هي دي اللي سيبت خطيبتك عشانها؟ سيبت بنت الحسب والنسب عشان تربية الشوارع دي؟ صرخت بها والدته بعنف. ليزعق يحيى: ماما كفاية لو سمحتي، يالا نمشي من هنا. ثم أمسك ذراعها وكاد أن يذهب، إلا أن ليلى أبعدته بعنف. واقترب من رانيا التي كانت عينيها مشبعة بالدموع وصرخت بها: قدرتي تضحكي على ابني وخلتيه يسيب خطيبته؟
أيوة أنا فاكراكي، انتِ الخدامة اللي كنتِ بتشتغلي في بيت ليان. بقا تعضي الإيد اللي اتمدتلك، تغري ابني وتخليه يفسخ خطوبته؟ هزت رانيا رأسها ودموعها تطفر من عينيها وهمست: والله يا هانم أنا مليش دعوة بابنك أصلاً. كفاية كده فضحتيني في مكان أكل عيشي. نظر يحيى إليها بحزن وشتم نفسه لأنه عرضها لهذا الموقف. امسك ذراع والدته وقال بغضب: يالا يا ماما كفاية كده! وأنت كمان بتتعصب عليا عشانها؟ عملتلك إيه عشان تغيرك كده؟
نظرت إلى رانيا بقرف وقالت: هي أصلاً معندهاش إلا حاجة واحدة بس تقدر تديهالك. قوليلي ابنك كان بيديكي كام في الليلة؟ هديكي الضعف وتغوري من حياتنا. بس... بس خلاص حرام عليكي! صرخت رانيا بعنف بينما شحب وجه يحيى من كلام والدته. خلعت رانيا مئزر العمل وركضت خارجة من المقهى وهي تبكي. بينما كان يتبعها يحيى ويقول: رانيا استني بس. ولكنها لم تستمع إليه.
ولم ترى تلك السيارة التي اقتربت منها وحاول السائق الضغط على الفرامل، ولكن للأسف صدمتها السيارة. رانيا! قالها يحيى بفزع وهو يقترب منها. لحسن الحظ لم تكن الصدمة قوية، فقط شعرت بألم في ساقها. ونهضت وهي تدفع يحيى بعيداً عنها وتقول: لو سمحت سيبني في حالي. ثم ذهبت مبتعدة وهي تعرج على قدمها وسط ذهول المارة وصاحب السيارة التي صدمتها. ركبت وسيلة المواصلات العامة ثم ذهبت. ظل يتابعها حتى ذهبت بالسيارة. احمر وجهه من الغضب.
كان حقاً غاضب من نفسه لأنه وضعها في ذلك الموقف. بسببه هو تمت إهانتها بقسوة عن طريق والدته. عاد إلى والدته بخطوات غاضبة وأمسك ذراعها وقال: يالا نمشي من هنا. أنت كمان! كانت تصرخ به إلا أنها صمتت فجأة وهي ترى وجهه الأحمر من شدة الغضب. النار تشتعل في عينيه. ابتلعت ريقها وهو تسير أمامه بكل هدوء. لقد عرفت ليلى أنها تجاوزت الحد الآن. الصمت كان مسيطر على السيارة بينما يقود يحيى وهو يشد على عجلة القيادة بقوة.
كان يلهث من فرط الانفعال. لا يصدق أنه وضع رانيا في هذا الموقف. ولا يصدق أن والدته أتت خلفه وصبت جام غضبها على تلك المسكينة. كلما تذكر ما قالته والدته لها يشتعل غضباً. رانيا لا تستحق تلك المعاملة، لا تستحقها أبداً. هو المخطئ، هو من عرضها لهذا الموقف. لن يسامح نفسه أبداً. دي مش طريقة تعاملني بيها يا يحيى. قطع شروده صوت والدته المستفز. ضغط على عجلة القيادة بقوة أكبر وهو يطحن أسنانه بعنف. سمعته هي ولكنها لم تبالي.
ارتدت قناعها الجليدي على ملامحها الأرستقراطية وقالت: مفيش أسوأ من أن ابني اللي فنيت عمري عشانه يهيني عشان خدامة، تربية شوارع. ماما لو سمحتي ممكن نتكلم في البيت، أنا بسوق ومش عايز أعمل مشكلة. اتسعت عينيها وقالت: لا بجد! مشكلة كمان يا يحيى عشان دي؟ مكنتش أعرف أن ذوقك انحدر للدرجة دي. بتعاملني وحش عشان خدامة، واحدة الله أعلم أصلها من فصلها. أوقف السيارة فجأة لترتد للأمام بعنف، ولولا حزام الأمان لانصدم رأسها.
نظرت إلى وجهه الأحمر بذهول ليقول وهو يتنفس بإنفعال: لو سمحتي خلاص، خلينا نتكلم في البيت. لو سمحتي. صمتت نهائياً بينما يكمل هو قيادته بكل هدوء عكس تماماً العاصفة بداخله. أنت بتبتزني يا عامر؟ قالتها جواهر بصدمة. ليرد عامر: عامر كده حاف، أنا أبوكي. ضحكت بسخرية وقالت: لا أبويا إيه بقا، يا راجل متقولش كده، أنت أب أنت! لا أنا سفن أب يا أختي، متتلمي يا بت وأنتِ بتكلميني. وضعت
كفها على معدتها وقالت: ما بلاش الإفيهات اللي بتقلب المعدة ده، الإفيه ده من أيام الهكسوس. جدد وأنجز، عايز إيه؟ أنا مش بطلت أضايقك؟ جاي هنا عايز إيه؟ مليون جنيه. نعم! صرخت في وجهه بقوة ليتراجع قليلاً ويقول: ده أنتِ مرات عدي رشيد، يعني المبلغ ده مش هيفرق معاكي في حاجة يا بنتي. يعني يرضيكي أفضحك قدام عدي باشا وأقول إنك مش بنت شريف بيه وإنك جواهر بنتي. هزت جواهر كتفيها وقالت: ما تقوله يا عم، إيه هيحصل يعني؟ هتحبس؟
ياريت يا أخي واهو أكون ارتحت من حياتي دي. بس ساعتها هتضطر تواجه شريف وأنت عارف شريف يا عامر واشتغلت عنده نص عمرك. هو مش هيعتقك واحتمال يلبسك مصيبة وتيجي تشرف معانا في السجن واهو تقول إفيهاتك اللي انقرضت من زمان يمكن أضحك عليهم من الفراغ. رفع عامر حاجبيه وقال: ده أنتِ بايعة نفسك بقا.
