الفصل 23 | من 48 فصل

رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سولييه نصار

المشاهدات
20
كلمة
7,134
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

جالس على فراشه كل ما حوله مبعثر، مصدوم بقوة مما حدث منذ قليل. لقد كانت بين يديه، مستسلمة سعيدة، ولا يعرف ماذا حدث بعد ذلك. فجأة انتفضت بقوة كالممسوسة وأخذت تصرخ به، وحطمت العالم من حوله، ثم حبست نفسها في الحمام. هو حقاً لا يفهم ما بها، ما الخطأ؟ إنها زوجته! لما هي خائفة؟ هل حقاً والدها تسبب بهذا الدمار بها؟ هل عانت عبير مع والدها لهذا الحد الذي جعلها تكره لمسة أي رجل آخر؟

وضع كفه على رأسه وهو يشعر أنه يدور في حلقة مغلقة، لا يعرف ماذا يحدث معه، لا يعرف حتى ماذا يفعل. "آه... " قالها بألم وهو يتسطح على فراشه الذي يحمل رائحتها. هل يسقط يا ترى في حبها؟ هل يغامر بقلبه مرة أخرى؟ الخوف كان يسيطر عليه. لطالما ظن نفسه قوياً، ولكن داخله جزء عاطفي غبي. وعندما يعشق يعشق بكل ما يمتلك، يعشق بجنون ولا يفكر. يظن الجميع أنه شيطان، ولكن داخل هذا الشيطان شخص يتعطش إلى الحب الحقيقي.

لن ينسى يوماً أن تم تحطيم قلبه بيد من أحب، ولن يثق بسهولة في عبير بتلك السهولة. لا يجب أن يفعل هذا، ولا يجب أن يخضع لسحرها، ولا ينبض قلبه لها. تلك أشياء يقولها لنفسه دوماً ويقسم على هذا، ولكنه في اليوم التالي يفعل النقيض تماماً. يجد نفسه يثق بها، قلبه يخفق لأجلها، ويصبح أسيراً لعيونها. والمشكلة الكبيرة أنه سعيد بهذا، سعيداً لكونه أسيراً! ***

تجلس على الأرضية الفاخرة لحمام الغرفة، تضع كفها على شفتيها وتلهث بعنف، بينما الدموع تترقرق بعينيها. تشعر بقلبها يُعتصر من الألم. لا تصدق ماذا فعلت؟ لقد كادت أن تخطئ. كادت! رددت الكلمة في عقلها بذهول. لا لا، هي وقعت بالفعل. أخطأت وأذنبت. لعبت بالنار وظنت أنها آمنة، ظنت أنها ستحرق الجميع وسوف تبقى هي وتشاهد. ظنت أنها الأذكى، ولكن للأسف أخطأت. أذنبت ووقعت في فخ الخطيئة.

كادت أن تستسلم له، تمنحه مالا يحق له، وتصبح هي موصومة بذنب الزنا طوال حياتها. شهقت ودموعها تنفجر من عينيها بينما تكتم فمها بعنف. والذكريات المخزية تندفع لعلقها. ودت لو تستطيع محوها. ودت لو قتلت نفسها قبل أن تفعل هذا. *** كانت تغمض عينيها بقوة بينما هو يقبل جميع أنحاء وجهها. كانت تشعر أنها تطفو وشيء جميل يتحرك في معدتها بينما قلبها يرتعش.

نست كل شيء إلا وجودها بين ذراعيه. ورغم أن صوت ضعيف داخلها أخبرها أن هذا خطأ وأنها سوف تندم، إلا أنها لم تهتم. لم تتراجع. كانت سعيدة، سعيدة للغاية. الشيطان تمكن منها بالفعل وزين لها تلك اللحظات التي سوف تندم عليها لباقي حياتها. فتحت عينيها ورفعت كفها لوجنته وهي تقول: "عدي... كانت عينيها مغطاة بطبقة رقيقة من الدموع، بينما تتمتم باسمه مراراً وتكراراً. تنهد وهو يقبل رأسها ويقول: "مفروض ما أثق فيكي... مفروض أبعدك عني...

انتِ بنت الراجل اللي كسرني... بس مش قادر... مش قادر يا عبير أبعد عنك... معرفش انتِ عملتي إيه فيا." "أنا عايزك يا عبير... عايزك... طارت عينيها مفتوحة. رباه... رباه! هي ليست عبير. هي ليست زوجته. تلك كذبة، كذبة لعينة. دفعته وهي تصرخ: "أبعد عني! ثم نهضت وهي تدور حول نفسها وتمسك شعرها بقوة، تشده حتى شعرت أنها ستقتلع جذوره. "لا لا... " صرخت بعنف، بينما ظل ينظر إليها بصدمة وهي تصرخ وتحطم أثاث الغرفة ثم تركض للحمام.

"مجنونة دي ولا إيه؟ " قالها عدي بصدمة. *** عادت من شرودها وهي تنفجر بالبكاء وتقول: "أعمل إيه أنا دلوقتي!!! *** كان يضع رأسه بين كفيه عندما شعر بباب الحمام يُفتح وتخرج هي منه. نهض بسرعة واقترب منها وهو يمسك ذراعها ويضغط عليه، بينما يتأمل وجهها بذهول. كانت محطمة بالفعل، محطمة. وجهها شاحب والدموع لا تتوقف عن الانسياب. جسدها بأكمله يرتعش. هز رأسه بذهول وهو لا يفهم لما كل هذا الانهيار. ماذا حدث لهذا كله؟

شعر أن رد فعلها مبالغ به. صحيح أن زواجهما لم يكن طبيعياً، ولكنها زوجته وما حدث منذ قليل طبيعي للغاية بين أي زوج وزوجته. فلما هذا الانهيار؟ لم يرى في عينيها الذنب؟ حقاً كان لا يفهم. تلك الأسئلة كانت تدور بعقله، أسئلة لا إجابة لها. "سيبني... سيبني يا عدي! قالتها بنبرة مختنقة وهي تحاول سحب يديها من قبضته القوية، ولكنه كان يمسكها بقوة. لم يسمح لها أن تبتعد عنه، ليس قبل أن تجيب على كل أسئلته. "لا لا مش هسيبك يا عبير...

