دعيني أؤسس دولة أعشقك تكوني أنتِ الملكة فيها، وأصبح فيها أنا أعظم العاشقين. دعيني أقود انقلاباً يوطد سلطة عينيكِ بين الشعوب. دعيني أغير بالحب وجه الحضارة. أنتِ التراث الذي يشكل في باطن الأرض منذ آلاف السنين. أحبك... كيف تريدين أن أبرهن أن حضوركِ في الكون مثل حضور المياه، ومثل حضور الشجر؟ وأنكِ زهرة دوار شمس، وبستان نخل، وأغنية أبحرت من وتر.
دعيني أقولكِ بالصمت حين تضيق العبارة عما أعاني، وحين يصير الكلام مؤامرة أتورط فيها، وتُقدم القصيدة أنية من حجر. دعيني أقولكِ ما بين نفسي وبينكِ، وما بين أهداب عيني وعيني. دعيني أقولكِ بالرمز إن كنتِ لا تثقين بضوء القمر. دعيني أقولكِ بالبرق أو برزاز المطر. دعيني أقدم للبحر عنوان عينيكِ إن تقبلتِ دعوتي للسفر. لماذا أحبكِ؟ إن السفينة في البحر لا تتذكر كيف أحاط بها الماء، لا تتذكر كيف اعتراها الدوار. نزار قباني
"إيه الهزار البايخ ده يا موسى؟ بطل تهزر بالرخامة دي! قالتها وهي تضربه على كتفه بينما تضحك بمرح، ولكن لم يخفَ عنه نظرات القلق بعينيها. نظر إليها والشعور بالذنب يمزقه. ما ذنبها أن يكسرها الآن في أهم يوم في حياتها؟ ازدرد ريقه وقال: "آسف يا ليان، بس مفيش خطوبة. أنا آسف، سامحيني. ربنا بإذن الله يعوضك بالأحسن مني بكتير. أنا مش مناسب ليكي، وعرفت إنكِ مش مناسبة ليا. مفيش خطوبة يا ليان. ده قراري النهائي."
"يعني إيه مفيش خطوبة؟! قالتها ليان بنبرة مرتعشة، ثم أمسكت ياقتي قميصه وأخذت تهزه بقوة والدموع تنهمر من عينيها. "انطق يا موسى، يعني إيه مفيش خطوبة؟ إيه اللي أنت بتقوله ده؟ حرام عليك، أنت كده بتدمرني." تجمعت الدموع بعينيه وقال: "آسف... آسف." دفعته وصرخت وهي تضربه على صدره: "آسف!!! ببساطة كده؟ هو أنت دوست على رجلي؟ أنت كسرت قلبي؟ جاي عشان تشوه صورتي وتخلي الناس تقول عليا إن الراجل اللي بحبه سابني قبل خطوبتي بدقايق؟
ده قلبي يا موسى، قلبي اللي اتكسر وانت بتقول آسف." دعك عينيه بتعب وألم يعصف به، ثم نظر إليها وقال بأسف شديد: "أنا مبحبكيش يا ليان. اكتشفت إن طول حياتي محبتش إلا روان، وأنا مقدرش أربط نفسي بواحدة مبحبهاش. أنا آسف! نظرت إليه بذهول. رباه، لابد أنه يمزح، لا يمكنه أن يكون جاداً. كيف يمكنه فعل هذا بها؟ كيف؟
رباه، إنها تختنق، إنها تموت بالفعل وهو ينظر إليها بتلك الطريقة. بحثت عن الحب بعينيه ولم تجده. الشعور بالذنب في عينيه كان يطغي على كل شيء. وضعت كفها على قلبها وهي تتنفس بصعوبة، تشعر أن العالم يضيق بها. فجأة ضحكت بقوة ودموعها تنهمر من عينيها. أمسكته من قميصه وقالت: "أنت بتكدب عليا، أنت بتخدعني، بتحاول تخوفني صح؟ عايز تخضني صح؟
أنت متعملش فيا كده يا موسى، أنت بتحبني أنا، بتحبني ومستحيل تجرحني بالشكل ده، حرام عليك. أنا كده ممكن أموت فيها." "آسف... آسف." كانت دموعه تنهمر وهو يقولها. نظرت إليه وكأنها فقدت عقلها وصرخت: "بطل تقولي آسف، بطل... أعمل إيه أنا بأسفك؟ انطق؟ أنت جاي دلوقتي تقولي مبحبكيش؟ مكتشفتش ليه من بدري؟ هو أنا لعبة في إيديك يا موسى عشان مرة تحبني وتقرب ومرة تبعدني عنك؟ حرام عليك، أنا هموت دلوقتي، حرام." كانت تصرخ وهي تبكي.
"ربنا هيعوضك خير." قالها موسى وهو يهرب سريعاً خارج الغرفة، لتركض خلفه وهي تقول ببكاء: "لا يا موسى، متسبنيش... حرام عليك، متسبنيش." "ليان... قالتها نسرين بصدمة وهي ترى صديقتها تخرج من الغرفة وتركض خلف موسى. خرج موسى مسرعاً من مركز التجميل واستقل سيارته سريعاً وذهب. خرجت ليان أيضاً، وما أن رأته غادر حتى سقطت أرضاً وارتفع حدة صراخها. "موسى... موسى! "ليان، فيه إيه يا حبيبتي؟ فيه إيه؟
قالتها نسرين وهي تقترب من ليان وتضمها بفزع، بينما كانت تقف ماريانا خلفهما وهي تضع كفها على فمها وعينيها تدمعان. "موسى سابني يا نسرين... سابني. قالي إنه مبيحبنيش... جاي يكتشف دلوقتي إنه مبيحبنيش... دلوقتي." طفرت الدموع من عيني نسرين وهي تضمها أكثر، بينما ليان تبكي وتصرخ. تشعر أن قلبها ينفطر من الألم. ضمتها نسرين أكثر وهي تقول: "اهدي... اهدي يا ليان." بعد قليل...
