اختفت شروق خلف الباب وظلت نيرة تحدق بي كأنني مجرم. "إيه اللي عملته ده؟ " همست ببرود. "عملت إيه بالظبط؟ "خرجتك من السجن؟ جريت وراكي في أقسام الشرطة؟ اثبت برائتك وضيعت وقتي وجهدي؟ " ثم أخرجت لفافة تبغ وأشعلتها واردفت. "كل ده وأنا معرفكيش!! "يعني هي البوسة اللي هتخليك تعرفني يا عوني؟ ألقيت بجسدي على الأريكة. "اسمعي، أنا مش فاضي لكلامك التافه ده." "بتسمي تحرشك بيا كلام تافه يا عوني؟ أنت اغتصبت حرمة جسدي!
بطرف عيني لمحت يدها المرتعشة التي تتحرك بتوتر. "اعتبريها أتعاب القضية يا نيرة، ومتتوهينيش." ارتفع صوت نيرة بغضب. "أنا محدش يجبرني على حاجة يا عوني غير لما أكون عايزاها. لا أنت ولا غيرك ليه حق يلمسني غير بإرادتي." "نقطيني بسكاتك والنبي يا نيرة، خليني أشوف هعمل إيه مع شروق ونخلص من أم الفضيحة دي." "يااه، أنت شايفني صغيرة أوي يا عوني؟ صغيرة لدرجة إني مجرد تابع ذليل؟ "أيوه، أنتِ تابع ذليل يا نيرة."
أطلقت نيرة ضحكة فجائية مجنونة. "عوني، أنا مستمتعة جداً وعايزة أرقص." أكره التحولات السريعة. ترعبني. فشخص كان يبكي ثم أطلق ضحكة. شخص لا يمكن توقع أفعاله. كنت متكئاً على الطاولة، أضع قدماً على قدم، عندما التفت نيرة من خلفي. "أنا داخلة أنام يا عوني، لو عايز تقعد براحتك، عايز تنام على الكنبة لحد الصبح براحتك، لكن إياك تدخل غرفتي، أنا بحذرك." انقطع التيار الكهربائي أكثر من خمس دقائق ثم عاد. كانت نيرة قصدت غرفتها حينها.
قلت: "خلاص، أنا هروح." وأنا بحط إيدي في جيبي أطمئن على مفاتيح شقتي. خبطت في الدفتر اللي سرقته من شقة شروق. بفضول فتحت الدفتر الذي كانت بداخله رسالة مطوية. الرسالة: "عوني، أنا آسفة. لكنك كنت جزءًا من كل ده منذ البداية، حتى لو لم تدرك ذلك. أنت لم تكن تحمي الحقيقة، بل كنت تحمي ظلالها، والظلال دائماً ما تكون أعمق مما نراه.
لقد كنتَ تبحث عن القاتل، لكن القاتل كان يجلس أمامك طوال الوقت. تلك الليالي التي كنت تظن أنك تنقذني فيها؟ كنت أنا أراقبك، أدرس تحركاتك، وأوجهك نحو ما أريدك أن تراه. كنت أفضل وسيلة لتغطية أثري، فبوجودك، لن يشك أحد فيَّ. حمدي؟ أحمد؟ أسامة؟ كلهم كانوا أهدافاً ضرورية لتكتمل اللوحة. أنا لم أكن أقتلهم فقط، بل كنت أمحو ماضٍ كان لابد أن يُدفن.
حمدي كان أداة انتهت صلاحيته، وحتى أسامة… كانوا جميعاً أحجاراً على رقعة شطرنج لعبتها بإتقان. عوني، اللعبة انتهت. الآن، أنت تعرف، لكن المعرفة لن تفيدك، لأنني تركت لك هدية أخيرة… الوقت الآن ليس في صفك." جلست على الأريكة، أحاول استيعاب الموقف. عيناي تجولان في الشقة، لكن شيئاً جديداً لفت انتباهي. على الحائط المقابل لي ظهر وشم الثعبان المجنح محفوراً بوضوح، كأنه كان هناك طوال الوقت ولم أراه.
