الفصل 19 | من 21 فصل

رواية الوشم السائر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
19
كلمة
1,943
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

وقفت شروق في منتصف الغرفة، نظرتها كانت مزيجًا بين التراخي والاستفزاز. الوشم الذي لمحت جزءًا منه كان كافيًا ليشعل كل إنذارات الخطر في رأسي، لكنني تظاهرت بالهدوء. "شروق، الوشم اللي عندك… شكله حلو،" قلت بنبرة عابرة وأنا أنفث دخان سيجارتي. "ممكن أشوفه؟ أطلقت شروق ابتسامة عريضة، واللمعت عينيها ببريق من الجمال الآخاذ. "بتزعم إنك عايز تشوف الوشم ولا حاجة تانية؟ ثم رفعت شروق حاجبها بدهشة مصطنعة. "الوشم؟

ده قديم جدًا، من أيام الجامعة. مجرد ذكرى غبية." ابتسمت بخفة. "غريب إنه يكون نفس الوشم اللي بنلاقيه على جسم المقتولين؟ شروق تجمدت لجزء من الثانية، أطلقت نظرة خاطفة نحو نيرة، ثم ضحكت. "بجد؟ طيب ده معناه إن اللي بيقتلهم عنده ذوق فني زيي." "أو يمكن أكتر من مجرد ذوق؟ " قلت وأنا أحدق في عينيها المتحديتين، عينيها التي أرغب في التهامها مثل سمك البربون المقرمش.

شروق اقتربت وجلست على طرف الطاولة أمامي، متكئة بيدها على الطاولة، مانحة إياي إطلالة فاخرة على مؤخرتها، تنظر إلي كأنها تتحداني. "إنت بتحاول تقول إيه يا عوني؟ " همست. "أنا مش بحاول أقول… أنا بحاول أفهم." "تفهم إيه؟ "كل اللي حوالينك بيموتوا بنفس الطريقة، زوجك، عشيقك، وعندك نفس الوشم. المصادفة دي غريبة جدًا، مش كده؟ شروق لم تفقد هدوءها، بل انحنت للأمام قليلاً وقالت بصوت ناعم لكنه مفعم بالتحدي: "إنت شاكك فيا، يا عوني؟

"ثم مدحت مش عشِيقي ده كان مجرد تجربة اعترضت طريقي." "لكن إنتي قولتي إنه عشيقك يا شروق." "كان بيعشقني لكن عمره ما لمسني. يمكن أكون غلطانة، لكن الست بتحب تكون مرغوبة. ولما مش بتلاقي كده من جوزها بتحب تبحث عنه في أي حتة. عارف يا عوني،" ثم صمتت شروق، "لكن إنت مش متجوز، هتفهم إزاي؟ "كل زي بعضه في الآخر. خدها مني حكمة يا عوني: تختلف أشكال الفاكهة وطعمها، لكن التأثير يظل واحد." ابتسمت بتركيز.

"أنا ما بشكش… أنا بحاول أجمع الأدلة." ضحكت شروق بصوت مرتفع، ثم قالت: "يا سلام! ومين اللي قال إنك محقق ولا قاضي؟ "أنا مش محقق… أنا مجرد واحد بيكره يشوف الدم حواليه." شروق وقفت فجأة، نظرتها كانت مزيجًا بين الضيق والتهكم. "طيب، طالما الدم بيزعجك، ليه مش تسيب القصة دي وتعيش حياتك؟ "لأن القصة دي ما بتسيبنيش، يا شروق. والدم دايمًا ليه ثمن."

شروق تقدمت نحوي بخطوات بطيئة، حتى وقفت أمامي مباشرة، ثم انحنت قليلًا، وجهها قريب من وجهي. "طيب اسمعني، يا عوني. فرضا مثلا لو أنا لو قتلتهم، هيكون عندك دليل؟ نبرة صوتها جعلت شعري يقف، لكنها لم تمنعني من الرد. "الدليل ممكن يكون موجود، وممكن يظهر في أي لحظة. القتلة دايمًا بيتركوا أثر." ابتسمت، ابتسامة مليئة بالثقة والغموض، ثم قالت بنبرة مزاحية.