وصل عدي إلى مركز التجميل وهو يلهث بقوة. يتذكر اتصال نسرين به وقد أخبرته بإختصار ما حدث. "ليان... فين ليان؟ قالها ما أن دخل المركز لماريانا التي تجلس بالخارج. "في الأوضة اللي جوه. اتفضل حضرتك." هز رأسه وهو يلج إلى الغرفة، بينما جلست ماريانا مكانها وهي تتنهد بقوة. تلك المسكينة، إنها محطمة. أن تعشق من يحطمك هو الهلاك بعينه. هي تعرف هذا الشعور جيداً.
مسحت الدموع التي انسابت من عينيها، ثم نظرت إلى خلفية هاتفها والتي كانت صورة لجورج أخذتها خلسة. كان يبتسم بسعادة. نادراً ما يبتسم عندما تكون موجودة. يستغل أي فرصة ليخبرها أنه تزوجها رغماً عنه وأنه لا يحبها، وآخر مواجهة بينهما قررت أنها لن تحاول مجدداً، وبالفعل الفترة الأخيرة تجاهلته، ولكن حتى التجاهل لم يأتِ بفائدة. تنهدت بتعب، إنها تعيش مع رجل الثلج حرفياً. "ليان! قالها عدي بفزع وهو يجد شقيقته تبكي بين ذراعي صديقتها.
ابتعدت نسرين عن ليان قليلاً، ثم قررت الخروج لتتركهما بمفردهما. ما أن خرجت نسرين، حتى نهضت ليان واتجهت إلى عدي وهي تندفع بين ذراعيه وتقول: "سابني يا عدي... سابني في يوم خطوبتي... سابني... بيقول إنه مش بيحبني... بيقول إنه محبش غير روان... طيب وأنا إيه؟ ليه يوهمني بالحب وبعدين يكسرني يا عدي، ليه؟ "ليان...
قالها عدي بإختناق وهو يضم شقيقته الصغيرة. كم يؤلمه قلبه لأنها تتألم بتلك الطريقة. لقد فعل المستحيل كي تظل سعيدة دوماً، ولكنه فشل. لقد تحطم قلب شقيقته الصغيرة. "أنا آسف يا ليان... آسف، حقك عليا أنا." "أنا هموت يا عدي... أنا عايزة أموت، مش عايزة أعيش تاني خلاص." أبعدها قليلاً وعانق وجهها وقال: "وتسبيني؟ يعني موسى أهم مني؟
سابك يبقى هو حقير وأنتِ هتنسيه وهتتجوزي اللي أحسن منه، بس متجيبيش سيرة الموت على لسانك، متوجعيش قلبي." "أنا قلبي واجعني أوي يا عدي... بفكر أنا عملتله إيه عشان يعمل معايا كده، بس مش لاقية أي تفسير. ده أنا حبيته أكتر من حياتي، كنت مستعدة أعمل أي حاجة تسعده. ليه الناس اللي بنحبها بتعمل فينا كده يا عدي؟ هو ده غلطنا إننا بنحبهم؟ غلطنا إننا بنخلي سعادتهم مسؤوليتنا؟ ليه عمل فيا كده؟ ليه مفتكرش إنه بيحب مراته بس قبل خطوبتنا؟
ليه يكسر فرحتي في اليوم اللي حلمت بيه كتير يا عدي؟ أنا عمري... عمري ما هسامحه. أنا هكرهه يا عدي... زي ما حبيته في يوم من الأيام هكرهه. زي ما حبيته أكتر من حياتي هكرهه قد الحب اللي حبتهوله. هو ميستاهلش أبداً قلبي، ميستاهلهوش." "فعلاً هو ميستاهلش لا حبك ولا دموعك يا ليان." ثم مسح دموعها وقال: "يلا نروح البيت." انهمرت دموعها مجدداً وقالت: "عدي، الضيوف اللي في القصر عشان الخطوبة هنقولهم إيه؟
أنا مش عارفة هروح هناك إزاي وأقولهم إن موسى سابني قبل الخطوبة... أنا... "ششش... قالها عدي وهو يملس على شعرها ثم أكمل: "أنا هتصرف مع الضيوف دول، أنتِ متقلقيش، بس تعالي معايا يلا عشان نروح البيت، مينفعش نقعد هنا أكتر من كده." هزت رأسها ثم قالت وهي تنظر إليه: "آسفة يا عدي... عقد حاجبيه بحيرة وقال: "بتعتذري ليه؟ بكت وهي تقول: "آسفة إني وقفت قصادك عشانه هو... قلت كلام صعب عشانه... هو طلع ميستحقش... سامحني يا عدي."
قبل عدي رأسها وقال: "أنا عمري ما أزعل منك يا ليان... أنتِ حتة مني... أنتِ أختي يا مهلبية... أغلى حد في حياتي كلها ومستحيل أزعل منك أبداً. يلا على بيتنا دلوقتي... يلا يا حبيبتي." هزت ليان رأسها واتكأت على عدي وخرجت لتذهب لمنزلها، ولكن الألم الذي في قلبها لم يقل، بل أخذ يزداد مع مرور الوقت.