فجأة، شعرت بشيء بارد على رقبتي. التف خيط حول عنقي. خيط متين. ثبتت نيرة قدميها في الطاولة وجذبت الخيط إلى الخلف. شعرت بنفسي أختنق. دفعت يدي تحت الخيط. "اضحك يا عوني، مالك ساكت ليه؟ لما صرخت نيرة، خرجت شروق من غرفتها تحمل مسدساً. في عينيها نظرة مرتابة. "كتفوه كويس يا نيرة." "عوني؟ لو قاومت أنت عارف كويس هيحصل إيه؟ خليك هادي وبارد زي ما كنت طول عمرك."
تركت نيرة الخيط وهي ترمقني بسخرية وأحضرت حبلاً وقيدتني بالمقعد. ثم جروني تجاه الجدار العاري المرسوم عليه شعار الوشم. ونزعوا ملابسي العلوية حتى بان صدري. أصبحت في مواجهة الوشم. أحضرت نيرة طاولة واطئة ووضعت عليها أدوات الرسم. ثم قربت مقعداً مطلياً بالأزرق عليه شعار الثعبان.
ثم جلست هي وشروق أمامي، تدخنان لفافة تبغ. وكن مرتديات تنانير ضيقة قصيرة باللون الأحمر، وقمصان لامعة بيضاء، أحذية سوداء، وشعرهن ضفيرة طويلة خلف ظهورهن. حواجبهن مرسومة بعناية، وأقراط بشكل ثعبان في أذنيهن. كانتا تحدقان بي في استخفاف. "شروق، هاتي سيجارة عشان شكل القعدة هتطول." أطلقت نيرة ضحكة طويلة وهي تقول بنبرة متقطعة: "مجنون فعلاً. عوني، أنت مش خايف من الموت؟
"هاتي سيجارة يا شروق، اخلصي. ده حتى المحكوم عليه بالإعدام ليه رغبة أخيرة." دفعت شروق سيجارة في فمي وأشعلتها. "إحنا هنستنى كتير؟ "تقصد إيه يا عوني؟ "أقصد الوشم وكده يا نيرة، إني كده ممكن أبرد." ثبتت شروق نظرة غريبة على وجهي. "على فكرة، لو خفت شيء عادي يعني، مش هنقول عليك جبان. لكن طريقتي دي مقرفة ومش هقدر أستحملها كتير." "اهدّي يا شروق، عوني مختلف شوية."
"لا مختلف ولا نيلة يا نيرة، كلهم زي بعض وأنا عارفة كويس هيبدأ في الصراخ إمتى." "أنتِ مجنونة يا بت؟ " وأطلقت دفعة من الدخان الأزرق في وجه شروق. صفعتني شروق على وجهي بقلم محكم. "حلوة كده يا عوني، صح؟ عامل نفسك سي السيد؟ كل راجل عامل فيه سي السيد، لكن أنت عايش الدور أوي يا عوني أكتر من أي حد. مع إنك إنسان قذر، فوضوي، وضعيف." ابتلعت قطرة دم بلساني وكانت السيجارة سقطت من فمي على الأرض.
"نيرة، هاتي السيجارة." خاطبتها بنبرة آمرة. انحنت نيرة تمسك السيجارة، لكن شروق صرخت فيها. "أنتِ بتعملي إيه؟ بتنفذي أوامره؟ تراجعت نيرة خطوتين للخلف بطاعة عمياء. "ثبت عينك عليهم، اللي هيحط السيجارة في بقه هأخر موته شوية. أصل أنا ناوي أستمتع بيكم الصراحة، من زمان وأنا بخطط للحظة دي." صفعتني شروق مرة أخرى. "خطط كويس يا عوني، عايزك تخطط تمام." أطلقت ابتسامة ساخرة. "عارفة يا شروق أنا هعمل فيكي إيه؟ "هتعمل إيه يا عوني؟
"هعمل فيكي اللي عمله الأخيونيين في نساء طروادة." شهواني، قذر. ورن القلم على وجهي. "أنا ممنوعة على الضعف يا ابني، أنا شروق." بصقت على الأرض تحت قدمي شروق. "إحنا هنستنى كتير؟ أنا مليت من الحفلة دي؟ "أنا مستني الزعيمة اللي مشغلاكم، هتوصل إمتى؟ "زعيمة؟ أنت عرفت إزاي؟ " همست نيرة بقلق. "عوني مش غبي يا نيرة." همس صوت. ومعه انفتح باب غرفة شروق وخرجت منه الفتاة المنقبة التي رأيتها أكثر من مرة.