يووه أكتر مما تتخيلي والله. أنا خلاص مبقاش فارق معايا ولا خايفة من حاجة. ولو عايز رقم عدي عشان تقوله أديهولك عادي بس وقتها واجه بقا شريف. أنا وقتها مش هساعدك. وأنا ميهونش عليا أفتن على بنتي، حتة مني. لا يا راجل تصدق قشعرت. اه يا جواهر والله أنا بحبك، أنتِ بنتي. تصاعدت الدموع لعينيها وقالت وقد
ظهر الوجع في صوتها وقالت: دلوقتي افتكرت إنك أبويا عشان اتجوزت واحد غني، لكن قبل كده كنت مصمم إن متكونش فيه أي علاقة بيننا عشان خايف لمراتك تسيبك وبيتك يتخرب. رميتني أنا وأمي ومسألتش فينا. روحت عملت حياة جديدة وفتحت محل ليك وعشت مرتاح في الوقت اللي كانت بتدرس وبتشتغل وبتروح مع أمي جلساتها. وعشان تبرأ ضميرك بتبعتلنا ملاليم وبطلت تبعتها لما اتخرجت. أبويا... أبويا إزاي بقا.
انسابت دموعها وقالت: أنت عمرك ما كنت أبويا، عمرك ما كنت سند ليا. أنت رمتني، رمتني للحياة وهربت. سيبتني أحارب لوحدي. اشتغلت كل حاجة تتخيلها مادام شغلانة شريفة. ده حتى لما شريف هد دني بالفلوس اللي استلفتها منه مفكرتش ألجألك. مفكرتش أطلب مساعدتك. عارف ليه؟
عشان عرفت إنك هتتخلى عني كالعادة. عرفت إنك مش هتكون أماني عشان كده مجيتش. ومفكرتش أطلب منك أي مساعدة يا أبويا. وبالفعل اثبت كده، إنك عمرك ما هتكون أماني. اهو أنت جاي تهددني إنك هتروميني في السجن من غير ما ضميرك يوجعك. ولما بس قولتلك إن شريف هو اللي هيقف في وشك خوفت وجبت ورا ودلوقتي داخل عليا بالحنية يمكن تاخد مني حاجة. بص أنا والله مبقتش فارقة معايا حاجة. أنا خلاص كرهت حياتي. مش كل واحد فيكم يكون فاضي شوية يفكر يستغلني. هو ده جزاتي عشان طيبة يعني وبساعد غيري؟
أكون وحشة عشان أعرف آخد حقي ولا إيه. اللي عايز تعمله اعمله. أنا مش هستغل عدي أكتر من كده. عايز تقوله قوله وتبقى عملت فيا معروف. وأهو تعمل اللي أنا معنديش الشجاعة إني أعمله. يا بنتي أنا... قالها عامر وهو يحاول وضع كفه على كتفها لتتراجع وهي تقول: لا لا أنا مش بنتك. أنت كتير قولت الكلمة دي وكنت عايز تبعدني عنك. مش هبلة أنا عشان أصدق إن عاطفة الأبوة نقحت عليك. ابتلع عامر ريقه وقد أحس بالخجل.
نظر إلى تلك الفتاة المسكينة التي لم يكن لها أي حظ في الحياة. ذنبها إنها ولدت في ظروف خاطئة تماماً. أنا آسف. مش هزعجك تاني، عن إذنك. ثم تركها وذهب. وصدمتها كانت كبيرة عندما ذهب هكذا بكل بساطة. يا رانيا يا بنتي قوليلي مالك؟ أنتِ بقالك نص ساعة بتبكي من أول ما جيتي هنا وأنا مش فاهمة حاجة. قالتها السيدة رابحة وهي تربت على رأس ابنتها التي دفنت رأسها في الوسادة وتبكي بعنف. رانيا يا حبيبتي مالك؟ قوليلي بس.
ولكن لا رد، فقط البكاء. كانت تبكي بحرقة. أخذت والدتها تربت على رأسها بينما تتمتم بآيات من القرآن الكريم. وأخيراً انتهت وقالت: ربنا يحفظك يا بنتي. قوليلي يا رانيا مين زعلك؟ حد ضايقك في الشغل الجديد يا بنتي؟
قولولي. لو حد ضايقك خلاص متروحيش تاني. تغور الفلوس اللي تيجي من وشهم ودوري على شغل تاني، لكن متعيطيش يا بنتي. كفاية عليكي الهم اللي أنتِ شايلاه. أنا عارفة إن همي كبير عليكِ وحاسة بيكي يا بنتي. وعارفة إن كنت أنا نية أوي معاكي وفضلت نفسي. عارفة ده كله وعارفة قد إيه أنتِ منحورة ما بين شغلك ودراستك اللي قررتي تكمليها ودايماً بدعيلك ربنا يوفقك. وبدعي إن ربنا يسترد أمانته بعد ما أجوزك وأطمن عليكي.
بس يا أما بس. متقوليش كده تاني. أنا مليش غيرك. قالتها رانيا وهي ترفع رأسها وتدفنها في ساق والدتها. كانت تبكي بعنف وهي تشد على ساقها وتقول: ليه بيحصل معايا كده يا أما؟ ليه حظي كده؟ كل لما أحاول أصلح حياتي تتخرب. كل أما أحاول أبعد عن وجع القلب ألاقيه في وشي. مين زعلك بس؟ قوليلي يا رانيا مين زعلك يا بنتي ووصلك للحالة دي؟
أغمضت رانيا عينيها بقوة وهي تتذكر كيف أهانتها تلك المرأة. كيف قللت من شأنها. كيف عاملتها كأنها فتاة ليل خطفت ابنها. شهقت بألم. ماذا تقول لوالدتها؟ ماذا تقول لها؟ رانيا يا بنتي. صوت والدتها انتشلها من شرودها. فنظرت إليها والدموع تغرق وجهها. ابتلعت ريقها وقررت أن تخبرها بكل شيء. لن تخفي عنها شيئاً. وداخلها تعترف أنها أخطأت كثيراً عندما اعترفت له. بعد أن انتهت. بنت الكلاب دي فاكرة نفسها مين؟
صرخت بها رابحة بغيظ. عينيها كانت مشتعلة بالنار. ظلت رانيا تبكي لا تتكلم. تبكي بقهر عندما تتذكر الوصف الذي وصفتها به والدة يحيى. هي ابتعدت عنه. ابتعدت عن محيطه وعن أي شيء قد يربطها به. عن أي مكان قد تراه به. وندمت على ما قالته لها. ندمت لأنها أفصحت عن مشاعرها ولاذت بالفرار ولجأت لله. ناجته وتقربت منه. ودعته كثيراً أن يمحو تلك المشاعر من قلبها.
