عمي الثاني دا بقي كان ليه حكاية مختلفة شوية. كان أغنى واحد فيهم، ودا لأنه كان بيحب شغله جداً ومقتنع بيه. كان عنده ولدين وبنت، وزوجته عايشة. أولاده في جامعات خاصة، وزوجته جميلة جداً، شكلها أصغر من سنها.
مفيش حاجة في حياته فيها غلطة واحدة. مفيش مشروع أو شراكة مع حد إلا وينجح فيه ويكون ملكه. كان بيشتغل في أي حاجة وفي كل حاجة. كان بيشتغل عنده الآلاف من العمال، رجال ونساء وشباب، وكمان أطفال أعمارها بتبدأ من بعد 12 سنة. زي ما اتفقنا، بيشتغل في أي حاجة وفي كل حاجة. مشاريع صغيرة ومشاريع كبيرة، شركات ومصانع، عمارات وفيلل. أفخم السيارات كان بيمتلكها، رصيد في البنوك بأعداد لا تُعد ولا تُحصى.
كل الناس كانت واخداه قدوة. من جهة، بيشتغلوا عنده بمرتبات مش موجودة عند حد غيره. ومن الجهة الأخرى، ماسك السبحة مش بيسيبها من إيديه لحظة. عمي برغم دا كله، إلا إنه ما تابش من اللي عمله في والده. ما فكرش يرجع لربنا، يطلع صدقات على روح والده، ما ندمش مرة. ما هي كل حاجة متوفرة عنده. حابب الدنيا لدرجة ولا في الخيال، ماسك فيها بإيديه وأسنانه، مش بيعمل لليوم اللي هيقف بين إيدين ربنا فيه. كل يوم عن يوم بيتغر في الدنيا أكتر ويتمسك بيها أكتر وأكتر.
ولكن يشاء القدر إن عمي دا يُصاب بمرض خطير جداً، والعياذ بالله منها. قرب الناس ليه كان بينفر منه من بشاعة رائحته. لا مال نفعه، ولا بنون، ولا زوجته. الكل اتخلى عنه. صرف كتير جداً على علاجه، سافر للعلاج برا ورجع بنفس النتيجة. مفيش حد في القصر بقي قادر يدخل عنده. بقي منعزل في غرفة لوحده، عايش وحيد فيها. حتى الخدم كانوا بياخدوا ضعف المرتب عشان يدخلوا عنده، ولكن مش دايماً كانوا بيطيعوا. كانوا بياخدوا المرتب ويقولوا بيدخلوا وهما مش بيسألوا فيه حتى.
وفي يوم من الأيام، عمي من شدة الألم وإحساسه بالوحدة، قام بصعوبة من على سريره وسجد على الأرض. كان بيبكي بقوة. الكل كان سامع صوته وهو بيستغيث وينادي: "يارب، أنا عارف إني ظلمت أبويا واتعاقبت. مفيش مال نافع ولا أي حاجة. حتى أولادي خايفين يدخلوا عندي. وزوجتي اللي عملت ليها كل حاجة ترضيها وعمري يوم ما زعلتها ولا قسيت عليها، كانت أول اللي اتخلوا عني." وينادي بأعلى صوته ويقول: "يارب".
وزوجته وأولاده واقفين قدام باب غرفته ومندهشين من اللي بيسمعوه. اعترافات تقشعر لها الأبدان. منهم: "معقول أبوهم اللي الناس كانت بتاخده قدوة يطلع بالوحشية دي؟ آخر حاجة قالها إن هو عارف إنهم واقفين وسامعينه ومش عايز منهم غير يسامحوه ويدفنوه، ولكن ما كملش. ولا حدد يدفنوه فين. صمت اتملك المكان لدقائق. اندهاش، تعجب من اللي سمعوه. مستحيل يكون الكلام دا حقيقي.
بعد شوية، دخلوا وشافوه واقع على الأرض ومتوفى. عمي صارع كتير أوي مع المرض في آخر أيامه. اتعذب جداً. كل الناس اتخلت عنه، حتى أقرب الناس ليه. لا نفعه مال ولا بنون ولا حتى زوجة. مات قبل حتى ما يقول وصيته هيتم دفنه فين. متخيلين الموقف؟
شخص غني جداً معاه أموال تتعمل مراتب كدا ينام عليها أعداد رهيبة من المال، بس مش نافعاه في حاجة. مش كل أعمامي اتوفوا، لا، دا في منهم اللي عايش بس عايش بيتعذب، تعبان، ودول ليهم قصة مختلفة. هنكمل باقي. بعد وقت مش كتير، تم دفن عمي في قبر لوحده. أنا على ما أعتقد إن كانت وصيته يتدفن جنب جدي. ولكن بعد اللي أولاده سمعوه، دفنوه في مكان تاني خالص بعيد عن جدي بمسافات.
القصر اللي هو كان عايش فيه اتهجر، وأملاكه اللي جمعها طول حياته أولاده أخدوها وكملوا حياتهم عادي من غيره. حتى ذكرياته اتمحت. مفيش حد بيذكره ولا بخير ولا بشر. وقفلوا الكلام في موضوع إزاي جدي اتوفى. ما انتهتش الحكاية، ولكن بيذكرها واحد من الثلاثة الباقيين بالحرف الواحد، وتبدأ حكاية مختلفة لعمي الثالث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!