-أنا عايزة اروح ! قالتها جواهر وهي تكتم دموعها بشق الأنفس، تتسرب من عينيه. من حبه الواضح لها، وكم أرادت أن تخبره الحقيقة وترتاح تماماً، ولكن الخوف منعها. لن تنكر، هي مرتعبة، لا تشعر بالثقة، لا تثق بحب عدي لها. مهما كان يحبها، أن يغفر لها يوماً أنها خدعته. عبس عدي وقال: -هو ده ردك عليا يا عبير؟ أطرقت برأسها وقالت:
-أنت طلبت مني كتير فرصة تانية، وأنا قولتلك مش مستعدة. المشكلة مش فيك يا عدي، المشكلة فيا. أنا مش مستعدة أبداً، لسه خايفة، لسه مش حاسة بأي أمان، حاسة بخوف. شد على كفها وقال: -خايفة مني؟ انسابت دموعها، لم تستطع أن تتحمل أكثر من هذا. كانت تشعر بالضغط، تشعر أنها ستنهار بأي وقت. -عبير... قالها عدي وهو يحتوي كفيها بين كفيه ويقول:
-أنا مش هاذيكي، ولا عمري أفكر أعمل كده. أي كان اللي عمله معاكي شريف، مش هخليه يعمله تاني. أنتِ في أمان معايا. نهضت وهي تقول ببكاء: -خلينا نمشي لو سمحت يا عدي، خلينا نمشي. أنا مش قادرة أفضل هنا أكتر من كده، عشان خاطري روحني.
نظر إليها بيأس، كانت تبدو منهكة، وهو لم يضغط عليها أكثر من هذا. وضع الحساب على الطاولة وقبض على كفها ثم خرج من المقهى بالكامل. ساعدها على ركوب السيارة وانطلق بها. كان يقود السيارة بكل هدوء بينما هي تبكي. كان حقاً مندهش، ماذا فعل لتنهار بهذا الشكل؟ لماذا هي مصره على رفضه؟ ألا تعرف أنها تحطمه؟ ارتفع نشيجها وكتمت فمها وهي تنظر من النافذة. تنهد وربت على كفها وقال:
-أنا معرفش عملت إيه لده كله، أنا حبيتك. صحيح الموضوع غريب، بس بجد حبيتك. حبيتك بعد ما قفلت قلبي، وفضلت قافله كتير لحد ما أنتِ ظهرتي. ولو كان حبي ليكي مشكلة، فأنا آسف، بس متعيطيش. كلامه جعلها تبكي أكثر، جعلها تشعر بالاشمئزاز من نفسها وقالت من بين شهقاتها: -أنت مش فاهم حاجة، مش فاهم. نظر إليها بإحباط وقال: -طيب فهميني. اعملي فيا معروف وفهميني.
ابتلعت ريقها بتوتر وصمتت تماماً وهي تمسح دموعها. أوقف السيارة وتنهد وهو ينظر إليها. أدار وجهها نحوه وقال: -بيري، قوليلي إيه المشكلة وفهميني. إيه اللي يخليكي خايفة ما تحبيني؟ خايفة أنك تستسلمي وتسلميني قلبك ومشاعرك؟ ليه الخوف؟ -دي مش حياتي يا عدي. أنت مش من حقي. أنا... ضغطت على شفتيها وهي تنهار بالبكاء، بينما عبس وهو ينظر إليها بدون فهم وقال: -لا، مش فاهم يعني إيه دي مش حياتك!!! تلوت معدتها من الألم. ماذا تقول؟
هل تخبره الحقيقة الآن؟
تلك فرصة لن تعوض، وقد يسامحها. قد يغفر عندما يعرف أنها لم تقصد أبداً أن تخدعه. ولكن شيطانها سخر منها، ذكرها بكارمن التي ظلت ساعات أمام بوابة القصر، ولكنه لم يشفق عليها أبداً، بل ظل ينظر إليها ببرود وهي تتوسله وتصرخ. وهي لا تختلف عن كارمن كثيراً. لقد خدعته كارمن بأمر من شريف، وهي أيضاً خدعته من أجل شريف لأنه هددها. بالطبع عدي لن يصدقها. وأخيراً خوفها انتصر عليها وشجاعتها تضاءلت للغاية وهي تنظر إليه بعجز، بينما ظل هو عاقداً