"هلا بالزعيمة، أنا كنت مستنيكي من زمان ومش راضي أعمل حاجة غير لما توصلي." "هتعمل إيه يعني؟ " وصفعتني شروق صفعة قوية. "قلت لك متعصبنيش." سحبت الفتاة المقعد وأمسكت بأدوات الوشم وراحت ترسم على صدري. "هو أنا مش هشوف وشك؟ "لو شفت وشي هتتصدم يا عوني، خليك كده أحسن. أصل اللي بيشوف وشي بيعيش طول عمره في رعب." "وفيه رعب أكتر من كده يا آنسة؟ أطلقت شروق ابتسامة باردة جداً. "سيبوني أشق صدره بالسكين ونرتاح منهم."
"مع كل حماقة ترتكبيها يا شروق، أوعدك عقابك بيزيد باستمرار. أنا بحترم المجرم اللي بيحترم نفسه. بصي لزعيمتك، تعلمي منها." كانت نيرة جالسة في ركن الصالة متقوقعة على نفسها تتابع بصمت. ثم بعد لحظات أخرجت الهاتف من سترتها الصوفية. عبرت الرمز السري بمهارة، عاينت قائمة الاتصالات. "عوني، أنت اتصلت بالرقم ده إمتى؟ "وده مين أصلاً؟ قبل أن تصرخ بغضب: "ومشغل خدمة GPS من إمتى؟
"للأسف مش هقدر أرد على أسئلتك يا نيرة، لأن الشرطة دلوقتي طالعة السلم." توقفت الفتاة المنقبة عن العمل وأطلقت نظرة تجاه شروق، ثم تجاه نيرة. نهضت نيرة. "سيبوا كل حاجة، هنفعل الخطة البديلة." "عايزة أقتله." همست شروق. "سيبيني أقتله." "قلت سيبوا كل حاجة في مكانها." ثم مسحت التسجيلات كلها من على هاتفي، وطمست الوشم على الجدار، وأحرقت الدفتر. "الباقي كله كلام في مسرحية، هيضحك عليه المتفرجين، لكنه مجرد كلام."
"ما قتلتموهم ليه، ممكن أعرف؟ " همست نيرة. "كل واحد فيهم كان عنده ألف سبب عشان يتقتل." ثم فتحت الشرفة. ألقت نظرة على الشارع، وقالت: "القتل مش لازم يكون ليه سبب على فكرة. أنا مثلاً بحب الحاجات اللي بتحصل قبل القتل." بعدها اقتربت مني وقبضت على شفتي بقبلة طويلة عميقة. لما انتهت همست: "واو." وهزت شعرها فأرتعشت جديلتها الطويلة. "يلا احرقوا الشقة، كل واحدة فيكم عارفة هتعمل إيه كويس."
أخرجت شروق قارورة بنزين، رشّتها قرب الستائر والسرير. "إيه رأيك في النار يا عوني؟ " همست نيرة قرب أذني. "قلت النار مش طريقتكم ومش هيكون فيها أي متعة. لما تغيروا طريقتكم، أنا متأكد من كده." "شطور يا عوني خالص. مش قلت لك أنت تعجب؟ بس مش عارفة شروق مش طايقاك ليه؟ " ثم صوبت عينيها على شروق. "مش أنا سبت لك مدحت؟ "كان ممكن تسيبلي عوني شوية." لفتني نيرة حتى احتضنت ظهري وشعرت بقلمها يتحرك فوق ظهري.
"لن أكون رهينة أي كائن مهما كان." دفعت المقعد بكل قوتي. سقطت وسقطت نيرة على الأرض. "بتعصبني ليه يا عوني؟ ها؟ "ليه بتعصبني وتخليني أستخدم معاك أسلوب المجرمين؟ " جرتني من شعري على الأرض نحو السلم. وشاهدت بعيني الشقة تشتعل. بعدها دفعوني في المقعد الخلفي لسيارة جيب لم تركبها سوى شروق. واختفت نيرة والفتاة الأخرى. "أنت هتكون ضيفي يا عوني اليومين اللي جايين أو الشهرين اللي جايين. أصل حصل تغيير في الخطة."