كان يقف أمام غرفة العمليات. القلق ينهش قلبه. ما زال يتذكر كيف أنها سقطت بين ذراعيه كالورقة البالية. لقد شعر بالهلع. لم يفكر في الطفل حينها، كانت هي تشغل باله. يخاف الحياة بدونها. "ياسين... كان هذا صوت والدته المضطرب. نظر ياسين إلى والدته بعينين حمراوين من فرط الجهد الذي يبذله لكي لا ينهار. وما أن اقتربت منه حتى ارتمى بين ذراعيها وأجهش بالبكاء وهو يقول: "ورد يا ماما... ورد هتضيع مني! ضمته والدته أكثر بهلع وهي تقول:
"إيه اللي حصل طيب؟ ولكنه لم يرد، بل استمر في البكاء كالأطفال. فكرة أنه يخسرها تقتله. أنه يحبها، أنها أهم شخص لديه، كيف يمكن أن يخسرها؟ يخسر حبيبته. "ياسين... ياسين يا بني أنت بتخوفني. أنا مرضتش أتصل بوالدة ورد زي ما قولتيلي، هو الوضع خطير كده يا ابني ولا إيه؟ ابتعد ياسين قليلاً وهو يمسح دموعه وقال بصوت مرتعش:
"معرفش إيه اللي حصل يا أمي. فجأة وقعت بين إيديا ولقيتها بتنزف. قالت إنها بتجهض. جبتها هنا ودخلوها عمليات مستعجل. أنا مرعوب يا أمي، حاسس إن الحياة ضيقة قوي، مش عارف أعمل إيه... هي بتضيع من بين إيديا... أنا... "أنت كملت اللي طلبه منك الشيخ أمجد؟ سألته والدته فجأة. كانت لهجتها صارمة ولا تتوافق مع الموقف الحالي. أطرق ياسين برأسه وقال: "لا... أنا حسيت إنها بقت كويسة ف... "فقررت تبطل من نفسك؟
وطبعاً بعد ما التزمت في الصلاة رجعت تقطع فيها تاني. ليه يا ابني؟ يكون الحل في إيديك وتضيعه منك ليه يا ياسين؟ شعر ياسين بالإختناق. نعم، هو السبب. هو من أهمل رغم تحذيرات الشيخ أمجد له، ولكنه المخطئ الآن. دعك عينيه بتعب لتحاول والدته أن تهدأ من نفسها قليلاً، وربتت على كتفه وتقول: "ورد هتبقى كويسة بإذن الله يا ابني، متخافش عليها. ربنا يحميها هي وابنك." "هي السبب... هي السبب." قالها ياسين بحقد وغضب. لتنظر إليه والدته،
فيكمل وهو يطحن أسنانه: "جوري هي السبب في كل حاجة. هي اللي عايزة تدمر حياتي مع مراتي. هي اللي بتعمل السحر ده عشان تفرقني عن ورد. أنا فعلاً مصدقتش قبل كده إن ممكن جوري تكون بالرخص والجنان ده، بس فعلاً طلعت مجنونة ومختلة ورخيصة. كل اللي نفسي أعمله دلوقتي إني أروح أخنقها. نفسي أقتلها وأخلص منها. نفسي... "لا يا ابني لا."
قالتها والدته بخوف. كانت مرتعبة من أن يتهور ويفعل أي شيء يورطه بالمشاكل. فهي لا تريد أن يتورط ابنها بسبب تلك المرأة. لقد شكرت الله لأنه طلقها وابتعد عنها هو وابنته، وهي غير مستعدة أبداً أن تخسره. "لا يا أمي مش هنرتاح إلا لما تموت. لا أنا ولا أنتِ ولا ورد ولا حتى ياسمين. محدش فينا هيرتاح إلا لما جوري تموت!
وضعت والدته كفها على قلبها بفزع وهي تنظر إلى الغضب والحقد بعيني ابنها، وعرفت إنه يفكر في هذا بالفعل. إنه ليس مجرد مزاح أو تهديد فارغ. ياسين يفكر في فعل هذا بالفعل. أدارته إليها وقالت بصرامة: "ياسين اسمعني وبصلي كويس. حط كلامي ده حلقة في ودنك يا ابني. ابعد عن جوري. متفكرش تقرب أو تأذيها. يا ابني متتورطش نفسك بسببها ومتوجعش قلبي عليك ولا توجع قلب مراتك. فاكر يعني لما تأذي جوري وتدخل السجن إحنا كده هنرتاح؟
بنتك هترتاح ولا مراتك المسكينة دي؟ فكر في عيلتك يا ياسين قبل ما تفكر تعمل أي حاجة ممكن تأذيك وتضيع كل حاجة. بلاش تخلي الشيطان يسيطر عليك. حكم عقلك واعرف إن اللي مع ربنا محدش هيقدر يأذيه. حافظ على صلاتك واعمل اللي قاله الشيخ أمجد ومحدش هيقدر يأذيك. يا حبيبي اللي معاه ربنا ميخافش. خليك مع ربنا يا ياسين متبعدش عنه، أنت محتاجه. دايماً محتاجه. متضيعش نفسك بإيدك."
هز ياسين رأسه وهو يمسح بقايا الدموع من على وجهه. فجأة خرج الطبيب من غرفة العمليات ليقترب منها بلهفة وقلبه يدوي داخل صدره. "مراتي يا دكتور." قالها ياسين والدموع تلسع عينيه. ابتسم الطبيب في وجهه وقال:
"الحمدلله، وقفنا النزيف والأم والجنين بخير. بس تحذير، لازم لحد الولادة ترتاح راحة تامة وتبعد عن أي ضغط. تفضل نايمة على ضهرها علطول ومتقومش إلا للضرورة القصوى، وتتغذى كويس، وطبعاً أي سفر ممنوع لحد ما تولد بالسلامة بإذن الله. كمان شوية هننقلها أوضة عادية وبعدين تقدر تزورها وبكرة تخرج للبيت." أطلق ياسين أنفاسه براحة وابتسم للدكتور وهو يصافحه وقال: "شكراً... شكراً أوي يا دكتور." "العفو يا أستاذ ياسين، سلامة المدام."