أنا حابب أفهم... من حقي أفهم وأعرف إيه مشكلتك بالضبط... ليه بتبعدي عني بالشكل ده؟ أنا جوزك! ارتعشت بين يديه وقالت بنبرة مختنقة: "اديني وقت... لو سمحت... ولكنه شد على ذراعها أكثر والنيران تتصاعد بعينيه. يلاحق عينيها التي تتهربان من عينيه ويقول: "بس أنا اديتلك وقت... اديتلك وقت بما فيه الكفاية يا عبير! وكفاية كده، أنا عايز حقوقي." اتسعت عينيها برعب أذهله، فقال: "إيه مشكلتك؟ قوليلي إيه مشكلتك؟ ليه الخوف ده كله مني؟

أنا مش هاذيكي يا عبير... انتِ ليه خايفة مني؟! كانت تريد أي كذبة تسعفها، تنقذها من التهديد الذي تشعر به. والتهديد لم يكن منه تلك المرة، بل كان منها، من مشاعرها التي بدأت تتجه نحوه. قلبها الذي بدأ يتأثر به. هي تخاف، تخاف بشدة أن تنقلب اللعبة عليها وبدلاً من جعله يغرم بها، تغرم هي به ويتدمر كل شيء. شعرت بالهلع للفكرة. رباه، هي لا تريد أن تحبه. إن فعلت، سوف تنكسر بكل تأكيد. ستتحطم عندما يعرف الحقيقة ويطردها.

تذكرت بمرارة تلك البائسة كارمن، لقد ظلت تتوسله طويلاً كي يتكلم معها، إلا أنه لم يرحمها. نظراته كانت باردة وهو ينظر إليها. ابتلعت ريقها وهي تجهز الرد كي تقوله، وأخيراً، تماماً بصوت ضعيف: "مش قادرة أنسى إني اتجوزتك غصب. عارفة إن الموضوع سخيف يا عدي، بس ده لسه ماثر فيا. بحس إني لو استسلمت ليك هقرف من نفسي. عدي، انت مش فاهمني." ابتعد عنها وحك رأسه بإحباط. بداخله كان محبط، غاضب وحزين. فأكملت هي قائلة:

"أنا شبه متأكدة إن جوازك مني مش بسبب الشيكات. أنا حاسة إن بابا عملك حاجة وأذاك وانت بتنتقم منه فيا، صح؟ ارتعش فكه وحاول الحفاظ على جمود ملامحه وهو يواجهها. "قولي يا عدي، شعوري ده صح ولا غلط؟ "شريف قالك حاجة؟ " قالها بنبرة قاتمة كملامحه الآن. لتضغط على كفيها بتوتر وتقول بنبرة ثابتة عكس الخراب الذي بداخلها:

"لا بابا مقالش، بس كرهك من ناحيته غريب. إنك تتجوزني عشان خاطر شيكات دي حاجة مش داخلة عقلي يا عدي. أنا آسفة بس مش قادرة أقتنع، خصوصاً إنك تقدر تتجوز أي واحدة تشاور عليها وتحبس بابا في نفس الوقت. فليه؟ بابا عمل إيه لكل ده؟ وانت بتنتقم منه فيا أنا؟ معقول يا عدي أنا الضحية وسطكم؟ هز رأسه وهو يقترب منها، يعانق وجهها وينظر في عينيها ويقول بصدق:

"يمكن في الأول، ويمكن لحد دلوقتي مش قادر أثق فيكي، بس انتِ حركتي حاجة جوايا يا عبير. حاجة رغم خوفي منها إلا أنها مخلياني مبسوط. وجودي معاكي بيفرحني يا عبير وأنا قررت أديكي ثقتي كلها. فانتِ اديني ثقتك ومتخافيش مني." ابتعد بسرعة وهو يقول: "أنا مش هضغط عليكي أكتر من كده. أنا هستناكي تديني الأمان. تصبحي على خير." ثم اتجه لفراشه واستعد للنوم. *** المنزل فارغ، فارغ بشكل يُقبض القلب. يشعر بالاختناق فعلياً.

منذ أن تركته وهو يعاني الوحدة، يشتاق إليها. ويمنع نفسه قسراً من الاتصال بها. ليكن صريحاً مع نفسه، هو يريد أن ينساها. يفعل هذا لكي ينساها، ولكنه يومياً يطمئن على أحوالها عن طريق تحية التي تزعجه بتعليقاتها. جلس على الأريكة بتعب. هو يهلك نفسه يومياً في العمل كي لا يشعر بهذا الفراغ بداخله، ولكنه رغم هذا يشعر به. رغم هذا الفراغ يقتله.

لقد رحلت هي ورحلت السعادة معها، الونس، وكل تلك المشاعر الرائعة التي كان يشعر بها وهي معه. دلك عينيه بتعب وهو يمسك هاتفه مقرراً الاتصال بتحية ليطمئن عليها. أخرج رقمها ثم اتصل عليه وانتظر بصبر لكي ترد، وقلبه يخفق داخل صدره. *** كانت متسطحة على فراشها وغارقة بالنوم عندما اخترق رنين الهاتف رأسها بقوة. فتحت عينيها بصعوبة شديدة وهي تنظر إلى الهاتف الذي يضيء. سحبت الهاتف لترد عليه بصوتها الناعس: "ألو."

"أزيك يا تحية." قالها أمير مبتسماً بحرج عبر الهاتف وهو يسمع صوتها الناعس. "أمير، أنت عارف الساعة كام دلوقتي؟ مفروض ما تتصلش في الوقت ده أصلاً إلا لو كنت لا قدر الله هتموت. فياريت يكون اتصالك ده مش من فراغ بدل ما أجيلك وأنط في كرشك! ابتلع أمير ريقه وقال بتوتر: "اتصلت اطمن على عبير، هي كويسة؟ "متصل بيا الساعة اتنين بعد نص الليل عشان تتطمن على عبير؟! " صرخت بها وهي تنهض من فراشها. شعر أمير بالتوتر أكثر وقال: "آسف...