"أنا مش زي القتلة اللي تعرفهم، يا عوني. لو عايز تلعب، العب، بس خلي بالك… مش كل الألعاب ليها نهاية سعيدة." ثم استدارت وغادرت الصالة، تاركة وراءها هدوءًا ثقيلًا كأنه ينذر بعاصفة قادمة. نظرت إلى نيرة التي كانت قد انكمشت على نفسها في زاوية الغرفة، وجهها شاحب كأنها شاهدت شبحًا. "شايفه؟ " سألتها بهدوء. "شايفه، يا عوني… شروق مش إنسانة عادية." نهضت من مكاني وأطفأت السيجارة في المنفضة.

"وأنا مش ناوي أتعامل معاها كإنسانة عادية." أدركت أن الليلة لم تعد مجرد مواجهة مع شروق، بل كانت بداية حرب… حرب لا أملك فيها رفاهية الخسارة. الحيرة تلد الغموض، والغموض يلد أسئلة، والأسئلة تلد الشك، والشك… هو بداية السقوط في الهاوية.

كانت الغرفة تشبه فخًا شُدّت حباله للتو، الهواء كان أثقل مما ينبغي، كأن الأنفاس تتعلق به دون أن تجد طريقها للخروج. نيرة ظلت في زاويتها، وعيناها متعلقتان بي وكأنها تنتظر مني تفسيرًا لكل ما يحدث، لكنني كنت أحتاج التفسير بنفسي. أشعلت سيجارة جديدة، ووقفت أمام النافذة المفتوحة. نظرت إلى المدينة الممتدة تحتنا، أنوارها تلمع كأنها وشم آخر، محفور على وجه الليل. "نيرة، الوشم اللي على صدر الضحايا… شكله نفسه اللي على شروق؟

بالضبط؟ هزّت رأسها بتردد، ثم قالت: "مش عارفه، بس اللي شفته عندها نفس الثعبان المجنح، وأعتقد إنه بنفس التفاصيل." "تفاصيل زي إيه؟ "الأجنحة… طويلة ومفتوحة بالكامل، والثعبان ملفوف حول وردة وكأنه بيحميها أو… بيختنق بيها." توقفت عن الكلام، وكأنها تخاف أن تضيف شيئًا آخر قد يثقل كاهل الغموض الذي يحيط بنا. "غريب." قلت وأنا أنفث الدخان ببطء. "الأجنحة مفتوحة بالكامل، والثعبان بيختنق؟ شكلها مش مجرد وشم عشوائي." "تفتكر ليه؟

" سألت نيرة بصوت ضعيف. ابتسمت، نصف ابتسامة تشبه خدعة أكثر مما تشبه راحة. "الرموز، يا نيرة. الوشوم دي نادرًا ما تكون زينة بس. دايمًا بتخبّي حاجة." "زي إيه؟ "زي رسالة… أو توقيع." نيرة تقدمت نحوي، وكأنها تخشى أن تقترب أكثر من هذه الأسرار. "يعني شروق… ليها علاقة بكل ده؟ "مش مجرد علاقة، يا نيرة. شروق ممكن تكون المفتاح أو الباب. السؤال هو… الباب ده بيفتح على إيه؟ صمتت نيرة للحظات، ثم قالت:

"بس… لو كانت شروق فعلاً ورا كل حاجة، ليه هي لسه هنا؟ ليه ما هربتش؟ "سؤال جميل." التفتُ نحوها وابتسمت بخفة. "ليه يهرب حد لما يكون هو اللي ماسك الخيوط كلها؟ الهروب للضعفاء، لكن شروق… شروق امرأة قوية جدًا، امرأة قادرة على الفتك بأي متطفل أو وسيط. فكرت، أو أي شخص يدخل حصنها." نيرة جلست على الأريكة، واضعة يديها على رأسها. "عوني، الموضوع ده أكبر مننا، إحنا لازم نهرب… شروق مش بني آدم طبيعي." ابتسمت ببرود وأنا أطفئ السيجارة.

"الهروب مش في قاموسي، يا نيرة. بعدين إنتي هتخافي من اختك؟ رفعت عيني نحو باب الغرفة التي دخلتها شروق، خلف هذا الباب، كانت هناك أسرار تتربص، وأسئلة تحتاج إجابات. لكن السؤال الأكبر كان يضغط على عقلي بثقل. هل شروق هي الحية؟ أم مجرد زهرة يلتف حولها الثعبان؟ الغموض لا يحتاج إلى أدلة مادية بقدر ما يحتاج إلى كلمات تنساب كالماء وتلتف حول العقل كالأفعى.