ثم تركه وغادر، ليستند ياسين على الحائط وهو يغمض عينيه براحة ويقول وهو يضع كفه على صدره: "الحمدلله... الحمدلله يارب." بعد قليل... تم نقل ورد إلى الغرفة وذهب ياسين إليها. دخل بقلب مرتجف إلى غرفتها بالمشفى. كانت نائمة على الفراش الأبيض. لم يرغب بإيقاظها، ولكنه أراد البقاء معها قليلاً. الخوف من خسارتها جعله يفكر بأشياء غير معقولة.
ابتلع ريقه وهو يقترب أكثر، ثم جذب كفها إليه وقبله برفق شديد، ثم اتجه إلى جبهتها ووضع قبلة لطيفة عليها، ولم يسيطر على الدموع التي تحررت من عينيه وسقطت على وجهها. فتحت ورد عينيها وهي تشعر بوجوده. ابتعد ياسين قليلاً وهو ينظر إليها بلهفة. عقدت حاجبيها بحيرة ومدت كفها وهي تمسح دموعه وقالت: "بتبكي ليه؟ "عشان افتكرت إني خسرتك يا ورد. كنت خايف مشوفكيش تاني." ابتسمت ورد وقالت:
"أنا هنا يا ياسين، مش هبعد عنك. هفضل طول عمري معاك." "ده وعد." قالها وهو يشد على كفها بيد ويمسح دموعه باليد الأخرى. هزت رأسها بتعب وقالت: "وعد يا ياسين. عمري... عمري ما هبعد عنك. هبقى معاك دايماً. أنت حب حياتي. مستحيل أبعد عنك." ضحك ودموعه ما زالت تطرف من عينيه:
"أنا همضيكي على إقرار بالكلام ده عشان لو فكرتي تبعدي عني وتمشي هحبسك. حتى لو اتصرفت بسخافة كالعادة متمشيش عشان بعدها هاجي أعتذر منك. وحتى لو زعلتك برضه متمشيش عشان هعرف أصلحك برضه. أنا هصلح نفسي أكتر عشان مزعلكيش تاني وتمشي، بس تبقي معايا. مش عايز نفترق أبداً." "حاضر... عيوني." ابتسم لها وقال: "أقولك... "قول يا باشمهندس." قالتها مبتسمة ليقول هو:
"دعيني أؤسس دولة أعشقك تكوني أنتِ الملكة فيها، وأصبح فيها أنا أعظم العاشقين. دعيني أقود انقلاباً يوطد سلطة عينيكِ بين الشعوب. دعيني أغير بالحب وجه الحضارة. أنتِ التراث الذي يشكل في باطن الأرض منذ آلاف السنين. أحبك... كيف تريدين أن أبرهن أن حضوركِ في الكون مثل حضور المياه، ومثل حضور الشجر؟
وأنكِ زهرة دوار شمس، وبستان نخل، وأغنية أبحرت من وتر. دعيني أقولكِ بالصمت حين تضيق العبارة عما أعاني، وحين يصير الكلام مؤامرة أتورط فيها، وتُقدم القصيدة أنية من حجر. دعيني أقولكِ ما بين نفسي وبينكِ، وما بين أهداب عيني وعيني. دعيني أقولكِ بالرمز إن كنتِ لا تثقين بضوء القمر. دعيني أقولكِ بالبرق أو برزاز المطر. دعيني أقدم للبحر عنوان عينيكِ إن تقبلتِ دعوتي للسفر. لماذا أحبكِ؟
إن السفينة في البحر لا تتذكر كيف أحاط بها الماء، لا تتذكر كيف اعتراها الدوار. نزار قباني." "واو قصيدة طويلة حفظتها لوحدك ومن غير ما تغلط؟ دي معجزة تستحق الاحتفال." "أنتِ المعجزة الوحيدة في حياتي اللي تستحق الاحتفال يا ورد." ابتسمت له وفتحت يديها لينهض هو ويضمها بقوة... ويقول: "بحبك يا ورد." "وأنا كمان يا حبيب ورد." في اليوم التالي...
كانت ما زالت تجلس على فراشها بتعب وهي تفرك عينيها الحمراوين من قلة النوم. ما أخبرها به يحيى بالأمس جعل النوم يطير من عينيها وجعلها تتقلب الليل كله. تنهدت بتعب وهي تتراجع على الوسادة محاولة النوم، إلا أن كلمات يحيى ما زالت تدوي في عقلها. كيف يحبها؟ كيف؟ ومتى حدث هذا؟
عندما سألته لم تقتنع بجوابه وأخبرته بصراحة أن تلك ليست إلا مجرد شفقة، ولكن عينيه كانت تكذب كل كلامها. المشاعر في عينيها جعلت قلبها يصرخ داخل صدرها، وجزء ضئيل داخلها شعر بالسعادة، ولكن عقلها أخبرها ألا تصدق هذا. أخبرها ألا تحيد عن طريقها بعد أن وجدته.
هي وجدت طريقها، فقد قدمت في مدرسة التمريض وتعمل الآن لدى جورج الذي يساعدها ووالدتها تتحسن. حياتها تستقر، فهي ليست محتاجة الآن لعمها أو لأموال عمها. فكيف تضحي بكل هذا وتعرض حياتها للتشتت مرة أخرى؟ كيف تضحي بكل هذا بغباء من أجله؟
فهي بعد أن وجدت أرضاً ثابتة تقف عليها، تعرض نفسها لخطر أن تقع في الهاوية مرة أخرى. إن وافقت على يحيى ستضطر لمواجهة والدته وسوف تكون هي الخاسرة في تلك الحرب، فهو بكل تأكيد لن يفضلها على والدته، ولا يجب أن يفعل هذا. ستحدث الكثير من المشاكل وهي لا تريد هذا بكل بساطة. تريد أن تعيش حياتها في هدوء دون صراع أو حرب، ولا تريد أن تعرض والدتها للإهانة. ومشاعرها هي سوف تتعامل معها، فليست هي أول فتاة ينكسر قلبها، ولا أحد يموت بسبب أن قلبه تحطم، سوف تكون بخير.