أنا بس... "أمير حبيبي، ده أنا أختك مش بتطمن عليا بالشكل ده... أنت متصل بيا النهاردة تلات مرات تتطمن عليها!! "أنا آسف." قالها بهدوء ثم أكمل: "أنا بس حبيت اطمن عليها منك، أنا اسف يا تحية إني ضايقتك، حقك على رأسي مش هعمل كده تاني... حقك عليا." نهضت تحية جالسة وقالت: "بس يا واد يا عبيط أنت... مين قالك إني زعلانة؟ أنا بهزر معاك... بس واضح إن البنت دي أثرت فيك جامد. ده أنت مش قادر تصبر على بعدها يا عم فيه إيه؟

"عموماً يا قلب أختك هي زي الفل ومرتاحة عندي متقلقش وشايلاها فوق راسي والله، المهم أنت ترتاح." "أنا مرتاح." قالها بتوتر، لتضحك هي برقة وتقول: "يالا يا كداب... مرتاح إيه يا ولا على أختك الكلام ده. عموماً احنا فيها، إيه رأيك تتجوزها وتفضل معاها طول حياتك بدل المكالمات المشتاقة دي وتقلق منامي بالليل؟ أغمض عينيه بتعب وقال: "اسكتي يا تحية ربنا يستر... أنا بس اتصلت اطمن عليها وهقفل، كملي نومك أنتِ وحقك عليا قلقت منامك."

"والله أنت مش هترتاح إلا لما تضيع البنت من إيديك يا أسطا أمير، بس براحتك خالص. والله البنت عروسة متتعوضش. البنت قمر يا واد يا فقري أنت اتجوزها عايزين نحسن السلالة شوية بدل ما أنا شغالة أجيب في القرود." ضحك أمير... ضحك حقاً بقوة. لقد استطاعت تعديل مزاجه بحسها الفكاهي الرائع. "ربنا يخليهم لك دول حبايبي." "ماشي يا سيدي، عموماً احنا بخير متقلقش وعبير بخير أوي، هوصلها سلامك." "لا لا يا تحية." قالها بتوتر، لتعبس وتقول:

"فيه إيه تاني؟ ابتلع ريقه وقال: "بلاش تقولي إني سألت عليها... معلش خلّي سر بيننا... مش حابة تفهميني غلط." ضحكت تحية وقالت: "لا متقلقش يا أخويا، كلنا فاهمينك صح. سلام يا حبيبي نام كويس." ثم أغلق الهاتف وهو يتنهد مبتسماً بحزن. هل سيأتي يوماً ويجتمعا سوياً؟ هل سيستطيع أن يحبها يوماً؟ لم يجد أي إجابات لأسئلته، لذلك تنهد ونام. *** في اليوم التالي... استيقظت من نومها لتجد رسالة مفادها أن عدي سوف يسافر يومين بسبب العمل.

قررت أن تستغل تلك الفرصة وتذهب لشريف. *** في فيلا شريف. "مش كل شوية تنطيلي يا جواهر. أنا مش عايز عدي يشك فيكي وتبوظي الخطة بتاعتنا، ما تعقلي شوية! " قالها شريف وهو يتجه إلى مقعده ويجلس عليه. اتجهت جواهر إليه وجثّت على ركبتها وهي تمسك يده. كادت أن تقبلها، ولكنه أبعدها كله بصدمة وقال: "مالك؟ انفجرت الدموع من عينيها وارتفع نشيجها وهي تقول: "أبوس إيديك يا شريف بيه اعفيني من الموضوع ده... أبوس إيديك... أنا بغلط...

أنا بدمر حياتي معاه... لو استمريت في التمثيلية دي هاخسر كتير قوي... أبوس إيديك يا بيه... سامحني على اللي عملته وساعدني أمشي... ساعدني أهرب من بيته... ساعدني أختفي... عايزة أرجع جواهر." "أنتِ مجنونة يا بنت أنتِ؟ " قالها بغلظة وهو يدفعها حتى سقطت أرضاً، ثم نهض ووجهه أحمر من الغضب وقال: "أساعدك وأتحبس أنا؟

طيب ما اللي انتِ وأنا فيه ده بسببك أنتِ. أنتِ يا جواهر لو حطيتي مناخيرك في وشك من غير ما تحشريها في حياتي أنا وبنتي كان ممكن تكوني دلوقتي حرة وعايشة مع والدتك وسعيدة ومستقرة. لكن أنتِ عملتي نفسك سوبر مان وحبيتي تنقذي بيري فمتلوميش إلا نفسك. متلومنيش أنا... ده كان اختيارك وأنتِ تتحملي نتيجته مش أنا. فليه بتصحيقي دلوقتي؟

اتحملي نتيجة عمايلك يا جواهر. مش حبيتي تلعبي معايا اهو اتحملي بقا وأنا سلمتك للي عمره ما هيرحمك. فأنتِ كده كده مش قدامك اختيارات كتير. إما تجيبي الشيكات وأنا أساعدك... أو تفشلي في مهمتك وعدي يكشفك ساعتها مش هيرحمك. وأنا أنصحك بالحل الأول. يالا يا حلوة شدي حيلك بقا!! "ولو حاولتي تلعبي بديلك هعرف إزاي أدمر حياتك انتِ والست الوالدة." هزت رأسها بصدمة وقالت: "أنت مستحيل تكون إنسان طبيعي... أنت غير متزن نفسياً...

بجد غير متزن!!! "أنت بتعاقبني عشان ساعدت بنتك؟ بنتك يا مريض!!! " صرخت بجملتها الأخيرة وهي تشد شعرها بجنون. هل ظنت عدي هو الشيطان؟ حسناً، هي مخطئة تمام. فشريف هو الشيطان في قصتها. هو الشرير. هو من دمر حياتها وحياة عدي وحياة عبير وسوف يدمر حياته قريباً. ظلت ملامح شريف جامدة وهو ينظر إليها. يسيطر على نفسه كي لا يصـفعها على وجهها. هو أبداً لن يسمح لتلك الفتاة أن تعامله بتلك الطريقة.