حاجبيه ويقول: -قولي يا بيري، يعني إيه دي مش حياتي؟ أنتِ بتقولي إيه؟ غار قلبها داخل صدرها وهي تبحث عن حجة، أي حجة تتمسك بها لكي لا يشك بأمرها. لقد تراجعت عن قرار إخباره بالحقيقة وقررت أن تستمر في لعبتها تلك، على الرغم من علمها أنها هي من ستعاني بالنهاية!!! -مستني ردك يا بيري!! كان هذا صوت عدي الذي أخرجها من شرودها، فقالت جواهر: -أيوه، دي مش حياتي. أنا مكانش مفروض أتجوزك يا عدي. بهت وهو ينظر إليها، لتقول وقد استعادت
قدرتها على الكذب أمامه: -بابا اللي بعتلك كارمن، مش كده؟ هو عدوك، وعشان كده اتجوزتني عشان تنتقم منه بس. قاطع كلامها وقال: -بس حبيتك يا بيري. انقلب السحر على الساحر. حبيتك وأنا متأكد أنك غير شريف خالص، وأنك عمرك ما هتخدعيني. -أنا آسفة يا عدي... آسفة... قالتها وهي تقترب وتعانقه بغتة، بينما انفجرت بالبكاء. ضمها إليه وقال: -طيب ليه بتعيطي؟ قالت من بين بكاؤها: -أسف للي شريف عمله فيك. حقك عليا أنا... حقك عليا أنا. ابتسم
وهو يربت على شعرها ويقول: -أنا لو هشكر شريف على حاجة، هشكره عليكي يا بيري. مهما حصل، هفضل أحبك دايماً. وهستناكي دايماً. دموعها تغرق وجهها بينما تضم ثيابها على حسرتها. كانت تجلس على الأرض المتسخة وهي تشهق بالبكاء، بينما الدجال أمامها يرتدي ثيابه وهو يشعر بالانتشاء. نظر إليها وابتسم ابتسامة تكشف عن أسنانه الصفراء وقال: -عملت كده مع نسوان كتير، بس أنتِ غير بصراحة. بطل!!
ارتفع بكاؤها أكثر وصرخت به وعينيها العسلية تضيق كرهاً: -أنت حيوان!!! ابتسم بشر وقال: -تؤ تؤ... ما بلاش يا حلوة الأسلوب ده. أنتِ صباعك تحت ضرسي. وبعدين ده أنا هرجعلك جوزك لحضنك. فيها إيه لو انبسطنا شوية. عايزين نكررها تاني. -ده مستحيل... مستحيل أنت فاهم. هز كتفيه وقال:
-مفيش مشكلة يا جميل. انسي بقى إن جوزك يرجعلك، وخليكي كده لوحدك. وأنا مش هسيبك لأ. أنا هدمر حياتك. أما نكمل الطريق اللي بدأناه سوا، أو انسي إن حياتك ترجع زي الأول. انفجرت بالبكاء وقالت: -حرام عليك. أنت عايز إيه مني؟ مش كفاية اللي عملته يا أخي. حسبي الله ونعم الوكيل فيك. أنت متعرفش ربنا. ضحك بصوت مرتفع وهو يقول بخبث:
-على أساس أنتِ تعرفي ربنا. ده أنتِ جاية تعملي عمل لمرات جوزك. يعني جاية تأذي. أنا وأنتِ يا حلوة منفرقش عن بعض كتير. مادام مستعدة تأذي عشان تأخدي جوزك، فمفيش مانع أستفاد أنا كمان. وبصراحة أنتِ بطلة ودخلتي مزاجي قوي قوي، وأنا عايزك. وأوعدك إن قريب قوي جوزك هيرجعلك.
كانت تشهق بألم. لقد وقعت بالفخ. كانت تعترف من نفسها ولعنت نفسها عدة مرات لأنها اتبعت هذا الطريق الشائك. هي من دمرت حياتها بيدها، وليتها لم تفعل. والآن ليس لديها أي اختيار سوى تنفيذ ما يطلب، وإلا سوف تخسر ياسين وستتدمر حياتها. -عايزني أعمل إيه؟ ابتسم بإنتصار وهو يقول:
-هو دي الشغل اللي أحبه. هو ده الكلام. أنتِ كده عارفة مصلحتك كويس قوي. بصي يا حلوة، أنا هرجعلك جوزك، بس تجيني هنا وقت ما أطلبك، وشوفي بعينيك أنا هعمل في ضرتك إيه. أنا هخليها تتجنن قبل ما تموت. مفعول السحر اللي هعمله هيبدأ قريب قوي. اتفرجي وشوفي وهتتبسطي قوي. يالا روحي دلوقتي، بس أتصل بيكي ألاقيكي هنا.