تنهدت بضيق والنوم يرفض القدوم، لذلك نهضت وقررت أن تستحم وتنجز بعض الأعمال المنزلية بما أن اليوم هو إجازتها. بعد قليل... خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها جيداً، ثم اتجهت للمرآة الصغيرة وقامت بتمشيطه وربطه في هيئة كعكة، وذهبت إلى المطبخ لتعد لها الإفطار، فالساعة ما زالت السابعة والنصف صباحاً ولا تظن أن والدتها سوف تستيقظ الآن. بعد قليل...
كانت جالسة على المقعد بالصالة تمسك شطيرة الجبن وكوب الشاي. لقد نفذ الخبز، لذلك سوف تذهب للمخبز لإحضاره، والحمدلله أنها استيقظت مبكراً. انتهت من الإفطار وارتدت العباءة السوداء ومشطت شعرها في ذيل حصان وخرجت. بعد نصف ساعة تقريباً...
كانت قد أحضرت الخبز واتجهت عائدة إلى المنزل، ولكن تجمدت فجأة وهي تراه يقف أمام منزلها. اتسعت عينيها بقوة وهي تنظر إلى هاتفها الصغير لتجد أن الساعة الثامنة والنصف. ما الذي أتى به في هذا الوقت؟ تساءلت بصدمة، ثم اقتربت منه بخطوات مسرعة وقالت وهي تتنفس بضيق: "أنت... أنت بتعمل إيه هنا؟ جيت ليه؟ افرض حد شافك يقول إيه دلوقتي؟ كانت غاضبة بشدة، وجهها محمر من الغضب وهي تنظر إليه بدون رضا. المجنون، كيف يأتي إلى هنا؟
كيف يورطها ويعرضها للقيل والقال؟ ففي هذا الحي إن رأى أحدهم يحيى هنا يقف بجوارها لن تنجو من كلماتهم السامة. بالتأكيد سوف يتبلون عليها، وآخر ما تريده الآن هو أن يتحدث أحد هنا، فوالدتها مريضة ولن تتحمل أن يتكلم أحد في عرض ابنتها.
من ناحية أخرى كان يحيى يقف وهو ينظر إليها. يعرف أن ما يفعله هو الجنون نفسه، ولكنه لا يسيطر على تصرفاته مؤخراً، وهذه ليست عادته. لطالما كان رزيناً، يعرف ما يفعله، ولكن هي تجبره على فعل أمور جنونية. فهو من المفترض أن يكون بالمشفى الآن، ولكن رغم ذلك وجد نفسه يتجه نحو منزلها، وهو لا يعرف من الأساس لماذا أتى إلى هنا. لقد قرر الوقوف قليلاً ليراها ثم يذهب، ولكن هي رأته، ماذا الآن وكيف سيبرر موقفه؟
هل يقول لها إنه لم ينم بالأمس وهو حائر ورفضها له جعله يختنق أكثر؟ لقد أخبرته أن حبه مجرد شفقة منه، ولكنه متأكد أن الأمر ليس شفقة أبداً. الشفقة هي آخر شيء قد يشعر به نحوها. لا يجب أن يشفق أحد على امرأة قوية مثلها، امرأة مصممة على الاعتماد على نفسها. رفضت عرض عمها في أحلك ظروفها ولم ترضخ لعرضه الدنيء، بل قاومت وحاربت وما زالت تقاوم لتكون الأفضل. فكيف يشعر بالشفقة على امرأة مثلها؟ هي تستحق الإعجاب وليس الشفقة.
"دكتور يحيى! أخرجته من شروده وهي تهتف باسمه بنفاذ صبر، وعينيها البنيتان تتحركان بإضطراب خوفاً من أن يراهما أحد معاً. نظرت إليه والنيران تندلع من عينيها وقالت: "دكتور يحيى، إيه اللي حضرتك بتعمله ده؟ ها، قولي؟ "أنا عايز أتكلم معاكي." قالها بهدوء، ولكن داخله كان أبعد بكثير عن الهدوء. كادت أن تجن وهي تنظر إليه فقالت: "دكتور يحيى، مين... ولكنه قاطعها وهو يقول بهدوء:
"جنب عيادة جورج فيه كافيه، هستناكي فيه الساعة 11 الضهر عشان نتكلم. مش هضيع من وقتك كتير. أنتِ لازم تسمعيني للآخر لأني مش هسيبك إلا لما تسمعيني." ثم بهدوء، وبعد أن زلزلها، استقل سيارته وأنطلق بها. هزت رأسها وقال بغضب: "ده أكيد مجنون... أعمل إيه دلوقتي أنا ياربي!!! ثم دخلت منزلها وهي تهز رأسها بيأس منه. الساعة الحادية عشر... كان يجلس على المقهى وهو ينتظرها. ينظر لساعته كل ثانية وهو يهز ساقه بتوتر. معقول أنها لن تأتي؟
هل تجاوز حدوده معها بالشكل الذي جعلها غاضبة منه ولا تريد أن تأتي وتراه؟ هل فعل هذا بالفعل؟ دعك يحيى عينيه وهو يعترف أنه بالفعل تجاوز حدوده معها، ولكنه يريد أن يتكلم معها بشكل عاجل. يجب أن تسمعه وتفهمه أيضاً. فجأة تجمد وهو يراها تدلف للمقهى تنظر حولها بإرتباك. بشرتها مصطبغة باللون الأحمر وتبدو في غاية الجمال. ذاب قلبه وهو يراها. متى أصبح مهووساً؟ هو حقاً لا يعلم، ولكن إصرار تلك الفتاة لتكون في أفضل حال يعجبه كثيراً.