هو قادر على وضعها عند حدها، ولكن للأسف ما زال بحاجة إليها حتى يحصل على الشيكات من بين يدي عدي، ثم يفعل بها ما يريد. "مش ناوية تغيري الكلمتين اللي بقيتي حافظاهم يا جواهر؟ عرفنا إنك مختلة. خلاص غيري شوية بدأت أحس بالملل." اتسعت عينيها وهي تشعر بالغضب، بل نيران كانت تشتعل داخلها، تحرقها. هذا الرجل يمتلك برود أعصاب يُحسد عليه. رجل بلا ضمير حرفياً.

للحظات، فقط للحظات تمنت أن تكون مثله. ربما حالها لم يكن بهذا السوء. تمنت أن تكون أنانية بلا ضمير مثله، فيبدو أن أمثاله ممن يمتلكون تلك الصفات هم من ينجون في تلك الحياة. وأمثالها من يعانون! "حسبي الله ونعم الوكيل فيك!! " قالتها بقهر ثم صرخت وهي تدفعه بقوة: "يا أخي ربنا ينتقم منك يا شيطان يا مريض! أنا عملت إيه؟ عملت إيه؟ أنا رحمت بنتك من شيطان زيك. ربنا ينتقم منك. ربنا ينتقم منك... كانت تصرخ وتضرب على صدره

ليصرخ هو ويصفعها بقوة: "بس اخرسي!!! شحب وجهها وهي تمسك وجنتها وتنظر إليه وهي تبكي. "يالا روحي من هنا وخلصي مهمتك... أنتِ كده كده اتورطتي خلاص!! *** خرجت من بوابة الفيلا وهي تبكي. لم تلاحظ تلك السيارة التي تقف ولا ذلك الرجل الذي يبتسم بخبث. *** "اعمليلنا الكيك الصغير اللي عملتيه قبل كده... طعمه تحفة." قالها الصغير عمر وهو يتمسك بساق عبير التي أشرقت ابتسامتها على وجهها وقالت وهي تنزل لمستواه وتربت

على شعره الناعم وتقول: "مسمهوش كيك صغير يا عمر. اسمه كاب كيك. وحاضر هعملهولكم النهاردة قول لماما تجهز المضرب والقوالب بتاعته." "هيهيه... طنط هتعملنا كيك صغير... هييه! " قالها الصغير بصخب وهو يخرج من المطبخ لتضحك هي بقوة. "قرودي حبوبي بسرعة." قالتها تحية وهي تلج إلى المطبخ بينما تلف شعرها الأسود الطويل في هيئة كعكة وتبتسم. ابتسمت لها عبير وقالت: "هما كيوت أوي." "هما مالهم؟ " سألت تحية وهي تعبس بوجهها لتقول عبير:

"كيوت يعني لطاف زي مسكرين اللي بتقوليها دايماً." أطلقت تحية ضحكة بصوت مرتفع وقالت: "مسكرين؟ دول مسكرين؟ قصدك مملحين... شياطين." ضحكت عبير وقالت: "ربنا يخليهم لك ويهديهم. معلش بيعيشوا سنهم. مامي الله يرحمها كانت بتقول إني كنت شقية برضه." تجهم وجه عبير وهي تتذكر والدتها وقد ترقرق الدموع بعينيها. أمسكت تحية كفها وقالت بلطف وهي تدعمها: "الله يرحمها يارب... ادعيلها يا حبيبتي." هزت رأسها وهي تمسح الدموع التي

تساقطت من عينيها وقالت: "الله يرحمها حبيبتي وحشتني أوي. لو كانت موجودة يمكن ما كانش ده حصلي." "وايه اللي حصلك يا أختي؟ " قالتها تحية وهي تضرب كتفها بمزاح لكي تخفف عنها وأكملت: "ده أنتِ واقعة في غرامك زينة شباب العيلة أمير... ده الواد هيموت عليكي." احمر وجهها بقوة وأطرقت برأسها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها ثم قالت بتلعثم: "متهيألي مفيش حاجة من دي. أمير بيعتبرني زي أخ... قاطعتها قائلة بسخرية: "طب بس بس...

قال بيعتبرك أخته قال. يا ستي أنا اهو بنت خالته وأخته في الرضاعة مبيسألش عليا زيك. ده صحاني من النوم عشان البيه حابب يتطمن عليكي. الواد واقع واقع يعني بس تلاقيه مكسوف ما يقولك، فأنا اهو فضحتُه وقولت لك." "بس هو مش عايز ياخد خطوة ناحيتي." قالتها أخيراً عبير بإحباط. ما الفائدة من إخفاء مشاعرها وقد فضحتها ملامح وجهها الذي أشرق ودقات قلبها. لتتكلم مع أحد على الأقل كي ترتاح. أكملت وهي تنظر أرضاً وتمط شفتيها بحزن:

"ساعات بحس إنه بيحبني بس ساعات لا... أنا محتارة. طيب لو بيحبني مش مفروض يعترف؟ ياخد خطوة؟ ليه خايف؟ أنا بعض؟ هزت تحية رأسها وقالت: "يا عبيطة الحوار مش كده. بس هو شايف إن مفيش توافق. أنتِ بنت راجل غني وهو مجرد ميكانيكي." "ده تفكير متخلف أوي."