قررت أن تجد نفسها وتكمل دراستها وبالفعل قررت إتمام دراستها من بداية العام المقبل.
خططت لحياتها خطط لم يكن هو من ضمنها. وارتاحت وهي بعيدة عنه رغم أن قلبها كان يؤلمها ولكنها تجاهلت هذا الألم وقررت البحث عن عمل حتى وجدته. ولكنه وصل إليها. قرر الظهور مرة أخرى في حياتها مبعثراً حياتها مرة أخرى. ولكن تلك المرة والدته أذتها. وإن كانت يوماً ظنت بغباء أن لهما فرصة سوياً فالآن تلك الفرصة معدومة تماماً. فوالدته اتهمتها أنها هي من جعلت يحيى يترك خطيبته.
انسابت دموعها أكثر وقالت: أنا غلطت يا أما لما اعترفتله. ودي كانت غلطتي الوحيدة وبحاول أصلحها وبعدت. بس هو اللي جه ورايا. وأمه جات وراه وافتكرتني أنا اللي بوظت علاقته بخطيبته. كلامها كسرني من جوا يا أما. حسيت إن عشان هي غنية تفضل تهين فيا براحتها وأنا مليش حق أتكلم. روحي اتكسرت يا أما. معلش يا بنتي ربنا ينتقم منها يارب. دوري على شغل تاني وكملي دراستك وهيجيلك نصيبك. ووكلي ربنا يجيبلك حقك وهتشوفي.
هزت رانيا رأسها وهي تضم والدتها إليها. وقد تجدد داخلها الأمل. لن تستسلم حتى تفتخر بنفسها. ولجت السيدة ليلى إلى المنزل ترفع رأسها عالياً وكأنها لم تخطئ وكأنها لم تسمم حياة فتاة بريئة بكلماتها. استني يا ماما. هدر يحيى وهو يقترب منها. تتصاعد النار بعينيه. نار لم تخفها بل رفعت وجهها بترفع وكبرياء وقالت بنبرة متصلبة: إيه يا يحيى يا بني؟
ناوي تتخانق معايا تاني عشان الخدامة اللي خليتك تسيب خطيبتك. تربية الشوارع اللي خليتك تدمر حياتك. مش كفاية قلة ذوقك معايا في العربية واللي مش هحاسبك عليها وهسامحك. أغمض عينيه بغضب وهو يحاول انتقاء كلماته. لا يريد أن يجرحها فهي بالأخير والدته.
أمي رانيا ملهاش دعوة بفسخ خطوبتي. وهي لا أغوتني ولا أي حاجة. أنتِ بس اللي اتسرعتي. وأنا اللي سعيت عشان أقابلها وعرفت شغلها فين وروحت واترجيتها كمان عشان أكلمها وهي رفضت يعني أنا اللي سعيت عشان أكلمها مش العكس. تقومي بقا حضرتك تعملي إيه. تيجي ورايا وتهيني البنت بدون أي حق. تقوليلها كلام صعب وتستغلي طيبتها وأنها مش هتقدر ترد عليكي وتقطعي عيشها. حضرتك إزاي تعملي كده؟
إزاي يا ماما يا مثقفة تهاجمي الناس من غير أي دليل لمجرد إن سيبت ليان خلاص يبقى واحدة أغوتني وأنا زي العبيط همشي وراها. ليه فاكراني إيه؟ فاقد للأهلية! أي واحدة هتقدر تجرني وراها ولا كأني حمار. لا يا ماما أنا إنسان فاهم وعارف. وأنا كنت هتكلم مع البنت في موضوع مهم خاص بشغل وأنتِ جيتي واحرجتيني. جيتي وحطيتني في موقف صعب. أوري وشي ليها إزاي دلوقتي؟ إزاي تعملي كده!
انتفضت عندما رأته فقد السيطرة على نفسه وتراجعت بخوف وهي ترى عروقه نفرت برقبته. ابتلعت ريقها وقالت: أنا كنت خايفة عليك. بعمل ده عشانك. عشان خايفة وعش... أنا كبير يا ماما. قادر آخد قراراتي بنفسي مش عيل صغير عشان تيجي تحرجيني بالشكل ده. أنا احترمتك ومردتش أعمل مشكلة هناك رغم إنك كسرتي رانيا. ياريت حضرتك تعتذري منها عشان غلطتي في حقها جامد. أنا هحاول أوصلها وحضرتك تعتذري منها وننهي الموضوع. نعم بتقول إيه؟
أنا أعتذر من دي؟ الخدامة؟ قالتها بهياج ليرد بهدوء وهو يهز كتفه: أنتِ اللي علمتيني كده يا ماما إن لما نغلط نعتذر ومفيش حد كبير على الاعتذار. على الأقل الطرف التاني يسامحك ومتشيليش ذنبه ليوم القيامة. أنت أكيد مجنون. مستحيل أنزل من مستوايا وأعتذر لها. مستحيل. أنت فاهم بتقول إيه؟
أنا أروح للخدامة دي وأقلل من نفسي وأعتذر. لا لا مستحيل. ده مستحيل يا حبيبي. وأنت كمان من النهاردة ملكش أي علاقة بيها يا يحيى، لا تكلمها ولا تقابلها. بلاش يا بني البنات اللي زي كده. قاطعها يحيى عندما رأى إنها سوف تهينها مرة أخرى وقال: ماما لو سمحتي خلاص كده كفاية. نظرت إليه وقالت بجمود: بتحبها؟ قولي اتورطت وحبيتها يا يحيى. قولي عملت المصيبة دي يا بني عشان الحقك. هتلحقيني إزاي يعني مش فاهم؟ قالها بنبرة
تغلي من الغضب فقالت بسرعة: أسفرك بعيد. أو أزوجك بنت من مستوانا وتروح بيها بعيد. بس لا هي شكلها عملتلك سحر. أنا ممكن أشوف شيخ. كان ينظر إليها مصدوماً. لا يصدق أن والدته تقول هذا. أخذ ينظر إليها وكأنها فقدت عقلها. متبصليش كده يا يحيى، أنا بحاول أنقذك. ابتسم بسخرية مريرة وقال: مظنش يا ماما، أنتِ حابة تنقذي نفسك من كلام المجتمع بتاعك لو عرف إن ابنك بيحب خدامة. يعني أنت بتحبها؟
قالتها مصدومة. ولكن لم يرد عليها. خرج من المنزل بأكمله. مختنقاً بسبب ما قاله. في اليوم التالي. في إحدى عيادات النساء الشهيرة. تسطحت ورد على الفراش المخصص للفحص بينما فحصتها الطبيبة بجهاز السونار. ابتسمت الطبيبة بود وقالت: شايفة النقطة الصغيرة دي؟ هي ابنك أو بنتك. أنتِ يدوبك مكملتيش شهرين حمل. عضت ورد على شفتيها لكي تمنع نفسها من البكاء وهي تنظر إلى الشاشة وترى ابنها وهو في بداية تكوينه.