نهض وهي تقترب منه لتقول: "اتفضل، يلا قول اللي عايزه عشان أمشي. لو حد شافني هنا معاك مش هيبقى لا كويس ليك ولا كويس ليا." "ممكن تقعدي؟ "دكتور يحيى، حضرتك ليه مش فاهمني؟ مينفعش اللي بتعمله ده وإنك كل شوية تظهر في طريقي وإنك تقولي الكلام ده وتديني أمل وعايزني أقلب حياتي كلها عشانك!!! "طيب ممكن تهدي وتقعدي؟ قالها بنبرة هادئة، بينما هي بهذا الإنفعال. تنهدت هي بتعب وجلست، ليجلس هو براحة، فتكمل هي بإنفعال شديد:
"يلا لو سمحت. أنا سايبة أمي مع الست ماجدة واخترعت حجة عبيطة عشان أطلع. اتفضل قول اللي عايزه." "أنا بحبك." غار قلبها داخل صدرها وأغمضت عينيها وهي تشعر بالدموع تلسع عينيها وقالت بنبرة مرتعشة: "متقولش... متقولش كده لو سمحت." "مقولش إيه؟ "إني بحبك يعني." "ما دي الحقيقة." "ده مش... كادت أن تتكلم ولكنه قاطعها بقوة وهو يقول:
"أنا الوحيد اللي عارف مشاعري كويس يا رانيا. أنا عارفة إذا كان ده حب ولا لا. وبقولك بحبك وعايزك في الحلال، إيه المانع؟ نظرت إليه بتعب وقالت: "نسيت والدتك يا دكتور يحيى. هي هتوافق على واحدة زيي. إيه؟ هتخسر والدتك عشاني؟ وصدقني لو كان جوابك أه، أنا عمري ما هوافق على كده عشان اللي ملوش خير في أهله ملوش خير في حد." "أمي أنا هتصرف معاها." "هيجي في يوم وتضطر تيجي على حد عشان التاني وهتبقى معادلة صعبة يا دكتور."
نهضت رانيا وقالت: "صدقني ملناش فرصة. أنا لما اعترفت ليك قبل كده كنت شايفة الحياة وردية، كنت شايفاك الأمير اللي هياخد سندريلا لبعيد. بس الواقع إن الناس اللي زيي مينفعوش للي زيك. اتجوز واحدة من مستواك يا دكتور، على الأقل تكون والدتك راضية عنها. آسفة، مش هحط نفسي في موضع إني أتهان كل شوية عشان بحبك. آسفة."
ثم تركته وغادرت وهي تمسح الدموع التي تطفر من عينيها. لقد رفضت السعادة للتو، ولكنها تعلم أن الطريق إلى سعادتها تلك ملئ بالشوك، وأنها قد تموت قبل أن تنال السعادة وتخسر كل شيء. في المساء...
وقفت أمام المرآة وهي تعدل من وضع فستانها الأزرق الطويل كما يحبه هو. لطالما أخبرها أنه يعشق الأزرق عليها لأنه كان دوماً هائماً بعينيها، لذلك عندما أخبرها أنهما سيحضران حفل زفاف لصديق له مقرب، قررت أن ترتدي هذا الفستان. وأخبرها أنه بعد هذا سوف يأخذها ويتعشيا سوياً في المقهى المفضل لهما.
قررت ألا تضع أي مساحيق تجميل سوى أحمر شفاه وماسكرا، وها هي أخيراً قد أصبحت جاهزة وكانت راضية للغاية عن شكلها. بالتأكيد سوف يفقد عقله عندما يراها. رنين هاتفها أخرجها من شرودها اللحظي وابتسمت وهي ترى أنه هو المتصل. ردت سريعاً بحماس وهي تقول: "أيوه يا حبيبي." "ها يا نسرين جهزتي؟ قالها فؤاد لتقول: "أيوه يا حبيبي جهزت." ابتسم فؤاد: "طيب يا حبيبي أنا كمان قربت أوصلكم. يلا مسافة السكة وأجيلك. باي." "باي."
قالتها مبتسمة ثم أغلقت الهاتف وهي تتنهد بسعادة. هي سعيدة الآن ولا يزعجها سوى حالة ليان المسكينة. كم تكره موسى لأنه وضعها في تلك الحالة. لقد قضت الليلة معها بالأمس، وحتى طيلة النهار لم تتركها وبقت معها، وكادت أن ترفض الذهاب مع فؤاد، ولكن ليان أصرت عليها أن تذهب وأنها بخير وأنها ستتجاوز الأمر. هي تعرف أن ليان قوية، ولكنها تعرف أيضاً أنها تعشق موسى فسيكون تجاوز موسى صعباً للغاية.
تنهدت وهي تقرر الاتصال بليان لتطمئن عليها. وعندما ردت عليها ليان بصوت مخنوق قالت نسرين بلوم: "لسه بتبكي يا ليان؟ "الموضوع صعب يا نسرين... صعب أوي. أنا عايزة أعرف هو عمل فيا كده ليه؟ "ما طز فيه يا ليان، طز خلاص انسيه. هو واحد حقير ميستاهلش إنك تفكري فيه خلاص. طلعيه من دماغك بقى وعيشي حياتك. يا حبيبتي حرام تزعلي عشانه، هو اللي خسران مش أنتِ، بالعكس أنتِ اللي كسبانة." "بحاول يا نسرين." قالتها ليان
بإنكسار لترد نسرين بصرامة: "حاولي أكتر يا ليان. عموماً هعدي عليكي أنا وفؤاد وتيجي معانا وتغيري جو و... ولكن ليان قاطعتها بسرعة: "لا لا يا نسرين عشان خاطري متعمليش كده، أنا مش عايزة أخرج. مش عايزة... معلش سيبيني نخرج يوم تاني، أنا عايزة أبقى لوحدي شوية." "ليان... "عشان خاطري يا نسرين سيبيني لوحدي شوية، محتاجة أقعد لوحدي شوية." أغمضت نسرين عينيها بتعب وقالت:
"ماشي موافقة، بس بشرط بكرة هاجي وأخدك بالعافية من البيت وهخرجك اليوم كله وأنتِ مش هتعترضي. مفهوم؟ ابتسمت ليان بإنكسار وقالت: "حاضر." "ماشي يا حبيبتي، هقفل دلوقتي. عايزة أي حاجة؟ هزت ليان رأسها ومسحت دموعها وهي تحاول ألا تنهار بالبكاء، فنسرين قد تأتي لمنزلها الآن وتخرجها من المنزل رغماً عنها. هي تعرف صديقتها وتعرف أنها لن تتركها بمفردها تعاني وتبكي. "مش عايزة حاجة يا حبيبتي، عايزة سلامتك. انبسطي أنتِ."
