي، أتهرب من سؤاله المربك أم من نظراته الفتاكة؟
عبثت بالملف على قدميها كمحاولة للهروب منه، فقالت لأعين متعلقة بالفراغ:
"الملف ده واقف على توقيعك."
جذبه منها ثم ألقاه على المكتب بإهمال، فجذبها لتقف أمامه.
رفعت عينيها بارتباك حينما رفع يديه على وجهها بحنان قائلاً بصوت هامس وأعين متفحصة:
"مجاوبتيش على سؤالي.. ليه بتخافي عليا يا شروق؟"
علمت أنها محاصرة لا محالة، فوضعت عينيها أرضًا قائلة بصوت منخفض:
"لأنك جوزي."
اقترب أكثر قائلاً بمكر:
"بس؟"
"ها..."
قالتها بارتباك وتوتر جامح.
صدح الهاتف الخاص بالمكتب، فدفشته بعيدًا عنها وهرولت للخارج كمن رأت شبحًا مخيفًا.
لم ترَ من يتجه للمكتب، فصدمت به.
رفعت عينيها لتجد جاسم أمامها.
جاسم ببسمة مكبوتة:
"إيه يا شروق، قفشِك في وشك كده ورايحة فين؟"
تخلت عنها الكلمات، فقالت بعد جهد كبير:
"ها، أصل أنا..."
قاطعها قائلاً بمكر:
"طب اهدّي كده وكل شيء هيكون تمام. قولي يارب."
رمقته بغضب، ثم أكملت طريقها لمكتبها وهي تلعن عقلها الذي تخل عن مهامه الأساسية، فجعلها أضحوكة هذا الأحمق.
***
بالجامعة.
دلف بسيارته الفاخرة، ثم هبط بطلته المميزة كعادته.
بحث عنهم بعينيه إلى أن وقعت عيناه عليهم.
توجه حازم إليهم، فجذب المقعد وجلس على الطاولة المخصصة بكافيه الجامعة قائلاً بابتسامة بسيطة:
"صباحووو يا شباب."
"صباحو فل يا جارحي."
قالها صديقه السوء، ولكن هذا الأحمق مازال يعتقد أنهم أخيار.
لا يعلم خططهم الدنيئة للإيقاع بتلك الفتاة وتحمل هو نتيجة المجهول.
صعدت للأعلى فجتمعت برفيقاتها قائلة بابتسامة:
"السلام عليكم يا قوم."
"لسه فاكرة يا أختي."
"سبك منها، معتش حاطة حد في دماغها."
جلست قائلة بغضب:
"إيه ده، انتوا اجتمعتوا عليا ولا إيه!"
"أينعم، ولازم تجيبيلنا حاجة على حسابك، وإلا تستهلي اللي هيحصلك."
قالته لها رفيقتها.
فغضبت نسرين للغاية، فتركت الطاولة قائلة بتذمر:
"ماشي يا أختي، هروح وأمري لله."
وتوجهت نسرين للأعلى أو لمصير سطره لها هؤلاء الأوغاد.
أشار له بعينيه، فتطلع لها وهي تحمل أكواب القهوة الساخنة وتتجه لرفيقاتها.
فوزع نظراته عليها وعلى حازم المنشغل بهاتفه، فوضع خطة محبوكة.
وضع قدميه بطريقها فتعثرت لتسقط بين على صدره.
وقف والغضب تسلل لعروقه، فمن تلك اللعينة التي تجرؤ على فعل ذلك؟
ابتسم نادر بخبث لحدوث مراده، فقال بمكر:
"أنتِ مبتشفيشي."
نسرين بارتباك وهي تتفادى الحديث مع هذا اللعين، فوجهت حديثها لحازم:
"أنا آسفة صدقني، مقصدتش."
دفع حينما شعر بالصدق بعينيها، فتلك الفتاة تأسره بسحرها الخاص.
تمالك الغضب نادر لظنه بأن خطته باتت بالفشل، فعال صوته قائلاً بغضب مصطنع:
"أنتِ متقصديش!! ههههههه دي دخله جديدة دي ولا إيه؟"
قال الشاب الآخر:
"مش قولتلك يا حازم، البنت دي عايزة اللي يفوقها عشان تعرف مين هو حازم الجارحي. بتتعمد تبين للكل إنك ولا حاجة."
لمع الغضب بعينيه، وما زاده حديثها حينما اقتربت رفيقاتها منها، فصاحت بغضب:
"أنتم فعلاً أشكال زبالة! أنا غلطانة إني وقفت واعتذرت."
قالت كلماتها وكادت أن تخرج من المكان، ولكن وجدت من يجذبها بالقوة ليهوي على وجهها بصفعة قوية للغاية.
كانت صدمة لطلاب الجامعة بأكملهم.
رفعت عينيها بصدمة، فرأته يقف أمامها قائلاً بصوت كالرعد:
"الزبالة دي أمثالك. الغلط اللي حضرتك بتتكلمي عليه ده جه من زمان يا حلوة. أنا عديتلك المرة اللي فاتت، بس خلاص شكلك مش بتفهمي بالذوق، وأمام الكل لو حد شافك تاني هنا مبقاش حازم الجارحي."
قالها بعين من جحيم، فجذبتها رفيقتها على الفور، فهي تعلم جيدًا ماذا يستطيع أن يفعل؟
ولكن لا تعلم بأنها ملكٌ له وسيعافر لتحظو بحياتها ليتحمل هو الأشواك الطعنات القاتلة لتراقب هي شمس العشق الدافئ.
***
بالقصر.
لم تصدق رحمة أن بهذا الزمان كم من الطيبة.
نعم، فما أن جلست معهم بالقصر شعرت بأنها محاطة بحصون من الحب مجتمعة بقوة.
وما زادها إعجاب شخصية آية الغامضة.
بالأعلى.
صعدت لغرفتها بمساعدته ونظراته تشملها بعشق.
فزفر بضيق طفولي:
"كل ده عشان أشوق الرسمة؟"
كبتت ضحكاتها قائلة بجدية مصطنعة:
"أنا تعبت في رسمتها ولازم تتعب لما تشوفها."
عمر بسخرية:
"ده إيه الذل ده؟"
تعالت ضحكاتها قائلة بشفقة:
"خلاص هجيبها."
وتوجهت بمفردها للخزانة، ثم لامست بيدها اللوح وجذبته لينصدم عمر.
نور بلهفة:
"إيه رأيك؟"
عمر بصدمة كبيرة:
"مين ده يا نور؟"
تلبت قائلة باستغراب:
"مين ده إيه؟ أكيد أنت طبعًا."
"يا نهار أسود!"
قالها عمر بأعين متسعة على مصراعيها.
فأقتربت منه قائلة بلهفة:
"ليه بس، في إيه؟"
جذب عمر اللوحة في محاولة أخيرة لإقناع نفسه، ثم صاح بهدوء:
"في حاجات مش حاجة واحدة، بصي يا قلبي مترسمينيش تاني. أقولك على حاجة حلوة؟ مترسميش خالص يكون أفضل. أنا عايزك ترتاحي وتصفي ذهنك."
ثم رمق اللوحة نظرة مجددًا فتمتم بخفوت:
"بسم الله الحافظ."
انفجرت ضاحكة ثم قالت:
"أعمل إيه يعني، ما أنا تعبت من التخيلات."
عمر بغضب وعيناه على اللوحة تأبى تركها:
"متتخيليش خااااالص بعد كده."
ابتسمت قائلة بجدية:
"نفسي أشوفك يا عمر."
غزت كلماتها قلبه فحطمته بنجاح.
اقترب منها ثم قربه منه قائلاً بعشق:
"قريب أوي يا قلب عمر، بس ساعتها هشوف هتقدري تعرفيني ولا لأ."
ابتسمت بخجل:
"أكيد هعرفك من صوتك."
تعالت ضحكاته ثم قال بجدية:
"عدي صوته بيشبهني."
دلفت دوامة الحيرة، فأحتضنها بقوة لعلها تتمكن من تميزه بنبضات القلب المتراقص.
أبتعد عنها وهو يتأمل وجهها، ملامحها البريئة، عيناها الزرقاء.
رفع يديه على وجهها وباليد الأخرى حرر حجابها ليلمع شعرها الأسود بجمال.
خجلت كثيرًا وهي تحاول الابتعاد عنه، ولكنه حاصرها بين ذراعيه هامسًا بجوار أذنيها:
"بتثقي فيا يا نور؟"
كان سؤال مزلزل لها، فمرت ذكريات الماضي أمام عينيها لتجده المنقذ لها على الدوام.
خرج صوتها الخجول كحالها قائلة بتأكيد:
"مش بثق في حد غيرك."
غمرها بين ذراعيه بسعادة كبيرة لسماعه كلماتها الرقيقة.
حملها للفراش، فأنقبض قلبها بقوة، ولكنها علمت بأنها صرحت له بالثقة.
طبع قبلة خفيفة على جبينها قائلاً بعشق:
"ارتاحي شوية لما أرجع من المستشفى عشان نبدأ علاج للجراحة."
ابتسمت قائلة بحماس:
"خلي بالك من نفسك."
"لما توعديني بده، أوعدك أنا كمان."
قالها بهيام بعينيها، فقالت ببسمة رقيقة:
"الكل هنا واخدين بالهم مني يا عمر. وبعدين أنت مش عادتك تتأخر على المرضى، هتغير عادتك عشاني ولا إيه يا دكتور؟"
تعالت ضحكاته قائلاً بسخرية على كلمتها:
"اتعلمتي منهم."
أشارت بغرور مصطنع:
"أنا بقيت منهم، نور الجارحي."
"ههههههه ماشي يا عم، محدش بقى قدك."
قالها عمر وهو يتوجه للخروج.
فقالت بعشق:
"متنساش تكلمني."
ابتسم قائلاً بتأكيد:
"إن شاء الله يا حبيبتي. سلام."
نور:
"في رعاية الله."
وغادر عمر للمستشفى وتبقت هي هائمة به.
***
بالأسفل.
هبط عدي للأسفل، فأبتسم حينما وجد مليكة عادت من الخارج وجلست تشاركهم الحديث والمرح.
فرحمة تعلقت بجميع الفتيات، وآية ويارا وشذى، حتى دينا وتالين أعجبن بها للغاية.
هبط ليكون على مقربة منهم، فركضت مليكة لأحضانه كالمعتاد قائلة بابتسامة مرحة:
"وحشتني يا ديدو، قليل لما بشوفك."
رفع يديه يحتضن أميرته الصغيرة، ثم قال بثبات:
"لو عايزاني، عارفة إزاي توصليلي، بس ده مش في مخططك. مخططك الفلوس اللي بتاخديها من عمر، فعارفة إزاي توصليله هو."
فتحت عينيها على مصراعيها قائلة بصدمة:
"هو أنا اتفضحت كده؟"
"وأكتر كمان يا أختي."
قالتها مروج بضيق.
كانت تتأمله بغضب وغيرة شديدة.
اقترب عدي منهم فجلس على مقربة منهم، فصاحت داليا به:
"عدي مشفتش رائد؟"
أجابها بجدية:
"لا يا داليا."
مروج:
"أخوه."
رحمة بصدمة:
"مش جاسم أخوه؟"
تعالت ضحكات الجميع، فأجابت مليكة مؤكدة لها:
"عندك حق تتلخبطي، العيلة كبيرة أوي ما شاء الله، بس أنا هفهمك كل حاجة ثانية واحدة."
وتركتهم وهرولت للأعلى، ثم هبطت بعد دقائق ومعها ألبوم كبير بعض الشيء.
فردته أمامها لتجد بكل صورة عائلة متكاملة، فقالت بسعادة:
"يعني أنتِ أخت عدي؟"
مليكة بغرور:
"أينعم، الصغيرة."
سعدت كثيرًا، فعلم عدي ما كان سبب غضبها منذ قليل.
انغمست معهم بسعادة عائلية فقدتها رحمة بحياتها، ولكن هل ستدوم السعادة طويلًا؟
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل السابع عشر 17 - بقلم اية محمد
كان الحفل مغمور بالسعادة، فمنهم من حصد غزلان العشق، والآخر بملحمة مريبة يريد الأفاقة منها.
تعالت الأجواء الهادئة حينما خطف كلا منهم حوريته على النغمات الهادئة الساطعة بالحفل.
ياسين… مليكة
رفعت عيناها فألتقت بعيناه الزرقاء الفتاكة، فحاولت الهروب ولكنه لم يمنحها فرصة لذلك.
خرج صوته قائلاً بعشق بنبرته الهادئة كالمعتاد:
_بتحاولي تهربي بس مش هتعرفي.
ثم أكمل بخبث:
_أو أنا اللي مش هعطيكي فرصة.
ابتسمت قائلة بخجل شديد:
_انت ليه دايماً بتحب تحرجني!
صمت خيم عليه، فأخيراً صارت بين يديه وزوجة له أمام الجميع.
خرج صوته الثابت ونظراته مازالت متحمسة لرؤية تلك العينان:
_وليه متقوليش أني بعشقك وبعشق كل تفاصيل صغيرة خاصة بيكي يا مليكة.
شعرت بنيران تتأكل مع وجهها، فهربت بعيناها عنه وبسمة صغيرة تشبع وجهها.
ياسين بخبث:
_هو أنا عامل مشاكل كدا، أوك مش هزعجك تاني.
رفعت عيناها له ولكن نست كلماتها، فظلت تتأمله بصمت وشرود.
معتز وشروق
كان بعالم آخر بين عتاب القلب القاسي.
لم يشعر بنظراتها المفعمة بالحب له، رفع عيناه لتنسجم مع نظراتها فحفلت بالغموض.
شعورها بالخوف من القادم بدأ يتزايد شيئاً فشيئاً، ولكن بداخلها حماس لأعترافها بعشقها له.
أحمد… أسيل
كان يتحاشي النظر في عيناها، فربما يفتضح أمره لها.
لا يعلم بأنها تشعر به، ولكن بداخلها حاجز يفصل بينها وبينه.
تألم قلبه وهو يرى نظراتها المسلطة على عدي بحزن، فلم يكن الأمر بالهين له، فبداخله بركان يتأجج كلما علم بحقيقة الواقع بأن قلبها سيظل ملكاً لغيره.
على الجانب الآخر
هناك عاشق ومعشوقة بحلقة الروح، وجماع العشق هو رابط موحد لعلاقتهم الطاهرة.
روح حالت بين الأمد لتجمع قلب عاشق للروح ومربط بأغلال الشوق والحنين.
هناك حب كسر الحواجز الزمنية ليظهر حقيقة ربما تكون أشبه للخيال.
عدي ورحمة
تميل معها بعدم اتزان، كأنه بعالم آخر منعزل عن البشر والكائنات.
نعم هو بسحر عيناها الساكنة ممزوج بعشقه الخاص.
تأملته بدون خجل، فهي الآن زوجة له، تحل له ويحل لها.
نقلت له بالنظرات كم تحمل من شغف عشقه اللا منتهي، ليبادلها النظرات بسحر وهدوء خاص بهم.
خرج صوته أخيراً ليتمرد على هدوئه المميت قائلاً بصوت منخفض أشبه للهمس:
_بقيتي ملكي وللأبد.
ابتسمت قائلة بنبرتها الرقيقة:
_ودا من حسن حظي وتعاسة حظك المسكين.
اتسعت ابتسامته لتزيد وسامته الساحرة قائلاً بسخرية:
_لو فاكرة إني سهل، تبقي متعرفنيش لسه.
اقتربت منه قائلة بهمس خاطف لضربات قلبه:
_انت اللي متعرفنيش يا سيادة الرائد، لو حاولت تزعلني هوجعك بدموعي.
كانت رسالة صريحة منها نالت إعجابه بكلماتها.
فقال بخبث:
_دا تهديد لنقاط الضعف صح ولا أنا فهمت غلط؟
تعالت ضحكاتها قائلة بمكر يشابه له:
_والله على حسب مقصدك من كلامك.
انحنى بذراعيه ليحملها وسط زهولها وخجلها الشديد قائلاً بخبث:
_نشوق الموضوع دا فوق عشان الناس بس.
رفعت قدميها بغضب:
_نزلني يا عدي، الناس تقول إيه؟
لم يبالي بها وتوجه لغرفتهم وسط نظرات اندهاش للجميع.
لجوارهم
كان يتأملها بعشقٍ جارف، فخجلت من نظراته بشدة حتى أنها حاولت الفرار قائلة بخجل:
_ممكن متبصليش كدا.
ابتسم قائلاً بمكر:
_ليه؟
اشتعل وجهها غاضباً:
_من غير ليه؟
اقترب منها قائلاً بخبث:
_نظراتي اللي مش عاجباكي ولا طريقتي؟
داليا بخجل:
_جاسم الله.
تعالت ضحكاته قائلاً بخبث:
_هو أنا ممكن أبطل أبص ليكي بس ساعتها هتندمي.
تطلعت له بعدم فهم، فأشار بعيناه على فتيات الحفل.
فجذب وجهه بغضب مميت ليبتسم بمكر:
_شوفتي، سبيني أركز بقا.
ابتسمت بخجل شديد وهي تحاول التهرب من نظراته الجامحة.
***
_بحبك.
كلمته الصريحة لها جعلتها تتلون خجلاً، رغم أنها استمعت لها كثيراً منه، ولكن مازال الخجل رفيقها.
خرج صوتها أخيراً قائلة بعشق:
_وأنا كمان.
بادلها بسؤال خبيث:
_وأنتِ كمان أيه يا نور؟
حمدت الله كثيراً أنها لم تراه، وإلا كانت سقطت بين ذراعيه من قمة خجلها.
أكمل بمكر:
_هتهربي من السؤال، ودا مستحيل على فكرة.
ابتسمت قائلة بخجل:
_بحبك يا دوك، وهحبك أكتر لو خرجتني من اللحظات المحرجة دي.
تعالت ضحكاته الخاطفة للأنفاس قائلاً من وسط ضحكاته:
_هخرجك بس لما توعديني الأول.
نور باستغراب:
_بأيه؟
تأمل عمر الناس من حوله، ثم قال بتفكير:
_تعالي معايا وأنا أقولك.
وعاونها عمر على الهبوط لتتخفى معه بعيداً عن الحفل.
***
نظرات العينان يحتضنان بعضهما البعض بصمت وسكون.
ربما تقص أنشودة، وربما تقص فنون.
ولكن بالنهاية المطاف طريق للعشق مختوم.
قالت بابتسامتها التي يعشقها:
_على فكرة أنا مش بعرف أرقص، وقولتلك قبل كدا في فرحنا لو تفتكر.
ابتسم رائد قائلاً بهدوء:
_دا مش اسمه رقص، وبعدين بذكائك هنسبكم ترقصوا قدام الناس ليه؟ معندناش ذرة رجولة.
كبت ضحكاتها قائلة بسخرية:
_طب دا أيه؟
رائد بجدية:
_دا نوع راقي جداً، بتتحركي مع شريكك بحرية كأنه هو القائد.
_بس ميمنعش أنه رقص.
قالتها رانيا باستغراب، ليسترسل حديثه:
_أنا مش بسميه كدا، الرقص هو الزايد عن الحد والحركات الكتيرة، لكن دا بسميه انسجام الحب أو فرصة لاتنين بيحبوا بعض يتأملوا إشارات العيون.
رانيا بغضب:
_يعني أنت جايبني هنا عشان تتأمل نظرات العيون!
تعالت ضحكاته قائلاً بهمس جوار أذنيها:
_لا عشان أخطفك من مريم، مش مديني فرصة أنفرد بيكي.
أقترابه منها زلزل قلبها، فربما هذا الشعور كان كفيل بجعلها تشعر بأنها ستفقد الوعي.
ابتعدت عنه قائلة ببعض التعب التي حاولت جاهدة ألا يراها به:
_أنا هرجع الطاولة.
رائد باستغراب:
_ليه؟
رانيا بتعب:
_معلش يا رائد، أنا مصدعة شوية.
أجابها بلهفة:
_أجبلك دكتور.
ابتسمت قائلة بحب:
_لا مفيش داعي.
رائد بتفهم:
_طب هوصلك.
ابتسمت وأخضعت له، فعاونها على الهبوط ثم أوصلها للطاولة.
***
رفعت يدها بين يديه بخجل، فمازالت لم تتعرف عليه بعد ليصبح زوجها.
مازن بهدوء بعدما قرأ ما بعينيها:
_قولي اللي أنتِ عايزة تقوليه.
تطلعت له بارتباك ثم قالت بتوتر:
_مش فاهمه؟
ابتسم لترى جاذبيته الشديدة، فقال بثبات:
_شايف في عيونك كلام كتير، فمستني أسمعه منك.
أشارت بمعنى لا، فتطلع لها بعدم تصديق.
زفرت قائلة بضيق:
_أكيد يعني، عندي أسئلة كتير لأني معرفش عنك حاجة.
صمت وهو يتأملها بعشق ينبض بقلبه لأول مرة، فخجلت كثيراً وهي تراه يتأملها بهذا الشغف.
خرج صوته العاشق قائلاً بصوت مثير:
_أوعدك بعد الحفلة هتعرفي عني كل حاجة، بس للأسف مش هضيع الفرصة دي بالكلام عن بطولاتي.
تعالت ضحكاتها على أسئلته المرح، ثم قالت بعدم فهم:
_فرصة إيه؟
_:أنك قريبة مني.
قالها بهيام بعينيها، فتيقنت مروج بأن مصيرها معه محتوم.
***
على طاولة ضخمة للغاية
كان يجلس أفراد عائلة الجارحي بأكملهم.
فكانت تجلس يارا جوار عز بهيام به، تتذكر يوم زفافها ومغامرات عشقها المميز معه.
فبادلها البسمة العاشقة لها، فخجلت للغاية وهي تؤكد له أنها تعشقه هو الآخر.
جوارها كانت تجلس شذا، ومقابل لها يجلس زوجها ورفيق الدرب.
تتحدث معه بذكرياتها يوم حفل الزفاف، فأبتسم حينما تذكر المهرجانات التي أشعلها حمزة بالحفل.
على مقربة منهم كان يجلس الرعد وجواره العنيدة الرابحة لقلبه، يتأملها بسكون وصمت، كأنه يسترجع شيئاً ما من الماضي.
على رأس الطاولة كانت تتدلل عليه كالمعتاد، لتجد بسماته الطاغية تفيض بلا حدود.
فيحيى الجارحي ذو سحر خاص لم يفقده بعض.
لجوارهم كانت تتجادل معه كالمعتاد، وكعادته يبرر أنه لم يفعل ذلك.
فحمزة فمازال كما هو، يفعل ما يشاء ويجادل مثلما يشاء، وتالين تحاول الوصول لمطاف معه وتفشل بنهاية الأمر.
يترأس الطاولة من الناحية الأخرى ياسين الجارحي، ولجواره زوجته الهائمة بابنتها مليكة.
فطلعت له لتجده يتأملها هو الآخر.