"لا بالعكس ده تفكير واقعي. هو بيفكر صح. لازم تتجوزي اللي من توبك. هو أنا صحيح بحاول أفهمه إن ده عادي وممكن يجتهد ويتجوزك ويعيشك في مستوى أحسن، بس هو عنيد. فاكر إن أبوكي مش هيرضى بيه. وهو عنده حق يا عبير. أبوكي هيرضى يجوزك لميكانيكي؟ احمر وجه عبير بغضب وقالت: "وهو ماله أصلاً بعد اللي عمله؟ ملوش حق يتحكم في حياتي يا تحية. ده كان عايز يبيعني." ابتلعت ريقها وهي تتذكر صديقتها التي عانت بدلاً منها وقالت:

"وخلى صاحبتي تعاني. هو ملوش حق يتحكم في حياتي بعد النهارده ومش هسمح له يتحكم فيها. يعني مفيش داعي أمير يحط النقطة دي في باله. علاقتي مع شريف صديق هي بس إن اسمه ورا اسمي في البطاقة، لكن أنا عمري ما هسامحه ولا أرجع وأعيش معاه." ربتت تحية على كتفها عندما وجدتها منفعلة وقالت: "طيب أهدي متعصبيش نفسك. اهدي خالص." ثم عانقتها بقوة. وظلت لحظات تربت على كتفها، إلا أنها انتفضت وصوت توأميها يصرخان:

"عايزين الكيك الصغير يا طنط عبير! ضحكت عبير وهي تمسح دموعها وقالت: "حاضر هعمله." *** في المساء. خرجت من الحمام وهي تمسح دموعها وجسدها بالكامل يرتعش. تشعر بالدوار ومئات الأفكار تعصف بها. رباه، ماذا تفعل الآن؟ ماذا تفعل؟ فكرت والدموع تحتشد مجدداً بعينيها. حاولت ألا تبكي حتى لا تثير قلق ياسين وياسمين، خاصة أن الفتاة لديها اختبار الغد. مسحت دموعها بقوة وهي تخرج لصالة المنزل وقالت: "ياسمين حبيبتي نص ساعة وتنامي، ماشي."

ارتعشت نبرتها في الآخر وشعرت أنها سوف تبكي، لذلك انسحبت وولجت إلى الغرفة. وظنت أن لم يلاحظ بؤسها أحد، ولكنها كانت حقاً مخطئة. فياسين قد لاحظ ما تعانيه. لاحظ أنها ليست على ما يرام. ونهض ليرى ما بها. *** ولج هو إلى الغرفة بهدوء وشعر بالهلع وهو يراها تبكي بتلك الطريقة. صُدم وعقد حاجبيه ثم اقترب وجلس بحوارها وهو يمسك كفها ويقول بنبرة قلقة: "مالك يا ورد؟ فيه إيه؟ قوليلي إيه اللي حصل... مالك؟ نظرت إليه...

عينيها حمراء بفعل البكاء. الحزن يسكن بهما. كانت خائفة، حزينة، لا تشعر بالأمان. وقد هاله ما شعرت به. أمسك وجهها وقال: "حبيبتي قولي إيه اللي حصل، أنتِ بتقلقيني كده؟ نظرت إليه ثم انفجرت بالبكاء مرة أخرى، بل أسوأ من سابقتها. ضمها إليه بقوة. تركها تفرغ حزنها كما تريد. لم يفعل شيئاً سوى التربيت عليها لكي يهدئها. ظلا هكذا لعدة لحظات. هي تبكي وهو يربت عليها أحياناً ويقبل رأسها أحياناً أخرى.

أخيراً انتهى كل شيء وسكنت هي. ابتعد ياسين براحة وهو ينظر إليها وقال: "يالا دلوقتي يا هانم قوليلي إيه اللي مزعلك ومخليكي بالشكل ده وأنا مدلّعك ومهنيكي وبقولك شعر." ابتعدت منه ونظرت إليه، كانت نظراتها مزيج من الخجل والشعور بالذنب. "متزعلش مني يا ياسين... أنا آسفة... أنا آسفة!! " قالتها ورد وهي تبكي مجدداً. نظر إليه وعبس ثم قال بتوجس: "حبيبتي أنتِ كده بتقلقيني، قوليلي مالك؟ إيه اللي مزعلك بس؟ قولي يا ورد."

عضت شفتيها وهي تمنع نفسها من البكاء مجدداً. أخيراً سيطرت على نفسها ومسحت دموعها وهي تقول بانهيار: "أنا حامل... حامل يا ياسين... رفع حاجبيه بدهشة. لتضع ورد كفيها على وجهها وتبكي مجدداً. "وليه بتبكي؟ يعني عادة الست بتفرح لما بتحمل. وأنا فرحان... أنتِ مش فرحانة ليه؟ أبعدت كفيها عن وجهها وقالت بدهشة: "أنت فرحان؟ "أيوه فرحان. ولولا حالتك الغريبة دي كنت قمت رقصت من الفرح. قوليلي ليه زعلانة بالشكل ده؟

دي حاجة تفرحك يا ورد متزعلكيش." أمسك وجهها ونظر إلى عينيها بعمق. عينيه رائعة تسحرانه بقوة. "قوليلي ليه زعلانة بالشكل ده؟ أنتِ مش عايزة تخلفي مني؟ هزت رأسها بقوة ليبتسم بلطف ويقول: "أومال إيه المشكلة؟ ممكن تقوليلي." بدأت تخاف عليه. "مالها ياسمين؟ قالها بهدوء شديد لتكمل هي: "أنا جايه هنا أهتم بياسمين ومفروض اهتمامي كله يكون ليها هي ودلوقتي أنا... ولكنه قاطعها وهو يقبل رأسها قائلاً:

"أنتِ مراتي يا ورد مش مربية لبنتي. وطبيعي تخلفي مني ودي حاجة تفرحني وتفرحك مفروض. أما عن ياسمين يا ستي فمتخافيش عليها أنا واثق إن دايماً مكانتها هتبقى محفوظة في قلبك." مسح دموعها وقال: "قولتلك بتضايق لما بتبكي متبكيش تاني لو سمحتي." قبل رأسها وقال: "مبروك يا غالية ربنا يخليكي لينا ويقومك بالسلامة." ضمته وقالت باكية: "أنا بحبك يا ياسين."

