صباح اليوم التالي…
جلس فارس أمام والدته وقال:
” خير يا ست الكل …؟!
أخبرتني الخادمة أنك تريدينني …”
” كل خير يا بني …
أريد أن أحدثك في موضوع مهم قليلاً …”
قطب فارس حاجبيه متسائلاً بحيرة:
” موضوع ماذا …؟!
تحدثي …”
أجابته صفية وهي تربت على كف يده:
” ريم …”
” ما بها …؟!”
” هل يرضيك وضعها الحالي …؟!”
” ماذا تقصدين …؟!”
تحدثت الأم موضحة مقصدها:
” إنها لم تتزوج حتى الآن يا فارس ….
وهذا كله بسببك …”
تراجع فارس إلى الخلف مذهولاً:
” وما علاقتي أنا بهذا يا أمي …؟!”
تنهدت الأم بقوة وقالت:
” لا أحد يقبل الزواج بها كونها مطلقة …
أنت تعرف طبيعة الرجال هنا …
لا يقبلون الزواج بامرأة مطلقة وإن كان عقد قران فقط ..”
اعترض فارس حديث والدته:
” ماذا تقولين يا أمي ..؟!
هل أصبحت أنا السبب في عدم زواجها …؟! ”
” اسمعني جيداً يا فارس ….
المشكلة ليست هنا فقط …”
” إذا أين تكمن المشكلة بالضبط …؟!”
أجابته صفية:
” ريم تعاني من مشكلة في الرحم …
يجب أن تتزوج وتنجب قبل سن الأربعين …
وهي في الثلاثين من عمرها …
فرصتها للزواج شبه معدومة …
هي من حقها أن تتزوج وتنجب أطفال ..”
صمت فارس وأخذ يفكر في حديث والدته بجدية قبل أن يقول:
” ومالذي يثبت لي صحة كلامك…؟!”
شهقت الأم بعدم تصديق:
” هل تكذبني يا فارس …”
فارس بسرعة:
” حاشا لله يا أمي …
لكن أنا لا أثق بكلام خالتي …
قد تفعل هذا فقط لأتزوج ابنتها …”
” خذها إلى الطبيب بنفسك وتأكد من كلامها ولكن بشرط …
إذا تبين أن كلامها صحيح فأنت عليك أن تتزوجها كونك السبب الرئيسي في بقائها بدون زواج إلى الآن …”
” ولكن يا أمي أنا متزوج بالفعل …”
صفية باعتراض:
” وهل تحسب زواجك هذا بزواج ….
لمار مجرد طفلة لا تفهم شيئاً …
هي لا تصلح لأن تكون زوجة …
أنت بحاجة لزوجة حقيقية …”
فارس بعدم اقتناع:
” لا أعلم …
قد يكون كلامك صحيحاً ولكن …”
” جميع رجال القرية متزوجون من اثنين وثلاثة ويعيشون حياة هادئة وسعيدة ….
مالذي ينقصك لتفعل مثلهم ….؟!”
زفر فارس أنفاسه بإحباط بينما أخذت صفية تربت على ذراعه وهي تقول:
” وافق يا فارس…
وافق من أجلي …”
إلا أن فارس قال منهياً الحديث:
” يجب أن أفكر جيداً يا أمي ….
أنا لن أتخذ قراراً كهذا بهذه السرعة…
كما أنني يجب أن أتأكد من صحة كلام خالتي وريم …”
” كما تريد …”
قالتها صفية بإمتعاض بينما تحرك فارس خارج المكان وهو يفكر في كلام والدته بجدية.
***
مساءً …
كان الجميع يجلس على طاولة الطعام حينما تقدمت لمار منهم وألقت التحية ثم جلست بجانب فارس وبدأت تتناول طعامها بصمت …
كانت صفية تراقبها وهي تتناول طعامها بشرود حينما حدثتها قائلة:
” لمار ابنتي…
ضعي الطعام لزوجك …
أرى أنه لا يتناول الكثير …”
نقل فارس بصره بين والدته ولمار التي قالت:
” ولما لا يضع هو الطعام لنفسه …؟!”
ردت صفية:
” عندنا السيدات يطعمن أزواجهن بأنفسهن …
ثانياً لا تردي علي …
نفذي كلامي دون نقاش …”
زفرت لمار أنفاسها بضيق ثم بدأت في وضع الطعام أمام فارس الذي لم يفتح فمه بكلمة واحدة …
انتهى الجميع من تناول الطعام فخرجت لمار من المكان واتجهت إلى غرفة سيف …
كان سيف ما زال مستيقظاً حينما حملته لمار وأخذت تلاعبه بصمت …
لم تشعر بفارس وهو يقترب منها ويطالعها بنظرات حائرة …
التفتت نحوه ما إن شعرت بوجوده ليغمز لها قائلاً:
” ما رأيك أن تنيميه بسرعة وتأتين إلى غرفتنا …؟!”