آية بابتسامة رقيقة:
_مليكة كبرت يا ياسين.
ابتسم هو الآخر وعيناه على ابنته:
_تعرفي إنّي مش مصدق، عشان كدا عيني منزلتش من عليها من أول الحفلة.
_مليكة مش بنتي بس يا آية، دي حتتة من روحك وقلبك لأنها بتشبهك كتير.
_جايز تكون علاقتي بيها مش زيك، بس دا طبعي، مش بحب الكلام كتير.
رفعت يدها على يديه الموضوعة على الطاولة قائلة بخجل:
_ربنا يخليك لينا يا ياسين، أنا نفسي أعمل حاجة تسعدك بجد زي ما بتسعدنا، بس مش...
قاطعها حينما رفع يديه ليحتضن يدها قائلاً بثباته المريب:
_وجودك جنبي أكبر سعادة ليا يا آية.
هامت العينان ببعضهما البعض، إلا أن قطع النظرات بالحديث:
_يالا نبارك.
شاركته البسمة وتقدمت معه لابنتها التي ارتمت بأحضان والدها بسعادة.
رفع ياسين يديه على رأسها قائلاً بابتسامة هادئة:
_مبروك يا حبيبتي.
ابتسمت مليكة بسعادة:
_الله يبارك في حضرتك يا بابا.
ياسين بضيق مصطنع:
_طب وأنا يا عمي، مفيش مبروك؟
تعالت ضحكات آية قائلة بسعادة:
_لا أذي طبعاً، ألف مبروك يا ياسين.
تطلع له ياسين ثم قال بهدوء:
_يعني أديتك الجوهرة اللي عندي، وكمان عايزني أقولك مبروك؟
_داخل على طمع الواد ده.
قالها له يحيى بابتسامة خبيثة وهو يتطلع لابنه بسخرية.
ملك بغضب وهي تحتضن ابنها:
_في إيه يا يحيى، أنت وياسين بتتكلموا الولد كده ليه؟
ياسين بسخرية:
_هو أنا طفل يا ماما؟
ملك بغضب:
_تصدق إنّي غلطانة إني بدافع عنك.
يحيى بخبث:
_قولتلك يا قلبي متدافعيش عن حد غيري.
ياسين لمليكة بعدما ابتعدوا عنهم قليلاً:
_كده خلاص يا مليكة، بقا ليكي سند ودعم غير أخواتك وغيري.
قاطعته قائلة بخوف:
_لا طبعاً، حضرتك أكبر سند ودعم ليا.
ابتسم قائلاً بهدوء:
_الزوج هو اللي بالمرتبة الأولى يا مليكة، ودا شيء يسعدني. عايزك تعرفي إنّي جنبك على طول، حتى لو فضلت معاكي فترة عمر وعدي معاكي على طول. تربيتي كافيلة تخليهم يحموكي العمر كله، لأنه الرابط مش أخ وبس، أقوى من كده بكتير.
كانت تتأمله بفخر وسعادة، إلى أن قطعتهم يارا بالتهنئة لتحظو بأحضان أخيها أمام مليكة، كأنه يخبرها بأنه ورث علاقته المتينة بشقيقته لها ولأحفاد الجارحي جميعاً بلا استثناء.
***
شعرت بدوار شديد يهاجمها، فأشارت لتالين حتى تعتني بابنتها لحين عودتها.
توجهت للقصر وهي تعافر للوصول قبل أن يلمحها أحد، ولكنه رآها، فهرول خلفها مسرعاً.
صعدت أولى درجات الدرج، ولكن لم تستطع أن تكمل طريقها، فسقطت مغشياً عليها.
اقترب منها رائد بزعر ولهفة، فعلى صوته قائلاً بفزع:
_رانياااا.
رانياااا.
استكانت بين ذراعيه كالجثة الهامدة، فخطفت زمام قلبه ليحملها بين ذراعيه للداخل.
توجه للأعلى بعدما طلب من الخادم إحضار طبيب على الفور.
وضعها على الفراش بحذر، ثم أحضر العطر الخاص به في محاولة مستميتة لإفاقتها، وبالفعل بدأت تستجيب له.
فتحت عيناها بضعف شديد لتستمع لصوته المرتبك.
رائد بفزع:
_مالك يا حبيبتي؟ حاسة بأيه؟
رفعت يدها على رأسها تقاوم الإغماء مرة أخرى، ولكن لم تستطع.
فرائحة البرفنيوم الذي نثرها ليعاونها على الإفاقة جعلتها تشعر بالغثيان، فهرولت لحمام الغرفة تفرغ ما بجوفها.
عاونها على الاغتسال والخوف ينهش قلبه، فحملها للفراش بعدما شعر بأن قدماها لم تعد تعاونها على الوقوف.
ما هي إلا دقائق معدودة حتى حضرت الطبيبة للداخل ومعها دينا بعدما علمت ما حدث من الخدم.
وقفت لجوارها قائلة بقلق:
_مالها يا دكتورة؟
رفعت الطبيبة ذات الأربعين عاماً رأسها قائلة ببسمة صغيرة:
_سوء تغذية، والفترة دي من الحمل محتاجة تغذية كويسة.
تطلع رائد لها بشيء من الصدمة، لأول مرة يستمع لخبر يجعله كالصنم المتحجر.
أحتضنتها دينا بسعادة وفرحة:
_ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يرزقك بأخ لمريم يارب.
ابتسمت بخجل وهي تخطف بعض النظرات لمن يتأملها تارة، ويتأمل موضع البطن تارة أخرى بدهشة كبيرة مسطرة على وجهه بوضوح.
خرجت دينا مع الطبيبة للخارج، وهو مازال كما هو يتأملها بصمتٍ مميت.
تحرك أخيراً، فجلس أمامها ونظراته تحمل الدهشة:
_يعني أنا هشوفك وأنتِ بتتنفخي.
تلون وجهها بالغضب، فأسرع قائلاً بوعي:
_أقصد بطنك يعني بتكبر.
لم تنكر سعادتها بارتباكه الذي حرمت منه بجنينها الأول، فقالت بمكر:
_ودا شيء يسعدك.
_:طبعاً.
قالها بفرحة كبيرة، ثم اقترب منها فاحتضنها بقوة قائلاً بسعادة:
_ألف مبروك يا حبيبتي، بس أنا مش عايز ولد، أنا عايز اتنين.
رانيا بسخرية:
_أنت داخل على طمع ولا إيه؟ وبعدين هو واحد والحمد لله.
الرائد بابتسامة واسعة:
_عادي يا قلبي، بعد الدور ده نجيب كمان، إيه المشكلة؟
تطلعت له بصمت، ثم صاحت بشكل مفاجئ:
_لا أنا رجعت في قراري وعايزة أطلق تاني، يا كدا يا هعملك تنازل رسمي بولادة الطفل التاني ده.
انفجر ضاحكاً على حديثها وطريقتها الساخرة، فسحرت بسحره الخاص ليكف عن الضحك وينغمس معها بنظرات العشق المميت.
****
أنتهى الحفل وصعد كلا منهم لغرفته، ليبقى الهدوء سيد القصر بأكمله.
بغرفة عدي
وضعها أرضاً لتنظر له بغضب شديد، ثم صاحت قائلة بضيق:
_الحفلة لسه مخلصتش ليه طلعتني؟ أنا كنت حابة أفضل كمان.
اقترب منها قائلاً بنظراته الساكنة:
_بس مقدرتش أسيب الجمال ده حد يشوفه غيري.
استدارت مسرعة حتى لا يرى خجلها المتزايد، فأدارها له ليجدها تخفي وجهها بيدها.
ابتسم قائلاً بمكر:
_إيه اللي على إيدك دار؟
رفعت عيناها لتجدها فارغة، فتعالت ضحكاته لتلكزه بغضب شديد.
فتركته ودلفت للمرحاض لتبدل ثيابها لأسدال الصلاة الأبيض.
خرجت لتجده فرد سجادة الصلاة وبانتظاره لتنضم له.
كانت سعيدة وهي تستمع لصوته الخاشع بالصلاة وهو يردد القرآن الكريم بصوت خاشع للغاية.
أنهى صلاته، ثم رفع يديه على رأسها مردداً دعاء الزواج.
فتحت عيناها لترى أن يده مازالت على رأسها حتى بعدما أنهى الدعاء، فخجلت للغاية.
فاقترب منها ليهمس:
_الحديقة هنا هتعجبك أوي، هستناكي تحت.
وغادر بذكاء لترك لها مساحة من الوقت.
ابتسمت وهي تتأمله من الأعلى، لتجده يجلس على المقعد بسرواله القصير بعض الشيء وتيشرته الأبيض.
فحسمت قرارها بالهبوط لترى حديقة الغرفة الجديدة.
رحمة بإعجاب:
_حمام سباحة هنا كمان!
أفاق على صوتها، فأقترب منها وهو يرى شعرها المفرود بحرية على خصرها.
ابتسم بسخرية لما ترتديه من بجامة طفولية للغاية.
لم تأبه به وجلست على حرف المسبح، وضعت قدماها بالمياه وتحركها بسعادة.
جلس جوارها بعدما وضع حذائه جانباً لينضم لها قائلاً بسخرية:
_أنا فكرتك هتنزلي الميه، اتفاجئت بسباحة الأقدام.
رمقته بغضب وضيق:
_مش بعرف أعوم على فكرة، ثم إني بحب أتفرج على حمامات السباحة دي، شيء يزعلك؟
استدار بوجهه قائلاً بهدوء:
_كنت عارف، عشان كدا اخترت الأوضة دي.
صمتت بخجل وهي تتأمل عيناه من على قرب مهلك لها، ثم خرجت من مطافها على رشة المياه الباردة بعض الشيء على وجهها.
جحظت عيناها وهي تراه يبتسم بمكر، فحملت المياه ونثرتها عليه بغضب شديد، إلى أن اختل توازنها لتسقط بين لهيب الموجات.
صرخت بفزع وهي تحاول التقاط أنفاسها، فرفع عيناها بعد دوامة من الصراخ لتجده يحملها بين ذراعيه ويحركها بالمياه.
ابتسمت بسعادة، فرفعت يدها على رقبته واليد الأخرى تلهو بالمياه كأنه طفل صغير يتعلم الخطى.
تراقب سعادتها بفرحة وقلب يعلو طرب صوته، إلى أن تعلقت النظرات ببعضها البعض لتعلو شرارة العشق وتطوف بطوفان خاص لتمنح لقب زوجة بمسمى خاص.
بغرفة ياسين
ظلت تتأمل الغرفة بإعجاب شديد، فلم تسمح لها ملك برؤيتها إلا يوم الزفاف كمفاجأة لها.
دلفت لحمام الغرفة وأبدلت ثيابها بحرية لعلمها بأن ياسين مازال بالأسفل مع أبيها وعمها.
خرجت من الحمام بعدما ارتدت الأسدال تبحث عن حجابها في الخزانة.
دلف ياسين للداخل فوجد تلك الحورية تقف أمامه بشعرها المنثدر على عينيها.
رفعت الحجاب على شعرها بخجل شديد، فأقترب منها بهيام ولكنه تباعد حينما وجدها تكاد تنهار من الخجل.
ابتسم قائلاً بمكر:
_بتخبي شعرك ليه؟ مش حلو؟
رفعت عيناها بغضب شديد، ثم قالت بتذمر:
_جداً.
كبت ضحكاته قائلاً بجدية مرتسمة بحرافية:
_عارف عشان كدا بقولك عادي، هنشوف علاج أكيد.
خلعت حجابها بغضب جامح، لتتمرد خصلات شعرها الذهبي كأنها تتحدا من يتحدث معها بسخرية حتى لو كانت مصطنعة:
_العلاج ده ممكن تشوفه لكلامك اللي مش كويس.
وتركته وهمت بالرحيل، فجذبها لتلتقي بعينيه.
رفع يديه يزيح خصلات شعرها المتناثرة على عينيها قائلاً بعشق:
_أنا فعلاً محتاج علاج بس بالصبر للجمال ده.
تراجعت للخلف بنظراتها التي تتهرب منه، فأبتسم بتسلية قائلاً بمكر:
_مش هنصلي؟
رفعت حجابها ومازالت نظراته أرضاً، واقتربت من موضع الصلاة بأنتظاره لينضم لها.
وبالفعل، ما هي إلا دقائق، أبدل فيها ثيابه وأنضم لها.
أنهى صلاته، ثم جلس على الأريكة يتطلع لها وهي تحاول الهرب مجدداً من نظراته، فأبتسم مشيراً على المقعد:
_تعالي يا مليكة.
أقتربت منه وقلبها يكاد يتوقف، إلى أن جلست على مقربة منه.
طال الصمت ومازال نظراته الفياضة تطوفها، إلى أن قرر الحديث قائلاً بهدوء:
_مش عايز حاجة تفرقنا عن بعض أبداً، عشان كدا أنا حابب من اليوم الأول مع بعض أعرفك كل حاجة عن حياتي، كل تفصيل صغير هيكون عندك خلفية عنه، حتى لو معلومة صغيرة، لأنك شريكتي في كل حاجة.
ابتسمت له بسعادة وهو يقص لها عما كان يخفيه عن الجميع، سواء كان بفرح أم حزن.
سر أم علني، علمت عنه الكثير والكثير، إلى أن ختم حديثه قائلاً بعشق:
_هي دي كل تفاصيل حياتي، بس الزيادة وجودك فيها يا مليكة.
عيناه الزرقاء كانت كالبحر العاصف بشواطئ قلبها، فأبتسم وهو يقترب منها ليعلمها الجزء الجديد بوجودها بحياتها بطريقته الخاصة، لتصبح زوجته ووريثة العشق الطائف.
بغرفة أحمد
دلفت للداخل بهدوءٍ تام، شعر به أحمد فتفهم ما بها.
دلف لحمام الغرفة فأبدل ثيابه، ثم خرج ليجدها تجلس على الفراش بفستانها الأبيض ودموعها منسوجة على وجهها.
فأزاحتها بقوة كأنها تحارب للبقاء، لا يعلم أنها في صراع تحاول به أن تفتح قلبها المحطم له.
فهي تعلم أنه يحبها كثيراً، ولكن ليس بيدها شيء تفعله سوى الصبر.
أنحنى أحمد ليجثو على قدميه فيكون على نفس مستواها قائلاً بنبرة هادئة رغم العاصفة المشتعلة بقلبه:
_لسه برضو يا أسيل؟
رفعت عيناها له قائلة بدموع:
_غصب عني يا أحمد، ثم تعالت بالبكاء: حاولت والله كتير بس مش عارفة.
جلس لجوارها على الفراش قائلاً بحزن عليها:
_طب ممكن تبطلي بكى؟ أنا حاسس بيكي صدقيني، بس أنتِ اللي اخترتي الجوازة دي تتم ليه دلوقتي حزينة كده؟
تطلعت له بدمع شق صدره:
_أنا مش قادرة أتكلم يا أحمد، أرجوك.
وأرتمت بأحضانه تبكي بقوة، رفع يديه يشدد من احتضانها وبداخله يتزايد دقات قلبه.
أستكانت بداخل أحضانه، فساد صمتها الذي انقلب لعاصفة من الفكر.
لما تشعر براحة بداخل أحضانه؟
لماذا تجده المأوى كلما طاف بها الأنين، فتجد قلبه المحطم مرحب بها رغم ما به من ألم؟
يا لها من حمقاء حقاً، كم نعتها بها أخيها.
رفعت يدها تشدد من احتضانه كأنها وجدت دنياها المخفية عنها.
فابتعد عنها سريعاً حينما وجد قلبه يتزايد، فربما سيحطم آخر صبة تجمعه بها، وهي الصداقة كما ترابطها هي.
أبعد خصلات شعره عن وجهه قائلاً بابتسامة مرح جاهد لها:
_طب إيه يا عشماوي، مش هنتفرج على الفيلم الرعب اللي جبته من إيطاليا مخصوص ولا إيه؟
وقفت بفرحة ينجح أحمد بصنعها على الدوام لمعرفته ما يسعدها:
_فيلم رعب بجد؟
لم يجيبها وأقترب من الكوماد وأخرج منه الفلاشة الصغيرة، فصرخت بفرحة قائلة بسعادة:
_جهز القعدة والتسالي عما أغير وأجي.
أشار لها برأسه، فهرولت للمرحاض، أما هو فجلس على المقعد براحة لنفاذ الموقف قبل أن تكشف عشقه لها.
لا يعلم أنها من صارت على أول خطى عشقه!
بغرفة معتز
دلف وهو يخلع رابطة عنقه بضيق، كأنه يشعر بأن شيئاً ما يخنقه.
أتبعته للداخل وهي تراه بتلك الحالة.
فأقتربت منه قائلة بخوف بعدما رفعت يدها على كتفيه:
_معتز أنت كويس؟
أستدار ليكون مقابلاً لها ليلمح نظرات الخوف بعينيها، فقال بسخرية:
_كويس؟
ثم اقترب منها قائلاً بجدية:
_أنا عايز أعرف رأيك فيا يا شروق.
تطلعت له باستغراب، فأكمل موضحاً:
_يعني وجهة نظرك فيا، مش عشان زوجك لا، في المجمل.
رغم حالة الزهول إلا أنها أجابته:
_أنت شخص كويس جداً يا معتز ومحترم.
_:ليه شايفني كده؟
كلماته مريبة، فأجابته بهدوء:
_أنا مشفتش منك حاجة ممكن تخليني أقول غير كده.
اقترب منها ليكون على مقربة منها قائلاً بصوت ساخر:
_لا أنا شخص زبالة وحقير ومش محترم، دا كان رأيك من أسبوعين تقريباً.
تراجعت للخلف بخوف شديد، فأقترب منها قائلاً بلهجته المخيفة:
_أنا احتفظت بتذكارك الغالي عشان أردّهولك في الوقت المناسب.
لم تفهم ما يلقيه عليها من كلمات إلا حينما هوى على وجهها بصفعة قوية أسقطتها أرضاً.
لم يكن الألم شديداً، فربما اعتادت التحمل، ولكن صدمتها كانت قوية للغاية.
أنحنى على قدميها يتطلع لها بلهيب مخيف قائلاً بصوت كالجحيم:
_تفتكري مكنتش أقدر أعمل كدا في وقتها؟ الجواب قدامك.
معتز الجارحي مفيش واحدة اتخلقت على وجه الأرض تقدر تمد إيدها عليه، والمميز أنك عملتيها عشان كدا حبيت أكسرك في أفضل يوم بيكون في حياة أي بنت.
أنا فعلاً عمري ما غضبت ربنا ومشيت بالطريق الزبالة اللي أنتِ كنتِ فاكراني فيه، بس كرامة رجولتي متسمحليش أسيب جزء منه ولو بسيط مهتز بسبب واحدة زيك.
حالت عليها معركة من الدموع، فهمت خلفه حينما تقدم للخروج من الغرفة.
تمسكت بمعصمه قائلة بدموع وهي تستند عليه لتقف:
_معتز أنت بتهزر صح؟
لم يجيبها وظل يتأملها بغموض مميت، فبكت قائلة برجاء:
_قولي إنك بتهزر عشان خاطري.
أزاح يدها من على كتفيه ثم خرج، صفق الباب بقوة خلفه، فهوت أرضاً تبكي بصوت منكسر، فربما لم يزورها هذا الحلم من قبل.
بالحديقة الخاصة بالقصر
كانت تجلس نور لجواره والهدوء يخيم المكان بأكمله، تنتظره يتحدث لترى ما الوعد الذي يطالبها به.
فقالت بخوف:
_في إيه يا عمر؟
خرج صوت عمر الحزين كلما مرت الساعات على الموعد القابض لقلبه:
_عايزك توعديني يا نور.
قالت بعدم فهم:
_بأيه؟
رفع يديه على يدها قائلاً بصوت مجاهد للحديث:
_إن لو العملية لا قدر الله منجحتش، متبعديش عني ولا تزعلي أبداً.
ابتسمت قائلة بثقة:
_قل لا يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، يعني يا عمر، اللي في نصيبي هشوفه، ودا أنت مالكش ذنب فيه، أنا.
ثم صمتت برهة من الزمن لتعد بشجاعة:
_تصميمي إني أشوف عشان نفسي أشوفك أولاً، وثانياً عشان مش حابة حد يتشفى فيك ويقول أتجوز واحدة ع...
قاطعها بغضب قبل أن تكمل تلك الكلمة:
_عارفة لو نطقتي الكلمة دي تاني هعمل فيكِ إيه؟
بكت قائلة ببسمة مزيفة:
_بس دي الحقيقة يا عمر.
رفع يديه على وجهها قائلاً بغضب:
_الحقيقة إنك مراتي أنا، يعني تخصيني، بس مش تخصي حد تاني.
واحتضنها عمر لتتخفى بين ذراعيه بأمان حينما شعرت به، غفلت بين ذراعيه وما هي دقائق حتى لحق بها، فغفلوا بالحديقة وبجوارهم الحدائق والأزهار وطوف من العشق الخالد.
بغرفة حازم
زارته بأحلامه كثيراً، فلم يستطع النوم وهي ملحقه الوحيد حتى سطع النهار بشمسه المذهبة على جميع جوانب القصر.
أشاح بوجهه بضيق من أشعة الشمس الحارقة، ففتحها ليتذكر بأنه غفل معها هنا.
أستقام بجلسته وهو يحاول إفاقتها، ولكن سحره جمالها وسكونها بين يديه، فتأملها بصمت.
إلى أن أفاقت، فعاونها على الصعود حتى تبدل ثيابها وتتوجه للمشفى.
******
بغرفة عدي
فتحت عيناها بتكاسل، فبدأت بالبحث عنه جوارها لتجد التخت فارغاً.
لتفق على صوته القادم من على قرب منها:
"صباح الخير"
أستدارت لتجده يجلس على المقعد المجاور لها.
ابتسمت قائلة بخجل:
_صباح النور يا عدي.
ترك المقعد وجلس جوارها يزيح خصلات شعرها المتمردة على عينيها قائلاً بابتسامة جذابة:
_قلب عدي ونبض الروح.
ابتسمت بخجل، ولكنها تلاشت حينما وجدته يرتدي ملابس الخروج، فقالت باستغراب:
_انت خارج؟
أجابها بهدوء:
_أيوا يا رحمة، النهاردة معاد جراحة نور ولازم أكون جنبه.
وضعت عيناها أرضاً بحزن، فظن أنها تريده لجواره، فرفع يديه على وجهها قائلاً بأسف:
_أنا وعدته أكون جنبه ولأزم أوفي بوعدي.
رحمة برجاء:
_ينفع أجي معاك؟
عدي بتفكير:
_بس...
أسرعت بالحديث:
_عشان خاطري يا عدي، أنا عايزة أكون مع نور.
ابتسم قائلاً باستسلام:
_أوك.
ركضت سريعاً للخزانة وألتقطت ما أمامها بسرعة كبيرة، ثم هرولت لحمام الغرفة تحت ضحكاته الهادئة.