حين خرجت شروق من غرفتها، كان الجو مشحونًا، كأنها كانت تحمل معها شيئًا غير مرئي، ثقيلًا لدرجة أن الغرفة بدت وكأنها ضاقت بنا. "سهرتك حلوة، عوني؟ " قالتها وهي تسير ببطء، حافية القدمين، صوت خطواتها على الأرضية يشبه دقات قلب بالكاد يُسمع. "يُبهرني شروق مع كل افتعالة حركية تصنعها، كان لها قدمين بالغتي الدقة مثل المعادلات الرياضية." "الليلة طويلة، وشروقها غريب،" أجبت وأنا أتابع خطواتها بعينين يقظتين.

جلست على طرف الأريكة، تقلب كوبًا فارغًا بين يديها وكأنها تبحث فيه عن إجابة لسؤال لم يُطرح بعد. "الطول مش في الوقت، يا عوني. الطول بيكون في اللي بنشيله جواه." رفعت حاجبي قليلًا. "وده تفسير من واحدة عارفة؟ ابتسمت، ابتسامة بطيئة كأنها تتذوقها قبل أن تظهر. "مش شرط أكون عارفة كل حاجة، بس أكيد فاهمة اللي محتاج تفهمه." أشعلت سيجارة ببطء، محاولًا كسر هالة الثقل التي خلقتها كلماتها. "فهمي بيبدأ لما ألاقي اللي بدور عليه."

"واللي بتدور عليه… هو إيه بالظبط؟ نظرت إليها، عيناي تتفحصان وجهها بعناية. "إجابات." "إجابات؟ " ضحكت، ضحكة قصيرة خالية من الفرح. "الإجابات يا عوني مالهاش قيمة من غير الأسئلة الصح." "طيب، هسألك سؤال صح،" قلت وأنا أنفث الدخان ببطء. "ليه كل الضحايا كان عندهم نفس الوشم؟ الثعبان المجنح؟ لم ترد على الفور، بدت وكأنها تفكر في صياغة كلماتها بعناية، ثم قالت بهدوء: "يمكن لأنهم كانوا جزء من نفس الحكاية." "وحكايتك إيه فيها، شروق؟

ابتسمت مرة أخرى، لكنها لم تكن ابتسامة مريحة. "أنا؟ أنا مجرد شاهد. وبالمناسبة، الشاهد دايمًا بيشوف أكتر من اللي بيسأل." "أكتر؟ زي إيه مثلًا؟ وضعت الكوب الفارغ على الطاولة، وقربت وجهها مني قليلًا. "زي إنك مش بتدور على وشم، ولا ضحايا، أنت بتدور على حاجة جوه نفسك، عوني. حاجة مش عارف هي إيه، بس أنا عارفة." "طبعًا إنت عارف إن أنا بهزر معاك يا عوني، مش كده؟ أنا بس بحاول أرد على تلميحاتك."

شعرت ببرودة تسري في عروقي، لكنني لم أظهر ذلك. "وأنا هدور لحد ما أعرف." "هتعرف… بس مش من المكان اللي متوقعه." قامت واقفة بخفة، ثم استدارت نحو الباب. "الليل لسه طويل، يا عوني، وكل ما تعتقد إنك قريب، هتلاقي نفسك أعمق في المتاهة." "وشروقها غريب، صح؟ " سألتها بنبرة ساخرة. التفتت نحوي، وعيناها تلتمعان كأنهما تحملان أضواء مدينة كاملة. "شروقها مش غريب… شروقها دايمًا بييجي متأخر."

ثم غادرت الصالة تاركة وراءها صمتًا ثقيلًا… وكلمات عالقة في الهواء، مثل دخان سيجارة لم تُطفأ بعد. وقبل أن تصل الباب وقفت واستدارت نحوي وكانت عينيها تبحث عن نيرة. "هي نيرة فين؟ مش شايفاها؟ "قلت يمكن في غرفتها." "هي نيرة مش عاجباك؟ " ثم رفعت حاجبها بأستنكار، خالقة ابتسامة. "أنا الشريرة في قصة أحدهم يا عوني. وأنا الوردة الذابلة التي قطعها أحدهم قبل الأوان."

ثم تراجعت خطوات وهي تمشي ببطء حتى لامست يدها خدي، لمسة باردة طاغية الأنوثة. وعندما سعلت نيرة من بعيد، رفعت شروق يدها بسرعة ودخلت غرفتها وأحكمت غلقه خلفها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...