وقع كريم على الأرض وانفـ جرت الد ماء من شفتيه. كانت اللكمة قوية لدرجة أن سنًا من أسنانه قد انكـ سر. صرخت نهى ثم وضعت كفها على فمها وهي مصدومة، بينما بهت كلا من منير ونسرين. فؤاد وحده من تحرك محاولًا إبعاد يوسف كي لا تتفاقم المشـ كلة. نهض كريم وصرخ وهو يمسح الد.ماء من فمه: -أنت اتجنـ نت يا يوسف... اتجننت.
ثم اقترب من يوسف الذي حاول لكمه مرة أخرى إلا أن فؤاد وقف في المنتصف وهو يحاول أن يهدئ الوضع، ولكن يوسف دفعه بعنـ ف ثم اقترب من كريم ولكمه مرة أخرى. وقبل أن يقع أمسكه من قميصه وصرخ: -بتضر ب بنتك... بتضر ب نسرين يا كريم! -نسرين... هي دي وصية مراتك الله يرحمها... هي دي الأمانة اللي قدرت تحافظ عليها. دفعه كريم وصرخ بعنـ ف: -وأنت مالك... أنت مالك دي بنتي أنا... بنتي وأنا بربيها وعارف أنا بعمل إيه...
أنت عمرك ما هتفهم لأن معندكش عيال... سيبني أنا أربي بنتي بطريقتي! -واتفضل اطلع برا بيتي يا يوسف مش عايز أشوف وشك هنا تاني. لولا صداقتنا كنت عرفتك إزاي تمد إيدك عليا في بيتي ووسط مراتي وبنتي... لكن من النهاردة انسى إنك تدخل البيت ده... انسى. هز يوسف رأسه وقال: -لا لا مستحيل مش هسيبك تمد إيديك عليها تاني... نسرين هتيجي معايا... مادام مش قادر تشيل مسؤولية بنتك يبقى تروح معايا.
ثم بالفعل وفي لحظة جنان منه اتجه إلى نسرين المصدومة لكي يمسك يدها، ولكن كريم تدخل ودفعه بعنـ ف وصرخ: -أنت أكيد مجـ نون... دي بنتي أنا... أنا... أنت نسيت نفسك عشان دخلتك بيتي وعاملتك كأنك أخويا ولا إيه... فوق لنفسك يا يوسف.
ولكن يوسف كان فاقد السيطرة على نفسه، لا يتقبل حقيقة أن يؤ ذيها أحد حتى لو كان والدها. لذلك اشتبك معه مرة أخرى وتفاقمت المشكلة. كان فؤاد ومنير يحاولان فض النزاع، بينما نهى كانت تبكي وتصر.خ، والمرأة التي أتت مع يوسف تجلس في ركن وهي خائفة. بينما نسرين تنظر إلى ما يحدث من حولها ودموعها تتساقط. اتجهت إلى الطاولة وأمسكت السـ كين وبأعلى صوت لديها قالت: -أنا همو ت نفسي... همو ت نفسي.
توقف الجميع فجأة. اتسعت عينا كريم وهو يرى ابنته تضع السكين على رسغها بينما الدموع تغرق وجهها. كانت منهارة بالفعل. -نسرين متعمليش كده! صرخ فؤاد، بينما أخذ يوسف يحدق بها برعب وقد تجمدت كل أطرافه. -اهدي يا نسرين! قالها كريم بحذر وهو يقترب منها، ولكنها تراجعت وهي تقول: -أنا هريحك مني عشان تعرف تعيش حياتك مبسوط من غير ما أنغص عليك حياتك يا بابا... متقلقش أخيراً هترتاح من همي... مش ده اللي أنت عاوزه أنا هحقق أمنيتك.
-نسرين سيبي السكينة أبوس إيديكي. أكمل كريم وقد تشبعت عيناه بالدموع وهو ينظر إلى السـ كين وقد لامست جلدها. شعر بالر عب للحظات لتقول هي: -أنت عمرك ما حبيبتني... عمرك ما اهتممت بيا... أنا عبء عليك صح؟! عايز تخلص مني بأي طريقة وأنا أهو هريحك... أنت حتى لما ناس هاجمونا أنا وليان محضنتنيش كأنك كنت متضايق إني ممو تش وخلصت مني. -بطلي كلام فارغ وسيبي السكـ ينة أبوس إيديكي!