نهضت جوري من الأرض وهي تمسح دموعها، بينما تحاول السيطرة على شهقاتها. كان عدلي الدجال ينظر إليها نظرات حسية. تلك المرأة كارثة، إنها قادرة على سلب الرجل عقله. رغم أنه نالها بالفعل، إلا أنه يريدها مجدداً. ولولا عمله الذي ينتظره لكان نالها عدة مرات حتى يشبع. زررت جوري قميصها القطني وعدلت من وضع بنطالها الأسود، ثم مسحت وجهها وهي تستعد للخروج. شهقت بخوف عندما أمسك هو ذراعها. كل لحظة ينظر إليها. كانت هي مرتعبة، خائفة بشدة. ابتسم ابتسامة شريرة وقرب نفسه منها، ثم طبع قبلة على وجنتها. كانت رائحته كريهة للغاية وشعرت أنها سوف تتقيأ. خرجت مسرعة من هذا المكان القذر.
كانت تسير بالشارع وهي لا تتوقف عن البكاء. ضميرها يجـلدها. لقد دمرت حياتها، دمرتها نهائياً. خرجت للشارع الرئيسي واستقلت سيارة أجرة ثم انطلقت.
وصلت إلى منزلها أخيراً وركضت إلى الحمام لتفرغ ما في جوفها. كانت تشعر بالاشمئزاز من نفسها، معدتها ترتجف بقوة بسبب ما حدث. لقد كانت واعية لكل ما يحدث، لانهيار جسدها. كان يبكي بدون صوت وهو يعتدي عليها بدون أي رحمة. ما حدث كان فظيعاً. هي تدمرت، تدمرت حياتها. والأسوأ أنها مضطرة لتكمل في ذلك الطريق، وإلا عدلي سوف يدمر حياتها. جلست على الأرض وضمت ركبتيها إلى جسدها وهي تنفجر بالبكاء. كانت تشعر بالعالم يضيق بها. رباه، هي تموت بالفعل. ماذا فعلت بنفسها وهي وقعت بهذا الفخ المقيت؟
والآن هي سوف تُنتهك دون أن تملك القدرة على الرفض. اتجهت للمغطس وجلست به، ثم فتحت صنبور المياه لتندفع المياه فوق رأسها. أرادت للمياه أن تطهر جسدها، أرادت أن تعود نظيفة كالسابق، ولكن رغم هذا ما زالت تشعر بالقذارة تلتصق بها. ما زالت رائحته ملتصقة بأنفها، رائحته المقززة. وضعت كفيها على وجهها وهي تتذكر كل شيء. لماذا فعلت هذا بنفسها؟ لماذا؟ كيف تكون بهذا الغباء؟ أين المفر الآن؟ لقد وقعت بالفخ!!!
-بابي، اعملي تسريحة رابونزل ممكن؟ قالتها ياسمين ووالدها يمشط شعرها. عبس ياسين وقال: -ومين رابونزل دي كمان؟ بتجيبي الأسماء الغريبة دي من فين يا بت؟ -يا بابي، رابونزل البنت اللي في الكارتون اللي شعرها طويل قوي دي. أنا وأنت شوفنا الكارتون السنة اللي فاتت. -يا سلام، كارتون شوفناه السنة اللي فاتت هفتكره السنة دي يعني؟ مخي كمبيوتر؟ هنعمل ديل حصان زي كل مرة، ملناش غيره. ربعت ياسمين ذراعيها وهتفت بإعتراض:
-بس يا بابي، أنت بتقول إنك مهندس وإنك ذكي ومتنساش بسرعة. إزاي بقا نسيت الكارتون؟ مش مفروض إنك ذكي؟ ضحكت ورد برقة ثم راقبته بتسلية. فقال ياسين: -عشان إحنا كمهندسين مبنفتكرش الحاجات اللي مش مهمة بالشكل ده. كفاية علينا الشغل يا لمضة. أنا مش هعمل تسريحة رويدا دي اللي أنتِ بتقولي عليه. هنعمل ديل حصان، حاجة من تراثنا اللي نفتخر بيه. -بس تسريحة ديل الحصان مش من تراثنا خالص يا ياسين و... تدخلت ورد ليقول ياسين:
-أبوس على إيديكي يا ست الناس، اسكتي خليني أخلص شعرها عشان أسرح شعرك ولا تسرحيه لوحدك. -لا لا خلاص، سكت أهو. ابتسم وقال: -شطورة يا روحي. ثم بدأ بتمشيط شعر ابنته وربطه له في ذيل الفرس، وعندما انتهى قال: -إيه الجمال ده بس، تسلم إيدي. أنا خسارة في البيت ده. نظرت إليه ياسمين بغضب وقالت: -المرة الجاية هتعملي تسريحة رابونزل. -يالا يا بت من هنا. اللي بعده. ابتسمت ورد بلهفة واقتربت منه ثم جلست أسفل الأريكة، ليقول
وهو يمسك المشط والكريم: -أنا بفكر أفتح كوافير، هكسب فلوس ياما. -بلاش أُفورة يا ياسين، أنت مبتعرفش تعمل إلا ديل حصان. كوافير إيه ده اللي تفتحه؟ هي. شد شعرها بشدة نوعاً ما وقال: -خلاص يا لمضة، جبر الخواطر على الله. ضحكت ورد وقالت: -أنت آخر واحد تتكلم عن جبر الخواطر. سبحان الله، من أول ما عرفتك وأنا مش بشوفك إلا وأنت بتدشمل خواطر الناس. زفر وقال: -قومي يا ورد، مش هسرح شعرك.