ثم أغلقت نسرين الهاتف لتنفجر ليان بالبكاء وهي تلقي الهاتف جانباً وهي تنام على الفراش الذي كان ينام به موسى عندما كان في منزلهما. فبعد أن طرده عدي كانت تأتي هنا خلسة وتنام في غرفته، وبتلك الطريقة تشعر أنها قريبة منه. واليوم أرادت أن تشعر أنها ما زالت قريبة منه بتلك الطريقة. يا لها من مثيرة للشفقة، فرغم ما فعله بها هي ما زالت تريد أن تكون قريبة منه. لقد اعترفت لنفسها أنها حطمت كبرياءها مراراً وتكراراً من أجله. نعم، هي فعلت هذا وهو لم يقدر، وما زالت تريق كرامتها الآن ولا تهتم، فالألم في قلبها كان أقوى من أن يُحتمل.
ضمت وسادته بقوة وأغمضت عينيها لتنام ويكون بطل أحلامها فقط هو. جهزت نسرين حقيبتها وكادت أن تخرج من الغرفة لتنتظر فؤاد أسفل البناية، ولكن دخول والدها المفاجئ أوقفها. تراجعت قليلاً وهي تنظر إليه بينما تزدرد ريقها. كانت ما زالت تخاف منه. نظر إليها كريم بحزن. كم أبعد ابنته عنه بسبب اضطراباته. هذا بسببه...
لا يمكنه لوم أحد. يعترف الآن أن خيانة زوجته جعلت نفسيته تتدمر، وقبل أن يعاقب زوجته على فعلتها عندما اكتشف خيانتها ماتت بحادث سيارة وأفرغ هو إحباطه في ابنته المسكينة. لقد حذرته نهى مراراً ألا يفعل هذا وأن ابنته لا تستحق تلك المعاملة، ولكنه لم يستمع وها هو خسر ابنته وزوجة تحبه. "نسرين بنتي ممكن نتكلم." قالها بهدوء. "فؤاد جاي ياخدني دلوقتي ومفيش." ولكنه قاطعها وهو يقترب منها ويقول: "نسرين، أنا بروح لدكتور نفسي."
توسعت عينيها وهي تنظر إليه بصدمة، فأكمل هو بإرتباك: "إحنا عايزين وقت طويل عشان نتكلم أنا وأنتِ وهنتكلم، بس مش دلوقتي. بس اعرفي إني آسف على كل حاجة عملتها معاكي. آسف إني آذيتك يا بنتي، آسف أوي. أنا فضيت كل غضبي وإحباطي وأنتِ ملكيش أي ذنب. حاولت كتير أعدل من نفسي بس مقدرتش وكنت كل مرة ببوظ الوضع أكتر. مديت إيدي عليكِ واهنتك وأنتِ متستاهليش كده. أنا آسف يا بنتي... آسف!!! وخزت الدموع عينيها، ولكنها أطرقَت
برأسها وقالت بصوت ضعيف: "فؤاد أكيد وصل، أنا هنزل أشوفه." ثم كادت أن تتجاوزه إلا أنه اعترض طريقها وضمها بقوة إليه وهو يبكي بقوة.
توسعت عينيها وهي تراه يضمها بتلك القوة. كم تمنت أن يعانقها بهذا الشكل. تمنت كثيراً هذا. تمنت أن يعطيها ولو جزءاً بسيطة من حنانه، ولكن كل ما كانت تتلقاه منه هو الجفاء والمعاملة السيئة. لسعت الدموع عينيها وهي تشعر أن رغبتها دوماً بأن يعانقها قد اختفت، فبعض الأشياء عندما تأتي بعد طول انتظار لا يكون لها معنى كعناقه المتأخر، كحبه المتأخر، كـ ندمه المتأخر. أبعدته عنها عندما رن هاتفها وقالت وهي تشير إلى الهاتف:
"جوزي جه، عن إذنك." ثم تركته وغادرت الغرفة مسرعة. "حبيبتي مالك؟ قالها فؤاد بصدمة وهو يراها تدخل للسيارة، الدموع تغرق وجهها. كان الحزن يحفر آثاره على وجهها. عانق وجهها وهو يمسح دموعها بحنان وقال: "نسرين حبيبتي قوليلي إيه اللي حصل، متقلقيش عليكي، فيه إيه؟ "بابا... بابا... توحشت عينا فؤاد وقال بإنفعال: "هو عمل حاجة تاني؟ "حضنني! عبس في وجهها بدون فهم لتكمل وهي تبكي: "تعرف أنا قد إيه استنيت الحضن ده يا فؤاد؟
عارف كان نفسي أوي إنه يحبني، يهتم بيا، كان نفسي أحس بحبه، أحس بندمه إنه بيعاملني وحش. والنهاردة حضنني وهو ندمان، بس محستش بالفرحة ولا أي حاجة. كانت مشاعري باهتة وكل اللي حسيت بيه الخنقة. كنت عايزة أبعد عنه بأي طريقة. كنت مخنوقة أوي يا فؤاد، مكنتش عايزاه يلمسني. أنا حاسة إني مبقتش أحبه ولا بقيت مستنية منه أي حاجة. حاسة إني مبقتش متقبلة منه أي حاجة مهما قال وبرر، لأن اللي عمله كسرني يا فؤاد."