قالها كريم برعب وهو يرى حالتها تلك. كانت هستيريا ويعرف أنها قد تنفذ تهد يدها. -أنا خلاص هخلصك مني. ثم ضغطت السـ كين على جلدها أكثر لتصرخ نهى بقوة، ولكن فجأة أحدهم أنُتزع السكين من يدها. نظرت لتجده فؤاد الذي ألقى السكين بعيدًا. -ابعد سيبني... سيبني. أخذت تدفعه وهي تصرخ بقوة. -اهدي يا نسرين!
ولكن نسرين لم تهدأ، بل أخذت تصرخ بهيستيريا وتضر.ب نفسها. حاول فؤاد ويوسف السيطرة عليها ولكنهما فشلوا. كانت مُصرة على إيذ اء نفسها وكأنها ممسو سة.
أخيرًا تمكن فؤاد من جذبها واحتضانها ليهدئ روعها. قاومت وقاومت وهي تصرخ من أعماق روحها، ولكن فؤاد لم يفلتها. فجأة تمكن الإرهاق منها وشعرت أنها عاجزة عن الصراخ تمامًا. عصف بها التعب وشعرت أنها تنسحب داخل دوامة مظـ لمة. حاولت التمسك بفؤاد ولكنها كانت تسقط رويدًا رويدًا. كان شعور مخـ.يف لكنه رائع للغاية. فكرت نسرين بينما تفقد الوعي بين ذراعي فؤاد! *** -عدي لازم أروح بقولك نسرين في المستشفى!
قالتها ليان والدموع تغرق وجهها. شعرت بالإختنا.ق، ببقلة الحيلة وشقيقها يرفض بهذا الإصرار بسبب خوفه عليها. ولكن، لا يمكن أن يمنعها عن نسرين. ألا يكفي أنه لا يسمح لها بالذهاب إلى الجامعة حتى بتعافي موسى. صحيح أنها تحب عدي كثيرًا ولكنه يخنـ قها باهتمامه!
تنهد عدي وهو يحاول ترتيب كلماته. لا يريد أن يغضبها أو يجعلها تشعر بالحزن. يجب أن تعرف أن ما يفعله عدي يفعله من أجلها هي، لأنه خائف عليها وليس لأنه شقيق متسلط. فليان هي أهم شخص لديه، وهو سيضحي بحياته من أجلها فهي وصية والده قبل موته. ولن يُسامح نفسه لو حدث لها شيء. -عدي عشان خاطري خليني أروح! قالتها بصوت مخـ تنق بفعل الدموع. كان عدي في ورطة. لا يمكنه تجاهل حزنها بتلك الطريقة. هز رأسه وقال:
-طيب يا ليان بس بشرط أنا هوصلك وأجيبك كمان، اتفقنا. هزت رأسها بسرعة ثم ضمته إليها وهي تتمتم: -شكرًا أوي يا عدي... شكرًا. أبعدها وقال: -يلا روحي اجهزي هنمشي دلوقتي عشان منتأخرش. هزت رأسها موافقة ثم صعدت لغرفتها. تنهد عدي واتجه إلى مكتبه لأخذ سلاحه، فهو لا يعرف ما سوف يواجهه. فبعد القبض على عوض ستكون الأمور أسوأ الآن.
ولج عدي إلى المكتب وتجمد وهو يرى زوجته تفتش بجارور المكتب. رفع حاجبيه وابتسامة خبـ يثة برزت على شفتيه واقترب منها بهدوء وهي منهمكة فيما تفعله. -بتعملي إيه في مكتبي؟ قالها عدي فجأة لتقفز جواهر وتنظر إليه برعب بينما ممسكة بالجارور التي فتحته للتو بحثًا عن الشيكات. ازدردت جواهر ريقها وهي تحاول اختراع كذ بة ما، ولكن عقلها توقف الآن. شتـ مت نفسها في سرها. ابتسم عدي واقترب منها قائلاً:
-وصلي رسالة لشريف بيه إني مبحطش الحاجات المهمة في درج مكتبي، دي تصرفات الناس اللي مستواها ذكائها اتنين ونص زيك كده مش تصرفاتي أنا. قضمت شفتيها بغيظ وهي تنظر إليه بإ شتعال. كان ذكي للغاية. شخص مثله سوف تعاني معه الكثير. اللعـ نة على شريف هو من ورطها معه!
كان عدي يبتسم بخـ بث وهو يرى غضبها. مد كفه وأزاحها قليلاً ثم اتجه لخزنته الصغيرة الموجودة بجوار المكتب. اتسعت عيناها وهي تلعن غباءها. بالطبع الشيكات سوف تكون هنا. وكأنه قرأ أفكارها قال بصوت متسلي: -ولا بشيلهم في الخزنة دي كمان.