-خلاص يا ياسين، متبقاش قماص أومال. أسفين يا عم، سرح يالا.
هز رأسه وبدأ بتمشيط شعرها برفق، بينما هي مغمضة عينيها ومستمتعة. كم تشعر بالسعادة. تلك اللحظات التي تتشاركها معه لا تُقدر بثمن. تشعر أنها لم تعشق من قبل أبداً. ما تشعره مع ياسين الآن لم تشعره مع أحد من قبل، هي متأكدة من هذا. ولكن لا تعرف لماذا تشعر بقلبها مقبوض اليوم. رغم أنها تضحك وتمزح وتحاول أن تتجاهل هذا الشعور البغيض، ولكن تفشل تماماً. هي تشعر وكأن أحد يعتصر قلبها، وكأن حياتها السعيدة سوف تتحول لجحيم. تنهدت وهي تتمنى أن يكون كل شيء بخير.
بعد أن انتهى قال براحة: -أهو أميراتي الاتنين جهزوا. نهضت ورد ولمست ذيل الفرس وقالت: -تسلم إيديك يا باشمهندس ياسين. قبل ياسين رأسها وقال وهو ينظر لياسمين: -ادي الناس اللي بتقدر تعب الواحد، ولا بلاش. مش واحدة شغالة تقولي رويدا وهويدا. -اسمها رابونزل يا بابي. -متدخلنيش في تفاصيل دلوقتي، المهم متبقيش ليه زي ورد وتشكريني على مجهودي الجبار في تسريح شعرك، مش كفاية إنّي... -مهندس وواقف بسرح شعرك.
أكملت كل من ورد وياسمين جملته المعتادة. عبس لتضحك ورد وتقول: -أنا مشوفتش حد متمسك بلقبه قدك. وضع ساقاً على ساق وقال: -ما هو أنتِ لو كنتي دخلتي هندسة وشوفتي اللي شوفته، هتتمسكي باللقب ده. أنا اتعصرت في الكلية دي، عشان كده هفضل أُعرف بلقب باشمهندس طول العمر. جلست ورد بجواره وضَمته، ثم جلست ياسمين. قالت ورد بحب: -يا عم، اقف بلقبك طول حياتك ولا يهمك يا باشمهندس. -أيه طلاق؟ طلاق إيه يا ماما!!!
قالها فؤاد بدهشة. كان مصدوماً من كلام والدته هذا. ابتلعت نهى ريقها وقالت: -بعد اللي حصل، أنا مستحيل أعيش معاه تاني يا ابني. ده إنسان مش متزن نفسياً يا فؤاد. ده دمر بنته المسكينة ومش معترف بغلطه. حاسة إني مبقتش طايقاه. مش عايزة أعيش معاه. مسح فؤاد على وجهه بتعب وقال:
-طيب ممكن تفكري شوية، بلاش تاخدي قرارات متسرعة بالشكل ده. شوفي أنا مختلف تماماً مع عم كريم وعارف إنه غلطان جداً، بس متأكد مليون في المية إنه بيحبك يا ماما ومش هيقدر يعيش من غيرك. أنتِ ممكن تساعديه يتجاوز عقدته ويصلح مشاكله مع نسرين، بس مش تتطلقي عشان أنا عارف إنك بتحبي عم كريم. تنهدت نهى وقالت:
-ده قراري النهائي يا فؤاد. أنا مبقتش عايزة كريم خلاص. بس تتجوز أنت ونسرين هنتطلق إحنا. كده أحسن يا فؤاد. أنا وعمك كريم مبقناش ننفع لبعض، وأنا قولتله كده وأكيد هيقتنع بكلامي. رغم أن كلماتها كانت صلبة وواثقة، إلا أن الحزن كان واضحاً على نهى. هي أحبت كريم، لن تُنكر الأمر. ورغم كل شيء حدث، كريم كان حريصاً جداً على عدم إيذائها، ولكنّه آذاها. آذاها كثيراً عندما آذاها ابنته. نسرين التي تدمرت على يده.