*****
بغرفة ياسين
أستيقظ على صوت الهاتف فرفعه بنوم شديد:
_ألو.
جاسم بسخرية:
_صباحو فل يا عريس، إيه الأخبار عندك؟
أستقام بجلسته على الفراش قائلاً بغضب شديد:
_انت عايز إيه على الصبح يا حيوان.
جاسم:
_الحق عليا بفكرك إن النهاردة جراحة نور وكلنا رايحين معاهم حتى الوحش.
ياسين بجدية:
_أيوا أنا نسيت خالص، 5 دقايق وأكون معاكم.
جاسم بتفهم:
_أوك.
وأغلق ياسين الهاتف، ثم وضعها لجواره ليتأمل تلك الحورية الغافلة على ذراعه.
تسلل لحمام الغرفة حتى لا تفيق من نومها، ثم ارتدى ثيابه وتوجه للأسفل.
*****
بغرفة أحمد
فتح عيناه بفزع حينما وجد أمامه شبحاً ما.
تعالت ضحكاتها قائلة بسخرية:
_خوفتي يا بيضة.
تطلع لها بغضب شديد، ثم صاح بعصبية:
_إيه دا!
أسيل:
_دا وش إجرام، احتفظت بيه عشان أخوفك، مش بقولك تخصصي رعب.
أحمد بسخرية:
_لا مهو واضح، أخفي بقا من آدمي.
وتركها وتوجه للمرحاض، فتمسكت بذراعه قائلة بحماس:
_غير هدومك بسرعة عشان هنخرج.
جذب ذراعيه قائلاً بغضب:
_أخرج معاكِ أنتِ؟ بتاع إيه؟ اتجننت! أنا فعلاً خارج بس مش معاكي يا أسو.
أسيل بابتسامة واسعة:
_طب أوصفهالي.
أحمد باستغراب:
_هي مين دي؟
أسيل بحماس:
_اللي هتخرج معاه.
رفع يديه على شعره بقوة:
_الرحمة يارب.
وتركها ودلف لحمام الغرفة.
*****
بغرفة معتز
دلف للغرفة فوجدها تفترش الأرض بفستانها الأبيض، عيناها متورمة من البكاء الحارق.
أقترب من الخزانة فجذب منها ثيابه للذهاب معهم للمشفى.
وبالفعل أبدل ثيابه وتوجه للخروج، فاستدار يتطلع لها وهي تجلس بهدوء مريب تتأمل الفراغ بصمت قاتل وشرود مريب.
ذبح قلبه، فأقترب منها وأنخفض لمستواها.
رفعت عيناها لتتقابل مع عينه، فهبطت دمعة خائنة منها، لعلها كانت الدفعة القوية له ليستعيد وعيه.
جذبها لتقف أمامه قائلاً بهدوء:
_أدخلي غيري هدومك.
كأنها لم تفهم ما يقوله، فأقترب من الخزانة وجذب ما يناسبها، ثم قدمه لها، فحملته وتوجهت لحمام الغرفة بهدوء شديد، كأنها بغير وعي.
دلف للداخل، فجلس على المقعد في صراع بين شعوره بالذنب وبين قلبه المرتجف.
فاق على صوت اصطدام قوي للغاية، فدلف للداخل بعد عدد من الطرقات، ليجدها مغشياً عليها بفستانها الأبيض.
حملها معتز بقلق شديد على الفراش، ثم حاول إفاقتها، فأستجابت له بعد عدد من المحاولات لترمقه بنظرة لم يتمكن من نسيانها أبداً.
معتز بقلق:
_أنتِ كويسة؟
_:وهتفرق معاك؟
قالتها بصوت منكسر ودموع حارقة كسرت حوائط القلب، فجذبها لذراعيه بقوة قائلاً بألم:
_أنا بحبك يا شروق، صدقيني بحبك أوي، مش عارف عملت كدا إزاي.
تطلعت له بحزن شديد، فما ارتكبه ليس بالهين.
رفع يديه يزيح دموعها قائلاً بعد عدد مهول من المحاولات للتحدث:
_أسف.
تطلعت له بصدمة حقيقية، فرفع يديه قائلاً بضيق:
_مش هعدها تاني على فكرة.
ابتسمت بمكر ثم قالت بحزن:
_بس أنت كسرتني يا معتز، وبالفستان.
_:بس هلحق أصلحك وبنفس الفستان.
قالها بعدما اقترب منها، فتركته واستقامت بجلستها قائلة بجدية:
_ليه عملت فيا كدا يا معتز؟
تطلع للفراغ قائلاً بصدق:
_صدقيني معنديش إجابة لسؤالك، بس الأكيد إني كنت في حرب بسبب اللي عملتيه دا، مش تصرف إن واحدة تمد إيدها على واحد.
شروق بحزن:
_يعني أنت اتجوزتني عشان تنتقم؟
تطلع لملامحها بعشق، ثم قال:
_في الأول آه، لكن بعدين اكتشفت إني حبيتك يا شروق.
تلون وجهها بخجل، فقال هو:
_أنا لازم أخرج دلوقتي عشان نور، ولما أرجع هنتكلم.
أكتفت بإشارة بسيطة له، فغادر وهو يتطلع لها بنظرة أخجلتها للغاية.
****
هبطت نور للأسفل مع داليا وبداخلها خوف شديد يلاحقها، فربما مجهول آخر، وربما حلقة تميمة العشق لنرى ملحمة من العشق بآخر حلقات #الوحش_الثائر (أحفاد الجارحي3).
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اية محمد
واجه صعوبة مريبة ليتقدم من غرفة العمليات، فبداخله خوف قاتل. نعم، هو طبيب ماهر، ولكن من أمامه هي كتلة من روحه. نظرة أبيه هي من دفعته بقوة ليخطو للداخل. وجدها غائبة عن الوعي بفعل المخدر، فأنحنى يتأملها بدمع يلمع بعين عمر الجارحي لأول مرة. طبع قبلة صغيرة على جبينها بعدما أغلق عينيه بقوة كأنه يبث لها الأطمئنان أنه لجوارها. نظرات من حوله كانت بحسرة على تلك الفتاة، والأخرون يتطلعون لها بغيرة من عشق هذا الشاب. أشار لهم عمر، فشرعوا بأتمام الجراحة بدقة عالية كالمعتاد لهم مع باقي الحالات.
بالخارج
جلسوا جميعاً على المقاعد وهم بحالة من السكون. صوت بكاء آية هو الذي يصدح، فصنع جو من الأضطراب. جلست رحمة جوار عدي والحزن يخيم على وجهها، فرفع يده على يدها قائلاً بابتسامة هادئة:
_ هتبقى كويسة يا رحمة.
نظراتها أجابته باستماة بأملها الكبير بذلك. أحتضنها بين ذراعيه لعلها تشعر بصدق ما يتفوه به.
على الجانب الآخر، جلس أحمد جوار جاسم وياسين قائلاً بصوت هامس:
_ معتز فين؟
رفع ياسين عيناه عن هاتفه قائلاً بزهول:
_ هو لسه مجاش؟
جاسم:
_ لأ، كان هنا من شوية.
دلف مازن من الخارج ليستمع لهم، فقال بارتباك:
_ معتز راح لحازم الجامعة.
جاسم باستغراب:
_ ليه؟
تلون وجهه بالارتباك:
_ ها، معرفش. حازم طلبه على الفون وهو راحله على طول.
ياسين بنظرات كالسيف:
_ في إيه يا مازن؟
حاول التهرب من نظراته قائلاً بسخرية:
_ مين اللي يفتح تحقيق مع مين؟
رفع أحمد ذراعيه على كتفيه قائلاً بهدوء مخادع:
_ هتقول في إيه، ولا نلجأ لحل ثلاثي الأبعاد؟
تطلع لهم الثلاث بخوف. بدأ حينما تدخل رائد قائلاً بسخرية:
_ رباعي مش ثلاثي، أنا معاكم.
_ حازم كلم معتز وطلب منه يروح الجامعة ضروري. معرفش ليه، بس اللي فهمته أن في حد بيضيقه هناك.
قالها مازن مسرعاً قبل أن يفتكوا به للهلاك.
تطلع رائد لياسين ثم قال بهدوء:
_ حد بيضيقه؟
أحمد بغضب:
_ مين الحيوان اللي ممكن يعمل كدا؟
جاسم بخبث:
_ لو روحنا هنعرف.
أحمد بابتسامة مكر:
_ بقالنا كتير مدخلناش خناقة يا جدعان.
رائد بابتسامة هادئة:
_ نفسي أفرد بطولة على حد.
تطلع لهم ياسين بنظرة أخرستهم ثم قال بثباته المريب:
_ 5 دقايق بس ونرجع قبل ما عدي يفقشنا، وساعتها لا هنطول لا سما ولا أرض.
تطلعوا له بصدمة، فأبتسم بمكر:
_ توكلنا على الله.
مازن بصدمة:
_ توكلوا أنتوا، أنا لسه أدمى الحياة بطولها.
تأمله رائد بغضب. فجذبه جاسم قائلاً بصوت كالرعد:
_ عارف لو عدي عرف إحنا فين هعمل فيك إيه؟
مازن برعب مصطنع:
_ مش عايز أعرف يا خويا، فك بس دراعي وساعتها محدش منكم هيعرف يفرد عضلاته عليا.
ياسين بتأييد:
_ أه، ماهو هيبان سبك منه.
أحمد بصوت منخفض للغاية:
_ مش يلا ولا إيه يا شباب؟ عايزين نلحق الخناقة من أولها.
رائد بحماس:
_ يلا.
وبالفعل استغلوا انشغال الجميع، وبالأخص الوحش، ثم خرجوا لينضموا لهم.
بالجامعة
أعد نادر لحازم مكيدة بأن استأجر أكثر من عشرين رجلاً ليحيل به أمام جميع الطلاب، حتى يتمكن من إظهار حقيقة للجميع بأن حازم الجارحي انخضع أمام سلطته، فكيف لهم بالصمود؟ لا يعلم بأنه من كتب رسالة وداع أخيرة وختمه بختم الجارحي، ليستقبل موتًا مؤلمًا للغاية.
علم حازم بما أعده له، فاختار معتز لينضم له لعلمه بأنه من يتفهم مثل تلك العقبات على عكس أفراد العائلة.
جلس على الطاولة وهو يتأمله يقترب منه، فرمقه بنظرات تكن الهدوء والسكينة. جلس أمامه فقال بغرور:
_ الطربيزة دي تخصني، وأنت عارف أني مش برتاح غير فيها. أو بمعنى أصح، مش لحد تاني.
لم يعيره حازم اهتمامًا وتناول طعامه بهدوء مريب. افتك به، فجذب الطاولة بقدميه لتجثو أرضًا. وضع قدمًا فوق الأخرى بتعالٍ وكبرياء، ثم ترك العنان لنظراته تحتدم من الغضب والهدوء القاتل له، فزاده أضعافًا مضاعفة.
اشعلت نيران الغضب بداخله وهو يرى الجميع يتابعهم بتركيز واهتمام. فأشار لرجاله المنفردين بالمكان.
أقترب منه رجلاً ذو بنية قوية للغاية، فرفع يديه ليلكمه، ولكن لقى حتفه حينما تخلى حازم عن مقعده وحطم عنقه بحركة سريعة.
دارت الملحمة بينه وبينهم، ولكن الكثرة تغلب الشجاعة. بدأ بخسارة قوته أمام عددهم المهول، فوقع أرضًا وهو يحاول الوقوف مجددًا ليجد درعًا ما يطوفه ليتكفل بباقي المعركة.
حاولت عيناه لجمرة من النيران حينما رأى ابن عمه ينزف بشدة. لم يشعر بذاته وهو يندفع بقوة بينهم.
ارتعب نادر من وجود معتز، فتراجع للخلف، ولكن وجد حازم أمامه ونظراته لا تنذر بالخير.
وصلت سيارة أحمد للجامعة، فهبط ياسين وجاسم ليجدا المعركة أوشكت على الانتهاء. انضموا لمعتز، فتفاجأ بوجودهم، فقال بصدمة:
_ أنتوا عرفتوا إزاي؟
لكم جاسم الشاب بغضب شديد، ثم قال وعيناه على ضربات العدو:
_ عيب عليك.
تلقى أحمد لكمة من الخلف، فاستدار بغضب شديد ليصبح مصرع هذا الشخص الموت لا محالة بعد أن تلاقى عدد من اللكمات أسقطته أرضًا.
بعد عدد من الدقائق ساد الهدوء المكان بعد أن أنهوا ذاك الصراع غير العادل لهم، ولكن صدمات الجميع بهزيمتهم هذا العدد المهول كانت كافية بانسحابهم.
أقترب ياسين من حازم، فقال بشيء من الغضب:
_ ممكن تفهمني في إيه؟ ومين دول؟
تطلع لهم حازم بخوف شديد. فأقترب منه أحمد قائلاً بعصبية بعدما رأى الدم المنسدل من رأسه:
_ ساكت ليه؟ ما تتكلم.
جاسم بصوت هادئ:
_ مش كدا يا أحمد، الله.
أحمد بسخرية وهو يتطلع لأخيه:
_ أنا لما جيت على هنا افتكرت أن سيادتك عامل خناقة عادية بينك وبين زميل بالجامعة، لكن اللي شوفته دا أكبر من كدا بكتير ومش بعيد يعترضوا طريق حضرتك مرة تانية. فلو ما اتكلمتش وقولت في إيه مش هنلحق نتصرف.
معتز لحازم:
_ أحمد معاه حق يا حازم، فهمنا إيه اللي حصل عشان نقدر نساعدك.
أشار لهم بهدوء. فرفع ياسين وجهه بيديه يتأمل إصاباته قائلاً ببعض الخوف:
_ بعدين هنعرف منه كل حاجة، بس دلوقتي لازم نروح لدكتور يشوفه.
جاسم بقلق:
_ إصابته كبيرة؟
ياسين بثبات:
_ لأ، اطمن. ثم أشاح بوجهه لمعتز:
_ هات عربية حازم أنت وجاسم وخليكم ورانا أنا وأحمد.
أشار له معتز، وبالفعل اعتلى سيارة حازم ولجواره جاسم، وبالسيارة الأخرى صعد ياسين وحازم بسيارة أحمد.
دق هاتفه بصوت رسالة متناغمة، فرفع هاتفه بابتسامة هادئة.
مليكة: "أنت فين؟"
أجابها برسالة أخرى: "صباح الخير يا حبيبتي."
"صباح النور، أنت مع عدي؟"
"أيوا يا حبيبتي، محبتش أزعاجك ونزلت بدري."
"طب طمني نور عاملة إيه دلوقتي؟"
"أنا نزلت من المستشفى من حوالي نص ساعة وراجع تاني، أول ما هروح هطمنك يا قلبي."
"طب ينفع أجي؟"
"البسي وأنا هبعت جاسم ومعتز ياخدوكي."
"ربنا يخليك ليااا يارررب."
"لا، النهاردة الدلع بس.. بعد كدا في نظام تاني 😈"
"وأهون عليك؟ 😑"
"لا."
"ولو مقفلتش متلوميش إلا نفسك."
وما أن أكمل كلماته كانت أغلقت الهاتف بالفعل.
ابتسم بعشق على حوريته الحاصدة على روح قلبه بحرافية.
رفع هاتفه ليخبر معتز وجاسم بالتوجه للقصر لأحضار مليكة. فلم يكن منهم إلا قطع الطريق والاستدارة لطريق القصر، فمنهم بداخله حنين لرؤيتها، ومنهم من يحمل ألم الأنين لما فعله.
بالمشفى
خرجت نور من الداخل ومازالت غائبة عن الوعي، ولجوارها كان ينفذ وعده القطعي، فكان لجوارها كم أخبرها من قبل. فحملها من السرير المتنقل للفراش، وبداخله خوف شديد لا يعلم مصدره.
أقتربت منه آية قائلة بدموع:
_ طمني يا ابني.
رفع عمر عيناه قائلاً بثبات مزيف ألتمسه أخيه:
_ مش دلوقتي يا ماما، لما تفوق هي اللي هتطمن.
رفع ياسين يديه على كتفيها قائلاً بهدوء:
_ ممكن تهدى شوية.
تطايرت الدموع من عيناها قائلة بصوت متقطع:
_ مش قادرة يا ياسين، أنا بعتبرها زي مليكة بالظبط.
أجابها بتفهم:
_ عارف.
وجذبها للمقعد المجاور للفراش.
جلست ملك ودينا وشذا وتالين ويارا لجوارها وهم بحالة من السكون وتراقب القادم. أما على يسار الفراش كان يجلس ياسين ويحيى وأدهم، الجميع.
استغل عمر انشغالهم بالحديث وخرج لمكتبه بخطوات غير متزنة، شعر بها بأنه أوشك على فقدان الوعي.
دلف لمكتبه ثم ألقى بثقل جسده على المقعد مغلق عينيه بقوة كأنه يستعيد جزء من قواه.
دلف خلفه فجلس على المقعد المقابل له قائلاً بحزن:
_ مش قولنا منستسلمش يا عمر.
فتح عيناه ليجد أخيه أمامه، فقال بصوت يكاد يكون مسموع:
_ خايف يا عدي.
عدي بهدوء:
_ من إيه؟ أنت عملت اللي عليك وواجبك كدكتور على أكمل وجه، الباقي بتاع ربنا يا عمر.
أشار بوجهه بتأييد:
_ ونعم بالله.
عدي بسخرية:
_ بعد إيه بقا؟ كنت فاكرك أقوى من كدا.
لوى وجهه باستياء، فبادله عدي بسمة المكر، وبدأ الحديث الخبيث سيد الموقف.
بالقصر
هبطت مليكة للأسفل وجلست بانتظار معتز وجاسم، إلى أن دلفوا للداخل، فهرولت سريعاً قائلة بشيء من التوتر:
_ ها، طمنوني.
أشار معتز بيديه على جاسم وتوجه للأعلى. فعلم جاسم أنه تولى زمام الأمور بأمر من معتز.
بالأعلى
دلف معتز للغرفة وعيناه تبحث عنها، ففزع حينما وجد الغرفة فارغة. خرج من غرفته والجنون يحتل قلبه. هل تركت القصر؟
أطبق على يديه بقوة مريبة وغضب فتاك، فتوجه للدرج وبداخله وعيد لها بتحطيمها أمام الجميع، حتى لو كان أهلها من ربى هذا العدد.
توقف محله حينما استمع لصوت ضحكاتها، فتتبع الصوت بزهول.
بغرفة مروج:
تعالت ضحكاتها بغير تصديق، لتكمل الأخرى بغضب:
_ بتضحكي؟ أه ياختي، هو أنتِ هتحسي إزاي؟
شروق بجدية مصطنعة:
_ طب خلاص، بطلت ضحك أهو، كملي بقا.
مروج بغرور:
_ اللي عملته خفف المدة شوية، وكانت دي أول خناقة بينا تنتهي بعد أسبوع، يعني معتز الجارحي صالح أخته بعد فترة زمنية أسبوع واحد.
شروق بصدمة:
_ يالهوي، أسبوع أقل مدة؟
مروج بتأكيد:
_ المدة بتتراوح من شهر لسنة، وربك كريم.
صعقت مما استمعت إليه، فرفعت مروج يديها على كتفيها قائلة بحزن مصطنع:
_ ربنا معاكِ يا بنتي، وقعتِ ومحدش سمى عليكِ.
_ لا، الوقوع دا سيبه عليا أنا.
صعقت مروج حينما وجدته بالغرفة، فأستدارت قائلة بارتباك:
_ أهلاً يا ميزو، تعال يا حبيبي، دانا كنت جايبة سيرتك بأحلى كلام، حتى اسأل مراتك.
أقترب منها بنظراته القاتلة قائلاً بهدوء زائف:
_ لأ، مانا شفت وسمعت.
مروج برعب:
_ طب أستأذن أنا بقا.
شروق بابتسامة مكبوتة:
_ ربنا معاكِ.
وتركتهم مروج وهرولت للأسفل.
أقترب منها معتز قائلاً بصوت ثابت خالٍ من التعبيرات:
_ عاملة إيه دلوقتي؟
رفعت وجهها له، ثم طال الصمت لتخرج العبارات الساخرة:
_ متخافش، متكسرتش ولسه زي ما أنا، بس ممكن لما تزود الجرعة شوية احتمال يحصل.
كانت رسالة صريحة له بنقل الألم بداخلها.
تركت الغرفة وتوجهت لغرفتها سريعاً لشعورها بحاجتها للبـ.ـكـ.ـاء.
حينما شعرت بأنه على وشك الدلوف الغرفة أسرعت للحمام فدلفت وأغلقته.
بحث عنها وقلبه يخفق بسرعة كبيرة، فاستمع لصوت شهقات الـ.ـبـ.ـكـ.ـاء تأتي من حمام الغرفة. أقترب مستندًا برأسه على باب الغرفة يستمع لـ.ـبـ.ـكـ.ـائـ.ـهـ.ـا بحزن شديد. قطعه قائلاً بصوت ثابت:
_ شروق، افتحي الباب.
لم تقو على الوقوف، فكانت تجلس أرضًا على السجادة التي تفترش جزءًا من الأرضية الكبيرة، تترك العنان لدموعها الغزيرة، ربما يكفي القلب عن الأنين ويكتفي بدمع الآلام.
صاح بغضب حينما لم يستمع رد:
_ قولتلك افتحي، بدل ما أكسره.
لم يأتيه الرد، فرفع قدميه بقوة ليتحطم الباب ليعلن انهيار خضوعه أمامه.
أسرع حينما وجدها تجلس أرضًا، فرفعها لتقف أمامه قائلاً بهدوء:
_ مش بتردي عليا ليه؟
رفعت وجهها ليرى دموع عينيها قائلة بسخرية:
_ والمفروض أقول إيه؟
رفع يديه يزيح دموعها، فأبتعدت عنه بخطوات للخلف قائلة بصوت متحشرج:
_ لسه عايز مني إيه؟
معتز بتفهم:
_ ممكن تهدى ونتكلم.
تطلعت له بصمت لشعورها بحاجتها للحديث. فأقترب منها ثم جذبها للخارج. جلست جواره على الأريكة وهو يتراقبها بفترة من الصمت.
رفعت عينيها لتراه مازال يتأملها، فقال بصوت ساكن:
_ اللي بتعمليه دا مش هيفيدك بحاجة يا شروق، أنتِ غلطتي وأنا غلطت.
_ غلطتك أكبر مني يا معتز.
قالتها بـ.ـبـ.ـكـ.ـاء وأسترسلت بصوت محتقن:
_ أنا كان تصرفي طبيعي جداً لما أسمع من السكرتيرة بتاعتك كلام مش كويس عنك، أكيد مكنتش أعرفك ولا أعرف عنك حاجة، لكن انت تعمدت تكسرني وأنتِ عارفني كويس، خدعتني بالحب والجواز، طب ليه؟
وتعالت شهقاتها من الـ.ـبـ.ـكـ.ـاء الحارق، لتتضح له الخيوط شيئًا فشيئًا. إذاً من تسببت بفعل ذلك هي الغيرة الزائدة من تلك اللعينة. لم يستمع لها من قبل وساد الانتقام، هي كنيته الجديدة.