"وأنا بحبك كمان. ولو حافظ شعر دلوقتي كنت قولتهولك فمعلش مشي حالك اليومين دول بكلمة بحبك عقبالك ما أحفظ لك قصيدة." ضحكت وهي تشدد من احتضانه. كم تعشقه، تعشقه بجنون. *** "آه!! " صرخ يوسف وهو يحطم كل ما يقابله. الغضب بداخله لا حدود له. كان محطماً. للمرة الثانية يخسر. لقد خسرها. خسر حياته مجدداً. وهو من أضاعها تلك المرة. هو من دمر كل شيء بينهما. هو من سلمها لفؤاد بيده. هو... هو...

جلس على الأرض وهو يشد شعره بقوة. عينيه تتشبع بالدموع. تنفسه يزداد حدة. يشعر أنه سوف يصاب بنوبة قلبية. منذ أكثر من ثلاثة أيام وهو يعاني من هذه الصدمة. الغضب. والحزن. لا لا. نسرين له ولن تكون لغيره. هذا مستحيل. أخذت الدموع تنهمر من عينيه وهو يتمتم بجنون: "لا... لا... لا مش هاخسر نسرين. كفاية رقية. كفاية رقية مش هاواجه الألم ده تاني. ليه يارب بيحصل معايا كده؟ ليه؟ أنا هموت لو خسرتها هموت."

أخذ يلهث بعنف. عينيه أصبحت حمراء بفعل البكاء. هو يعاني. بل يموت. المشهد يتكرر. الألم يتكرر. ما عاشه يعيشه مجدداً. وضع كفه على وجهه ثم أجهش ببكاء مرير. كان يبكي مثل الأطفال. كان حقاً مثيراً للشفقة. الذكريات السيئة تندفع إلى عقله بعنف. *** "يوسف خلينا نمشي يا صاحبي... هي متستاهلش تعمل كده ولا تقلل من نفسك خلينا نمشي!! " قالها كريم وهو يمسك ذراع يوسف. يحاول أن يبعده ولكن يوسف كان متجمداً.

أتى ليرى حبيبته وهي تُزف لغيره. الألم كان ينهش قلبه. يشعر بروحه تحترق. امتص أنفاسه بصدمة وهو يراها تخرج من قاعة الزفاف الفاخرة، تتمسك بذراع زوجها وعلى ثغرها ابتسامة حقيقية. حريق اندلع بداخله ودموعه تتدفق من عينيه. لا لا، كيف تكون سعيدة مع غيره؟ كيف؟ لقد أخبرته دوماً أنها تحبه. أخبرته أنها لن تكون لغيره، فكيف خلفت وعدها له. بخطوات واسعة حاول الذهاب إليها وكان كريم أمسكه بقوة كي لا يحدث فضيحة كبيرة لها وله.

"خلاص يا صاحبي سيبك منها؟ " قالها كريم وهو يمسكه بقوة، بينما يحاول هو الذهاب إليها. "لا لا سيبني يا كريم... سيبني... " صرخ يوسف وهو يحاول الذهاب إليها. لن يخسرها بتلك السهولة. قلبه يتمزق والدموع تنفجر من عينيه بينما كريم يمسكه بشق الأنفس ويقول من بين لهاثه: "منير متبقاش بارد كده. تعالى امسكه معايا!!! هو منير رأسه بقوة واقترب من يوسف وأمسك ذراعه الآخر وقال: "خلاص... خلاص يا يوسف كفاية... كفاية... "هموت...

والله هموت لو بعدت عني... " صرخ بها وهو يبكي ليهز منير رأسه وهو ينظر إلى صديقه بشفقة. بينما كريم شده وضمه إليه قائلاً: "متستاهلش... متستاهلش والله يا صاحبي... خلاص سيبها اللي باعك بيعه ومتبصش وراك." سقط يوسف على الأرض ليجلس كريم بجواره ويشده ثم يضمه بقوة ويقول: "اهدأ يا صاحبي والله متستاهل حتى تفكر فيها." ولكن يوسف أجهش بالبكاء وهو يشعر بحريق داخله. لقد تركته. تركته للأبد. كيف سيعيش الآن؟ "أنا كنت بحبها...

أنا كنت بحبها ولسه بحبها يا كريم هنساها إزاي بس؟ قول لي أنساها إزاي يا كريم اديني فكرة وقولي انسى إزاي حب حياتي؟ هي إيه تعمل فيا كده؟ أنا كنت هجيب لها العالم كله تحت رجليها... فيه تعمل كده؟ إيه أخوتي ده أنا محبتش غيرها!!! "هي محبتكش يا صاحبي وقول الحمدلله إن ربنا كشفهالك على حقيقتها عشان تبعد عنها. دي بنت مادية بتاعة فلوس سيبك منها." ولكن يوسف لم يرد بل ظل يبكي بين ذراعي كريم. ***

خرج من شروده ومسح دموعه التي انسابت على وجهه ثم أخرج هاتفه وهو يتصل بها. سوف يموت إن لم يسمع صوتها. هو لن يتقبل الخسارة بتلك السهولة. لن يتقبلها أبداً. *** كانت تحجز نفسها في غرفتها كالمعتاد. اختباراتها اقتربت وهي يجب أن تدرس، ولكن ما حدث مؤخراً جعلها تنفر حتى من الدراسة. ما زالت متألمة مما حدث. لقد خذلتها من أحبتهم. والدها الذي تمنت دوماً أن يحبها، أن يهتم بها، أن يعانقها، حتى كرهها الآن ويتمنى موتها. ويوسف...

يوسف من كان أمانها يومياً، من أعطته ثقتها وقلبها، من أحبته وأعطته كل مشاعرها، أعطته مكانة والدها وقررت جعله محور حياتها، خانها. تسبب بالأذى لها. وأخيراً فؤاد... فؤاد ذلك الشاب الطيب الذي حاول مساعدتها ويبدو أنه أحبها حقاً، هو من ابتُليَ بها.