-تمام يا ماما، اللي عايزاه هيحصل. مش هضغط عليكي. المهم متكونيش زعلانة بسبب قرارك ده. قالها فؤاد وهو ينظر إليها بعمق، لتتنهد بحزن وتقول:
-أكيد زعلانة يا فؤاد. كريم جوزي وأنا حبيته. بعد أبوك الله يرحمه، هو اللي دخل قلبي وعشت معاه أيام حلوة. بس بتيجي علينا فترة وبنقفل من اللي قدامنا. بيبقى الوحش اللي عمله غطى على الحلو، وكريم عمل وحش كتير قوي. كفاية إنه دمر نفسية بنته. أنا بقيت أخاف منه لأنه إنسان متقلب، وأنا مفياش حيل أصلح. حاولت كتير أقربهم من بعض وفشلت، بس ارتحت عشان هتتجوزها. أنا واثق إنك هتحميها يا فؤاد. واثقة فيك. حتى لو محبتش نسرين، واثقة إنك في يوم هتحبها لما تعرف قد إيه هي إنسانة جميلة ورقيقة.
صمت فؤاد ولم يتكلم. لم يخبرها أنه بالفعل يعشقها. يظن الجميع أن زواجه منها بسبب شفقته عليها، ولكن هذا خطأ تماماً. الشفقة هي آخر سبب قد يتزوج نسرين من أجله. هو يريدها له، لأنه يحبها. صحيح، في البداية أراد أن يتزوجها مؤقتاً ثم يتركها لتكمل حياتها، ولكن الآن هو يريدها بالكامل وسوف يقنعها بحبه. وتبقى الغصة الوحيدة بقلبه هو حبها ليوسف، ولكنه متأكد تماماً أن مشاعرها نحو يوسف ليست حب حقيقي. هي بحثت عن العاطفة به عندما لم
تجدها عند والدها، بحثت عنها بالخارج ووجدتها بيوسف. وكم كان يوسف حقيراً عندما استغل صغر سنها وارتبط بها. كان فؤاد يلقي اللوم كله على يوسف، متأكد تماماً أنه هو من أغوى نسرين. هو من حاصرها حتى استسلمت له. كان فؤاد مستغرقاً بالتفكير، وعاقداً حاجبيه بقوة.
-فؤاد، أنت روحت فين يا بني؟ صوت والدته انتشله من تفكيره، فقال: -أنا هنا يا أمي. أمسكت نهى كف فؤاد وقالت: -يا بني، عايزاك توعدني إنك مش هتسيب نسرين أبداً ولا تجرحها ولا تتجوز عليها. أنا عارفة إنك ممكن تكون مجبور على الجوازة دي عشان خاطر تحميها، بس أنا عايزةك تفضل معاها دايماً. عايزة جوازكم يستمر يا ابني، ممكن؟ في تلك اللحظة، أراد فؤاد أن يعترف لوالدته بحقيقة مشاعره لنسرين، ولكنه فضل الصمت واكتفى بقول:
-متقلقيش يا ماما، هفضل أحميها دايماً. مش هسيبها أبداً، ده وعدي ليكي. كانت نسرين تقف من بعيد تستمع لهذا الكلام والدموع تغرق وجهها. -ماما، نادي نسرين. حابب أتكلم معاها شوية. -حاضر يا بني. قالتها نهى ونهضت. ولجت نسرين إلى غرفتها مسرعة ومسحت دموعها، ثم ادعت أنها تذاكر بالغرفة. فتحت نهى الباب وقالت: -نسرين، فؤاد عايزك.
كانت تنظر إلى انعكاسها بالمرآة، رغم أن قلبها يعتصر من الداخل. رغم الحزن الذي يعصف بها، ورغم الضجيج بداخلها، إلا أن وجهها كان متجمداً تماماً. عينيها باردة بشكل غريب. لقد قررت أن تتحدث معه وانتهى الأمر. خرجت من غرفتها واتجهت إلى صالة المنزل حيث يجلس فؤاد الذي طلب رؤيتها. ابتسمت نهى ما إن رأتها وقالت: -واهي العروسة جات. هسيبكم مع بعض شوية. ثم نهضت مسرعة وولجت إلى المطبخ.
نهض فؤاد وهو ينظر إليها مبتسماً. كانت المشاعر بعينيه تفضحـه. وكم شعرت بالشفقة عليه. إنه رجل مثالي، يستحق امرأة أفضل منها. امرأة يكون هو مالك قلبها الأوحد، امرأة غير مشوهة من الداخل. هي تشعر أنها لا تليق برجل مثله، رجل رائعاً مثله. ما ذنبه؟ فقط ما ذنبه؟ رَمشت عدة مرات لكي لا تبكي. اقترب فؤاد أكثر وقبل رأسها مفاجئاً. تجمدت هي بين ذراعيه، ولكن قلبها أخذ يرتعش بقوة. تراجع فؤاد بارتباك وقال: -آسف يا نسرين...