كانت سعادتها في تلك اللحظة لا تضاهي أي لحظة أخرى. فكرة وجود جزء منها في رحمها، جزء منها تحميه داخلها، يشاركها جميع مشاعرها فعلياً. كانت تلك الفكرة لوحدها رائعة للغاية. كان ياسين بجوارها ينظر إلى الشاشة وهو فاغر فمه. تلك اللحظات. أنه يعيشها للمرة الأولى. رغم أنه رُزق بياسمين من قبل إلا أن فترة حملها كانت مأساة حقيقية إذ حاولت زوجته عدة مرات أن تجهضها.
طوال فترة الحمل كان يعيش في الجحيم. لم يستمتع بأي لحظة في حملها ولكن عندما أتت ياسمين عوضته عن كل شيء. شعر بالسعادة الحقيقية ولأول مرة. عشق ابنته. صحيح ابتعد عنها لفترة بسبب سفره الدائم للعمل ومشاكله الكثيرة مع زوجته وهذا جعل جوري تؤذيها ولكنه عندما عرف نقل مقر عمله للقاهرة وأخذ ابنته لتعيش معه. خرج من شروده عندما نهضت ورد وعدلت من وضع ثيابها. امسك هو كفها ليسندها. نظرت إليه وابتسمت: أنا كويسة يا حبيبي متقلقش.
ابتسم لها وهو يسحبها نحو مكتب الطبيبة. جلست ورد على المقعد وجلس هو في مواجهتها وهما يستمعان إلى كلامها. الحمد لله وضعك طبيعي يا مدام ورد. هديكي بس شوية فيتامينات وكل اللي عليكي ترتاحي أول تلات شهور ومتجهديش نفسك كتير. وأنت يا أستاذ ياسين ياريت تهتم بيها في الأكل لبن وبيض وكده و... ولكن ياسين قاطعها: معلش يا دكتورة عشان نعمر مع بعض. اسمي باشمهندس ياسين. وضعت ورد كفها على وجهها بينما
ابتسمت الطبيبة وقالت: آسفة يا باشمهندس. وزي ما قولت اهتم بالأكل وياريت ترتاح قد ما تقدر. حاضر يا دكتورة. قالها ياسين وهو ينظر لزوجته مبتسماً. ثم مد كفه واحتوى كفها ثم خرجا من عيادة الطبيبة. تحبي أشيلك لحد العربية. قالها ياسين وهو بالفعل يهم لحملها إلا أن ورد أبعدته بخجل وقالت: ياسين متبقاش أوفر أنا حامل متشلتش.
عبس وقال: تصدقي إنك فقر ومعندكيش حس الرومانسية. أومال إيه قصايد الشعر اللي شغال أحفظها عشان جنابك. أصحابي بقوا يتريقوا عليا وأنا ماشي في الموقع وماسك ورقة وبقول (عيناكِ نافذتان على حلم لا يجئ وفي كل حلم أرمم حلماً وأحلم) ضحكت ورد وقالت: اسكت الله يخليك أشعارك دي هتخليني أولد في الشهر التاني. ترمم إيه يا ياسين اسمها أرمم يا حبيب قلبي. يالا عشان نجيب البنت من عند مامتك. يالا. هز رأسه واركبها السيارة وقاده على مهل.
كان يقود سيارته وعلى ثغره ابتسامة رائعة. قلبه يخفق بسعادة. يشعر وكأنه ملك العالم. حبيبته حامل، ستنجب له طفل. الآن سوف تقوى العلاقة بينهما. كم هو محظوظ بوجود ورد معه. لقد ظن أنه سيعيش وحيداً دوماً. دون حب. دون مشاعر أو سعادة. ولكنها أتت وأزهرت قلبه. أتت وبثت السعادة به. أمسك كفها وقبله برفق وعلى وجهه ابتسامة. ازدادت ابتسامتها اتساعاً وقالت: شكلك مبسوط أوي بالبيبي.
أوي أوي يا ورد. متتخيليش قد إيه. من أول ما قولتيلي وأنا مش قادر أنام من الفرحة. حاسس إن الدنيا مش سايعة فرحتي. أنا بحب الأطفال أوي ونفسي في يوم أخلف خمستاشر عيل. يالهووي خمستاشر! مين عنده حيل يجيب ده كله؟ وبعدين أنا ممكن بعد تاني عيل انهار. عبس وقال: بجد؟ يا خسارة خلاص اتجوز عليكي واحدة تانية تكمل العدد. ضربته ورد بغيظ على كتفه وقالت: أعملها بس وأنا أخنقك أنت وهي. بارد صحيح مراتك حامل وأنت بترفع ضغطها. رجالة آخر زمن.
ضحك ياسين بمرح وقد بدا الآن كل شيء جيد. أزيك يا شيخ طه. قالها أمير بود وهو يجلس بجوار الشيخ بالمسجد وهو يقرأ القرآن. رحب به الشيخ طه وقال: تعالى يا أمير تعالى يا بني، ازيك. كده يا أمير مبقتش تقعد معايا زي زمان، يدوب تصلي وتهرب علطول. حتى الشيخ بهاء قالي إنك مش ملتزم في دروس القرآن. حك أمير رأسه بخجل وقال: والله يا شيخ أنا كنت في دوامة ملهاش أول من آخر. حقك عليا. تنهد الشيخ طه وقال: وأكيد جاي عشان تحكيلي كالعادة.
ابتلع أمير ريقه وقال: بس بصراحة مش هقول تفاصيل. يعني هاخد القشور كده وأقولهالك. ضحك الشيخ وقال: طيب يا سيدي اللي أنت عاوزه. المهم تحكي. احكيلي يا أمير إيه المشكلة. بصراحة كده أنا حبيت. قالها أمير بسرعة ساداً على نفسه أي طريق للتراجع. يجب أن يعترف وينتهي الأمر. ابتسم الشيخ وقال: الحب جميل يا أمير وخصوصاً لو كان في الحلال. إنك تتجوز اللي بتحبها دي حاجة حلوة أوي بتخليك مبسوط.