نعم تزوج بها بدافع الانتقام، ولكنه الآن بات مأسورًا بالعشق.
أقترب ليجلس بالقرب منها قائلاً بصوت يحمل العشق الصادق:
_ طب ممكن ننسى اللي حصل وصدقيني، الحيوانة دي حسابها هيكون عسير معايا.
رفعت عينيها تتأمله بسكون مريب، أنهته بصوت مرتجف:
_ يعني أنت بتحبني؟
ابتسم قائلاً بسخرية:
_ بحبك بسسس!! أمال لو مكنتش البت مروج أدتك تقرير عن شخصيتي اللي غيرت جزء منها عشانك.
وضعت عينيها أرضًا بخجل، فرفع يديه يرفع وجهها لتقابل عينيه قائلاً بنبرة صادقة ألتمستها من طوفان عينيه:
_ أنا بعشقك مش بحبك بس.
شعرت بنيران تحرق وجهها، فأشاحت بنظراتها عنه، فأكمل بخبث:
_ أنا بقول بلاش نور النهاردة.
صاحت بارتباك:
_ لااا، هنروح.
تعالت ضحكاته الجذابة قائلاً بتأييد:
_ طب يالا عشان ممكن أغير رأيي.
هرولت للخارج سريعاً تحت ضحكاته الفتاكة.
بالمشفى
وبالأخص بمكتب عمر.
دلف جاسم ومليكة، فهرولت لأخيها قائلة بارتباك:
_ طمني يا عمر.
ابتسم قائلاً بهدوء:
_ لسه، لما نور تفوق يا مليكة.
عدي باستغراب:
_ أنت كنت فين يا جاسم؟
جاسم بارتباك:
_ كنت بجيب مليكة، ياسين قالي أروح أجيبها.
أقترب منه بنظراته الخاطفة للأرواح:
_ وهو فين؟
جاسم بتوتر:
_ مش عارف.
أجابه بثبات:
_ وأحمد.
ابتلع ريقه قائلاً بثبات:
_ مش عارف.
جلس وضع قدمًا فوق الأخرى، فجلس جاسم مقابل له ليقص ما حدث بالتفاصيل الصغيرة. فهـ.ـدوءه يعني الهلاك.
عمر بصدمة:
_ طب حازم فين؟
أجابه بهدوء:
_ تحت، الممرضة عقمتله الجرح وقامت بالواجب.
عدي بغضب جامح لعمر:
_ دا كل اللي يهمك.
وضع عمر عيناه أرضًا ليتحاشى غضب الوحش الثائر، فأستدار لجاسم قائلاً بغضب مميت:
_ خلاص بقيتوا بلطجية أنت وولاد عمك.
جاسم بغضب:
_ دي مش خناقة عادية يا عدي، دول عارفين هما بيعملوا إيه بالظبط، وربنا اللي يعلم لو إحنا مكنش هناك كان حصل لحازم إيه.
ضيق عيناه قائلاً بثبات يفشل البعض بفهم ما يشغل خاطره:
_ اطلب حازم، خليه يطلع هنا.
أشار له وأخرج هاتفه بالفعل يطالبهم بالصعود لمكتب عمر.
جلست مليكة جوار عدي قائلة بصوت منخفض:
_ عدي.
رفع عيناه لها، فأبتسمت قائلة بسعادة:
_ أنا حلمت حلم جميل ليك وعشان أقولهولك لازم رشوة.
تأمله بسخرية:
_ حلم يوم فرحك؟
وهتحكيهولي دلوقتي؟
أجابت بغرور:
_ بعد الرشوة.
حاول عمر الحديث ليحث شقيقته على الهرب من أمامه، ولكن هي من حفرت مقبرتها بيدها.
خرج صوته الساكن بغموض:
_ غوري من وشي يا مليكة.
جذبت مليكة عمر كالعادة ليكون الحِـ.ـمـ.ـى لها أمام عاصفة الوحش، فأستدار قائلاً بتهكم:
_ دا وقته، ربنا يخدك.
ثم استقام بوقفته قائلاً بابتسامة واسعة:
_ بتـ.ـهـ.ـزري يا ديدو؟ ما أنت عارف مليكة دمها عسل.
وقاطعه قائلاً بغضب:
_ أنت لسه هتشرح، روح شوف نور.
مليكة:
_ خدني معاك يا عمر.
جذب يدها من على البلطو الطبي قائلاً بحزن مصطنع:
_ كان على عيني يا حبيبتي.
وهرول من أمامها، فطلعت لعدي بغرور، فأبتسم بعدما تأكد من رحيل عمر:
_ برافو يا مليكة، قدرتي تخرجي عمر من اللي هو فيه.
جلست جواره قائلة بغرور:
_ تربيتك يا كوتش، بس في حاجة عايزة أقولك عليها.
تأمل هاتفه بلا مبالاة:
_ قولي.
تأملته بابتسامة واسعة:
_ أنا فعلًا حلمت بيك.
رفع عيناه القاتمة، فقالت بلهفة:
_ بص إيدك على الرشوة وأنا هحكيلك.
عدي بسخرية:
_ لما أسمع الأول.
تأففت قائلة بضيق:
_ أوك.
حلمت إيه يا ديدو، خير اللهم اجعله خير، قول أمين.
رفع يديه على رأسه يحاول تشتيت الغضب من رأسه، فزفر قائلاً بغضب:
_ أنجزي.
مليكة بتأفف:
_ ماشـ.ـي.
حلمت يا سيدي إن أنت والبت رحمة في بيت كبير جدًا، وأنا قاطعته قائلاً بنفاد صبر:
_ مش عايز أعرف، خدي الرشوة بتاعتك وروحي ورا أخوكي.
تمسكت بذراعه قائلة بتصميم:
_ لا، هقول على طول.
جلس مجددًا قائلاً بغضب مخفي:
_ أنجزي.
جلست جواره قائلة بجدية:
_ أنا شفت رحمة في بيت كبير جدًا، والبيت دا ملوش أبواب للخروج، كانت زعلانة وبتحاول تخرج، بتخبط على الجدران بدموع لحد ما تعبت ومعتش قادرة إنها تقف على رجليها، فوقعت على الأرض وفضلت تصرخ باسمك.
تابعه عدي باهتمام، وخاصة بعد أن بدت بجدية تقص ما رأته.
أكملت مليكة:
_ كل ما كانت بتردد اسمك كان الجدار بيهدم لحد ما حواجز البيت دا اتهدم، والغريبة إنك كنت واقف ورا آخر جدار، بس كان معاك بنت وولد على يدك صغيرين جدا وشكل بعض بالظبط. رحمة جريت عليك وشالت البنت والولد وقالت إنها واجهت الموت عشانكم.
لم يستوعب عدي ما تخبره به مليكة، ولكنه سعد حينما وصفته وهي يحمل الأطفال بين ذراعيه، فقال بابتسامة خفية:
_ خدي الرشوة اللي أنتِ عايزاها.
مليكة بجدية بعدما رفعت يديها على كتفيه:
_ مش عايزة غير أشوف ضحكتك أنت وعمر على وشوشكم على طول.
أحتضنها عدي قائلاً بفرحة:
_ هتكون موجودة طول ما أنتِ بحياتنا يا مليكة.
دلفوا جميعًا، فأقترب ياسين منهم بغضب مصطنع:
_ أنت بتحضن مراتي؟ بتخوني يا عدي!!
أخرجه من أحضانه ثم قبله قائلاً بمكر:
_ تختاريني أنا ولا هو يا مليكة؟
أحمد:
_ ههههه، أيه المعادلة الصعبة دي؟ ههههه.
ياسين بغضب:
_ اخرس أنت.
دلف معتز وشروق قائلاً بصدمة:
_ الوحش عرف؟
أشار له أحمد بالصمت، ولكنه كان المحال قد صار. أقترب منه قائلاً بصوت ساخر:
_ وأنت كنت معاهم بسلامتكم.
معتز بارتباك:
_ لأ، دانا كنت بهدي الموضوع.
شروق بصوت منخفض لمليكة:
_ هو في إيه؟
مليكة:
_ تعالي نخلع.
وبالفعل جذبتها وتوجهوا لغرفة نور.
تقدم ليقف أمام حازم يتأمل موضع إصابته، فقال بعين كالصقر:
_ اللي حصل دا عن قصد صح؟
أشار له براسه بصمت وخوف شديد. جلس على المقعد قائلاً بثبات:
_ أيه بقا اللي حصل؟
جلس حازم وكذلك فعل الجميع وقص له ما حدث من البداية حتى ما حدث بالجامعة.
رائد بصدمة:
_ خطفوا البنت؟!!
أحمد بزهول:
_ أنا مش مصدق إن في ناس زبالة كدا.
جاسم:
_ الولد دا لازم يتربى.
ياسين بسخرية:
_ هو بعد اللي حصل له هيكون في حيل للتربية.
معتز بهدوء:
_ ليه البنت دي مبلغتش عنهم؟
حازم بحزن:
_ مينفعش يا معتز، البنت بسيطة أوي ومش عايزة تعمل مشاكل لأهلها.
صمت عدي كان محور للقلق، فخرج صوته أخيرًا:
_ أنا هحلك الموضوع دا من غير ما اسم البنت يظهر بالموضوع.
أسرع إليه بلهفة:
_ بجد يا عدي؟
رفع عيناه بغضب شديد له، فتراجع للخلف ليجلس جوار جاسم ومعتز مجددًا.
توجه عدي للخروج ثم استدار قائلاً بغضب:
_ أنا عديتها لك المرة دي، لكن أي حد بعد كدا هيحاول يعمل حوار عليا، تصرفي مش هيعجبه.
وتركهم عدي وتوجه لغرفة نور.
زفر حازم براحة بعد خروج الوحش قائلاً:
_ الحمد لله عدت على خير.
أحمد بسخرية:
_ هيجرالنا حاجة بسبب غبائك دا.
جاسم بغضب:
_ هيجرالنا!! على أساس إننا مجرالناش.
رائد:
_ أسد يالا، في إيه؟
تعالت ضحكات الجميع، فقال معتز بتأييد:
_ بصراحة يا رائد، الولد بيحب حازم بجد، جايب ناس شبه المصارعين يا جدع، بس على مين، عرفناهم شغلهم.
جاسم:
_ عدي بيقول علينا بلطجية، وأنا بأمانة بعد اللي عملناه بأيدي كلامه، حتى ياسين متوقعتش منه كدا.
ياسين بثباته المعتاد:
_ لأني مبحبش حد مهما كان يتخطى حدوده مع عيلتي، وأظن كفايا كلام كتير بالموضوع دا، ويالا نطلع.
أيده الجميع وتوجهوا لغرفة نور.
حانت اللحظة الحاسمة، فأرتجفت يداه حينما أقترب منها.
ابتعد عنها والجميع يتراقبه بلهفة، مشيرًا للممرضة بتوالي الأمر. وبالفعل بدأت بإزاحة الرابطة التي تظلل على عينيها بهدوء شديد بعد أن تركتها المدة المحددة بعد الجراحة. والجميع يتراقب، حتى من ولج من الخارج وقفوا يتأملون ما يحدث بلهفة وصمت.
أزاحت آخر رابطة من على عينيها، ونظرات عمر تطوفها. قلبها يدق بعنف من القادم.
فتحت عيناها، فصرخت بقوة حينما وجدت ضوء قوي لم تحتمله نور، فأغلقت عينيها بسرعة كبيرة.
تعبيرات ما حدث أشارت بنجاح الجراحة، فحمدت آية الله كثيرًا، ولجوارها كانت الفرحة عارمة.
أخبرتها الممرضة بإغلاق عينيها قليلاً حتى تعتاد الإضاءة، فأنصاعت لها وأغلقتها قليلاً تحت نظرات تراقب ياسين الجارحي ويحيى.
على الجانب الآخر كان يتطلع لها بصدمة غير واعٍ للأمر. فاستغل جاسم ما به وخلع عنه البلطو الطبي قائلاً بصوت منخفض سمعه جميع من بالغرفة:
_ هنشوف هتعرفك إزاي وأنا لابس البلطو، يعني أنا عمر.
لم يكلفه الأمر عناء، فهو بعالم آخر.
ارتدى جاسم البلطو الطبي تحت نظرات شغف الجميع لمتابعة ما سيحدث.
يحيى بفرحة:
_ مبروك، نجاح العملية.
ابتسمت نور وسقطت دموعها ومازالت عيناها مغلقة، فأرادت فتحها لتبحث عن معشوقها، ولكن الممرضة أمهلتها قليلًا من الوقت لتعتاد عيناها الإضاءة.
مسكت آية يدها قائلة بفرحة:
_ مبروك يا حبيبتي، الحمد لله، كنت حاسة إن ربنا هيستجيب لدعواتنا.
لم تحتمل، فالشوق لرؤية صاحبة القلب الذهبي كانت أقوى، ففتحت عينيها لتجد امرأة في أواخر العقد الرابع من عمرها، ملامحها تشع طيبة كحال قلبها، لتعلم أنها آية، فأحتضنتها بدموع وسعادة.
دينا بفرحة بعدما وضعت يدها على رأسها:
_ حمدلله على سلامتك يا قلبي.
مليكة بفرحة:
_ نور، أنا مليكة.
مروج بسعادة:
_ طب وأنا مين بقاااا؟ هااا.
ابتعدت عن أحضانها ووقفت على قدميها بعد مجهود لتلقي نظرة بالغرفة لتبحث عنه.
وقف معتز وياسين أمام عمر المصدوم ليخفوه تمامًا حتى تعم مرح التعرف عليه.
كاد معتز الابتعاد حينما سلطت عليه نظرات ياسين الجارحي، ولكنه أشار له بالثبات ليروا جميعًا كيف ستعثر عليه؟
أقتربت منها رحمة تعاونها على الوقوف، فمازالت لم تفق من التخدير. رمقتها بنظرة محيرة من تلك الفتاة. ابتسمت قائلة بسعادة:
_ حمد الله على سلامتك يا نور.
قالت من وسط دموعها:
_ رحمة؟
أشارت لها بأنها على الصواب، فأحتضنتها بسعادة، ثم ولجت بالرحلة البحث عن معشوقها.
وقفت أمام أحمد، فأخفى بسمته، ثم وزعت نظراها بين رائد ومازن الذي دلف منذ قليل.
الجميع يتراقبها بشغف وهي تبحث عنه. تطلعت لمعتز وياسين وهي تشعر بتوقف نبضات قلبها. فتأملت رحمة لتعاونها، فأخفت بسمتها قائلة بحماس:
_ أينعم دي لعبة عشان نشوف هتعرفي عمر ولا لا، عشان كدا محدش منهم هيتكلم عشان بتعرفي الأصوات.
أقترب منها جاسم، فتطلعت له باستغراب حينما وجدته يرتدي البلطو الطبي، فكانت علامة لها بأنه طبيب، إذا من المتوقع أن يكون عمر؟
أقتربت منه وقلبها مازال ثابتًا، لا، ليس عمر.
أشاحت بنظراتها عنه وهي برحلة البحث عن معشوقها.
فابتسم حازم قائلاً بفرحة:
_ قفشت الحوار بتاعك يا جاسم.
جاسم بابتسامة كبيرة:
_ عرفت إزاي؟
آخر اختبار كان أصعب مما يكون. نعم، هو التوأم لعمر، فيمتلك ملامح مشابهة له.
أقتربت نور من عدي المبتسم بهدوء، فتطلع لها الجميع، وخاصة بعد أن ابتسمت بسعادة.
تخلى معتز عن مكانه ليظهر عمر من خلفه ويرآها وهي تقترب من عدي.
تطلع لها ياسين ويحيى باهتمام.
وقفت أمامه تطلعه بشيء من الحيرة، حتى طال الصمت، وهي تتراقبه أن يتحدث فيكشفه من صوته.
خرج صوتها المرتجف:
_ عمر فين يا عدي؟
ذهل الجميع حينما كشفت عدي، فأشار بعينيه خلفها.
استدارت بلهفة لتجده يقف أمامها ونظراته مفعمة بالدمع. تخشبت قدماها وهي تتأمله بفرحة ودموع غزيرة. تتقدم منه بخطى بطيئة، ورحمة لجوارها تبكي لرؤيتها هكذا.
جذب عدي رحمة من جوارها وتركها تخطو ما تبقى للوصول لمعشوقها بمفردها.
كان الجميع يراقبون الموقف بتأثر، بدا على وجوههم.
وقفت أمامه وهي تتأمله بشوق وفرحة، تاركة العنان لدموع الحنين.
نعم، هو معشوقها، فبقربه ينبض القلب ويرقص على طرب الشوق له. هو من ظل لجوارها على الدوام. كم تمنت رؤياه ولو دقيقة واحدة، وها هي تتشبع بحلمها الثمين.
رددت من بين شهقات الـ.ـبـ.ـكـ.ـاء: "عمر".
ابتسم قائلاً بصوت متقطع:
_ كدا العيلة خلاص، يعني سهل تعرفيني؟
ابتسمت بسعادة، فمازال المرح متعلق به.
ألقت نفسها بين ذراعيه وشهقات الـ.ـبـ.ـكـ.ـاء تتعالى. أحتضنها غير عابئ بمن حوله، فكم كان يتمنى تلك اللحظة.
_ خدوا راحتكم.
استدارت على الصوت الذي استمعته كثيرًا، فوجدت أمامها ياسين الجارحي مبتسمًا بسمة جذابة. أقتربت منه قائلة بفرحة:
_ عمي ياسين.
أشار برأسه بسعادة بعدما رفع يديه على رأسها قائلاً بثباته:
_ حمدلله على السلامة.
ابتسمت قائلة بفرحة:
_ الله يسلم حضرتك.
رانيا بسعادة:
_ أنا مين؟
شذا بغضب:
_ لا، سبك منها يا نور وقوليلي عارفاني؟
تعالت ضحكاتها قائلة بسعادة:
_ رانيا وطنط شذا، الأصوات واضحة، ههه. على فكرة أنا كنت كفيفة مش فاقدة الذاكرة.
تعالت الضحكات، فوقفت بغضب:
_ بس حرام اللي جاسم عمله فيا دا، هو والباقي.
أقترب معتز قائلاً بمكر:
_ مهو لازم تتعذبي في حاجة زي ما عمر أعصابه باظت.
ابتسمت قائلة باستغراب:
_ معتز!
أشار لها بمعنى نعم.
تطلعت ليحيى قائلة بعد تفكير:
_ عمر رعد؟
ابتسم رعد قائلاً بسخرية:
_ ياريت يا بنتي والله.
استدارت لتجده أمامها، فقال يحيى بحزن مصطنع:
_ أنا يحيى يا نور.
ابتسمت نور وتقدمت من حمزة، فقال بمرح:
_ أنا غني عن التعريف.
تعالت الضحكات، فأقترب رائد قائلاً بابتسامة هادئة:
_ حمدلله على السلامة يا نور.
أجابته بسعادة، فدلت بمحطة الفتيات لتكتشف كلا منهم.
مر اليوم بسعادة اكتملت بعودة بصر نور، فعاد الجميع للقصر وبعد إجراء بعض الفحوصات الطبية خرجت نور معهم، ولكن بحرص شديد، فمازالت متعبة للغاية من أثر الجراحة، ربما رغبتها برؤية معشوقها هي من دفعتها لرؤياه.
صعد أحمد لغرفته فوجد أسيل بانتظاره وعلامات الغضب تحتل ملامح وجهها.
أقتربت منه قائلة بغضب شديد:
_ لسه فاكر إنك سايب كلبة هنا في البيت.
تطلع لها أحمد بصدمة من طريقتها بالحديث، الذي يراها لأول مرة، فقال بهدوء مريب:
_ في إيه يا أسيل؟
_ في إيه؟!! بتسألني في إيه؟
قالتها بسخرية وصوت مرتفع للغاية.
لم يعبئ بها وتوجه للخزانة، فجذب التيشرت الخاص به ليبدل ثيابه.
دفت خلفه قائلة بغضب جامح:
_ أنا مش بكلمك، ما ترد عليااا.
خلع قميصه ومازال الصمت هو المسيطر عليه، فجذبته بعصبية:
_ أنت جايب البرود دا منين؟
جذبها للخزانة بقوة، ثم أقترب منها قائلاً بصوت ساكن ولكنه مصاحب لغضب فتاك:
_ ألزمي حدودك في الكلام يا أسيل، سكوتي دا خوف عليكِ من غضبي.
تعجب حينما وجدها تتأمله بخجل، فظن أن الحزن سيكون حالها. تأملها بصمت هو الآخر، النظرات هي سيد الموقف. شعر بطوفان من العشق يهدم ما تبقى بضربات قلبه، معركة أفتكت به ليحصل عليها وتكون له للأبد.
لم يجد حاجزًا يمنعه من الاقتراب، فأقترب منها وسمح لذاته بأن تكون زوجته له.
بغرفة نور
وضعها على الفراش برفق قائلاً بعدما شرع بالوقوف:
_ ارتاحي يا نور.
هم بالوقوف فتمسكت بيديه ليجلس جوارها.
ابتسم مقبلاً يدها التي جذبته لتكون على مقربة منها، فتطلعت له بخجل شديد.
مر الوقت تحاول فيهم اختطاف نظرة منه، ولكن الخجل سيطر عليها، فزفرت بغضب:
_ ممكن تغمض عيونك.
عمر بصدمة:
_ ليه؟
نور بعصبية:
_ مش عارفة أشوفك كويس.
تعالت ضحكاته قائلاً بخبث:
_ أظن طلعت أفضل من صورة حنفي الجحش اللي أنتِ رسمتيه.
تعالت صوت ضحكاتها قائلة بخجل:
_ ملامحك كانت مقربة لآخر صورة رسمتيها.
انكمشت ملامح وجهه باستغراب:
_ أنتِ رسمتي تاني؟
أشارت له بخجل بعدما وضعت يدها أسفل الوسادة وأخرجت الرسمة الأخرى.
تأملها عمر بصدمة، حقيقة ملامح شبيهة بملامحه، ولكن فرق بسيط للغاية.
تطلع لها بجدية:
_ دي قريبة مني جداً.
نور بخجل:
_ أنت أحلى من الرسمة بكتير.
نظراته من جعلتها تتصنع النوم للهروب من مطافه الطويل.
جذب الغطاء عليها بعشق، فهو يعلم بأنه مازالت مستيقظة، ولكن يريد لها الراحة تعويضًا عن مشقة الجراحة.