فتح الخزنة بالرقم السري الذي دونه بسرعة ليخرج سلاحًا ناريًا. شهقت وتراجعت قليلاً بخوف ليأخذ عدي السلاح النا ري ثم ينهض ويشد جواهر بغتة نحوه ويطوق خصرها ثم يقربها منه أكثر حتى تلاشت المسافة بينهما ولم يبق للهواء حتى منفذ ليمر. ابتسم ساخرًا وهو يرى الرعب الطفيف الذي سكن عينيها وقال وهو يغرس السلاح بعنقها ويقول بينما يراها ترتعش: -ده مسد س مرخص... بستخدمه مع الخا ينين واللي بيكذبوا واللي بيحاولوا يسرقوني...
أنا مبسامحش في حقي يا بيري فخدي بالك. -أنا مبخافش منك.
قالتها بنبرة جاهدت لإخراجها ثابتة بينما حدقتاها تهتزان قليلاً. ابتسم وهو يتأملها. فجأة انمحت الابتسامة من على شفتيه وعيناه تطوف على ملامحها الجميلة. تمتلك ملامح جذابة كثيرًا ولكن أكثر ما يميزها هي تلك القوة التي تحاول إبرازها في أسو أ لحظاتها. يجب أن يعترف أنها تعجبه كثيرًا. هو لا يحب المرأة الخا نعة الضعـ يفة. ذلك النوع من النساء لسن نوعه المفضل أبدًا. انتقل بالسلاح من عنقها لفكها وقال: -لا لازم تخافي مني...
عشان لو حصل أي خيانة منك هقتـ لك فعلاً. ظلت تنظر إليه، لا ترف جفنيها حتى. ابتلع ريقه وتوقفت نظراته على شفتيها. أغمض عينيه واقترب بفمه منها ليقبلها. كان يجب أن تصرخ به وتدفعه ولكنها شعرت بالخدر في جميع أنحاء جسدها. شعرت أنها مغيبة، لذلك أغمضت هي الأخرى عينيها. وقبل أن تلامس شفتيه شفتيها انفتح الباب فجأة. -عدي... أووه... أنا آسفة. قالتها ليان بحرج وهي تتراجع. وجهها أحمر بقوة وهي ترى شقيقها وزوجته بهذا القرب.
ثم بسرعة قالت: -أنا مستنياك برا. ثم أغلقت الباب بسرعة. كان وجه جواهر محمرًا بفعل الخجل والغضب. نظرت إلى عدي لتجده مبتسمًا بخبث. رفعت قدمها ثم ضربت قدمه بقوة ليتأوه وهو يتراجع بينما تستغل هي تلك الفرصة لتلوذ بالفرار بينما الدموع تحتشد بعينيها. لقد كادت أن تُخطئ اليوم! *** في المشفى...
كان كريم يذرع رواق المشفى بقلق. القلق ينـ هش في قلبه بسبب ابنته. لم يفكر بأي شيء، كل ما يريده أن يطمئن عليها. بينما يوسف كان يرتكز على الحائط وهو ينظر إلى كريم بغيظ. عيناه العسلية كانت تشتعلا ن بالنيران. وود لو يـ قتله. لكمتان لم تكفيا لتهدئة غضبه من كريم الذي ضر ب حبيبته أمامه. نظر إلى الأرض وهو يتمنى من كل قلبه أن تخرج سالمة وبعدها سوف يتصرف مع كريم. خرج الطبيب من غرفتها ليقترب فؤاد وكريم منه.