تنهد أمير وأطرق رأسه وقال: بس هي مش ليا يا شيخ طه. هي من عالم تاني غير العالم بتاعي. هي بنت حسب ونسب، وأنا واحد على قده يعني مفيش أي توافق اجتماعي ما بينا. مش هعرف أعيشها كويس. كان الشيخ يستمع إليه وهو يحلل كلماته وقال: طيب ومشاعرها هي مالت ليك؟ جايز. قولي يا شيخ أعمل إيه؟ حاسس نفسي تايه. حاسس بفراغ كبير جوايا. بطـ حن نفسي في الشغل عشان أنساها. بدعي ربنا كتير إني أنساها وأبطل أحبها بس مش قادر. مش قادر يا شيخ.
ابتسم الشيخ وقال: يا بني اللي كاتبه ربنا هيكون. والله لو البنت دي من نصيبك هتكون من نصيبك. ولو مش من نصيبك ربنا هيديك الأحسن منها وهترضى بيها. الجواز رزق من ربنا ويا عالم. يا عالم يا بني إيه اللي هيحصل. صلي استخارة وشوف الدنيا هتمشي إزاي. ولو عايز تطلبها من ربنا اطلبها. ولو أبوها غني فمش هيبقى أغنى من رب الناس اللي يقدر يخليك في حال غير الحال. اسعى يا بني واطلبها بس متعملش الغلط ولا تتواصل معاها. متغضبش ربنا بسببها يا أمير فتخسر أنت رضاه وتخسرها كمان.
ابتسم أمير وقال: حاضر يا شيخ. متعرفش كلامك ده طمني قد إيه. أنا هسيب كل حاجة لربنا. هدعي إني أتزوجها وربنا يقدرني وأسعدها بإذن الله. ومش هتواصل معاها وأدعيلي يا شيخ. رفع الشيخ طه يده وقال: ربنا يكرمك يا بني باللي فيه الخير. ويريح بالك ويحفظ قلبك. يارب لو خير ليك تبقى ليك وتكون الزوجة الصالحة ليك. ربنا يوفقك يا بني. ربنا يوفقك. أنزل
كفه ونظر إليه بعتاب وقال: بس أوعى مهما حصل تقصر في دينك. ترجع لدروس القرآن تاني. إحنا عباد الله يا بني ومحتاجين قربه. دينك هو رقم واحد في حياتك. هز أمير رأسه وقال: وعد يا شيخ مش هقدر أبداً. خرج أمير من المسجد وقد شعر بالراحة قليلاً بسبب كلام الشيخ. لا يعرف لماذا ولكن الشيخ طه بث فيه أمل شديد أن تصبح عبير من نصيبه. ابتسامة رائعة شقت شفتيه وهو يتجه إلى الورشة الخاصة به بكل همة ونشاط.
بعد أن ينتهي سوف يذهب إلى المنزل ويصلي استخارة. ويتمنى من الله أن ييسر له أمره. ولج للورشة وقد تبدل حاله حتى أن الصبي الذي يعمل معه قد شعر بالدهشة وهو يرى من النشاط الذي أصاب صاحب عمله فجأة بعد أن كان منطفئاً الأيام السابقة. كان يشعر أنه في طريق مسدود ولكن الآن تولد في قلبه الأمل. لقد قرر ترك الأمر لله. سيطلبها منه وهو واثق أن الله لن يرد دعاءه. بعد أسبوع. خرجت من القصر برفق لكي تذهب إلى كليتها.
لقد تغيبت عن الكلية بما فيه الكفاية ولا تريد أن تفوت المحاضرات الأخيرة لأن امتحاناتها قد اقتربت وهي يجب أن تحصد تقدير عالٍ كعادتها. كانت ترتدي نظاراتها السوداء بعد المقابلة الأخيرة مع موسى وبعد أن رأت صورة تلك الفتاة لم تتحدث معه مرة أخرى. موسى غامض يخفي عنها الكثير. وهي لا تشعر بالراحة من وجود كل ذلك الكم من الأسرار بحياته. يجب أن يخبرها. أن يشاركها كل شيء كما تشاركه هي كل شيء.
فتح موسى باب السيارة الأمامية لتركب بجواره. كادت أن تتراجع وتفتح الباب الخلفي إلا أنه جذبها من ذراعها وتمتم: لا هتركبي جمبي. نظرت إليه بضيق وقالت: أنا مبحبش التسلط ده يا موسى. أنا متسلط يا ليان في اللي يخصني. أنتِ حبيبتني بعيوبي فحبيني للآخر. ثم أجلسها بالسيارة وأنطلق بسرعة. بينما هي أصبحت تتأفف بضيق.
كان الصمت مسيطر على السيارة. هو يقود بهدوء وهي تنظر من النافذة ويدور داخلها الكثير من الأسئلة. أسئلة لا يعرف إجابتها غير موسى. مد موسى كفه واحتوى كفها ثم رفعه لشفتيه وقبله. ازدردت ريقها وارادت أن تبعد كفها ولكنه تمسك بها وقال: متبعدنيش عنك يا ليان. أنا استسلمت وأديتك قلبي فمتكسروش. نظرت إليه وقالت: أنت غامض يا موسى. غامض أوي وده مخوفني منك. خايفة إني أذيكي؟ قالها بصدمة لتصمت هي بينما يكمل هو ويهز رأسه.
كانت كلماته صادقة. نابعة من القلب ووصلت لقلبها: اعرفي يا ليان إني أهون عليا أموت ولا أذيكي. أنا موجود عشان أحميكي ولو في يوم حسيت إني هشكل خطر عليكي صدقيني هبعد عنك. المهم تكوني أنتِ بخير. المهم تكوني سعيدة. عمري ما هكون سعيدة لو بعدت عنك يا موسى. ياريت تفهم ده كويس. أنا بحبك. وأنا مش هبقى سعيد برضه بس على الأقل هرتاح لما أشوفك بأمان. أنتِ حياتي. بس أنت مخبي عليا أسرار كتير يا موسى. كتير أوي.
هتفت بإعتراض واهي. هي لا تعرف عنه أي شيء. صحيح إنه كل ما كان يهمها هو أن يقع بحبها ولكن بعد أن ارتبطا فكرت بهذا. هقولك على كل حاجة قريب. قالها متنهداً وهو يشد على كفها. وعد. قالتها بحزن ليهز رأسه ويقول: وعد. أيوة. ثم ابتسم ونظر إليها وقال: ابتسمي يالا شكلك وحش وأنتِ مقموصة ومادة بوزك شبرين. نظرت إليه بغضب وقالت: نعم أنا مادة بوزي شبرين يا موسى؟ وشكلي وحش وأنا زعلانة؟ أنت إيه معندكش تمييز؟ دي كلمة تقولها لحبيبتك!