بغرفة معتز
خرجت من حمام الغرفة لتجده يجلس بانتظارها، فتوجهت سريعًا للخزانة تجلب شيئًا تغطي به شعرها الطويل، ولكنها فزعت حينما جذبها لتلتقي بعينيه.
تأملها بحب شديد، ثم قال بخبث:
_ اعتبريني زي جوزك لو أمكن.
تعالت ضحكاتها وهي تحاول التحرر من بين يده، ولكن هيهات، لم تستطع.
معتز بمكر:
_ متحاوليش.
زفرت باستسلام:
_ طب بعد إذنك ممكن تبعد.
أشار لها بعدم الموافقة، فتعالت ضحكاتها لتقول بمكر:
_ طب أنا كنت عايزة أمثل شوية إني لسه زعلانة.
حملها بين ذراعيه قائلاً بابتسامة خبيثة:
_ فميش داعي يا روحي، أنا مصدقك، بس الحل أني أ صالحك بطريقتي.
خجلت للغاية حينما أقترب منها ليجذبها برحلته الخاصة المفعمة بالعشق الطواف، فتكون زوجة له.
بغرفة رائد
دلف للداخل ومازالت تشعر بدوار خفيف، فأقترب منها قائلاً بغضب:
_ عشان تسمعي كلامي لما طلبت منك تخليكي بالقصر.
جلست على المقعد قائلة بحزن:
_ مكنش ينفع مكونش موجودة يا رائد، وبعدين أنت بتزعقلي كدا ليه؟
زفر بغضب لعصبيته الزائدة، فأقترب منها قائلاً بحنان وكلمات حقيقة:
_ أنا خايف عليكِ يا حبيبتي، وبعدين أنتِ عارفه إنك لسه تعبانة.
رفعت رأسها له تتأمله بخبث:
_ ماشي، بس أنت زعلتني وعشان كدا لازم تصالحني.
أقترب منها بابتسامة واسعة:
_ بس كدا!
ابتعدت قائلة بصراخ:
_ لا، أنا عايزة تمن الزعل، يعني بصراحة حاجة عايزة أكل، ونوع الأكلة مش هتعجبك.
أجابها بعدم فهم:
_ ليه؟ قولي اللي أنتِ عايزاه يا قلبي وأنا هجبهولك، حتى لو ممنوع هجيبه هجيبه.
رفعت يديها تخفي وجهها وهي تقول بسرعة كبيرة:
_ عايزة رنجة.
_ نعممم ياختي.
قالها رائد بصدمة وتقزز بدا بنبرة صوته.
كبتت ضحكاتها قائلة بحزن مصطنع:
_ كدا يا رائد، كدا تتخل عن ابنك في أول طلب يطلبه منك.
رفعت يدها على بطنها بحزن مصطنع:
_ معلش يا حبيبي، بابي مش بيحبك زي ريم.
لوى وجهه بضيق شديد، ثم توجه للخروج قائلاً بغضب نفسي شديد:
_ أجبها إزاي دي؟!!!! طب هشيلها أذي؟؟! بلاش دي، هعيش معاكِ إزاي بعد كدااا؟!!
وأغلق باب الغرفة قائلاً بحزن:
_ فكري تاني يا رانيا.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه حتى لا يرى ضحكاتها، ففتح الباب مجددًا وهبط للأسفل بضيق شديد.
بغرفة ياسين
دلف للداخل بوجه متخشب، فتطلعت له باستغراب:
_ مالك يا ياسين؟
جلس على المقعد ومازالت نظراته متعلقة بها، فخرج صوته الساخر:
_ كان اختيارك عدي صح؟
لم تفهم بالبداية مقصده، فما أن تذكرت ما حدث بالصباح حتى انقلبت ملامحها للتعجب والدهشة:
_ اختيار إيه يا ياسين، دا أخويا.
ضيق وجهه أكثر حتى يتمكن من سبك الدعاية جيدًا.
_ دا مش إجابة على سؤالي.
_ سؤال إيه؟
قالتها بتعجب وصدمة كبيرة، فصاح بغضب مصطنع:
_ أنتِ بتفضلي أخوكِ عني يا مليكة؟
بدأ صوتها بالأهتزاز قائلة بصوت متحشرج:
_ هو أخويا وأنت جوزي، مينفعش أختار بينكم.
مع آخر كلماتها عرفت الدموع طريقها بوجهها، فأسرع إليها بأحضانه قائلاً بلهفة:
_ حبيبتي، أنا بهزر والله، أنا حبيت أجادلك مش أكتر.
أخرجها من أحضانه قائلاً بتحذير:
_ امسحي دموعك عشان بجد منندمش من الهزار معاكِ.
أزاحتها على الفور وهي تتأمله بسعادة، فكم يفطر قلب المرأة المقارنة بين عائلتها وبين نصف قلبه، ولكنها استمعت لما قاله بفرحة كبيرة واهتمام أكبر.
_ عايزك تعرفي حاجة يا مليكة، أنا ممكن أتعوض.
انكمشت ملامح وجهها بالخوف، فكادت تتحدث، ولكنه أشار لها بالصمت والاستماع له، فاسترسل حديثه قائلاً بجدية:
_ أيوا، ممكن أتعوض، الواحدة بتتجوز مرة واتنين لو زوجها توفى أو اتطلقت، لكن الأخ والأب والأم عمرهم ما بيتعوضوا، ولو بكنوز الدنيا كلها، عشان كدا مفيش وجهة للمقارنة، لأن الكفة التانية هي اللي هتكون تقيلة جدًا.
فهمتيني يا مليكة؟
امتلأت عيناها بدمع الفرحة لذك الزوج الحنون، فأحتضنته بسعادة، فشدد من احتضانها بعشق متوج بنيران من الطوفان.
بغرفة عدي
ظلت لجوارة تتأمله بصمت وهو يتحدث بالهاتف مع رفيقه، فأنهى مكالمته واستدار لها، فخجلت للغاية.
ابتسم قائلاً بهدوء:
_ رجعتي امتى؟
أقتربت منه قائلة بخجل:
_ روحت لقيت ماما نامت.
رفع ساعة يديه فقال بثباته الدائم:
_ الوقت فعلاً اتأخر، مش مهم، أعطيه ليها بكرة.
جلست جواره قائلة بحزن:
_ مش عارفة أقولك إيه يا عدي.
رفع وجهها بيديه لتقابل كتلة الغضب بعينيه:
_ قولتلك ميت ألف مرة بلاش النبرة دي معايا.
ارفعت يدها على يديه الموضوعة على يدها، فما فعله لوالدته بأن شرا لها شقة بالقرب منهم لخجلها بالعيش معهم شيء قدرته بفرحة:
_ أنا بحبك أوى يا عدي.
أحتضنها بقوة هامسًا بسعادة:
_ وأنا بموت فيكِ يا قلب عدي.
على الجانب الآخر
كانت تتأمل الحديقة بسكون.
الهواء يداعب خصلات شعرها التي مازال يحتفظ برونقه وطوله الثابت، فأتى هو من الداخل يتأملها بنفس نظراته الفياضة.
استدارت يارا لتجده أمامها، فأقترب منها قائلاً باستغراب:
_ لسه صاحية؟
ابتسمت قائلة بهدوء:
_ مش جيلي نوم.
جلس على المقعد المقابل لها قائلاً بابتسامة ملازمة الوسامة منذ الشباب:
_ طب ممكن أشاركك القعدة المميزة دي.
أقتربت من الطاولة قائلة بسعادة:
_ أكيد.
تأمل ابتسامتها بعشق:
_ متغيرةتيش يا يارا، لسه زي ما انتِ.
ابتسمت بخجل:
_ بعيونك أنت بس، لكن أنا فعلًا كبرت.
عز بخبث:
_ بالعكس، صغيرة جدًا، ومهما كبرتي بالعمر، أنا شايفك لسه طفلة.
تعالت ضحكاتها على مشاكسته الدائمة، ثم صاحت قائلة:
_ تاني يا عز؟
رفع يديه على يدها الموضوعة على الطاولة ونظراته تختلس النظر لها:
_ تاني، ولآخر يوم في عمري.
تلاقت النظرات والقلوب بلقاء طويل بالعشق.
بغرفة يحيى
أختبأت بين أحضانه بخوف، فأبتسم قائلاً بمكر:
_ طب ممكن عملتي إيه، وأوعدك مش هتعصب.
ابتعدت قائلة بشجاعة مصطنعة:
_ وهخاف من إيه؟
يحيى بسخرية:
_ لا، مهو واضح. اتكلمي يا حبيبتي، الحضن دا آخره كارثة، أنا عارف.
ابتسمت وأختبأت مجددًا مشددة من أحضانه بقوة، ثم صاحت قائلة:
_ حرقت اللاب بتاعك وكل اللي عليه راح.
صدم يحيى، ولكن رجفتها بين ذراعيه جعلتها تلبس ثوب الهدوء:
_ ليه يا ملك، ليبيه يا ماماااااا، دا عليه كل الشغل الخاص بياسين ابنك، بلاش دا، تعرفي لو ياسين الجارحي عرف هيعمل فيكِ وفيا إيه؟
أبتعدت عنه قائلة بغضب مصطنع:
_ وهو يقدر دا؟
أنت يحيى الجارحي، يعني القاطعها قائلاً بمحاولة لتحكم بأعصابه:
_ نامي يا ملك، نامي.
انصاعت له وتصنعت النوم لتفلت بفعلتها.
بغرفة رعد
دلف للداخل يبحث عنها، فزفر بغضب حينما وجدها تحاول صنع فـ.ـحـ.ـم له، وكشفتها المرآة، فخلع جاكيته قائلاً بملل:
_ نفسي تعقلي بقا.
أودع جاكيته على الأريكة، ثم قال بسخرية:
_ هو دا كل اللي همك!
أقتربت منه ومازالت تعبث بالحمرة:
_ بص يا رعد.
_ أمم.
قالها وهو يخلع قميصه، فأقتربت منه قائلة بضيق:
_ ممكن أعقل، لكن أنت صعب تصغر.
وقبل أن يستوعب ما تتفوه به، كانت قد أغرقته بالحمرة، فتطلع لها بصدمة وزهول، لتتعالى ضحكاتها:
_ أنتِ مجنونة صح؟!! أنتِ فاكرة إننا لسه صغيرين، دا.
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اية محمد
داعبت الشمس عيناها فحاولت الهروب ولكن لا مفر.
فتحت عيناها ببطء فوجدته يقف أمامها مبتسم بعشق.
أقترب منها قائلاً بابتسامة رقيقة:
_ صباح الخير.
جلست بعد معاناة للاستيقاظ:
_ صباح النور يا معتز. هي الساعة كام؟
رفع يديه قائلاً بهدوء:
_ 11.
تطلعت له باستغراب:
_ أنا نمت لحد دلوقتي؟
رفع خصلات شعرها المتمردة على عيناها قائلاً بصوتٍ منخفض:
_ تخيلي.
ابتسمت وهو يتأملها بعشق، فقامت وتوجهت لحمام الغرفة قائلة بسعادة:
_ ثانية واحدة وهكون جاهزة مش هنتأخر.
مرقها باستغراب:
_ على مين؟
أغلقت باب الحمام قائلة بصوت عالٍ حتى يستمع لها:
_ أنكل عز قال أنه هيخدنا كلنا اسكندرية بمناسبة نجاح عملية نور وكمان عشان مرحناش شهر عسل.
معتز بصدمة:
_ بابا قال كده؟ طب امته؟
تعالت ضحكاتها قائلة بغرور:
_ قالنا امبارح على الشات.
معتز بعدم فهم:
_ شات إيه؟
قالت بمكر:
_ افتح الفون بتاعي وانت تعرف.
وبالفعل جذب هاتفها ليتفاجئ بشات جماعي لجميع أفراد العائلة إلا الشباب.
تأمل حديثهم ونص الاتفاقية قائلاً بسخرية:
_ ما شاء الله بتتفقوا من ورانا. لا وعمي ياسين معاكم.
_ أيوا طبعاً معانا بالشات وعنده علم بالمخطط.
قالتها بنوع من الغرور بأنها من حلف ياسين الجارحي.
فخرج من الغرفة ليرى ماذا هناك.
بالأسفل.
هبطت رحمة وخلفها الخدم بالحقائب.
فتطلع لها عدي باستغراب:
_ إيه دا يا رحمة؟
جلست جواره قائلة بغرور:
_ مسافرة.
عدي بصدمة:
_ مع مين؟
_: معايا.
كانت كلمة ياسين الجارحي بعدما هبط الدرج ليقف أمامه.
راقب عدي الحقائب والخدم يحملونها للخارج بزهول.
فجلست رحمة تقص له مخططهم.
ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى علم من بالقصر بمخطط الفتيات مع عز وياسين، فسعدوا للخروج بمكانٍ واحد جميعاً.
هبط الجميع للأسفل فحمل رائد صغيرته بين يديه.
فقالت بسعادة:
_ جدو أنا عايزة أنزل الميه.
تعالت ضحكات رعد قائلاً بسعادة:
_ عيوني بس كدا. لما نوصل هنزلك الميه وكل اللي تحبيه.
أحتضنته الصغيرة بسعادة تاركة والدها.
فقال بسخرية:
_ كده يا مريم تبيعي أبوكِ عشان الميه!
رعد بثبات مريب:
_ عندك أي اعتراض؟
ابتلع ريقه بخوف شديد:
_ لا طبعاً. خد راحتك يا والدي.
تعالت ضحكات حازم قائلاً بشماته لرانيا:
_ جوزك اترعب من أبوه. شاطر بس يفرد دراعاته علينا ليل نهارك.
كادت أن تجيبه ولكن توالى حمزة المهمة عندما هوى على رقبته بيديه قائلاً بابتسامة واسعة:
_ هو فيه فرد عضلات علينا ولا إيه.
تطلع له حازم بضيق مكبوت.
فتعالت ضحكات رانيا.
هبط عمر للأسفل قائلاً بابتسامة مرحة:
_ أيوا بقا هيصوا في اسكندرية. يالا مالناش نصيب.
حازم:
_ متيجي انت ونور.
عمر بسخرية:
_ بس يا بابا.
وقفت جوار داليا ومروج وهي بعالم آخر.
كلمات أحمد تتردد بذهنها فخلقت قواعد من الآلام.
كانت تعتقد أنها حينما تعترف بحبه النابض بقلبها ستنهي رحلة المعاناة، ولكنها خلقت ألم جديد بقلبها.
تتابعها بنظراته الغامضة وقلبه يرقص بلهفة اللقاء.
ربما ما فعله كان كافياً بإثبات حبها له كما ذكرت من قبل، ولكن عليه الصمود.
اقتربت رحمة من ياسين قائلة بفرحة:
_ أنكل جبت اللي طلبته من حضرتك.
تتابعها الجميع ليعلم ما الطلب الذي أخبرته لياسين الجارحي.
ابتسم قائلاً بهدوء:
_ مستنينكِ بره من الصبح.
تعالت ضحكاتها وتركته وهرولت للخارج.
فتبعها الجميع ليروا ماذا هناك، فكانت صدمتهم حينما رأوا باص كبير الحجم للغاية يتكون من طابقين وباللون الأحمر الفاتح.
حازم بمرح:
_ ووواو إيه الجمال دا!
شروق بسعادة:
_ فكرة رحمة.
معتز:
_ الله عليكي يا رحمة بجد.
ياسين بابتسامة هادئة:
_ فكرة مش وحشة.
خلع عدي نظارته السوداء وهو يتأمل الباص ليهمّس بجوار أذنها بصوتٍ منخفض:
_ بتخططي من ورايا يا رحمة.
ابتسمت قائلة بتأكيد:
_ أينعم.
استداروا على صوت مازن المرتفع وهو يركض قائلاً بمرح:
_ نسيتوا واحد يا شباب.
تعالت ضحكات عز قائلاً بتعجب:
_ إيه كل الشنط دي يا مازن؟
أجابه بغرور:
_ أمال يعني هسافر كده. أنا لازم أكون عامل حسابي.
أدهم:
_ هههه طب اطلع اطلع.
داليا:
_ على فكرة يا جماعة لسه في الجزء التاني في اتفاقية رحمة مع أنكل ياسين.
رائد بتعجب:
_ جزء إيه؟
تعالت ضحكات ملك قائلة بشماته:
_ إن مفيش سواق. حضرتكم إلا هتكفلوا بالموضوع دا.
أحمد بصدمة:
_ نعم!
يحيى بحزم:
_ زي ما سمعتم كده.
ثم استدار للفتيات قائلاً بابتسامة مرحة:
_ يلا يا بنات.
وبالفعل صعدوا جميعاً وتبقى مازن ومعتز وجاسم ورائد وياسين وباقي الشباب بالخارج.
تطلع لهم عدي ثم ارتدى نظارته ولاحق بهم.
فعلموا بانسحابه من تلك المهمة التي وضعتهم بها زوجته.
تطلع لهم جاسم قائلاً بسخرية:
_ ها يا شباب السواقة على مين؟
معتز بضيق:
_ لا ماليش فيه.
وصعد خلف عدي.
تطلع جاسم لمازن فهرول سريعاً قائلاً بلهفة:
_ أنا مبعرفش أسوق الهيكل دا. أنا بسوق عربيتي بالعافية. تجيبوني أسوق اتوبيس لا وفيه ياسين الجارحي. انسوا.
تطلع جاسم وأحمد لياسين فخلع نظارته قائلاً بنفاذ صبر:
_ عارف إني هشيل الليلة. اتفضلوا.
صعدوا جميعاً وبالفعل توالى ياسين القيادة ولجواره كانت تجلس مليكة.
صعدت رحمة للأعلى بسعادة خاصة بأن الطابق مكشوف، فياسين حرص على تلبية طلبها.
بالأسفل.
كان يجلس ياسين ولجواره آية يحتضن يدها بين يديه ونظراته تتأملها.
بعد عدد من المقاعد الخالية كان يجلس يحيى الجارحي وهو يتأمل مشاكسته تريه الثياب التي مازالت تجد صعوبة في اختيارهم.
فتطلع للاب مشيراً على أحدهم فسعدت كثيراً وظلوا يتبادلون الحديث بسعادة.
بعدهما بقليل كانت غافلة على ذراعيه بعدما بذل صعوبة كبيرة في إفاقتها فأكملت نومها بين ذراعيه.
تأملها عز بصمت واضعاً جاكيته على كتفيها بعشق.
على بعد ليس ببعيد عنهم كانت تتجادل معه كالعادة فمازالت تلك العنيدة المدللة.
فرفع رعد يديه باستسلام بأنه من ربحت تلك الجولة من لعبتها الحمقاء كما يلقبها رعد، ولكنه يحاول أن يجعل السعادة تتودد لوجهها.
مقابلاً لهم كان يجلس أدهم وهو يتأمل شرودها بالطريق.
فوضع يده على يدها فأستدارت لتقابل مع عيناه لتبتسم وتنعم بالهدوء بين أحضانه.
مقابل منهم كانت تجلس تالين وهي تتحدث بغضبٍ جامح على ما ارتكبه حمزة.
فبدأ مجدداً بالمرح ليخرجها مما هي به.
وعلى مسافة ليست ببعيدة كانت تجلس رانيا ولجوارها مروج وشروق يتبادلون الحديث المرح بسعادة كبيرة للغاية.
وعلى مقربة منهم كانت تجلس داليا وهي منغمسة كلياً بالرواية الورقية بين يديها.
بآخر مقعد كانت تجلس أسيل ودمعها هو من يأنس وحدته بعدما رفضت الجلوس مع أحد.
بالأعلى.
كان يجتمع الشباب بالمقعد الخلفي يجلسون بحرية ومرح شديد وخاصة بعد هبوط عدي للأسفل.
فتح مازن الحقيبة قائلاً بغرور:
_ بتتريقوا على الشنط دي ومتعرفوش فيها إيه؟
جاسم بسخرية:
_ قنابل ذرية ولا سلاح أرض جوي.
أخرج منها عدة أكياس من الحلوى والشوكولاتة قائلاً بضيق:
_ للأسف مش هينوبك من الطيب نصيب.
جذب رائد الحلوى منه قائلاً بابتسامة غامضة:
_ طول عمري أقول الواد دا بيفهم.
ابتسم بغرور:
_ حبيبي يا أبو مريومة.
جذب معتز الشوكولاتة قائلاً بسخرية:
_ أبو مريم اتنازل عن البنت ووالدتها وجاي يقعد معانا في القعدة العسل دي!
رائد بغضب:
_ هو أنا عارف أتلم عليها ياخويا. قاعدة تحت مع مراتك ومروج وفاتحين تحقيق عن حياتهم وداليا مفيش وراها غير الروايات بس. المرادي إيه بتقرأ حاجة محترمة؟ الشبح المنتقم هههه.
جاسم بغضب:
_ طب وانت مالك ما تقرأ اللي عايزه.
رائد بخوف مصطنع:
_ طب يا خويا خليك تدافع عنها لحد ما...
قاطعه قائلاً بتحذير:
_ لحد ما إيه؟ كمل.
أحمد بغضب:
_ دا وقته انت وهوا.
معتز:
_ أحمد شوف الزفت أخوك قاعد هو ورحمة قدام والمكان هنا مش أمان لو حصل حاجة رقبتنا كلنا مش هتكون كافية عند الوحش.
أومأ برأسه ووقف حتى وصل لحازم الذي يجلس بالمنتصف مغلق عينيه والسماعات بأذنيه.
نزع أحمد السماعات من أذنيه قائلاً بتأفف:
_ عارف لو عدي شاف رحمة هنا هيعمل فيك إيه.
ابتلع ريقه بخوف شديد:
_ وأنا مالي يا عم. هو أنا اللي قلتها تقف هنا. حاول تقنعها تنزل تحت. المكان هنا خطر.
رفع عينيه ليجدها تجلس في الأمام حتى أنها تركت مقعدها ووقفت تتحرك بسعادة.
فكادت أن تتعثر فجذبها أحمد قائلاً بهدوء:
_ أنتِ إيه اللي مطلعك هنا يا رحمة؟
رحمة بابتسامة واسعة:
_ أنا اللي طلبت من أنكل ياسين يجيب باص مكشوف عشان أقعد هنا.
اقترب معتز قائلاً بضيق:
_ بس مينفعش يا رحمة الباص مكشوف أوي. انزلي تحت مع البنات.
حزنت للغاية وانكمشت ملامحها.
فتدخل جاسم قائلاً بغضب:
_ سيبها يا معتز. خدي راحتك يا رحمة مش عايزين مشاكل مع عدي.
تعالت ضحكات أحمد قائلاً بسخرية وهو يعاونها على الجلوس بمكان بعيداً:
_ جببااان.
حازم بسعادة وصوت مرتفع:
_ هات حاجة من اللي معاك دي يا واد يا مازن.
مازن بسخرية:
_ وأنت اتشلّت لما تيجي تاخدها!
هبط حازم وتقدم منه.
فوقف الباص بشكل مفاجئ لينبطح حازم أرضاً ويصرخ ألماً.