تصاعدت الدموع لعينيها والألم يعصف بها. كم تتمنى أن تموت. حقاً. هي مصدر إزعاج للجميع. هي في هذا العالم لكي تؤلم وتتألم. لا ترغب في أن تعيش بعد الآن. ليتها تموت. ليتها تذهب لوالدتها. دعكت عيونها لتنساب دموعها وهي تشهق وتتذكر أن حتى والدها لم يسمح لها أن تظل تتذكر والدتها بصورة جيدة. لقد شوه صورتها في نظرها. لم ينس ما فعلته ولم يسمح لها أن تنسى.

كانت تشك دوماً أن كرهه لها نابع من فعلة والدتها، وهذا بالفعل كان صحيحاً. ولكن تأكد أنه والدها فماذا يريد بعد؟ لماذا تدفع هي الثمن؟ لماذا؟ شهقت وهي تدفن وجهها في الوسادة وتقول: "يارب خدني يا رب. أنا عايزة أرتاح. محدش بيحبني. محدش عايزني. أنا عبء على الكل. يارب أنا نفسي أرتاح." صوتها اختنق ثم أخذت تبكي لفترة طويلة.

فجأة انتفضت وهاتفها يرن. رفعت وجهها ووجدته. زمّت شفتيها وكادت أن لا ترد. هي لا تريد التحدث معه الآن، ولكنها أخيراً تنهدت ثم فتحته بسرعة وردت على الهاتف بصوتها الهادئ: "أيوة يا يوسف... عايز إيه تاني؟ أطلق أنفاسه براحة وهي ترد عليه. صوته العذب ينساب إلى روحه فيفعل به الأفاعيل. "نسرين حبيبتي." فعلها بصوت مختنق ليأتيه صوتها بارداً كالجليد: "متقولش الكلمة دي تاني إياك... إياك يا يوسف...

انسى في يوم أني كنت كده. وأنا هحاول أنسى إني كنت مغفلة وحبيتك! أغمض عينيه وصوته يرتعش وقال مجدداً: "حبيبتي! "قولت لك متقولش الكلمة دي تاني!!! أنت مبتفهمش!!! " انقشع البرود من صوتها وظهر الغضب به. الغليان! ازدرد ريقه لتكمل هي: "أنا عمري ما هنسى خيانتك يا يوسف عمري!!! عمري ما هنسى إنك كسرتني... أنت كنت أماني يا يوسف... إزاي قدرت تعمل كده؟ إزاي؟ إزاي مهتمتش بيا؟ مفكرتش بيا؟ فكرت في نفسك وبس!! انفجرت الدموع من

عينيها وقالت بصوت مختنق: "أنا عمري... عمري ما هسامحك." ثم أغلقت الهاتف بوجهه وهي تمسح دموعها. كادت أن تحظر الرقم ولكنها قررت إرسال رسالة أخيرة. رسالة تحمل كل ما في داخلها. سوف تخبره كل شيء ثم تنسحب بهدوء من حياتها.

أمسكت هاتفها وفتحت تطبيق الواتس آب ثم بدأت بإرسال رسالة طويلة له. سوف تكون تلك آخر رسالة منها. انتهت أخيراً من كتابتها وضغطت زر الإرسال وهي تشهق وتمسح دموعها بقوة. ثم نظرت بقلب متوجع إلى رسائلهم الطويلة. كانت تشعر بالحنين إليه. ولكنها حزمت أمرها وحذفت الرسائل نهائياً بعد أن تأكدت أنه رأى آخر رسالة، ثم حظرته من التطبيق. وحظرت رقمه من الاتصال بها! لقد انتهى الأمر. انتهى فعلياً. ***

من الناحية الأخرى، كان يوسف يمسك الهاتف وهو يقرأ الرسالة بينما من داخله محطم. "يوسف أنا حبيتك... فعلاً حبيتك وخليتك أماني... لقيتك انت الوحيد اللي بتحبني... انت الوحيد اللي اديتني الحنان اللي كنت محتاجاه في حياتي وحاولت دايماً أني أديك زي ما اديتني... بس أنت في النهاية كسرتني... وعرفت يا يوسف إنك زيه... إنك زي بابا... بابا بيفضي غلبه فيا عشان اللي عملته ماما رغم إنه بيعامل طنط نهى كويس وأنت...

أنت بتعاقبني عشان رقية سابتك... يعني أنا حاجة تفضوا فيها غضبكم انت وبابا... بس أنا مش هسمح لنفسي إني أكون كده. أنا هبعد عنكم... هتجوز فؤاد وأبعد عنكم... أنا خرجتك من حياتي يا يوسف وقريب لما اتجوز فؤاد هخرج بابا من حياتي كمان... مش عايزة أي أشخاص سامة في حياتي! أنا هعمل بلوك ليك متحاولش تتواصل معايا تاني لو سمحت. سلام." أغمض عينيه وهو يصرخ بقوة ويفكر أنه ها قد طارت عصفورته للأبد! *** "نفسي الزمن يوقف هنا...

نفسي يا موسى." قالتها ليان وهي تغمض عينيها بينما تستند برأسها على صدر موسى. كانا في بقعة هادئة بالقصر، تحت إحدى الأشجار. كان هو يستند برأسه على الشجرة بينما يريحها على صدره. شعرها يلامس أنفه وفمه. بدا كل شيء رائعاً أخيراً. أخيراً شعر بالسعادة بعد سنوات من الحزن ولوم الذات. قبل رأسها وقال: "وأنا كمان نفسي الزمن يقف بيا هنا... خايف الوقت يمر يا ليان... مش عايزة يمر... عايز أفضل معاكي كده... أبص في وشك وبس...

ميبقاش ورايا حاجة غير أني أتأملك وأنا بقول جوايا معقول دي ملكي أنا." "وأنت يا موسى ملكي؟ " سألته ليان وهي تستدير إليه، تنظر إليه بعينيها المتسعة تنتظر الإجابة بلهفة بينما قلبها يدوي بعنف داخل صدرها. تنهد موسى ومد كفه وأمسك ذقنها وهو يتأملها. يغوص بعينيها. كم هي مبهجة للنظر. كم هي جميلة بشكل لا يصدق. يكفيه أن يرى ابتسامتها تسطع على وجهها ليسعد هو الآخر. كيف تملكته تلك الصغيرة؟ كيف سلبت عقله بتلك القوة.