بدل ما تقولي أنتِ جميلة في كل أحوالك يا حبيبتي تقولي مادة بوزك وشكلك وحش! أنت متعرفش تغازل حبيبتك أبداً. ابتسم بتسلية وقال: أغازلك أقولك إيه يعني؟ أقولك شعر. رفعت وجهها وقالت: وفيه إيه لو قولت شعر؟ هو أنا أقل من البنات اللي بيتقالهم شعر ولا إيه يا موسى. لا يا حبيبتي أنتِ ست البنات كلهم. مبعرفش أقول شعر للأسف بس هقولك دايماً إني بحبك وإنك حياتي مرضية يا ست الكل. لا طبعاً لازم تغازلني. غنيلي. قولي شعر اكتبلي رسايل.
أنتِ عندك جفاف عاطفي ولا إيه؟ وبعدين أحسسك إني بحبك أكتر من كده إزاي يا ليان ده أنا حاطط صورتك كافر عندي وباسورد موبايلي بعيد ميلادك. مطت شفتيها وقالت: أنا عايزة رومانسية أكتر من كده. وحاجة كده تكون ساسبينس. عايزك تفاجئني يا موسى. تعرف تفاجئني؟ ابتسم وقال: من عيوني. النهاردة هاخدك برج القاهرة وأرميكي من فوقه. وبكده أكون عملتلك مفاجأة متتوقعيهاش. أنت بارد يا موسى. بارد بجد. قالتها بغيظ ليضحك هو.
أخيراً وصلا إلى الكلية. نزلت ليان بشوق عندما رأت نسرين اندفعت إليها وعانقتها بقوة غير مهتمة بجرحها وهي تقول من بين دموعها: أخص عليكي نسيتيني. مقدرش يا لي لي بس حياتك فوضى خالص الأيام دي. ابتعدت ليان وقالت وهي تشد على كفها: أنا رجعت ومش هسيبك أبداً. وعد. في المساء. مفيش داعي نعمل فرح. أنا بقول نعمل كتب كتاب بعد امتحانات نسرين وتروح لبيتك وأنت حر بعد كده تعمل اللي أنت عاوزه وأنا هشيل إيدي خالص.
كانت تلك كلمات كريم الباردة لفؤاد وهما يتفقان على إجراءات الزفاف. أطرقت نسرين برأسها وهي تكتم دموعها بشق الأنفس. أخذت تتنفس عدة مرات وهي تتلقى كلماته السامة. لا يفوت أي فرصة تجمعهما سوياً ليشعرها كم هو يكرهها. انسابت دموعها فمسحها بسرعة ليتدخل فؤاد تلك المرة ويقول: يعني إيه مفيش فرح؟ لا طبعاً هيكون فيه فرح وفستان كمان ونسرين هتفرح. ده قرارنا أنا ونسرين إذا كان هيكون فيه فرح ولا لا. مش قرار حضرتك مع احترامي ليك.
كان صوت فؤاد حاداً أكثر من المعتاد. لقد عرف أنه قلل من احترام كريم ولكن كريم قد تجاوز حدوده. لا يوجد أب يعامل ابنته بتلك الطريقة السيئة. الفتاة تدمرت حياتها بسببه. مط كريم شفتيه وقال: براحتك إن شاء الله تعمل عشرين فرح. أنا بس بقولك كده وبنصحك عشان التكاليف وكده. لكن حابب تعمل فرح أعمل. شكراً على النصيحة يا عم كريم. أنا هعمل فرح فعلاً. ثم نظر إلى نسرين وقال بلطف بالغ: ممكن من بكرة لو حابة تشوفي فساتين الفرح؟
أنتِ لسه قدامك شهرين تقريباً عقبال ما تمتحني وتخلصي يعني فيه وقت كبير. ولو حابة تفصلي فستان على ذوقك برضه مفيش مشكلة. قالت وقد خرج صوتها ضعيفاً: هشتريه جاهز. النهاردة هكلم ليان ونشوف بكرة الاستايل اللي أنا عايزاه. تمام. قالها فؤاد مبتسماً بلطف. كان فؤاد يقف مع نسرين أسفل البناية بعد أن استأذن كريم أن يتمشى معها قليلاً في المنتزه القريب من بنايته وقد وافق. تصبح على خير. قالتها وهي تثبت عينيها في الأرض. ليقترب
وهو يرفع وجهها ويقول: هو أنا وشي وحش للدرجادي عشان تنزلي عينيكي. تشبعت عينيها بالدموع فوراً. كانت معاملة والدها لها تقتلها. لا تعرف لماذا فقدت سيطرتها الآن بالذات بينما ينظر إليها بحنان ولطف. انسابت دموعها وارتفع نشيجها وأصبح عالياً. نسرين. قالها فؤاد بشفقة فقالت: ياريتني أموت وأريحه. ياريت أموت يا فؤاد عشان يرتاح. هو مش مرتاح بوجودي و... شششش. قالها وهو يجذبها إليه ويضمها بقوة بينما يربت على شعرها. ضمته نسرين بدورها
وهي تبكي بعنف وتقول: آسفة إنك اتورطت بسببي. آسفة. أراد أن يقول إن تلك فرصة أتت له. أراد أن يخبرها أنه أسعد رجل في العالم لأنه سيتزوجها. لأنه يحبها وسيظل يحبها حتى الموت. ولكنه لم يتكلم بل استمر في التربيت على ظهرها. بينما وخزت الدموع عينيه. ومن بعيد كان يقف هو يراها. الدموع تنفجر من عينيها. لقد خسرها للأبد. فهي هي تعانق آخر. آخر ستكون زوجته قريباً.
أراد أن يصرخ بقوة. أراد أن يحرق كل شيء. أن ينتزعها من بين يديه ويخبرها أنها له هو فقط. فقط! ابتعد يوسف لأنه لم يستطع البقاء أكثر من هذا. يشعر أنه يتمزق. للمرة الثانية يخسر. ولكن بداخله لا يريد الاستسلام. ما زال هناك أمل ليستعيد نسرين. وهو واثق أن حبه ما زال يحتل قلبها. لن يستسلم بتلك السهولة أبداً. ذهب مسرعاً وشياطينه تلاحقه بينما يتمتم: أنتِ ملكي أنا وبس يا نسرين. ملكي. ابتعدت نسرين عن فؤاد ووجهها أحمر من الخجل.