-بنتي عاملة إيه يا دكتور؟ -إنهيار عصبي. وضعت نهى كفها على فاها بينما أطرق كريم برأسه والذنب ينـ هش قلبه ليكمل الطبيب: -أنا بقترح تعرضوها على طبيب نفسي. هز كريم رأسه وقال: -حاضر يا دكتور. ***
كانت جالسة على الفراش، شعرها الذهبي متساقط على وجهها. دموعها لا تتوقف عن التدفق، والألم في قلبها لا يُوصف. تمنت وقتها أن تموت وترتاح، أن تلحق بوالدتها. لقد فهمت الأمر. لم تكن محبوبة يومًا من قبله. والدها لا يحبها. يفعل المستحيل كي يؤ لمها. وربما يريد تزويجها بسرعة كي يتخلص منها. ولكنها قريبًا سوف تريحه من مسؤولياتها، ثم تغادر وهو لن يعرف مكانها أبداً. -نسرين! صوت والدها اخترق أذنيها بقوة. رفعت عينيها إليها وسرعان
ما نشجت بقوة وهي تقول: -امشي... امشي. نظرت نهى بقلق إلى حالتها. كانت نسرين على وشك الإنهيار مجددًا. -اهدي يا بنتي مش هاذيكي والله. -لا لا امشي... مش عايزة أنت... أنا عايزة ليان... فين ليان... ليان! كانت تتكلم دون توقف لتقترب نهى من كريم وتقول: -كريم اطلع دلوقتي معلش... اطلع من هنا! كاد أن يعارضها ولكن حالة ابنته أخافته. لم يكن يريد أن يراها تعاني بهذا الشكل. لـ عن نفسه لأنها وصلت لتلك الحالة بسبب قسوته الشديدة عليها.
-هطلع حاضر. قالها كريم بحزن ثم خرج. بعد أن خرج اقتربت نهى بحذر من الفتاة ثم أخذت تربت على كتفها وقالت: -ليان زمانها جاية يا نسرين أنا اتصلت بيها. بس أهدي يا حبيبتي... أهدي ممكن. حدقت بها ثم بدأت بالبكاء مجددًا. جذبتها نهى ثم عانقتها وهي تقول: -يا حبيبتي... يا حبيبتي. -أنا عايزة أموت... نفسي أموت. -بعيد الشـ ر عنك يا حبيتي متقوليش كده. ربنا يسعدك ويديلك العمر الطويل. -بابا مبيحبنيش... محدش بيحبني. هزت نهى رأسها
وهي تربت على شعرها وتقول: -لا يا بنتي لا... أنتِ غلطانة أووي. باباكي بيحبك وبيحبك أووي كمان. أيوة صحيح هو غلطان مش هدافع عنه ولا أبرر لكن والله بيحبك. وأنا كمان بحبك يا نسرين وليان كمان. ليان صاحبتك لما عرفت إنك في المستشفى قالت إنها هتيجي علطول. كلنا هنا بنحبك يا بنتي. -نسرين!
قالتها ليان بقلق وهي تلج غرفتها. ابتعدت نسرين عن نهى. كانت الدموع تغرق وجهها بالفعل. الألم يشع من عينيها. اقتربت ليان ثم عانقت نسرين بقوة لتنفـ جر نسرين بالبكاء مجددًا وقد شعرت أخيرًا بالأمان. -بس... بس اهدي يا حبيبتي... اهدي.
ولكن نسرين لم تتوقف عن البكاء. كانت تتألم وكأن كل ما أخفته في قلبها من ألم ظهر الآن. لم تخفي شيئًا ولما تخجل من بكائها بتلك الطريقة. كل ما تبغيه هو الراحة. لقد تألمت كثيرًا. خذلها الجميع وأولهم والدها. شددت من احتضان ليان وقالت بإختناق: -ليان... خديني من هنا... خديني من هنا يا ليان لو سمحتي. تنهدت ليان وهي تنظر إلى نهى فقالت نهى: -هكلم باباها وأقنعه يروح معاكي يا ليان. كده كده هي هتخرج دلوقتي. ***
في اليوم التالي. في حديقة قصر عائلة رشيد. كانت تجلس جواهر على إحدى المقاعد الخشبية البيضاء بينما تضع سماعات الأذن المتصلة بهاتفها النقال تستمع لإحدى أغاني أمير عيد. وبجوارها صينية بها شطائر الكفتة مع عصير مانجو طازج. مزاجها رائق اليوم وقد قررت أن تبدأ بالبحث في محاولة إيجاد الشيكات مجددًا كي تتحرر من هذا الزواج المزيف التعـ يس!
أطفأت الأغنية فجأة وأغمضت عينيها وهي تستمتع بهذا الهدوء المحبب للقلب. فجأة ازدردت ريقها وهي تتذكر تلك القبلة التي كادت أن تتشاركها مع عدي. لا تصدق أنها ضعفت أمامه. زفرت بضيق وقد تعكر مزاجها. خرجت ليان من القصر لتسقي الورود الخاصة بها وسوف توصي الخادمة لتحضير طعام الإفطار لها ولنسرين. توقفت قليلاً وهي تجدها تجلس على المقعد الخشبي. وضعت إناء الري جانباً ثم اقتربت منها مبتسمة. -صباح الخير.