زمّت ليان شفتيها وهي تجده شارداً فقالت بغضب طفولي: "موسى أنت مش عايز تجاوب ليه؟ أنت بتهرب من إجابة سؤالي صح؟ ابتسم وهو يلتقط كفها ويرفعه إلى شفتيه ويقبله ثم يضعه على قلبه الهادر ويقول: "ده ملكك... يبقى أنا كلي ملكك متشكيش في ده يا ليان." ارتعشت الابتسامة على شفتيها وضَمّته قائلة: "أنا بحبك... بحبك." "وأنا كمان بحبك أوي." ابتعدت عنه واسندت رأسها مجدداً على صدره وقالت: "هتبقى الخطوة التانية إيه يا موسى؟

أنا مش حابة أقابلك بالطريقة دي كل شوية. لو حد شافنا من القصر هتبقى مصيبة عشان عدي هيعرف. صحيح عدي مسافر. بس يمكن حد يقوله لما يجي. أو ممكن يقفشنا بنفسه. أنا بقول... قاطعها موسى قائلاً: "هطلبك من عدي قريب." ابتسمت وقالت برقة: "وهو أكيد هيوافق... عدي بيعزك جدا وبيثق فيك أوي يا موسى. أكيد عدي هيوافق عليك."

ابتسم موسى بسخرية، فليان لا تحاول إقناعه بهذا بل تحاول إقناع نفسها. هو يعرف أن عدي أبداً لن يوافق عليه. كيف يوافق وهو يعرف الحقيقة كاملة عنه؟ هل سيسلمه شقيقته؟

بالطبع لا. عدي لن يفعلها. فهو يعرف كم عدي يحب ليان ويتمنى لها زوجاً رائعاً، كيحيى الخطاب مثلاً الذي غضب عندما عرف بأن ليان فسخت الخطبة، ولكنه هدأ على الفور عندما أخبرته أن هذا هو ما تريده، فهي لن تكون سعيدة مع يحيى. ربما يهتم عدي رشيد بسعادة شقيقته، ولكن اهتمامه الأكثر بسلامتها، وهذا ما لن يضمنه موسى وهي معه. ما زال غير قادر على الثقة بنفسه. ما زال الماضي يلاحقه، يكبلُه. أغمض عينيه وهو يضمها بقوة إليه ويقول:

"بإذن الله هيوافق وساعتها هاخدك بعيد عن هنا... هاخطفك يا ليان وهنعيش أنا وأنتِ وبس بعيد عن أي حاجة. مش هيبقى لينا غير بعض. أنا مش عايز غيرك يا ليان... مش محتاج غيرك في حياتي." ابتسمت باتساع وقالت: "للدرجادي بتحبني؟ "أيوه بحبك... ومن زمان. حاولت إني أهرب، أنكر مشاعري بس أنتِ قدرتي تكسري الحواجز اللي كنت حاططها بيننا. قدرتي تخليني أعترف بمشاعري كلها." ابتسمت بفخر وقالت:

"حابة نتصور دلوقتي صورة للذكرى. نسيت الفون بتاعي فوق ممكن تديني الفون بتاعك؟ هز رأسه وناولها الهاتف دون تردد. "إيه باسورد الفون؟ قالتها باستفهام ليرد هو: "تلاتة تلاتة ألفين وتلاتة." اتسعت عينيها بدهشة وقالت: "ده عيد ميلادي؟ هز رأسه مبتسماً ليقول: "حبيت أسجله بحاجة عمري ما أنساها... تاريخ اتولد فيه حياتي."

فتحت الهاتف ودموع التأثر بدأت تتصاعد بعينيها. ومفاجأة أخرى كانت تنتظرها. صورة خلفية هاتفها كانت صورتها هي بعيد ميلادها وهي تضحك. نظرت إليه ليبتسم ويقول: "يالا ناخد صورة مع بعض."

هزت رأسها ثم رفعت الهاتف وضغطت على زر التصوير. ثم فتحت الاستديو بلهفة لكي ترى الصور. والمفاجأة الثالثة كانت بإنتظارها عندما وجدت صور كثيرة لها بهاتفه. أخذت تقلب في الصور بلهفة بينما دموعها تنساب من عينيها. ولكنها فجأة توقفت وهي ترى صورة لموسى بجواره فتاة جميلة مألوفة ترتدي ثوب الزفاف. "مين دي؟ " قالتها بينما تشعر بقلبها يهبط لساقها. تجمد وجه موسى وقال: "حاجة تبع الماضي بتاعي مش عايز أتكلم عنه لو سمحتي يا ليان."

ثم أخذ منها الهاتف وأغلقه وقد تدمرت سحر اللحظة. *** في اليوم التالي. في أحد المقاهي. "دكتور يحيى... لو سمحت أمشي من هنا انت كده هتجيبلي الكلام." قالتها رانيا بتوتر وهي تنظر حولها. لقد وجدت هذا العمل بصعوبة بالغة والآن هو سوف يدمر كل شيء. "متقلقيش يا آنسة رانيا أنا استأذنت من مديرك اللي طلع بالصدمة معرفة قديمة... اقعدي هنتكلم شوية." هزت رأسها بقوة وقالت: "لا لو سمحت أمشي من هنا." تنهد وكاد أن يتكلم إلا أن صوت

والدته اخترق سمعه بقوة: "خدامة؟ طلعت بتحب خدامة؟ آخرتك يا دكتور يا محترم خدامة!!! *** "كانت تجلس على طاولة الإفطار تتناول طعامها بهدوء عندما أتتها الخادمة بخبر جمدها كلياً." *** جلس على الأريكة براحة وابتسم بخبث وهو يراها تقترب منه: "جواهر بنتي... "ششش اسكت." قالتها جواهر وهي تقترب من عامر رشوان والدها وتضع كفها على فمه. أبعد كفها وقال بتسلية: "سكوتي ده هيكلفك كتير يا جوجو... بس أكيد لو اتكلمت هدمرك فاختاري!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...