تعالت ضحكاتهم جميعاً.
فعاونه جاسم على الوقوف.
أحمد بسخرية:
_ ههههههه عشان تصدقي يا رحمة إن المنطقة هنا خطر.
معتز بفيض من الضحك والضيق:
_ قوم ياخويا فضحتنا وعرتنا. الله يعرك.
حازم بغضب شديد:
_ الحيوان اللي تحت دا بيوقف كدا مرة واحدة كدا من غير ما يدي خبر إنه هيقف.
رائد برعب:
_ حازم.
صاح بضيق شديد:
_ بلا حازم بلا زفت. ينفع كدا البرستيج ضاع خااالص.
_: سيبلي أنا البرستيج دا يا خفيف.
استدار ليجده يقف أمامه فأبتسم برعب حقيقي قائلاً بغضب:
_ مين اللي قال على ياسين كدا؟ دا حتة سكرة يا ناس.
لكمه ياسين بقوة كبيرة قائلاً بتحذير:
_ اتخطى حدودك تاني ورقبتك الحلوة دي هتطير.
رائد بابتسامة مكبوتة:
_ خلاص يا ياسين حقك عليا أنا.
أحمد بغضب:
_ انت بتدافع عنه يا ذفت!
جاسم بصدمة:
_ هو الواد دا مش أخوك ولا إيه يا أحمد؟
أحمد بثبات:
_ ولا أعرفه.
ياسين بغضب:
_ عشان كدا الحيوان دا اللي هينزل يسوق وطول الطريق بدون تبديل.
حازم بصدمة كبيرة:
_ نعم! لييييه؟
استدار بوجهه قائلاً بعين تحمل الوعيد:
_ عندك اعتراض؟
انصاع وهو يتوجه للأسفل:
_ لا مفيش اعتراضات. ربنا ياخدكم كلكم.
أحمد بجدية:
_ عدي فين يا ياسين؟
توجه للأسفل قائلاً بصوتٍ منخفض:
_ نزل مع بابا يجيب حاجات من الماركت.
جاسم:
_ إيه دا من غيري؟ طب مش يقولوا.
رحمة بابتسامة واسعة:
_ هات شوكولاتة ليا يا جاسم لو نزلت.
استدار لها قائلاً بابتسامة هادئة:
_ بس كدا عيوني.
بالأسفل.
توجهت مروج وشروق لداليا فقالت بسخرية:
_ يا بنتي ارحمي نفسك. دا وقت روايات.
شاركتها شروق قائلة بابتسامة مكر:
_ اهبطي على أرض الواقع يا فتاة.
أجابتها بتهكم:
_ وانتوا مالك يا باردة انتِ وهي.
مروج:
_ تصدقي أحنا غلطانين إننا جينا نقعد معاكِ. خليكي بقى تمائم عشق لم يكتمل دي تنفعك.
أجابتها بغرور:
_ هتنفعني جداً. خليكي انتِ بس في الأستاذ مازن بتاعك. ما أنتي لو قرأتيلك سطرين هتعرفي إننا في واقع خالي من الرومانسية الجميلة.
شروق:
_ نهار أسود لو جاسم سمعك.
داليا:
_ يا ستي انتِ وهي فاضيين. شوفوا أسيل روحوا شكلها كدا دابة خناقة. حاولوا تصلحوا الأمور.
شروق بتأييد:
_ وما له. تعالى يا بت يا مووجة.
وبالفعل توجهوا للأسفل.
بالخارج.
حمل عدي ويحيى الأغراض ثم توجهوا للباص.
فتفاجئ عدي برحمة وهي تشير له من الأعلى.
تلون وجهه بالغضب الشديد وتوجه للصعود.
أحمد بصدمة:
_ يا نهارك أسود. بتشاوري لمين يا ماماااا! مش بقولك ناوية على موتنا النهارده.
رائد باستغراب:
_ في إيه؟
أتاه الصوت من خلفه كرد على سؤاله.
صوت كالرعد:
_ رحمة بتعملي عندك إيه؟
ابتسمت قائلة بفرحة:
_ عدي أنا بدور عليك من ساعتها عشان تقعد معايا هنا.
أرمقه بغضب شديد:
_ أنتِ هنا من أول ما الباص اتحرك؟ أنا كنت فاكر إنك مع البنات تحت.
ابتلعت ريقها بخوف وهي تطلع الغضب بعينه.
فاستدار لهم قائلاً بعصبية:
_ وحضرتكم سايبنها هنا؟ لا وكمان واقفة مش قاعدة.
معتز بهدوء بعدما جاهد للحديث:
_ والله يا وحش طالبنا منها تنزل بس هي اللي مرضتش.
أحمد بهدوء:
_ ما خلاص يا جماعة الله. مفيش حاجة تستدعي العصبية دي يا عدي. هي كانت قاعدة هنا.
طلعت لها فوجد الحزن بدا على وجهها.
فجذبها للمقعد الأمامي وجلس جوارها.
عادوا للخلف جميعاً وأستكانوا بجوار بعضهم البعض.
رفع رائد قدماه على المقعد المجاور لهم مستنداً برأسه على كتف معتز.
وعلى يساره كان يجلس مازن وبيده هاتفه يتحدث مع مروج بسعادة وابتسامة تنير وجهه.
أشاحت بوجهها بعيداً عنه.
فخلع نظارته قائلاً بصوتٍ هادئ:
_ يعني أنتِ شايفة اللي عملتيه دا صح؟
لم تعيره انتباه.
فحاشت النظر إليه.
أدارها له لتقابل عسلية عيناه قائلاً بهدوء:
_ زعلانة؟
تطلعت له بسخرية.
فأبتسم قائلاً بعشق:
_ خلاص أسف. بس لو عملتي حاجة تاني يا رحمة من غير إذني تصرفك مش هيعجبك.
لم تنجح في كبت ضحكاتها.
فجذبها قائلاً بضيق:
_ لا وطلعتي أستاذة في التمثيل.
_: مش تمثيل يا حبيبي اسمه دلع.
قالتها بعدما وضعت رأسها على كتفيه.
فرفع ذراعيها واحتضنها بعشق.
صعد جاسم ومعه الكثير من الأكياس بداخلها تسالي يعشقها الجميع.
فت-حرك الباص بعدما توالى حازم القيادة.
جلس جاسم جوار أحمد بعدما قدم له ما نوعه المفضل من البيبسي.
تناولها أحمد بشرود فتعجب جاسم من هدوئه المريب.
فقال بمرح:
_ هي الكولا بتاعتك فيها مخدر ولا إيه؟
ابتسم بسخرية:
_ لا وانت الصادق. الهم اللي في مخدر.
جاسم باهتمام:
_ هم إيه؟ أنت وأسيل اتخانقتوا تاني؟
استقام بجلسته بمكر:
_ آه يا جاسم اتخانقنا.
أجابه بلهفة:
_ ليييه؟
تصنع الحزن قائلاً بصوتٍ مخادع:
_ نفسي تعرف إني بحبها يا جاسم. ساعتها ممكن يكون عندي فرصة.
قال بتلقائية:
_ بس هي عارفة.
هنا تلونت عيناه بجمرات من غضب ليس له مثيل.
فألقى ما بيده ليقابل الطريق السريع وأنقض عليه قائلاً بصوتٍ كالسهم:
_ يبقى أنت اللي قلت لها لأ وأنا شكيت في معتز. آخر حاجة كنت أتوقعها أنت.
جاهد للحديث وهو يحاول تخليص نفسه:
_ اسمع بس يا أحمد.
أجابه بسخرية:
_ اسمع! اسمع إيه؟ دا أنا هطلع برقبتك النهاردة.
أفاق الجميع على صوت صراخ جاسم وصوت أحمد المرتفع.
فه-رول معتز ورائد ومازن إليهم سريعاً حتى عدي.
معتز بصدمة:
_ فيه إيه يا أحمد؟
جاسم بصراخ:
_ انت لسه بتسأل فيه إيه!!! شيله عني هموت.
وبالفعل بعد عدد من المحاولات تمكن رائد ومعتز من الفصل بينهم.
عدي بنظرات كالسهام:
_ فيه إيه؟
ابتعد أحمد عنه ونظراته ممتلئة بالغضب.
ثم هبط سريعاً حتى لا يكشف عدي أمرهم.
بحث عنها بعينيه إلى أن رآها تجلس بآخر مقعد بالسيارة.
كلماته تتردد بأذنيها فجعلتها هشة للغاية.
تحاول التهرب من الجميع لتبقى بمفردها كالعادة.
وجدته جوارها يتأملها بغموض.
أزاحت دموعها وهي تردد بهمس.
أحمد.
ثم صاحت قائلة بلهفة:
_ أحمد صدقني أنا.
أشار لها بالصمت وعيناه على من حوله.
فعلمت ما يريد قوله فألتزمت الصمت هي الأخرى.
بعد عدد من الدقائق توقف الباص أمام فيلا كبيرة للغاية تطل على البحر من الجانبين.
وقفت رحمة تتأملها بسعادة وفرحة كبيرة.
فشدد على قبضة يدها كأنه يشعرها بوجوده لجوارها وحرصه على سعادتها.
دلف الجميع للداخل بتعبٍ شديد بعد عناء السفر.
فتمدد البعض بالقاعة وصعد البعض لغرفهم بالأعلى.
جلست رانيا جوار مروج وشروق.
حتى رحمة وداليا جلسوا جوارهم.
رحمة بإعجاب:
_ المكان هنا تحفة بجد وأحلى حاجة إنه قريب من البحر.
شروق:
_ أنا بخاف من منظر البحر.
مروج بسخرية:
_ في حد في الدنيا بخاف من البحر؟
تعالت ضحكات رانيا وهي تشير بيدها بأنها مع الحلق المنقرض.
بمجلس الشباب.
تمدد معتز على الأريكة قائلاً بابتسامة كبيرة:
_ المكان دا مش بيفكركم بحاجة يا شباب؟
تعالت ضحكات رائد قائلاً بسخرية:
_ على صوتك عشان البنات يسمعوا.
ياسين بسخرية:
_ وانت الصادق أبوه أو عمه اللي هيطيروا رقبته.
عدي بهدوء:
_ محسسني إنكم كنتوا بترتكبوا المعاصي.
معتز بسيل من الضحكات:
_ لا أنا اللي فاكر الواد جاسم لما كان بيكلم بنت على النت والوحش قفشه.
حازم:
_ ههههههه فااااكر ههههههه.
لوى فمه بضيق:
_ أنا كنت بكلمها عادي على فكرة بس موعدتهاش بجواز ولا غيره وبعدين أنا كنت 19 سنة يعني الكلام دا من خمس سنين.
ياسين:
_ تحليل منطقي.
نهض رائد عن الأريكة قائلاً بتعب:
_ طب حللوا بقا براحتكم. أنا جسمي اتكسر. هطلع أختار أي أوضة وأريح فيه.
مازن بسخرية:
_ هتختار لوحدك؟
لوى فمه بازدراء:
_ هو بعد المشوار دا عاد في حايل حد يختار معايا!
وتركه وغادر فتعالت ضحكات مازن قائلاً بجدية:
_ طب خدني معاك ينوبك ثواب. أريح ساعة وبعدين أنزل أتفحص المكان براحتي.
وأتابعه للأعلى.
وقف جاسم هو الآخر قائلاً بنبرة ساكنة:
_ عن إذنكم أنا كمان يا شباب.
وتوجه هو الآخر بالصعود.
أستند بجسده على الأريكة قائلاً بثباته المريب:
_ مشكلتك اتحلت يا حازم.
اعتدل بجلسته قائلاً بفرحة وابتسامة واسعة:
_ بجد يا عدي؟
رمقه بنظرة مخيفة فعلم بأنه لن يعيد حديثه مجدداً.
ثم توجه للأعلى بصمت.
توجه جاسم للأعلى فتقابل مع أحمد ونظراته مازالت كالعاصفة.
اقترب منه قائلاً بهدوء:
_ كان لازم تعرف يا أحمد.
تطلع له بصمت قاتل ثم تمرد عليه السكون قائلاً بثبات مريب:
_ كانت هتعرف بس مش بالطريقة دي. أنا كنت عايزها تحبني من نفسها مش لما تحس بالضغط والواجب تجاهي.
ثم اقترب منها قائلاً بغضب مكن:
_ تفتكر أنا مكنتش هعرف أقولها إني بحبها؟ بالعكس كان سهل جداً. بس فكرت إنها هتدور على طريقة تحبني كواجب مش حب هي حاساه.
تأمله بصمت واستمع له جيداً ليعلم كيف يفكر.
خرج صوته أخيراً:
_ محبتش أشوفها عايشة تبني في أحلام وخيال. ساعدتها تشوف الواقع.
قاطعه قائلاً بسخرية حتى ي-ريه ماذا فعل:
_ أسيل قالت إنها بتحبني.
ابتلع باق-ي كلماته قائلاً بصدمة:
_ إيه؟
_ اللي حضرتك سمعته. كذبت عشاني أو عشان واجب الصداقة اللي بينا.
جاسم بهدوء:
_ وليه متقولش إنها بتحبك بجد؟
رفع عيناه قائلاً بنوع من الزهول والسخرية:
_ في يومين؟
تأمله بصمت فأبتسم قائلاً:
_ أنا مش زعلان منها يا جاسم. بالعكس هفضل جنبها لحد آخر يوم في حياتي. بس مكنتش حابب إنها تكون تحت ضغط كبير بسبب حضرتك. وده اللي خلاني أمثل الزعل لحد ما أعرف مين فيكم اللي كشف حبي ليها. وبصراحة الموضوع مخدش معايا ساعات وحضرتك وقعت.
ابتسم قائلاً بإعجاب:
_ لا ذكي والله. بس تفكيري مكنش زيك كدا.
تدرج غضبه قبل الفتك به قائلاً بشيء من الثبات:
_ اخفي من قدامي يا جاسم.
وبالفعل اكتفى من أمامه بلمح البصر.
توجه أحمد للغرفة فدلف ليرتاح قليلاً.
تمدد على الفراش مستنداً برأسه بثبات مريب.
مغلق العينان ولكن عقله ما زال بمعركة مريبة.
بحثت عنه كثيراً إلى أن علمت بأنه بالغرفة.
اقتربت منه وهو ما زال يغمض عينيه ليمنحهم فترة من الراحة ليتمكن من التفكير.
فتفاجئ بها جواره.
فتح عينيه ليجدها تجلس على المقعد المقابل له والدموع ما زالت تملأ وجهها.
أستقام بجلسته قائلاً بلهفة:
_ أسيل!
رفعت عيناها المنغمسة بالدموع لعله يقرأ ما بعينيها.
خرج صوتها أخيراً قائلة بدموع:
_ أنا فعلاً بحبك يا أحمد. مقولتش كدا عشان عدي صدقني.
تأملها بنظرات غامضة وفرحة خفية.
فجذبها لأحضانه بقوة كادت أن تفتك بها.
كأنها ألتمست حنان القلب فأفرغت ما بقلبها.
فبكت بقوة وهي تشدد من احتضانه.
أخرجها من أحضانه مزيحاً دموعها برفق.
فتطلع لها بعشق قائلاً بصوت هادئ:
_ مش عايزك تضغطي على نفسك يا أسيل.
قاطعته بدموع:
_ أنا كنت بسمع إن الحب أمان وراحة وسعادة غريبة وأنا مش بلقيهم غير معاك يا أحمد.
جذبها لأحضانه مجدداً ولكن تلك المرة ليريها كم كان يعشقها لسنوات.
كيف كان يحتمل عاصفة العشق المتمردة على قلبٍ صاح بالآنين والأشواق.
أستغرقت فترة الراحة من تلك الرحلة ساعات معدودة.
فهبط الجميع للأسفل وجلسوا بالقاعة الضخمة يتبادلون الحديث.
معتز بتأييد:
_ عندك حق والله الرحلة دي ناقصة عمر ونور.
يحيى:
_ أسبوع بس أو 10 أيام عمر يطمن على نور وهيكونوا هنا بإذن الله.
ياسين بثبات:
_ فين عدي؟
رحمة بابتسامة مرحة:
_ مختفي من أول ما جينا يا عمي. أنا شاكة إنه راح يقابل مزة.
تعالت الضحكات.
فقالت آية بضيق مصطنع:
_ كده يا رحمة دي أخلاق ابنك!
_: بتقولي إيه يا حبيبتي.
قالها عدي بصوتٍ ثابت فجلست جوار ياسين ويحيى قائلة بابتسامة تكاد ترسم بصعوبة:
_ مقولتش حاجة يا ديدو.
رائد بسخرية:
_ مراتك بريئة تماماً وأنا شاهد.
حازم:
_ زائد واحد.
مازن بتفكير:
_ معرفش حاجة.
ملك بخبث:
_ هو انتوا مش جعانين؟
رانيا بسخرية:
_ دا سؤال أكيد.
داليا:
_ وأنا كمان.
رحمة بتفكير:
_ مش عارفة الصراحة بس بين أهي.
ياسين بسخرية:
_ طب فكري في الإجابة براحتك.
عز:
_ هههه أبغى أقولكم إن محدش لسه طلب طباخ أو حد من الخدم بس استحى.
حازم بصدمة:
_ نعم!
أدهم بتأكيد:
_ وعشان كدا الطبخ هيكون منصف جداً. يوم للشباب ويوم للبنات.
معتز بصدمة:
_ نعمين؟ طبخ إيه دا أنا عمري ما جبت لنفسي كوباية ميه!
يارا:
_ هههه هتتعود يا حبيبي.
شروق:
_ هههه أبغى أقولكم إنها فكرة رحمة بس استحى.
تطلعت لها رائد ومعتز وعدي ومازن وحازم وجاسم واحمد وياسين بعين تشع بجمراات.
فقالت بعد صعوبة:
_ يا جماعة أنا عايزها تكون رحلة مميزة من غير خدم ولا سواق ولا أي حاجة.
لم تتبدل ملامحهم.
فانخفضت برأسها قائلة لياسين:
_ أعتقد إني بحاجة لمساعدة حضرتك.
رفع عيناه لها فتوسلت له من إنقاذها.
فخرج صوته أخيراً ليعم الصمت على المكان:
_ زي ما سمعتوا كدا وياريت بسرعة.
أنهى حديثه فتنقلت النظرات لرحمة التي اختبأت من الخوف.
وبالفعل جلس الجميع بالخارج وبالداخل كانوا يتطلعون للمكونات من أمامهم بذهول وعدم فهم.
معتز بصدمة وهو يحمل المشروم:
_ دا إيه؟
ياسين بغضب شديد:
_ بتسألني أنا؟
رائد:
_ طب والحل يا شباب؟
تطلع ياسين لعدي الجالس على الطاولة يرتشف عصيره ببرود.
فزفر معتز قائلاً بغضب مكبوت:
_ عاش يا وحش. مراتك تخطط وأحنا اللي ندبس.
ياسين بضيق:
_ سواقة وقولنا ماشي. لكن طبخ ولمين ياسين الجارحي يبقى دا الدمار.
حازم:
_ هههه عشت وشوفتكم خايفين من حاجة. البت رحمة دي عسل والله.
نظرة عدي جعلته يتراجع سريعاً:
_ لا مش حلوة خااالص.
أحمد بصوت كالجمر:
_ بره يا ل.
جاسم بسخرية:
_ دا اللي أنت فالح فيه.
مازن بغضب:
_ انتوا جايبني هنا تبهدلوني يا جدعان.
جاسم:
_ اشتغل وانت ساكت يا حيوان.
مازن:
_ هشتغل أعمل إيه؟
حازم:
_ أنا بقول النت ممكن يساعدكم.
أحمد:
_ ممكن تستريح بره شوية.
جاسم بتفكير:
_ الواد دا صح.
وأخرج هاتفه ثم بحث عن طرق للطهي.
وبدأ العمل كالتالي: جاسم ينقل الكلمات لمعتز وهو يشرع بالتنفيذ.
الجانب الآخر ينفذ مازن وياسين نفس المهمة.
أما رائد فوزع الأطباق وأحمد اكتفى بإخراج حازم من الداخل.
وجوارهم كان يجلس عدي غير عابئ بهم.
تلصصت عليهم الفتيات وهم بحالة من الشماتة والترقب.
جاسم:
_ ضع قليلاً من الملح والفلفل الأسود.
وضع معتز الفلفل ثم أكمل باقي المقادير.
فصرخ به جاسم قائلاً بصراااخ:
_ دا سكر يا غبي.
طلع له بعين تغلي غضباً ثم خلع عنه الرداء الخاص بالطهي واقترب منه.
ابتلع ريقه بخوف شديد قائلاً بصوت متقطع:
_ عادي يا حبيبي نعمل غيره. بتحصل.
لكمه بقوة فصاح بألم.
وقف يتأمل ما يحدث بصمت.
فصرخ به جاسم:
_ ألحقني يا أحمد.
أحمد بسخرية:
_ ألحقك انت! دا أنا لو طلبت أخلص عليك مش هتخلص.
جذبه مرة أخرى قائلاً بصوتٍ كالرعد:
_ بقا أنا غبي.
جاسم:
_ محصلش.
لم يحتمل عدي رائحة الحريق فخرج سريعاً قبل أن يفقد ما تبقى بقوته.
ابتعد ياسين قائلاً بنظرات مريبة:
_ إيه الريحة دي؟
مازن:
_ معرفش.
معتز:
_ الريحة دي على ما أعتقد جاية من الأكل.
توجه جاسم ليكشف الغطاء فصاااح بصدمة:
_ لاااااااا.
دلف ياسين الجارحي ويحيى والجميع ليرى من أين تلك الرائحة.
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل العشرون 20 - بقلم اية محمد
دلف ياسين للداخل فتخشّب الجميع محلّهم.
يحيى بصدمة وهو يلقي نظرة على الطعام:
_ أيه داا!!
جاسم بابتسامة واسعة:
_ مش فاكر الصراحة بس ممكن أجيلك الوصفة لو تحب.
أدهم بسخرية:
_ ليك عين تتكلم!
تطلّع لهم ياسين بنظرة فعمّ الصمت المكان ليتحدث قائلاً بثباته المريب ونظراته الغامضة كأنه يحاول إثبات شيء ما باختباراته لهم:
_ كل واحد ومراته هيعملوا الأكل.
صعقت الفتيات وسعد الشباب لأشراكهم بتلك المهمة. خرج ياسين بعدما ألقى كلمته الأخيرة ونظرته الغامضة تتنقل بينهم، بينما رتب يحيى وعز المكان بشماتة بالطرفين.
تطلّعت رحمة لمليكة بغضب، علمت مصدره كذلك الفتيات تطلعن لها بغضبٍ شديد.
أقترب جاسم من داليا قائلاً بابتسامة هادئة:
_ أحلى حاجة عمي عملها.
خجلت للغاية فجذبه رائد قائلاً بسخرية:
_ ولا كأن أخوها موجود يا أخي، دانت كمية جبروت مع بعض!