قالتها ليان بابتسامة لطيفة لزوجة أخيها. تلك المرأة الجميلة والتي دومًا وجهها متجمد لا تبتسم عندما تراها. حاولت أن تتكلم بلطف كي لا تشعر جواهر بالإحراج بعد ما حدث بالأمس. من الأساس قررت ألا تتكلم عنه أبدًا. قررت تجاهله. نظرت جواهر بنفس البرود إلى ليان وهي تتفحصها جيدًا ثم ردت ببرود وهي تتناول شطائرها المفضلة: -صباح النور. اقتربت ليان وجلست بجوارها بعفوية تامة ثم أمسكت إحدى الشطائر وهي تلتهما وتقول:
-صحيح الأيام اللي فاتت كان فيه شوية توتر في حياتنا ومقدرتش اتعرف عليكي كويس. نظرت إليها جواهر بضيق. كانت لا تريد أي صحبة الآن. تريد أن تبقى لوحدها وتفكر. وآخر ما تريده هو التحدث مع أحدهم وخاصة شقيقة عدي بعدما حدث بالأمس. -اسمك بيري صح. عدي قالي. هو حقيقة اتصدمت لما عدي اتجوز كده فجأة بس لما شوفتك عرفت إن ليه حق. أنتِ جميلة وفي وشك قبول غريب. أنا بجد حبيتك.
ارتبكت جواهر ولم تعرف بماذا ترد على هذا الكلام اللطيف والذي بدا صادقًا للغاية. أرادت أن ترد بوقـاحة ولكنها عجزت تمامًا. كيف تقابل هذا اللطف بالقسا وة. كيف. ابتسمت جواهر ابتسامة حقيقية وقالت: -وأنتِ كمان جميلة يا ليان وأنا حبيتك. -بجد أنتِ حبيبتيني. شكرًا ليكي أووي. ثم حاوطت جواهر بذراعيها وهي سعيدة. توجست جواهر من رد فعل الفتاة المفاجئ فابتعدت ليان قليلاً وقالت بإحراج:
-آسفة رد فعلي كان ويرد شوية بس أنا كان نفسي أصاحبك من أول ما جيتي. أنا كان دائمًا عندي حلم وخيالات إني أنا ومرات عدي نبقى أصحاب ونخرج مع بعض. ضحكت قليلاً وأكملت: -ده غير إني قولت دائمًا إني هقف في صف مرات أخويا ضد عدي. ابتسمت جواهر لها وقالت: -متقلقيش هحققلك حلمك بإذن الله. ابتسمت ليان ثم ضمتها مرة أخرى لتبتسم جواهر بغرابة. كيف يمتلك عدي شقيقة لطيفة مثلها. -شكلكم انسجمتوا سوا!
قالها عدي مبتسمًا وهو يقترب منهما لتبتعد ليان عن جواهر بينما تجهم وجه جواهر المبتسم. ابتسمت ليان وهي تنهض وتعانقه وقالت: -بيري عسولة أووي يا عدي. أنا حبيتها. ابتسم عدي بسخرية وقال: -شايفة إنك انسجمتي مع أختي خالص يا بيري عقبال ما تنسجمي معايا كده. ثم غمز لها. -على جثـ تي الكلام ده. تمتمت بغيظ لنفسها ليقول عدي: -بتقولي حاجة يا عروسة. -لا مبقولش. قالتها بفظا ظة لتضحك ليان وتقول:
-شكلكم كيوت مع بعض زي Tom and Jerry دايما بتضايقوا بعض بس بتحبوا بعض. ثم تركتهم وذهبت ليجلس عدي بجوار جواهر ويقول: -إيه رأيك يا بيري تفتكري هنحب بعض في يوم من الأيام؟ -لا مظنش. أختك بتحلم زيادة عن اللزوم أنا مش بطيقك أصلًا. -غريبة ده مكانش رأيك امبارح يعني! احمر وجهها ليقترب أكثر وأصابعه تتلمس وجهها ويقول: -امبارح لولا دخول ليان كُنت ه.... نهضت بسرعة وقالت بتوتر: -أنا رايحة الحمام.