"نيرة ولبنى طلبوا مني أقتلك، لكن أنا هحتفظ بيك لنفسي شوية. أصل الحياة بقت مملة جداً." وصل فتحي معاون المباحث الشقة بعد فوات الأوان. كنت اتفقت معه على كل شيء. وقمت بتسجيل المكالمات. ولا أعرف لما تأخر كل هذا الوقت. لو كان حضر في موعده لكانت شروق ونيرة والأخرى في السجن. "نسيت أقول لك يا عوني." همست شروق بعد ما سمعت صافرة الشرطة. "فتحي بيه اضطر يتأخر شوية. أصل جاله اتصال من مجهول بيقوله إن ابنه اتخطف."
"شغل عيال يا عم، قام راح جري يشوف ابنه وسابك أنت يا عوني." "طبعاً، وكل ده من حسن حظي. وبعد ما كل الأدلة اتحرقت أو اتلفت، كل مجهوداتك راحت أونطة." شعرت بغيظ دفين. حركت القيد في يدي. كان القيد مرخياً. عندما حررت نفسي، قبضت على شروق من عنقها. "عارفة الثعبان بيموت إزاي يا شروق؟ بيتخنق من رقبته." "سيبني يا عوني، العربية هتقلب. هنموت إحنا الاتنين."
ضغطت شروق فرامل فجائي ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أطير في الهواء من زجاج السيارة وأسقط على الأرض وأنا مدرج في دمائي. مرت على عقلي العديد من الذكريات والصور. كان آخرها وجه شروق وهي تركض مبتعدة، تعرج على قدمها… بعد أسبوع في العناية المركزة. "الحمد لله على سلامتك يا عوني. أنا كنت فاكر إنك مت." "رأيت النجوم." وأشرطة الشرطة تلمع فوق كتفه. "أنت مين؟ "مش عارفني يا عوني؟ " شعرت بصداع يأكل عقلي. "مش عارف الصراحة."
"أنا معاون المباحث يا عوني، أنت كنت متفق معايا على كل حاجة عشان نقبض على المجرمين. لكن أنا اتأخرت غصب عني." "مجرمين مين يا باشا؟ "عوني مصاب بفقدان متأخر للذاكرة يا حضرة الضابط." همس الدكتور وهو يدلف إلى الغرفة. "وده ملوش علاج يا دكتور؟ "للأسف نسبة استعادة الذاكرة قليلة جداً، لكن مش مستحيل." "هو هيعيش حياته عادي جداً، لكن الماضي اتمسح من عقله." ضرب معاون المباحث يد على يد وهمس: "لا حول الله، يعني مفيش فايدة؟ "لا."
أدرك معاون المباحث أن قضيته قد انتهت. وطلب من الطبيب أن يهاتفه في حال استعاد عوني ذاكرته وأن يسجل عنده عنوان سكنه الجديد. بعد أن رحل معاون المباحث، دخلت ممرضة إلى غرفة العناية المركزة. "بص الدكتور على عوني. الممرضة نيرة اشتغلت عندنا جديد من أسبوع وهي اللي هتابع حالتك." "باين عليها هتكون ممرضة شاطرة."
"إحنا حاولنا نتواصل مع عائلتك، لكنك مقطوع من شجرة. من حسن حظك إن فيه واحدة اسمها شروق بتقول إنها قريبتك من بعيد. هي مصابة في رجلها ومقدرتش تطلع غرفة العناية المركزة، لكنها هتاخدك بيتها لما حالتك تتحسن." "أنا مدير المستشفى يا عوني، وطبعاً مش هقدر أتابع حالتك باستمرار. عشان كده دكتورة لبنى هتابع حالتك مع نيرة." دلفت لداخل الغرفة فتاة منقبة. ألقت التحية. "عامل إيه يا عوني؟ أنا هكون الدكتورة بتاعتك لحد ما تخف."
انصرف مدير المستشفى تاركاً عوني مع ممرضة مبتسمة وطبيبة غامضة الملامح تبتسم بسخرية تحت نقابها. انتهت
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!