ابتسم فؤاد وهو يمسح دموعها ثم احتوى وجهها بين كفيه وقال: ممكن متفكريش في أي حاجة. متشيليش هم أي حاجة. عايزك تفرحي كعروسة بتختار فستان فرحها. فكري بس في اليوم اللي هتطلعي فيه أجمل واحدة في العالم. اتفقنا. هزت رأسها وهي تنظر إليه. آسرته عينيها للحظات ولكنه تمكن من التسلل من آسرها وطبع قبلة على جبينها وقال: يالا اطلعي فوق وارتاحي. أنا هفضل هنا لحد ما أطمن عليكي.
هزت رأسها مجدداً وانسحبت بسرعة من أمامه. فكم المشاعر الكثيفة التي شعرتها نحوه كانت صادمة للغاية. كانت نهى تغسل الأطباق وهي غارقة في التفكير. تتمنى أن تمر الأيام سريعاً ويتزوج فؤاد نسرين كي يحميها من كريم. كريم أصبح غير متزن نفسياً. هو يعذب ابنته. عاد الماضي يطارده بقوة وهي لا تفهم لماذا. لقد ظنت أنه تجاوز هذه المرحلة منذ زمن. فكريم بعد وقت طويل استطاع نسيان خيانة شقيقته وتزوج منها هي.
إذن لماذا أصبح بهذه القسوة مع ابنته. نعم هي تشعر من البداية ببروده معها ويحاول كثيراً أن يتواصل معها بقدر الإمكان ولكن عندما عرف بعلاقته بصديقه خرج كل غضبه المكبوت من زوجته الراحلة وأصبح يصبه على ابنته. أي أب هذا. وكيف يتصرف بتلك الطريقة معها. انتهت من غسل الأطباق وغسلت يديها ثم جففتها بمحارم المطبخ. استدارت لتخرج لتصرخ صرخة بسيطة وهو ترى كريم أمامها. وضعت كفها على صدرها وتنفست
بسرعة وهي تقول بعصبية: أووف خضتني يا كريم. ظل صامتاً لعدة لحظات ينظر إليها لتهرب هي بنظراتها منه وتقول: بما إن معندكش حاجة تقولها عن إذنك رايحة آخد دش. وكادت أن تتجاوزه هاربة من السؤال الذي يقبع بعينيه إلا أنه امسك ذراعها وهو يقول بهدوء: استنى. تراجعت وهي تحرر ذراعها منه وتربعه قائلة بهدوء: استنيت. اتفضل قول عايز إيه. أنتِ هتنامي النهاردة فين؟ سألها والنار تتصاعد بعينيه. ورغم أن الخوف سكن قلبها لثواني إلا أنها
رفعت رأسها وأجابت بشجاعة: فين يعني؟ كالمعتاد. مع بنتك نسرين. نهى أنا صبرت كتير على بعدك عني. ممكن أعرف أنتِ بتعملي كده ليه؟ يعني أنتِ مش عارفة؟ عاتبته بحزن. هي بالفعل حزينة جداً على نسرين. الفتاة تعاني بسببه وبسبب أفعاله العنيفة معها. هو يحطمها. تنهد وقال: علاقتي مع نسرين أنتِ ملكيش.
ولكنها قاطعته وقالت: لا يا كريم لا. علاقتك مع نسرين أنا ليا دعوة بيها عشان قبل ما أتزوجك أنا خالتها وقريباً هبقى حماتها. نسرين بنتك مفروض متعملهاش بالشكل ده. أنت بتفش غلبك من أختي فيها. تحولت النار في عينيه بسرعة لجليد. جليد يستحيل النفاذ إليه. عينيه الزرقاء كانت كقطع حادة من الجليد وخرجت
نبرته الأكثر برودة وقال: ملكيش دعوة يا نهى. دي بنتي. لحد ما فؤاد يأخدها من بيتي دي بنتي وأعمل اللي أنا عاوزه. لا أنتِ ولا غيرك ليكم حق تتكلموا. مش معنى إن خالتها يبقى خلاص هي بنتك. لا يا نهى. دي من دمي أنا. كتمت دموعها وقالت بنبرة مرتعشة: جميل. افتكر إنها من دمك بقا ومتعذبهاش الكام يوم اللي قاعدة معاك فيهم لإنك أنت اللي هتندم والله. أدار رأسه بملل ثم
نظر إليها بعد لحظات وقال: ده مش موضوعنا دلوقتي يا نهى. موضوعنا حضرتك امتى ناوية ترجعي لأوضتنا؟ مش هرجع. أفندم. اللي سمعته يا كريم. أنا خلاص نهيت علاقتي بيك. وهنتطلق بعد فرح فؤاد ونسرين. يالا نامي يا ياسمين بكرة آخر يوم امتحان ولازم تركزي في آخر مادة عشان يبقى ختامها مسك زي ما بيقولوا. قالتها ورد وهي تداعب شعر ياسمين الناعم. بينما ياسمين تضع رأسها على بطنها وتقول بحماس: أنا سامعة حركة البيبي.
انفجرت ورد بالضحك وقالت: بس البيبي لسه متكونش يا ياسمين يا حبيبتي عشان تسمعي حركته. يالا كفاية بقا وروحي نامي. الساعة لسه تمانية يا ماما ورد. حبيبتي معلش عشان تصحي فايقة للامتحان وتركزي كويس في إجاباتك. يالا يا ياسمين بلاش غلبة. مطت ياسمين شفتيها وقالت: طيب ممكن نلعب أنا وأنتِ زي زمان وبعدين هروح على السرير وتحكيلي قصة. إيه رأيك؟ ابتسمت ورد وقبلتها وقالت: ماشي يا نصابة يالا روحي جيبي العرايس وبعدين نلعب.