ثم ركضت نحو القصر يتبعها ضحكات عدي الساخرة. تنهد وهو ينظر إلى طبق الشطائر. أمسك شطيرة منها ثم بدأ يتناولها وهو يصفر ويقول: -الصبر... الصبر يا بيري بس... اصبري عليا أخلص اللي ورايا وهفضالك ووقتها هاخد كل حقوقي منك. ونشوف كلمة مش بتطقيني دي هتطلع من بوقك إزاي تاني! ضحك بإستمتاع وهو يكمل تناول الشطيرة. فريسته على وشك الوقوع في المصيدة. وكم سيكون رائعًا عندما ينالها! ***
في منزل أمير. قضمت شفتيها بضيق وهي ترى تلك المائعة قد أعاقت طريق أمير. تلك الفتاة التي أنقذ أمير شقيقتها من ذلك الـمتحرش وهي من وقتها تتحجج لكي تتكلم وهذا أزعج عبير كثيرا. تمنت في تلك اللحظة أن تنزل إليها وتجذبها من شعرها وتجمع عليها أمة لا إله إلا الله. أرادت لها فضـ يحة واسعة عديمة التربية تلك!
ولكنها شعرت بقليل من الرضا وهي ترى أمير ينظر إلى الأرض وهو يتحدث معها. لا يرفع وجهه حتى لكي ينظر إليها بينما هي تبتسم له بهيام وتضحك دون توقف. -إيه قلة الذوق دي... سيبيه يا باردة مش عايز يتكلم معاكي... فين كرامتك! همست عبير بغضب وهي تضرب على حاجز التراس بغضب. *** -أنا حاسة إن مهما عملت مش هقدر أشكرك على وقفة جمب أختي الصغيرة.
كان أمير مطرق برأسه يشعر بالحرج بسبب تحدثها معه بتلك الأريحية. أراد أن يذهب إلى منزله بسرعة ولكنه شعر أنه سيكون قليل الذوق. لم ينظر حتى إلى تلك الفتاة التي تبادله بهيام واضح. ليكون صريحًا هو لا يعرف التعامل مع الفتيات ولا يهتم. آخر امرأة عرفها هي والدته ونورهان ابنة خالته. ولكنه حقًا لم يحتك بأي فتاة أخرى ولا حتى أقرباؤه من الفتيات. -هو أنت مبتبصليش ليه هو أنا و حشة؟ قالتها الفتاة بعتاب مائع ليخرج صوته باردًا ويقول:
-وأنا هبصلك ليه يعني! وبما إنك خلصت شكر ليا للمرة العاشرة تقريبًا أنا دلوقتي هروح بيتي عن إذنك! ثم تركها وذهب وهو تضع كفها على وجنتها وتنطق هائمة: -وتقيل كمان... نوعي المفضل... عمومًا ماشي يا ابن الحتة هنشوف لحد أمتي هتفضل تقاوم بس اللي ميقعش في الآخر! ثم غادرت نحو منزلها وهي تصفر بسعادة ولم تلاحظ عبير التي كانت تستـ شيط من الغضب. -قليلة ذوق فعلاً! *** ولج أمير إلى المنزل ورأى نوح أمامه ابتسم وقال: -أزيك يا نوح.
ثم أغمض عينيه وهو يتشمم الرائحة الشهية المنبعثة من المطبخ وقال وعيناه تتسع بذهول: -مش معقول عملتلي الكبدة بالطريقة اللي أنا بحبها... إيه الدلع ده بس. ولكن عبير لم تبادله ابتسامته ونظرت إليه بحدة لم ينتبه هو لها بسبب إرهاقه الواضح. -البنت دي كانت بتقولك إيه؟ قالتها عبير بنبرة هجومية لم تقصدها ولكن شعورها بالضيق جعلها تكاد تفقد أعصابها. رفع أمير حاجبيه وقال: -كانت بتشكرني يا نوح مالك متضايق ليه؟
ثم ولج إلى غرفته بإرهاق ليجهز له ملابس كي يتحمم بينما عبير كانت تشتـ عل غضبًا. إلى متى ستظل تشكره! تلك الوقحة. اتجه أمير بخطوات متعبة إلى الحمام بينما جلست عبير وهي تقضم أصابعها بغيظ. ودت لو تخـ نقه على بروده هذا. انتظرت بصبر حتى خرج من الحمام. شعره مبتل. ما زالت غاضبة. ما زالت مشـ.تعلة. ترغب بخنقه وهو يرد عليها بهذا البرود. -مالك يا نوح شكلك متضايق؟ رفعت عينيها ونظرت له ليتراجع للخلف وقال بتوجس:
-أنا عملت إيه بس عشان تضايق؟ -أنا عايز أفهم البنت دي هتفضل تشكر فيك لحد أمتى؟ ضحك أمير وقال: -إيه يا نوح مالك بتتصرف كأنك مراتي كده ليه،؟! إيه الغيرة دي؟ شحبَت فجأة وهي تنظر إليه بإرتباك. هل فعلاً تغار؟ هل تصرفاتها توحي بهذا؟ هو محق. ما سبب هذا الغضب الذي يعصف بها؟ هي لم تشعر بهذا الغضب من قبل أبدًا. لماذا هي تشعر بكل ذلك الضيق من اقتراب تلك الفتاة منه؟ هل تغار؟ فكرت بصدمة وهي تغطي فمها بقوة. رباه لا بماذا تفكر هي!