هو أنا ضايقتك؟ هزت رأسها، بينما تورّد وجهها قليلاً. ابتسم بحماس وقال: -إيه رأيك نتغدى معايا النهاردة؟ هفسحك فسحة حلوة. ها، قولتي إيه؟ -معلش يا فؤاد، مليش مزاج النهاردة. تلاشت الابتسامة من على وجهه وقال: -مالك يا نسرين، فيه إيه؟ حد ضايقك؟ عمي زعلك تاني؟ هزت رأسها بالنفي وهي تنظر إليه. ترتب الكلمات في عقلها كي تقولها وترتاح تماماً. -فؤاد، أنا حابة أقولك حاجة ضرورية، ممكن؟ هز رأسه وقال: -طبعاً، اتفضلي قولي. فيه إيه؟
أنتِ قلقتيني! -أنا مش عايزة جوازنا يكون حقيقي! قالتها بنبرة حازمة وهي تنظر إليه. لم تحيد عينيها عنه. بهت فؤاد وهو ينظر إلى عينيها باحثاً عن أي أثر للمزاح أو التردد، ولكنّه وجد عينيها باردة كقطع الجليد. لمعه عينيها اختفت تماماً. كانت نظراتها باردة. عينيها الزرقاء التي كان يغرق بها دوماً جمدته اليوم. -نسرين... أ... ولكنها قاطعته وهي تقول:
-أنا مقدرة اللي أنتَ بتعمله عشان خاطري، عشان كده شايفة إن ملكش ذنب تتدبس في واحدة زيي. أنت تستاهل الأحسن. عشان كده جوازنا هيكون صوري ومؤقت، لحد بس ما أقدر أعتمد على نفسي وأبعد عن بابا. ولو حابب بعد جوازنا تتجوز واحدة تاني، اعتبرني مش موجودة وأعمل اللي أنت عاوزه. كتر خيرك، لحد دلوقتي أنتَ ساعدتني كتير. أمسك كتفها وأخذ يهزها بقوة وقال: -إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟ معقول لحد دلوقتي مفهمتيش؟ لحد دلوقتي محستيش بيا؟
أنا بحبك... وعايزك أنتِ وبس. عايز أحميكي... أعيش معاكي كل حياتي و.... قاطعته بهدوء وهي تدفعه: -وأنا مش عايزك! مش بحبك!!!
بهت وهو ينظر إليها. هو كان متيقناً أنها لم تحبه بعد، ولكن أن تخبره هذا بكل صراحة حطمت قلبه. وللمرة الثالثة، للمرة الثالثة ترفضه وتحطم قلبه. ولكن لا يعرف لماذا تلك المرة كانت قوية للغاية على قلبه. ضمت نسرين كفها بقوة وهي تنظر إليه. كانت تشعر بالشفقة عليه، وكانت تكره نفسها لأنها ألمته بتلك الطريقة. ولكن ربما هذا أفضل لكي لا يتعلق بها، لكي يتركها قريباً ويتزوج ممن تليق به.
-متزعلش مني يا فؤاد، دي الحقيقة. حاولت ومقدرتش. أنا بتمنى تلاقي الإنسانة اللي هتقدر تسعدك، واحدة أحسن مني مليون مرة. أنا مبقاش عندي حاجة أقدمها لحد. أنا حبيت واتجرحت ومش ناوية أدّي قلبي لحد تاني، حتى لو كان الحد ده أنت. ضغط على كفيه بقوة وقال: -أنتِ لسه بتحبيه؟ لسه بتحبي يوسف؟ -أيوه، لسه بحبه يا فؤاد ومش هبطل أحبه. ثم ركضت من أمامه، وبتلك الطريقة قتلت الأمل داخله!!
كانت تقف أمام المرآة وهي تنظر إلى السلسال الذي يزين جيدها. لمعت دموع السعادة بعينيها وهي تتنهد. قلبها يرتعش من السعادة. تشعر أنها الأسعد على الإطلاق. ولكن فجأة انمحت ابتسامتها وهي تفكر بالعقبات التي سوف تواجهها. وتفكر بالأخص بجواهر التي حياتها تدمرت بسببها هي. هي بالفعل تطمئن عنها دوماً، ورغم أن جواهر تحاول جاهدة أن توضح لها أنها بخير، إلا أن عبير تعرف أن جواهر غير صادقة بالمرة. هي تعاني وعبير تعرف هذا جيداً.