ابتسمت وقالت:
” كما تريد …
اذهب أنت أولاً وأنا سألتحق بك …”
بعد حوالي ساعة دلفت لمار إلى غرفتها لتجد فارس غارقاً في نومه وهو عاري الصدر …
تقدمت منه وجلست بجانبه وأخذت تهزه لكنه لم يستيقظ …
تطلعت إليه بإحباط وقررت أن تنام هي الأخرى …
وقبل أن تنام بالفعل وجدت فارس ينتفض من مكانه ويحتضنها من الخلف قائلاً بنبرة ماكرة:
” إلى أين يا حلوتي ….؟!
لدينا سهرة طويلة اليوم …”
” ظننتك نائماً …”
رد فارس وهو يقبل رقبتها:
” ما زال الوقت مبكراً على النوم …”
التفتت لمار بجسدها نحوه ليقبلها فارس من شفتيها ثم يغرقها بين أحضانه …
استجابت لمار لقبلاته ولمساته حتى غرقت تماماً معه في فوضى مشاعر باتت غريبة عليها وغير قادرة على تمييزها …
بعد فترة ليست بقصيرة كانت لمار ممددة بين أحضان فارس الذي يتمسك بها كشيء ثمين لا يعرف ماهيته لكنه لا يريد أن يخسره …
” فارس ..”
” نعم …”
” أريد الحديث معك في موضوع مهم …”
” تحدث …”
” متى سأذهب إلى المدرسة ..؟!”
عقد فارس حاجبيه متسائلاً:
” أي مدرسة …؟!”
نهضت لمار من مكانها بعدما لفت جسدها بالغطاء جيداً وقالت:
” هل نسيت أنني طالبة في المدرسة …؟!
ويجب أن أذهب إليها ..”
” وهل من الضروري ذهابك إلى المدرسة …؟!”
أومأت لمار برأسها ليهز فارس رأسه بضيق ويقول:
” أعطني فرصة لأفكر في هذا الموضوع جيداً …”
” ماذا يعني هذا …؟!
أنت لن ترفض بكل تأكيد…!”
قالتها لمار باعتراض ليرد فارس بحزم وهو يرتدي سرواله:
” قلت سأفكر …”
ثم ارتدى قميصه وخرج من الغرفة تاركاً إياها تتطلع إلى أثره بإحباط.
***
وقف فارس في حديقة المنزل يأخذ نفساً عميقاً ويفكر في موضوع ريم حينما شعر بأحد ما يقترب منه …
التفت ليجدها ريم التي اقتربت منه وقالت باستحياء:
” كيف حالك …؟!”
فارس ببرود:
” بخير …”
تنحنحت ريم قائلة بحرج:
” أريد الحديث معك …”
” تفضلي …”
ريم بجدية:
” تزوجني يا فارس …
تزوجني وانقذني من جحيم عائلتي …”
” هل جننت يا ريم …؟!
هل وصل بك الحال أن تعرضي الزواج علي …؟”
انسالت دموع ريم على وجنتيها وهي تقول:
” أنت لا تعرف ما أعيشه وما أعانيه …
أهلي يعايروني لأنني لم أتزوج حتى الآن …
ولا يوجد أحد تقدم لخطبتي كوني مطلقة …
أخواتي الأصغر مني سيتزوجن وأنا سأبقى كما أنا…
لقد قاربت على الثلاثين يا فارس …
فرصتي بالزواج انتهت …
إذا لم تتزوجني فإنني سأبقى في جحيم حقيقي …”
” وماذا عن زوجتي …؟!
هل نسيت بأنني متزوج..؟!”
ردت بسرعة:
” لمار سأعتبرها أخت لي …
كما أنني سأكون خير زوجة وأم لابنك …
ثق بي يا فارس …
وأنا أعدك بأنك لن تندم على هذه الزيجة …”
تطلع إليها فارس بتفكير قبل أن يهتف بها:
” الأمر ليس بهذه السهولة يا ريم …
أنا يجب أن أفكر في الموضوع أولاً …”
ابتلعت ريم ريقها وقالت:
” كما تشاء ….
كما تشاء يا ابن خالتي …”
ثم تحركت بإنكسار بعيداً عنه.