هي أبدًا لم تؤمن بالحب فكيف تغار عليه؟ لابد أنها جنت. هي بالتأكيد جنت. كان أمير يراقب انفعالاته بقلق. لا يعرف ماذا حل به فجأة فهو يرى نوح يشحب ثم يهز رأسه ويضع كفه على فمه. ماذا يحدث معه؟ رفع حاجبيه وقال بتوجس: -أوعى بتكون يا نوح بتغير عليا فعلاً؟ نظرت إليه بصدمة ثم سرعان ما انفـ جر أمير بالضحك وقال: -يا باشا متقلقش فهمتك صح مش غلط. أنت غيران وغيران جدًا كمان. خافت عبير أكثر وفكرت. تُرى هل اكتشف أنها فتاة!!!
يا الله ما تلك الكارثة التي حلت على رأسها! أكمل أمير قائلًا وهو يغمز: -أنت أكيد حبيت البنت اللي بتشكرني دي دايما وبقيت بتغير عليها. أي يا باشا قلبك وقع خلاص. انتشرت الراحة بداخل عبير وهزت رأسها. فهي قد وجدت مخرجًا لتلك الكارثة. كان أمير محقًا جدًا. فهي قد وقعت بالحب. ولكن حبه هو. ما تلك الكارثة!!! ***
إن أكثر شيء يمـ قته هو أن يتم تجاهله. وورد بارعة جدًا في هذا الأمر. لديها قدرة جبارة على تجاهله بل وتعامله كأنه شبح أو غير موجود. لكن رُغم هذا تصنع طعامه، ترتب منزله وتهتم بياسمين كأنها ابنتها. الواجب الوحيد الذي لا تفعله هو إعطاؤه حقوقه الشرعية فهي تنام بغرفة ياسمين ما إن يأتي حتى تختفي بالغرفة ولا يراها إلا نادرًا. ولكن اليوم بشكل مفاجئ رآها تجلس بالصالة ترسم مع ياسمين وضحكاتها الناعمة تنطلق في المنزل. ابتسامة
لطيفة ونادرة تكونت على شفتيه وهو يراها تضحك بتلك الطريقة. هو يحب النظر إليها وهي تضحك. يشعر حينها أن وجهها يشرق، وكأنها زهرة تتفتح. لقد اشتاق إليها. يعترف بهذا. فجأة تجهم وجهه وهو يتذكر حديث والدتها وبدأ الشيطا ن يتلاعب به مجددًا. يغضب كلما يتذكر الأمر. لا يتقبل فكرة أنها أحبت أحدًا من قبل أن تتزوجه. وتؤلمه فكرة أنها ربما ما زالت تحبه. هل يومًا ما تخيلته حبيبها وهي بين ذراعيه؟
هنا هز رأسه بقوة. لا هو لن يسمح لأفكاره أن تتمادى بشأنها. يثق تمام الثقة أن هي ليست من هذا النوع. أغمض عينيه بقوة وهو يفكر بقـهر إلى متى سوف يظل في تلك الدوامة. إلى متى سيظل الشك ينهـ ش قلبه. يعـ كر حياته ويجـ لد روحه. الشك مرض قا.تل ينتشر بقوة في جسده وهو يجب أن يضع له حد. ولكن كيف؟ هل يسألها؟ يواجهها! ولكن هل ستخبره الحقيقة أم ستكذ ب؟ هو لا يعلم ولا.... أخرجه من شروده صوت ابنته وهي تقول: -بابي أنت جيت.