تطلّع جاسم للقميص المتعلق بين يديه قائلاً بنظرة مميتة:
_ شيل إيدك.
وبالفعل جذب يديه قائلاً بتهكم:
_ مش عارف مين أكبر من مين؟!!
مازن بسخرية:
_ مفيش هنا احترام للسن، ما أنا أكبر منكم وعاملين معايا الواجب.
حازم بشماتة:
_ مش مكسوف وأنت بتقول كدا؟
مازن بغرور:
_ لا.
_ ممكن نجهز الأكل بدل الكلام ده.
قالتها مروج بملل فتوّزع كل واحد على الطاولة التي أعدها يحيى وعز لكل منهم.
بحثت رحمة عن عدي فخرجت تكمل رحلتها بالبحث عنه بالخارج. وقفت تتأمله وهو يسبح بالمياه باحتراف شديد، عضلات جسده تنقبض كلما أسرع بالسباحة، خصلات شعره الطويلة متناثرة على عيناه العاكسة اللون الخافت لأشعة الشمس الذهبية كأنها تتحداها بأنها أبهى باللون منها.
أقتربت لتقف على مسافة قليلة منه وهي تراه هكذا حمدت الله كثيراً أنها زوجته وإلا كانت ستلقى بمعصية غض البصر حليفة لها.
أستدار بجسده فوجدها تقف وبسمة الهيام على عيناها. أقترب منها قائلاً بثباتٍ قاتل:
_ واقفة كدا ليه يا رحمة؟
تأملته بابتسامة فشلت بإخفائها:
_ أنت معرفتش إلا إن كل ياسين طلبه؟
أكتفى ببسمة صغيرة وأستدار بجسده بالمياه فصاحت به:
_ مش هتيجي؟
أشار برأسه قائلاً بمكر:
_ هسمحلك أنتِ لو حابة.
ابتسمت بخجل وهي تراقب المكان فلم تتردد بإلقاء نفسها بأمواج غزيرة لعلمها بأنه سيكون حصناً قوياً لها. جذبها بين ذراعيه فرفعت يديها على كتفيه، ابتسم وهو يراها تتعلق به كطوق النجاة لهلاك ألقت بنفسها به.
تاهت العينان بلقاء ممزوج ببرودة المياه وحرارة الشمس المعاكسة، قربها منه مستنداً بجبينه على جبينها قائلاً بصوت يكاد يكون مسموع:
_ خايفة؟
تأملت عيناه بهيام ثم أشارت برأسها نافية حديثه. ابتسم بمكر ثم ابتعد عنها فبدا الخوف يتشكل على وجهها وهي تتمسك بيديه. تشبثت على طول ذراعه حتى وصلت لأحضانها برجفة الرعب الذائب بعدما وصلت لأمانها، لف ذراعيه على جسدها يطوفها بأحضانها فهمس جوار أذنيها بسخرية:
_ من شوية ما كنتيش خايفة!
أختبأت بين أحضانه قائلة ببراءة:
_ وأنا معاك مش بخاف من حاجة، لكن لو سبتني أكيد هغرق وأم...
قاطع كلمتها بأن أخرجها من أحضانه بقوة وعنف:
_ مش قولتلك الكلمة دي متقولهاش تاني.
تأملته بابتسامة رقيقة ودمع يلمع فقالت ويدها تتمسك بذراعيه:
_ تعرف يا عدي الموت ده كان حلمي من شهور، كنت بتمنى يكون ليا الخلاص من معتقل مصطفى وعمي، لكن دلوقتي بخاف من سيرته عشان ممكن يبعدني عنك وعن العيلة دي. أنا عمري ما ضحكت من قلبي غير هنا، كان حلمي يكون لي أخ أو أخت، لقيت بدل الأخ 7 كلهم بيخافوا عليا بجد والبنات بالنسبالي أكتر من الأخوات، حتى الأم والأب، أنا هنا لقيت نفسي بجد.
جذبها إليه فأزاح دموعها بيديه ليخرج صوته أخيراً:
_ مش عايزك تتكلمي كدا تاني، سامعاني يا رحمة؟
أشارت برأسها فأحتضنها بعشق طوفها بموج خاص غير موجات البحر القارصة.
***
بالمطبخ...
وقفت مروج تعاونه على إعداد الطعام. لم تسلم من نظراته ولمسات يديه الحنونة عن قصد ليديها. رفعت عيناها بخجل شديد وهي تحاول تخليص يدها من بين يديه ونظراتها تتفحص من بالمطبخ بخوف شديد من أن يراهم أحد، نعم هو زوجها ولكن الخجل سيدها الوحيد.
أقترب منها وعيناه تكاد تختم صورتها لسنوات عديدة فجعلها تشعر بنيران مريبة تربكها.
مازن بصوت منخفض:
_ مش بتردي على رسايلي ليه؟
حاولت جذب يديها قائلة بخوف:
_ سيبني يا مازن.
ابتسم بتسلية قائلاً بهمس بعدما أقترب منها وهو يجذب السكين من خلفها بخبث فازداد لون وجهها بشدة. لتسمع صوته الرجولي:
_ مش قبل ما أسمع إجابة سؤالي اللي قفلت تلفونك عشان متجاوبيش عليه.
ابتعدت عنه خطوة قائلة بصوت متقطع:
_ معنديش إجابة.
ابتسم وهو يقلب محتويات الطعام ومازالت يدها أسيرة يديه:
_ يعني مش بتحبيني يا مروج؟
أسرعت بالإجابة:
_ مقلتش كدا.
أستدار بوجهه قائلاً بمكر:
_ بس كلامك معناه كدا.
تطلّعت له برجاء ليبتعد عنها حتى لا يراها معتز وجاسم ومن بالغرفة، فترك يدها بهدوء فأبتعدت بضع خطوات تجذب الخضروات، فشهقت حينما جذب يدها مجدداً فكادت الحديث ولكن أنسحبت الكلمات حينما وضع بيديها خاتم مميز للغاية، رفعته بابتسامة واسعة حينما قرأت اسمها واسمه بخطوط صغيرة للغاية، تطلّعت له فوجدته ابتعد عنها ويقطع باقي المكونات وعيناه مازالت مرتكزة عليها. ابتسمت له وهي توزع نظراتها بينها وبين الخاتم بيدها.
***
وقف جوارها وهي تتهرب من عيناه وتعد الطعام فقالت بارتباك كبير:
_ ممكن تساعدني بدل ما أنت واقف تبص لي كدا!
ابتسم لتطل وسامته قائلاً بصوت هامس:
_ بس كدا عيوني.
وأقترب منها للغاية جاذباً الأطباق من خلفها عن تعمد النظر لعيناها فشعرت بأنها على وشك الصراخ فقالت بتوتر:
_ بتعمل إيه؟
أجابها ومازالت نظراته عليها:
_ بساعدك زي ما قولتي.
أقسمت بأنه سيقودها لمحطة الجنون فقالت بغضب:
_ مش عايزة منك مساعدة يا جاسم، كنت غلطانة أرجع مكانك.
أقترب أكثر قائلاً بخبث:
_ بس أنا مرتاح كدا.
أعادته بيدها على صدره قائلة بضيق:
_ بس أنا لا.
ابتسم قائلاً بمكر:
_ مش هتعرفي تهربي مني بعد كدا يا داليا.
ابتسمت بخجل شديد ثم صاحت بضيق مصطنع:
_ ممكن تسبيني أركز.
تعالت ضحكاته بسخرية:
_ ده طبخ يا قلبي مش امتحان.
أقتربت منه قائلة بضيق:
_ بدل ما تستخف دمك ساعة اعمل حاجة مفيدة، إن شاء الله حتى تعمل السلطات.
ابتسم قائلاً بعشق:
_ بس كدا أنا ممكن أعمل أي حاجة عشانك.
ابتسمت بخجل وأكملت ما بيدها.
***
جلست على الطاولة وهي تتناول التفاح وتتأمله وهو يطهو بضيق شديد وبسمتها متسعة بصورة واضحة فأقترب منها قائلاً بزهول:
_ ممكن أعرف إيه اللي مفرح ساعاتك كدا؟
هبطت لتكون على نفس مستواه قائلة ببسمة واسعة وبيدها الهاتف تلتقط صور عديدة له:
_ مسؤول مقر وشركات الجارحي في المطبخ، لا وأيه بيعمل بنفسه، بذمتك مش فرحة؟
خلع عنه رداء الطهي ثم أقترب منها فتراجعت للخلف بخوف ليقول بغضب شديد ونظرات فتاكة:
_ هاتِ التلفون ده.
وضعته خلف ظهرها قائلة بنفي:
_ لا.
أقترب أكثر قائلاً بنبرة خالية من المزح:
_ هاتِ الفون أحسن لك يا مليكة.
_ ولو مجبتهوش؟
قالتها بعند يراه ياسين لأول مرة فأبتسم بخبث قائلاً بجدية مصطنعة:
_ اللي هيحصل مش هيعجبك.
تماليت به ووضعته بحقيبتها المعلقة فجذبها لتتحصر بين ذراعيه غير عابئ بمن حوله:
_ من امتى وأنتِ بتتحديني يا مليكة؟
رفعت عيناها له قائلة بلهجة تكبت الرعب:
_ أنت اللي مش بتديني فرصة أتحديك.
تعالت ضحكاته قائلاً بسخرية:
_ فرصة؟ أوك معاكِ دلوقتي.
ابتسمت قائلة بغرور:
_ أخدتها من زمان لما نجحت أدخلك المكان ده.
لم يفهم حديثها إلا حينما صرخت رانيا وهي تركض للمرحاض قائلة بضيق:
_ منك لله يا مليكة، كان مالنا ومال الطبيخ، لازم تعملي الخطط دي.
داليا بتأييد:
_ أه والله معاكِ حق يا رانيا.
ياسين لداليا:
_ أنا مش فاهم حاجة؟
داليا بغضب:
_ رحمة حطت خطة الأتوبيس والأستاذة مليكة الأكل بس اترعبت من حضرتكم فألقت التهمة على رحمة لعلمها قوة نفوذ الوحش.
تطلّع لها جاسم بغضب ولكن ليس كياسين الذي تحاولت سيل من النيران فتراجعت قائلة بابتسامة مشاكسة:
_ شوفت بقا التحدي، أقنعت بابا إني أدخلك هنا، أينعم بعد صعوبة بس في النهاية وافق والصور معايا هحتفظ بيها ذكرى.
وقبل أن يتمكن منها هرولت للأعلى سريعاً فأتبعها بغضب.
جاسم بسخرية:
_ الله يرحمك يا مليكة، كانت طيبة البت دي.
ابتسمت داليا وعادت تكمل ما تفعله. أما رائد فهرول خلف رانيا يعاونها على الوقوف بعدما أفرغت ما بجوفها حينما تسربت رائحة الطعام أنفها.
***
كان يعاونها وهي تصنع الطعام بعشق يخطف نظراتها وهي تخطف البسمات الساحرة فأقتربت منه وهي تقدم له الخضرة قائلة بابتسامة:
_ اتفضل يا شيف معتز.
ابتسم بسخرية:
_ شيف إيه بقا؟
ثم تطلّع للطعام قائلاً بإعجاب:
_ مكنتش أعرف أنك بتعرفي تطبخي.
ابتسمت قائلة بغرور مصطنع:
_ أنا اللي كنت بعمل الأكل لبابا وإخواتي على طول حتى لو ماما عملته كنت بعوض في العشاء.
تعالت ضحكاته قائلاً بعشق وهو يقبل يدها:
_ بس أنا اللي هاكل من إيدك على طول.
سحبتها بخجل وهي تحاول التهرب من نظراته الفتاكة. فألهت نفسها بتقليب الطعام حتى تتحاشى النظر بعيناه.
***
بعيداً عنهم بمكان متطرف عن المطبخ بقليل...
كان يعد يعد الحساء الساخن فوضعت قطع الدجاج بزيت فصرخت بقوة حينما أنسكب عليها فجذب يدها للمياه قائلاً بغضب:
_ في حد يحط الفراخ وهي لسه في ميه في الزيت؟
صرخت بألم حينما وضع يدها أسفل المياه:
_ آه وأنا إيش عرفني، كنت طبخت قبل كده.
تطلّع لها ثم انفجر ضاحكاً. لم تبتسم مثلما فعل بل تأملته بتفكير يورد عقلها لأول مرة. لم تعد تراه صديقها المقرب بل تراه حبيب مجهول! عشق ظل جوارها وعاشت بفيض حنان موحد جوارها وها هي تفق على وجوده. كف عن الضحك وهو يرى نظراتها له فلمعت عيناه بشرارة الأمان الراحة حينما التمس عشقه بعينيها أخيراً، لم يعد يشعر بآلام فتأكد الآن بأنها باتت تعشقه مثلما يعشقها.
أقترب منها وهي كالمتصنمة محلها تحت أسر عيناه، فرفع يديه يزيح قطرات المياه على وجهها بفعل الصنبور، أغلقت عيناها تلقائياً فطبع قبلة صغيرة على جبينها. ابتعد عنها ففتحت عيناها الممتلئة بدموع تعجب منها ولكنها قالت بصوت متقطع مصاحب لبسمة رقيقة:
_ أنا أذي كنت غبية كدا؟
ابتسم أحمد قائلاً ومازال يقف أمام عينيها عابثاً بعينه:
_ يمكن عشان أنا كنت غبي كمان.
تعالت ضحكاتها فشاركها هو الآخر لتقول هي:
_ طب أنت كنت غبي ليه؟
توقف عن الضحك رافعاً وجهها بيديه يتأمل عينيها:
_ لأني محبتش أصارحك بحبي وأخسرك، فده بحد ذاته غباء.
تاهت بعيناه فهمست كأنها تردد صدا لسحر خاص:
_ بحبك يا أحمد.
أحتضنها قائلاً بعشق وهو يشدد من احتضانها:
_ وأنا بعشقك.
تركت كل شيء ونسيت ما خلفها لتكون بأحضان العشق ودفئ المعشوق.
***
بينما بالأعلى:
أسرعت بالركض وهي تراه أوشك على القبض عليها فدَلفت لغرفتها ومن ثم لحمام الغرفة وأغلقت جيداً وضربات قلبها تعلو بقوة مرددة بغضب:
_ منك لله يا داليا، رحمة شالت الليلة، كان لازم تتكلمي.
أتاها صوت هلاكها بعدما أغلق باب الغرفة قائلاً بصوت هادئ مخيف:
_ افتحي الباب ده يا مليكة.
ابتلعت ريقها بخوف شديد وهي تتراجع للخلف بخوف فهي تعلم شخصية ياسين الجادة كيف تكون. صاح بغضب مكبوت:
_ كدا أقول لك تفهم كلماته إلا حينما دفش الباب ليعلن سقوطه أمام تلك القوة المريبة. أقترب منها فتراجعت للخلف بزعر فلم يكن بأوسع مخيلاتها أن يحطم الباب. تراجعت للخلف قائلة بصوت مرتجف:
_ همسح الصور كلها.
لم يبالي بها فأسرعت للخلف لتصطدم بالجزء المتحكم بالمياه فينصَب بقوة كبيرة جعلتها تصرخ من الرعب والذهول. حاولت الابتعاد عن المياه ولكنها محاصرة تماماً فالمياه خلفها وبركان الغضب أمامها. تراجعت حتى صار الحائط مسواها. أقترب منها فأندثرت المياه عليه هو الآخر محاصرة بين ذراعيه والنظرات بينهم وسط المياه هي السائدة. رفع يديه ومازال الرعب بقلبها ولكنها تفاجئت به يحرر خصلات شعرها لتتمرد على عينيها ويلقي بحجابها بعيداً. أقترب لتصبح بين أحضانه فأغمضت عيناها برجفة لقربه منها شعر بها فقال بهمس وخصلات شعره البني تنثر المياه على رقبتها:
_ أول مرة أشوف الخوف بعيونك. أنا مستعد أحققلك أي أمنية حتى لو طبخ بس لوحدنا وخليكِ فاكرة أنا مش بحب الطريقة دي.
ابتعد عنها فوجدها تبتسم بمشاكسة:
_ بس أنا بحبها.
أقترب منها فتراجعت للخلف فقال هو بتحذير:
_ مليكة.
وضعت عيناها أرضاً بضيق فرفع وجهها لتقابل وجهه ومازالت المياه تتساقط بقوة. تطلّعت له بخجل شديد ويديه تقربها منه لتكف عن الحديث المشاغب وتنصاع لحديثه الخاص الممزوج بعشق خاص.
***
بغرفة ياسين الجارحي:
كانت تتأمل المياه بسعادة من شرفة الغرفة ويدها موضوعة على السور. شعرت بدفء يديه فأستدارت لتجده يقف جوارها بطالته المحتفظة بجوهرها. قالت بابتسامة واسعة:
_ المكان هنا ما شاء الله خرافة.
ابتسم وهو يتأمل سعادتها قائلاً بثبات:
_ طب كويس أنه عجبك.
_ جداً وفرحانة بجد عشان نور وعمر حتى الأولاد السعادة باينة عليهم كلهم، بدعي ربنا إننا نفضل دايما كدا يا ياسين.
قالتها بلمعة من السعادة فأحتضنها قائلاً بثبات:
_ إن شاء الله يا حبيبتي.
رفعت وجهها له قائلة بخجل:
_ هتفضل تدلعني كدا كتير؟
ابتسم ابتسامته الهادئة:
_ أكيد بس مش في الغلط.
تعالت ضحكاتها قائلة بسخرية:
_ هو حد يقدر يغلط وهو في بيت ياسين الجارحي؟
شاركه البسمة قائلاً بشرود:
_ محدش معصوم من الغلط يا آية، المهم الاعتراف بيه عشان نقدر نعالج المشكلة.
استمعت له باهتمام ثم قالت بهيام بعسلية عيناه:
_ لسه زي ما أنت وهتفضل كدا ياسين الجارحي.
أحتضنها مرة أخرى وتلك المرة ليعشقها بحرية مثلما يشاء.
***
بغرفة يحيى:
جلست جواره قائلة بضيق:
_ يحيى أنا عايزة أنزل أتمشى شوية.
أجابها بتعب النوم:
_ بعدين يا ملك هرتاح شوية من السفر وهننزل.
لوت فمها بضيق:
_ طب ما ننزل الوقتي وبعدين ترتاح براحتك.
يحيى بغضب مكبوت:
_ هو الدنيا هتطير؟
أجابته بغضب:
_ مش عايزة منك حاجة، هروح أخلي ابني ينزلني.
جذبها قائلاً بعصبية:
_ ابنك عريس لسه، اعقلي، هتروحي تخبطي عليه تقولي له إيه؟
ملك بحزن:
_ أعقل؟ شايفني مجنونة؟
نهض عن الفراش قائلاً بنفاذ صبر:
_ قومي يا ملك هنزلك وأخلص.
_ ومين قالك إن بعد اللي قولته عايزة أنزل!
قالتها بدموع فأقترب منها سريعاً قائلاً بلهفة:
_ أنتِ زعلتي مني يا حبيبتي؟
وجد دموعها أنسب جواب على سؤاله فزفر ليتحكم بأعصابه فمازالت كما هي لم يغيرها الزمان. جفف دموعها قائلاً بنبرة هادئة:
_ طب عشان خاطري خلاص وبعدين أنا مقصدتش.
لم تعبئ به فجذبها لتقف أمامه قائلاً بضيق:
_ عقلك صغير أوي وهتفضلي كدا مفيش فايدة فيكِ.
رمقته بنظرة محتقنة فتعالت ضحكاته غامزاً بخبث:
_ تعالي أصالحك.
وقبل أن تتحدث وتتجادل معه كالعادة كان قد طوفها بعالمه الخاص.
***
جلس لجوارها بابتسامة واسعة يتأملها وهي ترتل كلمات الله بالصلاة في خشوع وصوت مثل الألماس أنهت صلاتها فوجدته يجلس على المقعد القريب منها. حملت سجادة الصلاة ووضعتها على الأريكة قائلة بابتسامة واسعة:
_ أنت صحيت امتى؟
ابتسم عز قائلاً بهدوء:
_ من شوية، قولت أفوق كدا وأنزل معاكِ نأخد جولة في المكان لحد ما الأولاد يخلصوا الأكل.
تعالت ضحكاتها قائلة بسخرية:
_ أنا بقول تطلبوا أكل جاهز أفضل.
تعالت ضحكات عز قائلاً بتأييد:
_ والله قولت كدا لياسين بس هو مصمم.
تعالت ضحكاتها فقالت بهدوء:
_ طب هغير هدومي وننزل نشوفهم بيعملوا إيه؟
جذبها لتقف أمام عيناه قائلاً بنبرة ماكرة:
_ هساعدك.
يارا بغضب:
_ عز!
أقترب منها قائلاً ببراءة مزيفة:
_ هبص بأدب.
قالت من وسط سيل الضحكات:
_ مفيش فايدة فيك هتفضل زي ما أنت.
جذبها لتقابل عيناه قائلاً بهمس:
_ أنتِ السبب.
صمتت وظلت تتأمله بعشق مثلما يتأملها بشغف واشتياق فدعت للعشق تهويدة خاصة بالعز ويارا.
***
كانت تجلس جواره على الفراش بخجل شديد فأبتسم قائلاً بمكر:
_ بموت فيك وأنت أحمر من الكسوف كدا.
تطلّعت له بغضب فتعالت ضحكاته لتصرخ به بعصبية:
_ اتلم يا أدهم الله!
كبت ضحكاته قائلاً بجدية مصطنعة:
_ اتلم؟ في واحدة تقول لجوزها كدا؟
لوت فمها بضيق:
_ أنت اللي على طول بتصمم تزعلني منك.
أقترب قائلاً بابتسامة جذابة:
_ طب حقك عليا.
لم تبالي به فقال بحزن وخبث معاً:
_ زعلتي تاني؟ طب تعالي أصلحك.
دفشته بعيداً عنها:
_ بالعكس، دانا اترضيت ومعتش هأزعل منك أبداً.
تعالت ضحكاته فشركته البسمة وهي بأحضان.
***
جلست على الرمال الملتهبة بفعل أشعة الشمس التي بدأت في الاختفاء معلنة انتهاء يوم بدأ بالعشق وظهور طواقي الليل الغامض فجلس جوارها قائلاً باستغراب:
_ قاعدة كدا ليه يا دينا؟
ابتسمت وهي تستدير بوجهها قائلة بفرحة:
_ كنت لسه بفكر فيك.
تأملها باستغراب:
_ فيا أنا؟
أشارت بوجهها ثم أشارت له بالجلوس فرفض بشدة:
_ لا طبعاً أقعد فين؟ هخلي رائد يجبلنا طربيزة هنا.
وأستدار ليغادر فجذبته ليجلس جوارها فتطلّع له بشرار قائلاً بغضب:
_ هتفضلي طول عمرك كدا.