المسكينة تقاوم الجميع، تحارب لكي تنجو. ضحكت من أجلها، أنه من المؤسف أنها لا تستطيع أن تساعدها. أحياناً تشعر عبير أنها أنانية للغاية لأنها لم تساعد صديقتها. دَعكت عبير عينيها بتعب وهي تحاول ألا تنفجر بالبكاء. أرادت أن تكون سعيدة للحظة واحدة دون أن تجلد ضميرها. وهي تثق تمام الثقة أن جواهر سوف تتولى أمرها جيداً، فهي أذكى منها وأقوى منها. لا داعي أن تشعر بتأنيب الضمير. أمسكت الحجاب الأسود ولفته حول رأسها وتممت على لبسها
جيداً، وخبأت السلسال داخل الحجاب. ثم خرجت لتحية التي تنتظرها وتجادل أبنائها.
-أنا جهزت أهو. نظرت تحية إليها لتتسع عينيها ثم تصفر بإعجاب وتقول: -الله الله، إيه الجمال ده بس يا بيري. خجلت عبير، بينما تفحصتها تحية بإبتسامة. كانت العباءة السوداء تلائمها تماماً، وحجابها الذي من نفس اللون ملفوف بطريقة بسيطة ولكن أبرزت جمال وجهها الذي لم تضع به إلا كحلاً. -بجد شكلي حلو. -آه والله، ده أنتِ زي القمر. ربنا يحميكي من العين. ثم اقتربت تحية منها وهمست قائلة: -قوليلي يا بت، لبستي السلسلة؟
هزت عبير رأسها بخجل، لتضمها تحية بقوة وتقول: -مبروك يا مرات أخويا. مبروك يا حبيبتي. فرحتلك قوي، ربنا يتمم لكم على خير. يالا بقا عشان نروح السوق سوا وبعدين أفسحك شوية.
هزت عبير رأسها وخرجت معها وهي متحمسة لرؤية أمير. كانت تحية تمسك علي ابنها، بينما عبير تمسك كف عمر ويسيران ببطء. ارتجف قلب عبير وهي تمر بورشة أمير. ابتسمت تحية بخبث، بينما ثبتت عبير عينيها على الأرض وأزاحت حجابها قليلاً ليظهر السلسال. رآه أمير الذي أشرقت الابتسامة على وجهه ورمقها للحظات بإعجاب. وشغفه القديم بالنساء اللواتي يرتدين العباءات السوداء عاد بقوة، ولكنه سيطر على نفسه بسرعة وهو ينظر أرضاً ويستغفر ربه. ابتسمت
عبير وأكملت سيرها وقلبها يتراقص داخل صدرها. كانت تشعر أنها تطير، تلمس الغيوم، تشعر بملايين الفراشات تتحرك بمعدتها. إنه سحر الحب الذي يجعلها بتلك السعادة. فالعشق نعمة عندما يكون مع الشخص الصحيح، وأمير هو الشخص الصحيح. فقط تتمنى بقوة أن يسير كل شيء على ما يرام.
بعد أن ابتعدا، اتسعت ابتسامة أمير بسعادة وهم يتمتم قائلاً: -الحمدلله... الحمدلله. ... بسوق الخضروات. كانت عبير تنظر إلى كل شيء حولها بدهشة. هذا كان شيئاً جديداً عليها كلياً. ابتسمت وهي تسير بجوار تحية. تلك المرأة الطيبة التي تذكرها بجواهر. ما إن خرجا من السوق، وقفت تحية وهي تقول: -يووه، نسيت الكرنبة عند بتاع الخضار. اقفي هنا يا بيري، متتحركيش عقبال ما أجيب الكرنبة. هزت عبير رأسها.
بعد قليل، خرجت تحية وهي تحمل الملفوف، لتتجمد فجأة وهي ترى توأميها يبكون بينما عبير اختفت. ركضت عندهما وقالت: -فين عبير يا ولاد؟ تكلم علي وقال: -جه واحد راكب عربية كبيرة وأخدها معاه بالعافية!!! ... بعد ساعة. في فيلا شريف. دفع الرجل الضخم عبير إليه، لتقول عبير: -أنت إزاي... آه. صرخت عندما صفعها شريف بقوة لدرجة أنها وقعت على الأرض. نظر إليها ببرود وقال: -أبقي قابليني لو طلعتي من هنا تاني!!!
خرج من حمامه وهو يضع منشفة على خصره، وتجمد فجأة وهو يراها تجلس على الفراش. ما إن رأته حتى شهقت بقوة ونهضت وهي تستدير برأسها وتقول: -ليه بتخرج من الحمام بالشكل ده؟ نظر إليها وقال ببرود: -على أساس إن ده حمامي ودي أوضتي اللي مفروض لما تيجي تدخلي تخبطي. بس أنتِ عمرك ما هتبطلي تقتحمِ أوضتي من غير إذن يا ليان. زفرت بضيق وهي تستشعر بروده وقالت: -سوري، مش هدخل أوضتك بالشكل ده تاني. أنا خارجة.