ولكن قاطعهم خروج ياسين من المطبخ. يرتدي مئزر وقبعة الشيف وهو يقول: لا لا مفيش لعب إلا لما تأكلوا من إيد المهندس الشيف الذكي ياسين. ضحكت ورد وهي تطالعه برقة. أنه يبذل جهده من أجلها وكم بدت هذا لطيف. لطيف للغاية. اقترب ياسين منهما وهو يضع صينية الطعام على الأريكة ويقول: مفاجأة. نظرت ورد بدهشة إلى الطعام والذي لم يكن إلا فواكه مقطعة بطريقة سيئة للغاية وثلاث أكواب من اللبن. فين الأكل يا ياسين؟ سألته
ورد بدهشة فرد وهو يشير: اهو يا حبيبتي فواكه ولبن. عايزة إيه تاني؟ أجيبلك لبن عصفور ولا إيه. بدل ما تشكريني وأنا راجل مهندس واقف في المطبخ نص ساعة أقطعلك الفواكه وأغليلك اللبن. آه صحيح. ضرب بكفه على جبينه وأكمل: بمناسبة اللبن أنا للأسف سهيت عليه واتدلق على البوتجاز. شوفي أنتِ هتعملي فيه إيه. رفعت حاجبيها بدهشة وقالت: يعني الفواكه المتقطعة دي بشكل يسد النفس واللبن المسكوب على البوتجاز هو العشا؟
تحبي أفتحلك علبة جبنة وأقطعلك عليها طماطم. تنهدت وقالت: شكلي هعتمد على نفسي في حوار الأكل وإلا أنا وياسمين هنموت من الجوع. الأكل ده تحطه للعصافير يا ياسين ميكفيش أربع أفراد خالص. أربع أفراد إزاي؟ إحنا تلاتة بس. زفرت بضيق وهي تضع كفها على بطنها وتقول: واللي في بطني ده مش روح. يعتبر فرد ومحتاج تغذية. وأنت ناوي تجيب أجلي وأجله من أول يوم.
ضحكت ياسمين وقالت: يووه يا ماما ورد ده بابا معروف من بدري إنه مبيعرفش يعمل حاجة في البيت. مرة لما تيتا كانت تعبانة عملنا شوربة فراخ مسكرة. ضحكت ورد ليقول ياسين بغيظ: وأنا إيش عرفني إن العلبة اللي مكتوب عليها ملح محطوط فيها سكر. ما جدتك غريبة بصراحة مفيش نظام وهي اللي غلطانة. طيب والرز المعجن يا بابي.
عبس هو قائلاً: على فكرة أنا شايف تقليل متعمد من مجهودي في المطبخ. ده أنا حتى مسمعتش كلمة شكر. أنا اتعورت مرتين وأنا بقطع الفواكه. وبدل ما تقولوا شكراً بتتريقوا عليه. أوه الباشمهندس ياسين اتضايق منا. قالتها ورد بسخرية ثم أكملت: أصل بصراحة خاب أملي. واحد مهندس بمهاراتك وبمستوى ذكاءك ومش عارف يعمل أكل ولا يقطع فواكه؟ زمر ياسين شفتيه وقال: المهندسين مالهمش في المطبخ. ضحكت ورد وقالت وهي تسخر منه: ياااه بجد؟
على كده البنات اللي دخلت هندسة ستات بيت فاشلة مع إن ليا صديقة مهندسة وشاطرة أوي في المطبخ دي مش حجة. عايزة إيه دلوقتي يا ورد. حاولت ورد النهوض وقالت: أنا رايحة أعمل أكلة كده خفيفة عشان ياسمين. وأنت ارتاح. هز رأسه وقال: قوليلي عايزة تعملي إيه وأديني الخطوات وأنا هعملها متقوميش. اتسعت عينيها بدهشة وكادت أن تعترض وتخبره أنه يبالغ إلا أن رنين جرس المنزل أوقفها. ذهب ياسين ليفتح الباب وتجمد وهو يرى جوري أمامه. ابتسم ساخراً
وقال: وطبعاً يوم مثالي زي ده مينفعش يختم إلا بظهور الساحرة الشريرة المدعوة بالـ حر باية أم سحلول. ممكن تيجي معانا بكرة نشوف فستان فرح صاحبتي نسرين. بليز يا بيري محتاجاكي معايا ذوقك حلو وهتفيديني. قالتها ليان وهي تمسك كف جواهر وتترجاها. تنهدت جواهر وكادت أن ترفض إلا أن ليان قالت: عشان خاطري. عشاني بليز يا بيري تعالي بقا. طيب طيب هروح أنا عارفة إني مش هخلص من زنك أبداً. قالتها جواهر بتأفف مصطنع لتضمها ليان
وتقبلها على وجنتها وتقول: والله بحبك. على مهلك يا ليان عشان الجرح بتاعك لسه مخفش كلياً. كان هذا صوت عدي الذي ولج إلى القصر. عدي أنت جيت! قالتها ليان بسعادة ثم نهضت من الأريكة واتجهت إليه وضمته فهو قد غاب أسبوع عنهم. بينما نهضت جواهر وهي مبتسمة بلهفة وهي تراه ولم تتضايق من نفسها عندما اعترفت أنها افتقدته. افتقدته كثيراً. ابتعد عدي عن ليان مبتسماً وقال: وحشتيني يا لي لي. وأنت كمان وحشتني أوي أوي يا عدي.
نظر عدي إلى زوجته وابتسم ثم اقترب منها وعانقها وهو يغمض عينيه مستنشقاً رائحتها التي اشتاق إليها كثيراً. ارتبكت جواهر ولكنها عانقته بدورها وهي تغمض عينيها. تلك اللحظات النادرة الجميلة سوف تفتقدها عندما يطردها نهائياً من حياته. احم احم. يا عدي. نحن هنا. قالتها ليان بتسلية ليبتعد عدي عن جواهر ويقول: باردة صحيح. اقتربت ليان من
جواهر وامسكت كفها قائلة: كويس جيت عشان أستأذنك إني آخد مراتك بكرة معايا نشوف فساتين الفرح لنسرين. أنا واثقة إن بيري ذوقها قمر. كفاية إنها اختارتك. اختفت ابتسامة عدي ونظر أرضاً بينما ظلت تثرثر ليان بمرح مع جواهر. في غرفتهما. خرج عدي من الحمام وهو يرتدي منامته ووجد زوجته تقف أمام المرآة. تنظر إلى انعكاسها بشرود. اقترب من حقيبته الصغيرة التي ما زالت على الفراش وأخرج منها عبوة مخملية.
أخرج منها شيئاً. ثم اقترب من جواهر الشاردة ووضع السلسال حول رقبتها. انتفضت قليلاً وهي تشعر بعَدي يعقد لها شيئاً. نظرت إليه ووجدته سلسال من الذهب الأبيض ينتهي بنجمة. فغرت فاها من جماله ولمسته برقة ليحاوط عدي خصرها ويقول: دايماً بحسك زي النجمة يا بيري. قريبة وبعيدة في نفس الوقت. بس برضه جميلة جداً. لما شوفت السلسلة دي حسيتها أنتِ. أنتِ النجمة اللي في حياتي يا بيري.
أغمض عينيه وهو يعترف لنفسه. لقد انتهى الأمر. لن يهرب من الحقيقة الواضحة. هو أحبها. عرف هذا عندما ابتعد عنها لأسبوع. عرف أنه يحبها مثل المجنون. ها هو الشيطان وقع أسيراً لها للأبد. أنا بحبك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!