تعالت ضحكاتها ثم أستكانت الصمت وأكملت شرودها مجدداً، شعر رعد بأنها ليست على ما يرام فجذبها قائلاً بخوف حينما رأى دموعها:
_ في إيه؟
أشارت بوجهها بمعنى أنها بخير ولكنه جذبها لتكون على مقربة منه قائلاً بلهفة:
_ حد زعلك؟
أشارت بلا فقال بغضب:
_ أمال في إيه؟ اتكلمي!
رفعت عيناها تتأمله بغموض ثم قالت بهدوء:
_ بحبك.
تأملها بعدم استيعاب ثم قال بسخرية:
_ ولا يحب حد يعيط!!!
أشارت بلا فبدت ملامح وجهه بالذهول إلى أن قالت بهدوء وجدية يراها رعد لأول مرة:
_ أنت كنت جنبي على طول يا رعد في كل أزمة كنت بلاقيك ظل ليا حتى بعد موت بابا وماما خففت عني كتير وخلتيني قوية وقدرت أطلع آية منها بمساعدتك ودعمك ليا، أنا عمري ما رديتلك حاجة من اللي عملتها عشاني بالعكس كنت دايماً بتصرف بطيش وعند حتى مع رائد وداليا حاسة إني مكنتش أم كويسة.
رفع رأسها بيديه قائلاً بثبات وهدوء:
_ ليه بتقولي كدا يا دينا ومين قالك إنك قصرتي مع أولادنا، أنا شايفك أم مثالية ومش منتظر منك مقابل للي بعمله، كفايا وجودك جانبي وبالعكس أنتِ بعندك والمساكسة دي بتخرجيني من تعب يوم كامل في الشركة، أنا من غيرك بحس إن الدنيا واقفة مالهاش طعم.
ابتسمت قائلة بفرحة:
_ بجد يا رعد؟
ابتسم وهو يتأمل المكان من حوله:
_ نطلع أوضتنا ونتكلم فوق أحسن.
وعاونها على الوقوف ثم توجهوا للأعلى بعد سعادة زرعت بالقلوب.
***
بغرفة تالين:
صاحت قائلة بخجل:
_ عشان خاطري بلاش يا حمزة، أنا مش عايزاه.
رفع وجهه بغضب:
_ بس أنا جايبهولك يا تالين وقولت ادخلي ألبسيه.
تالين بخجل وهي تتأمله:
_ أنا من زمان ملبستش فساتين من دي!!
أقترب منها قائلاً بابتسامة واسعة تعتاد على الزيارة الدائمة لهذا الوجه البشوش:
_ متخافيش محدش هيشوفك غيري.
جذبته ودلفت لحمام الغرفة ثم ارتدته وخرجت لتجده يجلس على الأريكة وما أن رآها حتى وقف وأقترب منها قائلاً بهيام:
_ إيه الجمال ده؟
_ بطل مجاملة.
قالتها بغضب شديد. فأقترب منها قائلاً بسخرية:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، أعاكس مش عاجب، ألتزم الصمت، اتغيرت يا حمزة، أبص بره هقتلك يا حمزة، عايزة حمزة يولع في نفسه ويرتاح.
تعالت ضحكاتها الساحرة ففتكت بقلبه ليقترب منها قائلاً بعشق:
_ بس أنتِ هتفضلي طول عمرك جميلة ودي الحقيقة يا تالين.
لم تجد كلمات تجيب بها سوى التوغل لأحضان.
***
بالأسفل...
جلس على الأريكة بتوتر، يلهو بالهاتف بارتباك لا يعي التفكير كل ما يعلمه أنه يريد الاستماع لصوتها. أخرج هاتفه وطلبها فجاء الصوت الملكي:
_ السلام عليكم.
صمت قليلاً ثم قال:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أنا حازم يا نسرين.
قالت بزهول ورعب:
_ حازم!!
= متقلقيش مش هاخد من وقتك كتير، أنا اتصلت عشان أقولك ارجعي الجامعة وعيشي حياتك، الحيوان اللي اسمه نادر ده أخد جزاته خلاص يعني اعتبري موضوعه انتهى هو والحيوانات اللي معاه.
_ بجد يا حازم يعني مش هيتعرضولي تاني؟
سرح قليلاً باسمه المترنم من بين شفاها فقال بعدما استمع لصوتها:
_ ألو.
= معاكِ، أيوا مش هيتعرضولك تاني لأنهم بالحبس وحتى لو خرجوا مستحيل يحصل وأنا موجود على فكرة، أنا هكلم بابا في موضوع خطوبتنا، عارف إنك مستغربة من كلامي بس لو مش موافقة عادي جداً.
تلون وجهها بشدة فقالت بارتباك:
_ تصبح على خير يا نسرين.
تعالت ضحكاته بعدما أغلق الهاتف فحديثها بث الراحة بقلبه بأنها موافقة لتكون على عصمته. استند برأسه على المقعد قائلاً بصوت مسموع:
_ تصبح على خير يا حازم.
مازن بسخرية:
_ بتقول لنفسك تصبح على خير؟
جاسم:
_ ههههه الواد بينه اتلخص.
حازم بهيام:
_ قالت حازم مرتين، قالتها وأنا سمعتها.
جذبه أحمد بغضب شديد:
_ هي مين دي يالا؟
تفاجئ بوجودهم حوله فقال برعب:
_ هو إيه؟
أحمد بصوت كالرعد:
_ أنت هتستهبل يا حيوان.
تعالت ضحكات معتز قائلاً بسخرية:
_ ألبس أخوك وقع.
مازن بغضب:
_ لسه في الجامعة وبتحب يا بجحتك يا أخويا.
حازم بغضب:
_ خاليك في نفسك يا مازن وبعدين أنا هفاتح بابا.
جاسم:
_ هههههههه لا دا بجد ياريت عمر كان هنا ههههههه.
رائد باستغراب:
_ هو في إيه؟
جذبه حازم ليقف أمام أحمد قائلاً بفرحة:
_ حبيب قلبي يا رائد دايماً حمى ليا قدام الحيوانات دي.
أستدار قائلاً بغضب:
_ مين اللي حيوانات ياض؟
جاسم:
_ خلاص يا أحمد اهدا بس شوية لما نعرف مين البنت دي وهيكلم مين عليها.
تطلّع له مازن بصدمة:
_ أنت مهتم بالموضوع كدا ليه يا جاسم؟
جاسم بغرور:
_ وأنت مالك!
هبط الجميع للاسفل فوقفوا بصمت حينما وجدوا ياسين الجارحي يهبط للأسفل. وضعت الفتيات الطعام على المائدة فجلسوا جميعاً يتناولون الطعام. تطلّعوا جميعاً لياسين كأنهم ينتظرون نتيجة اختبار فأشار برأسه دون النظر إليهم:
_ المشاركة بين الزوجين أساس نجاح أي علاقة زي الأكل دا بالظبط سواء هو أو هي على كفاءة أعلى من الثاني بس بالنهاية حد من الطرفين سعى عشان الطبخة تنجح، الحياة كدا مش شرط الزوج هو اللي يكافح عشان العلاقة تنجح بالعكس الست ممكن يكون دورها أقوى بكتير المهم إن النهاية تكون الوحدة تحت سقف أي علاقة هي الرابط الأقوى، أتمنى تحطوا النقطة دي في اعتباركم.
كلماته صدحت بعقولهم ليعلموا الآن ما هدف ياسين الجارحي من استغلال خطة ابنته مليكة وزوجة ابنه رحمة.
كان الجميع يتطلعون له بإعجاب شديد وبالأخص زوجته التي تراه فخر هذه العائلة ورفيقه الذي يراه العمود الأساسي بتلك المملكة العريقة وابنه الملقب بالوحش الثائر يراه سبب وحدتهم جميعاً.
***
بالقاهرة وبالأخص بقصر الجارحي.
كانت تجلس على الأرجوحة وهي شاردة بمعشوقها الذي يسعى لإسعادها بكافة الطرق حتى أنها تركت الجميع واختارت الجلوس معها لحين أن يكتمل شفاءها فيسافر معها للإسكندرية قاطعاً وعداً ثميناً أنه سيظل جوارها إلى آخر نفس يبقيه على قيد الحياة. وضعت الهاتف بجوارها بعدما أنهت مكالمة الفيديو مع عدي ورحمة والعائلة بأكملها فكانت سعيدة حينما علمت من ياسين الجارحي بأن زفافها على عمر سيقام بالإسكندرية مع جاسم ومازن إلى أن تتماثل للشفاء كلياً حتى أنها تحدثت مع الفتيات فلم تخلو المحادثة من مشاكسة مروج ومليكة المعتادة حتى أسيل شعرت بأنها تبدلت للمرح هي الأخرى وقصت لها رانيا معاناتها بالحمل ونوم مريم منذ أن خطت قدماهما المكان فأبتسمت بقوة عليها. وأخبرها جاسم بأن تسرع بالشفاء فهو يريد الزواج بأقصى سرعة وإلا سيصبح من السهل الموت على يد والده أو ياسين الجارحي لخططه الدنيئة.
فزعت حينما تحركت الأرجوحة فتطلّعت خلفها بخوف اختفى حينما رأته يحركها بهدوء وابتسامة عشق محفورة بعيناه. رددت بهمس خافت:
_ عمر! خضتني.
أقترب ليكون على مقربة منها قائلاً بعشق:
_ وحشتيني.
تعالت ضحكاتها قائلة بسخرية:
_ أنت لسه سايبني على فكرة.
جذب المقعد ليجلس أمامها قائلاً بنظرة تبعث أنين الشوق:
_ أنتِ السبب بقا هعمل إيه؟
تعالت ضحكاتها فأشاحت بعينيها بخجل عنه قائلة بتوتر:
_ قولتلك مش تبص لي كدا الله، أنا حاسة إني شايفة واحد معرفهوش.
تعالت ضحكاته قائلاً بسخرية وهو يتطلع لها:
_ لا تعالي أرجعك زي ما كنتِ مدام فيها معرفكش.
ابتسمت قائلة بخجل:
_ خلاص بقا يا عمر الله!
أشاح بنظراته:
_ أهو يا ستي ينفع أسألك عن الأكل والأدوية؟
تهربت بعينيها ليعلم الجواب فصاح بغضب:
_ تاني يا نور؟
كادت الحديث فأشار لها بالصمت والغضب يتلون على وجهه فطلب منها كثيراً الانتظام على الأدوية والطعام لحين عودته من المشفى، نعم هو بإجازة مفتوحة لحين تماثلها للشفاء ولكنه يتودد ليراقب العمل فهو بالأخير مسؤول المشفى.
حزنت حينما تركها وغادر فشعرت بحزن شديد حينما أغضبته، حاولت القيام ولكنها مازالت تتألم فالجراحة شديدة للغاية توجهت لفراشها بصعوبة فأستمعت لصوته يصرخ باسمها بعدما وضع الطعام من يديه ليعاونها على التمدد، وضع يديه على وجهها بقلق:
_ أنتِ كويسة حبيبتي؟
أشارت برأسها وهي تحتضن يديه ببعض التعب:
_ عمر متزعلش مني عشان خاطري.
جلس جوارها وهو يتأملها قائلاً بضيق:
_ لو سمعتي كلامي مش هزعل.
أشارت بسعادة فأخفى ابتسامته وتعامل بحزم. وضع الوسادة خلف ظهرها ثم شرع بإطعامها بيديه فكانت تتأمله بسعادة وبعض الخجل. جذب الأدوية والمياه فتناولته منه بطاعة ورضا تام ثم قالت برجاء بعدما جذبت يديه وهو يتوجه للخروج:
_ لسه زعلان؟
جلس جوارها متصنع الحزن:
_ جداً.
_ طب أصالحك إزاي؟
قالتها بحزن فأشار لها بالاقتراب منه قائلاً بمزح:
_ لو رسمتك عجبتني.
تعالت ضحكاتها فشاركها البسمات بعيون تبعث العشق برسائل خاصة.
***
شموع هادئة تحيط بالمكان بعدما فصلت الإضاءة من الفيلا بأكملها ليضيء الليل بضوء القمر والشموع كحال الليل الختام للأحفاد. فروع من الورود تملأ الرمال جوار الشموع فصنعت جو مميز للغاية من الرومانسية كأنها عاصفة ذات موج مميز أو طوفان ساحر. ملأت الرمال بطاولة ضخمة مزينة بحرفية فضمت ياسين الجارحي وزوجته التي خطفت قلب من يحمل تلك العائلة العريقة لتثبت للجميع أنها فعلت المحال حينما ملكت عرش قلب ياسين الجارحي، كان يتأملها بفستانها الأحمر الخاطف للأنفاس بعشق جارف يختم الأواصر. يتأمل ما حدث منذ سنوات وكيف تحدا العقبات والدهر لتظل لجواره بدون رؤية دمعة من عينيها. عاشق يتعلم منه العشق كيف يكون. حاد وغليظ حينما ترتكب خطأ ما. قاسٍ معها في بعض الأوقات لتعلم ماذا فعلت وتتراجع سريعاً ولكنها بالنهاية من صنعت المحال بفوزها بقلب كقلبه.
جوارهم طاولة ليحيى الجارحي ولجواره مشاكسيته التي تمتلك عقل صغير ولكن قلبها صافٍ للغاية فسحرها يجعله شغوف بها وبعشقها.
لجوارهم طاولة أخرى خاصة برعد وعنيدته التي أذهلت قلبه بمعاناة ولكنه يعشقها حد الجنون.
لجوارهم طاولة خاصة بأدهم الذي وقع بعشقها منذ النظرة الأولى فكانت سجنيته.
على مقربة منهم كان يصدح الطرب الهادئ والبعض ينسجم مع نصفه الآخر كعز ويارا يتأملها بعشق ممتد إلى الآن فمازال عشق الطفولة يترنم على نغمات الكبر والزمان.
جوارهم كانت تتحرك معه بشرود بعيناه فحَمزة مرح للغاية ولكنه لم يتسبب بدمعها قط بل حرص على جعلها جوهرته الثمينة.
على بعد ليس بالكبير كان يدور بينها بسرية تامة ومكان محجوب عن الأنظار خاص بهم بالوحش وحوريته الرقيقة تدور بين يديه وهو المتحكم بحركاتها لتتناغم بسحر عيناه قائلة بعشق:
_ بحبك يا عدي.
ابتسم وهو يتحرك معها:
_ أنا اتعديت مرحلة الحب من زمان.
ابتسمت قائلة بلهفة:
_ أوعدني إنك هتفضل تحبني كدا لحد ما تبقى بعمر بابا.
تعالت ضحكاته قائلاً بتأكيد:
_ لحد آخر نفس خارج مني يا رحمة.
أحتضنته بسعادة فحملها بين ذراعيه لتقف على أطراف قدميه وتركت زمام الأمور له فحركها معه بهدوء وهو يشدد من احتضانها بين الحين والآخر.
بمركب بالمياه كان المصباح ينير لهم والقمر حافل عليهم. فتطلّع لتلك الحورية اللامع ثيابها بالأبيض كضوء القمر بعشق، جذب يديها بين يده قائلاً بثبات:
_ إيه الجمال ده؟
خجلت للغاية فقالت بتوتر:
_ أنت اللي عيونك جميلة يا معتز.
تعالت ضحكاته وهو يقترب ليجلس جوارها:
_ أنا عيوني جميلة عشان اختارت الجمال ده يا شروق، بدعي ربنا نكون مع بعض لآخر يوم مكتوب لي.
رفعت يدها على فمه تجبره على الصمت فقبل يدها وجذبها لأحضان والأمواج تتراطم من حولهم.
بقلبٍ صنع من الورد الأحمر والشموع كانت تجلس بسعادة وهي تلتقط الورد تشم رائحتها المميزة بسعادة مما صنعها لها معشوقها وهو بجوارها يتأملها بصمت. جذب أحدها وقربه من يدها الموضوعة على الرمال فأستدارت له بخجل شديد وهو يتأملها بعشق. رفعت يدها على يديه قائلة بابتسامة عشق:
_ ياسين.
خرج صوته أخيراً:
_ روحه.
ابتسمت وأخفت عيناها قائلة بخجل:
_ تفتكر هيكون عندنا أولاد؟
تعالت ضحكاته قائلاً بسخرية:
_ لسه متجوزين من كام يوم وبتفكري بالأولاد!
تطلّعت له بجدية:
_ عشان بحبك بفكر كدا.
تاه بعيناها فمليكة تمتلك نفس عين أخيها فجذبها لأحضانه قائلاً بعشق:
_ إن شاء الله يا قلبي، اللي ربنا عايزه هيكون. أنا أتمنى أشوف منك أولاد والحلم هيتحقق إن شاء الله بس وإحنا جنب بعض.
ابتسمت وهي بأحضان لتنعم بعشق الوجه الآخر لياسين الجارحي.
على مقربة منهم كان يركض خلفها بسعادة فحملها بين ذراعيها قائلاً بضيق مصطنع:
_ ينفع كدا يا مريم بابي هبط من الجري؟
تعالت ضحكات الصغيرة قائلة بمشاكسة طفولية:
_ خالو كان بيجري ورايا كدا، رجعني ليه أو اجري ورايا زي ما بيعمل.
تطلّع لها بزهول:
_ والله خالك ده اتظلم معانا جامد.
وحملها وتوجه لحوريته الجالسة على الطاولة بفستانها الوردي الساحر فجلس جوارها وصغيرته على قدميه. رفعت يديها تطعمها بحنان فتطلّع لها بضيق فأبتسمت وهي تطعمه هو الآخر.
رائد بابتسامة عاشقة:
_ عاملة إيه دلوقتي؟
وضعت يدها على بطنها تتحسن الجنين:
_ أخدت الأدوية وبقيت كويسة الحمد لله.
ابتسم قائلاً براحة:
_ الحمد لله، أنا عارف إن الواد ده تعبك بس يجي وهيشوف هعمل فيه إيه؟
مريم باستغراب:
_ هو مين يا بابي؟
رائد بابتسامة واسعة:
_ أخوكِ يا حبيبتي.
أجابته بطفولية:
_ هيجي منين؟
تعالت ضحكات رانيا فقال هو بصدمة:
_ مش عارف.
رانيا بتمتمة:
_ بالجراحة ما إحنا اللي بنتخدر ونتشق بطننا.
زمجر قائلاً بضيق:
_ طب أولد أنا يعني ولا أعمل إيه؟
مريم:
_ بابي قوله يجيب معاه شوكولاتة وهو جاي عشان أحبه وألعبه معايا.
_ هو راجع من رحلة، يارب ارحمني برحمتك.
قالها بغضب شديد لتسود ضحكات رانيا ومشاكسة الصغيرة.
على مسافة منهم كان يجلس أحمد وأسيل على الأرجوحة تتعالى ضحكاتهم لذكرى الطفولة، فهبط أحمد ودفشها برفق لتعلو وتهبط وتتقرب من وجهه وعيناه فقالت بابتسامة مرحة:
_ فاكر يا أحمد؟
ابتسم قائلاً بعشق:
_ هي الذكريات دي تتنسي يا أسيل؟
بادلته باهتمام:
_ أنت حبيتني من امتى؟
جلس على الأرجوحة المقابلة لها قائلاً بشرود:
_ من أول نفس ليا اتولدت لقيت نفسي بحبك، أعمل إيه بقا مجنونة.
هبطت من الأرجوحة قائلة بغضب جامح:
_ ليه بقا إن شاء الله؟
أحمد بغرور:
_ زي ما سمعتي كدا، أنا مجنون إني حبيت هبلة زيك.
جذبت البيبسي الموضوع على طاولة صغيرة ثم ألقته عليه قائلة بسخرية:
_ هبلة بقا، معلش.
ما أن أنهت جملتها حتى ركض خلفها فهرولت بضحكة كبيرة وهو يلحق بها بسعادة كأن الماضي يعاد من جديد وصداقة الطفولة تعاد ولكن تلك المرة بعشق فتاك.
***
جلست جواره واضعة قدماها بالمياه وهو يجلس جوارها. فقال بهيام بها:
_ بتحبيني يا داليا؟
رفع عيناها له بدهشة كبيرة فقالت بسخرية:
_ هو أنت لسه بتسأل؟!!
جاسم بجنون:
_ أنا كدا بحب أسمعها كتير، عندك مانع؟
أشارت برأسها وعيناها تتأمل عيناه فأبتسم قائلاً بعشق وهو يرفع يده على وجهها:
_ أنا واقع من زمان ومستني منك كلمة بأخذها بالعافية.
تذمر بغضب فألقى بها بالمياه قائلاً بضيق:
_ قولت ميت ألف مرة صوتك ميعلاش عليا.
صاحت بقوة:
_ جااااسم!
ثم قالت بصوت متقطع:
_ مش بعرف أعوم.
تذكر ما فعله وأسرع خلفها فعلت بين ذراعيه وهو يطوف بها لتلتقي العينان بلقاء مخلد بضوء القمر ونثرات الأمواج.
***
جلست جواره تضحك بقوة من صميم القلب وهو يريها صور له منذ الجامعة ومع عائلته ويقص لها كل صغيرة وكبيرة خاصة به فهو المارد الذي فعل المحال بفتك قلب ابنة الجارحي الوحيدة التي فاز بقلبها شابٍ من خارج إمبراطورية الجارحي. استمعت له وهو يقص لها كل شيء فأنغمست بالشرود لتقول بهيام:
_ بحبك.
كف عن الحديث وقال بصدمة:
_ قلتي إيه؟
وضعت عيناها أرضاً ثم رفعتها بتأكيد:
_ زي ما سمعت يا مازن، أنا بحبك.
لم يتملك نفسه فحملها بين ذراعيه وطاف بها بسعادة وهي تصرخ به قائلة بسعادة وضحكات مثيرة:
_ مجنوووون!
***
بقصر الجارحي:
كالعادة غفلت بين ذراعيه بأمان وثقة غالية لم يمتلكها أحد بزمننا هذا فهي زوجته وتحق له ولكنّه يحافظ على فرحتها بيوم حافل بالجميع ليشهد عرس مبجل يليق بها وبه. أنهى عمر ترتيل القرآن بصوته التي تعشقه نور ليجدها غفلت على ذراعيه فأغلق الإضاءة وجذبها لأحضانه يتأملها بعشقٍ مكنون.
أما حازم فجلس بغرفته وبيده رفيقه الوفى الجيتار بعدما حصل على موافقة ياسين الجارحي بزواجه من تلك الفتاة فهام بها كأنه يراها أمامه.
***
تخفى القمر خجلاً من طوفان العشق المحفز بين العشاق على شاطئ ممتلئ بقصص مسجلة بالتاريخ ولكن نهايتها موحد تحت مسمى العشق القاتل فأمبراطورية الجارحي ليست ثروة ومال بل عشق وأخلاق ومبادئ تزينها القيم التي زرعها ياسين الجارحي ويحيى الجارحي وعاونهم الجميع الأمهات. لتُزف للعالم قصص عشاق مختوم بعشق وريحان.