تنهد فؤاد وهو ينظر إليها. إنها صغيرة جداً على أن تحمل كل تلك الآلام. جذبه إليه وضمها بقوة وهو يقول: "كل حاجة هتكون تمام يا نسرين... هنسيكي أي ألم حسيتي بيه قبل كده. من النهاردة مش هيكون في حياتك غير السعادة وبس." ثم أبعدها عنه ومسح دموعها وقال: "وعد مني هخليكي دايماً تضحكي يا فراولة." ضحكت بخفوت ليقول: "أيوه كده أضحكي، يلعن أبو اللي يزعلك يا شيخة. يلا نلحق فرح منصور ده ممكن يقتلني لو محضرتش."
في أحد الفنادق البسيطة نوعاً ما... وقفت بجوار زوجها وهي تبتسم بخجل. لقد قرر أمير إنهاء انتظاره وإتمام زواجه منها اليوم. فبعد أن احترق منزل تحية وحسين وهما يعيشان بالمنزل معها إلى حين إعادة المنزل المحترق كما كان، أخبرت عبير أمير أن يذهبا إلى المنزل الذي يسكن به شريف فهو يمتلكه الآن، ولكن أمير رفض بإصرار. وأتى بها إلى الفندق.
ابتسم بلطف وهو يأخذ المفاتيح من موظف الاستقبال، ثم أمسك كف زوجته والحقيبة الصغيرة التي يحملها وصعد للأعلى. فتح الباب وجعل عبير تتقدمه لتفحص المكان جيداً. كانت تبتسم وهي تتأمل المكان وقالت: "المكان لطيف هنا. صحيح الأوضة ضيقة بس حلوة أوي." ثم نظرت إلى الفراش المزين بالورود وضحكت بمرح قائلة: "معقول أنت اللي عملت كده؟ اقترب منها وأمسك كفيها وقال:
"صاحبي شغال في الفندق ده وهو يعني ساعدني كتير. حبيت أول ليلة لينا تبقى مميزة يا بيري. آسف إني مش قادر أقدم لك أكتر من كده." عانقته وقالت: "كفاية إنك جوزي، أنا مش عايزة أكتر من كده. كفاية إني عايشة معاك وهفضل معاك طول حياتي." ازدادت ابتسامته اتساعاً، ثم ابتعدت عنه قليلاً وهي تقترب منه لتقبله، ولكنه قال فجأة: "لأ!!! عبست بدون فهم ليبرر هو:
"الليلة دي عايز كل حاجة تكون مثالية يا بيري. كل حاجة تمشي على مهلها، وأولها تلبسي اللي أنا أنا جبتهولك ده." ثم أخرج من الحقيبة الصغيرة حقيبة بلاستيكية أخرى ولكن أصغر وأعطاها إياها، ثم أخبرها أن تتجهز، ثم أخرج هو منامته من الحقيبة وعطره المعتاد، ثم بدأ بتغيير ملابسه ورش العطر عليه، ثم رشه في أرجاء الغرفة. كان يريد أن تكون هذه الليلة مميزة للغاية. أراد أن تتذكرها طوال حياتها. بعد قليل...
خرجت من الحمام وهي ترتدي غلالة سوداء قصيرة بعض الشيء. كان وجهها محمر من الخجل وهي تخبي جسدها شبه المكشوف بيديها، ولكنها تفشل. ازدرد ريقه وهو ينظر إليها وقد أدرك أنها أجمل ما رآه في حياته. إنها لم تفشل يوماً في جعل دقات قلبه تتسارع بقوة. نهض وتقدم منه ثم جذبها إليه حتى اختلطت أنفاسهما وقال: "خايفة مني؟
هزت رأسها بالنفي وعينيها متعلقة بعينيه الذهبيتين. كانت مبهورة بوعد السعادة في عينيه، وقد قررت أن تسعده بدونها. لن تمنع عنه أي شيء. ابتسم وهو يمرر أصابعه على وجهها وقال: "طيب واثقة فيا؟ "أكتر ما بثق في نفسي." قالتها مبتسمة فقال: "حلو... حلو أوي." عانق وجهها وما هي إلا لحظات حتى شهقت وشفتاه تحط على شفتيها يمنحها قبلتها الأولى. تمسكت به بخوف امرأة لم تعتاد تلك المشاعر العاصفة بعد، ليتباعد عنها ويضمها بقوة وهو يقول:
"اهدي... اهدي متخافيش." ولكنها كانت ترتعش. ظل يضمها إليه لفترة طويلة كي يخفف من ذعرها، وما أن شعر أنها سكنت بين ذراعيه حتى حملها متجهاً بها إلى الفراش. أسندها برفق وهو يقترب منها فقالت وهي تضحك بتوتر: "أنا خايفة دلوقتي حد يتصل علينا أو يكسر علينا الباب." ابتسم وقال: "متخافيش، أنا قفلت الموبايلات بنفسي ومقولتش لحد إني هنا غير صاحبي ده. يعني الليلة دي بتاعتنا وبس يا بيري."
احمر وجهها واتسعت ابتسامتها وقد برزت نواجذها بشكل أكبر، فقال متنهداً: "بحب ابتسامتك أوي... بتدوب قلبي." وهي من ذابت من مغازلته البسيطة. اقترب هو
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!