وبالفعل كادت أن تخرج من الغرفة مسرعة، إلا أنه أمسك ذراعها وقال وهو يتنهد: -آسف يا ليان، مقصدتش إني أضايقك. اقعدي، هدخل الحمام ألبس وأطلعلك ونتكلم. -مش حابة أتكلم. قالتها ببرود وهي ما تزال تُشيح بوجهها عنه، إلا أنه أجبرها على النظر إليه بأنه أدارها ناحيته واحتوى وجهها بكفيه وقال: -لا، هنتكلم.
ابتلعت ريقها وعينيها أسيرة عينيه. هزت رأسها بالإيجاب، وهي كالمسحورة. ليبتسم لها ويبتعد. ثم أخذ ملابسه، دخل للحمام لكي يبدل ثيابه. بينما جلست هي على الفراش بقلب خافق. بعد قليل خرج إليها وهو يرتدي ملابسه بالكامل. شعره مبلل ويلتصق بجبينه. شكله هذا جعل دقات قلبها تتسارع. اقترب وجلس بجوارها وهو يقول: -ها، اتكلمي. أغمضت عينيها وهي تهدئ من دقات قلبها. كان كفها يرتعش، وانتبه هو لهذا، فأمسك كفها ورفعه لفمه
ثم قبله بلطف وقال برقة: -ليان حبيبتي، اتكلمي. إيه اللي مضايقك؟ -موسى، أنا من حقي أعرف حاجة عن الماضي بتاعك. مش معقول الغموض اللي أنت فيه. أنا دايماً حاسة إنك مخبي عني حاجة ورافض تقولها. حاسة إنك خايف. ارتبك موسى وقال: -طيب ممكن نأجل الكلام شوية عشان أ... ولكنها قاطعته وقالت بينما الدموع تتصاعد لعينيها: -لا لا يا موسى، مش هاجل حاجة. أنت لازم تفهمني. فيه إيه؟ لازم تقولي الحقيقة. مين البنت اللي معاك دي؟ مراتك، مش كده؟
أنا وشوفت صورتها قبل كده معاك برضه. وهي راحت فين؟ إيه اللي حصل في حياتك وخلاك بالشكل ده؟ قولي يا موسى، أنت ليه مخبي عليا؟ -مش قادر أتكلم يا ليان، مش قادر أتكلم. قدري تعبي بقا وبطلي زن. لما أبقى مستعد، هقولك اللي حصل، لكن دلوقتي أنا مش هقدر أتكلم. نظرت إليه وقد احتشدت الدموع بعينيها وقالت: -تمام، متتكلمش خلاص يا موسى، براحتك. انسابت دموعها ومسحتها بسرعة، ثم أكملت:
-أنا مش هقدر أكمل بالطريقة دي. أنا عمري ما خبيت عنك حاجة، فمش عدل تخبي عني حاجة. لما تحس إنك عايز تتكلم، أنا موجودة. لكن غير كده، لا يا موسى. ثم كادت أن تذهب من أمامه، إلا أنه شدها إليه وعانقها من الخلف، ثم أسند رأسه على كتفها وقال: -هتسيبيني بعد ما علقتيني بيكي؟ -أنا حبيتك يا موسى، وأديتك كل حاجة، قلبي وثقتي وحياتي لو عايز. بس مش عدل إن حد بيدي وحد يأخد كده طول الوقت. العلاقات لازم يكون فيها أخذ وعطاء.
أدارها إليه وهو ينظر إليها بعمق. جذب كفها، ثم أجلسها على الفراش. سيقول لها الحقيقة، رغم معرفته أنه قد يخسرها. أغمض عينيه بقوة وشد على كفها وقال: -روان... اسمها روان، وكانت مراتي. اتجوزتها. ارتعشت شفتي ليان وكادت أن تبكي، إلا أن موسى أكمل: -وماتت... ماتت هي وحامل في ابني. -ما تت إزاي؟ قالتها ليان بنبرة مرتجفة، ليرد هو: -اتقتلت. بأ بشع طريقة ممكن تتصوريها. رجعت من البيت لقيت جسمها واقع على الأرض من غير رأس، ورأسها...
أختنق صوته وانسابت دموعه وقال بنبرة باكية: -رأسها كانت معلقة في مروحة السقف!!! وضعت ليان كفها على فمها بصدمة، ثم أبعدت كفها وقالت: -مين قتلها؟ -العصابة اللي أنا كنت عضو فيها يا ليان، هما اللي قتلوها!!! -أنت كنت مجرم؟ سألت مصدومة، ليرد هو: -لا، كنت أنا الضابط!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!