تجهمت ورد واختفت ضحكاتها كعادتها عندما تراه أن تشعر بوجوده. ضم ياسين ياسمين التي اندفعت لأحضانه وابتسم وهو يقبلها قائلًا: -وحشتيني يا حبيبتي. -وأنت كمان يا بابي. نهضت ورد واتجهت مسرعة إلى المطبخ لتعد طعام الغداء. *** بعد نصف ساعة تقريبًا كانت قد جهزت طاولة الطعام. وبالتأكيد لم تجلس معهما كالعادة. نظرت ياسمين إلى مكانها الفارغ بحزن وقالت: -أنا رايحة أناديها تأكل معانا. ثم اتجهت للغرفة دون أن تنتظر رده. ***
ولجت ياسمين لغرفتها لتجد ورد تجلس على الفراش ووجهها متجهم. اقتربت منها أكثر. فجأة رفعت وجهها ونظرت إلى ياسمين مُبتسمة وقالت: -عايزة حاجة يا حبيبتي؟ -تعالي كلي معانا يا طنط ورد. قالتها ياسمين برجاء ولكن ورد ابتسمت لها وقبلت رأسها قائلة: -أنا مش جعانة دلوقتي يا ياسمين. روحي أنتِ كلي لما أجوع هاكل إن شاء الله.
نظرت إليها الفتاة بحزن. قد تكون صغيرة ولكنها تفهم ما يحدث. ورد ووالدها لا يتحدثان سويًا بالطبع هناك شيء بينهما. فهي لن تنسى أن ورد كانت تريد أن تذهب ولولاها كانت ذهبت فعلاً. -طنط ورد لو أنتِ مأكلتيش أنا مش هاكل. قالتها ياسمين بعناد فقبلتها ورد على رأسها وقالت: -ياسمين حبيبتي أنتِ عايزاني أزعل منك ولا إيه؟ لا لو سمحتي روحي كلي وقولتلك لما أجوع هاكل. كادت ياسمين أن تعترض ولكن صوت ياسين أوقفها:
-ياسمين حبيبتي روحي كلي أنا هاجيب طنط ورد وأجي. هزت ياسمين رأسها بطاعة ثم خرجت من الغرفة. اقترب ياسين من ورد التي كانت تنظر إليه بجمود. -يلا قومي عشان تأكلي. قالها ياسين وهو يجذب ذراعها ولكنها حاولت دفع ذراعه وهي تقول بنبرة باردة: -مش عايزة أكل. ولكنه لم يهتم برأيها بل جذبها بالفعل ليخرجها من الغرفة ولكنه ا حاولت دفعه وهي تقول: -خلاص أبعد... ابعد عني.
نجحت بالفعل بدفعه وابتعدت بعدة خطوات وهي تنظر إليه وقد ترطبت عينيها بفعل الدموع. كانت على وشك الإنهيار بالفعل. حاولت التماسك بينما ينظر إليها هو بغضب ولكن ما حدث فجأة كان سـ ئ لكليهما فقد فقدت سيطرتها وأنفجرت بالبكاء كالأطفال. ارتبك ياسين وحاول الإقتراب منها لتهدئتها ولكنها صرخت به: -متقربش مني... ابعد عني! يالا روح لمراتك التانية وسيبني في حالي أنا مبقتش طايقاك... مش عايزة أبقى معاك ثانية واحدة... عايزة أطلق!
كانت كلمة الطلاق التي خرجت منها للمرة الثانية كالفتيل الذي جعله يشـ تعل من الداخل. اقترب منها ثم جذبها إليه. عيناه الخضراء كانت تشتعلان بطريقة أخافتها وابتسامة و حشية برزت على شفتيه وقال: -عايزة تطلقي!!! تطلقي... وده ليه عشان مقدرتيش تحبيني... عشان لسه بتحبي علي! نظرت إليه بصدمة ليبعدها عنه ويقول: -سمعت والدتك وهي بتقول كده. للأسف شكلك مقدرتيش تنسيه. مقدرتيش تحبيني يا ورد. يبقى مين اللي يزعل من مين!
وكعادته خرج من الغرفة دون أن يعطيها حق الدفاع عن نفسها! *** بعد أسبوع. -يعني أنا معرفش أعتمد عليكي خالص كده! أي حاجة أطلبها منك بتفشـ لي تعمليها! زجر شريف بها بعنـ ف وهو يشعر بالغضب. كل خططه فشلت. عدي أذكى منه بكثير وبالطبع أذكى من تلك الـغـ بية! -فعلًا غبـ ية... ملكيش أي فايدة... غبـ ية ومبعرفيش تتصرفي أبدًا! -أيوه أنا فعلًا غبـ ية لأني سايرتك وسمعت كلامك!
صاحت جواهر بإنفعال والدموع ملء عينيها. كان الألم داخله يتفاقم. تشعر بالإ ختناق بسبب كل شيء. هذه ليست هي. تلك ليست أساليبها. الكذ.ب والخد اع ليسا من أساليبها. تدفقت دموعها بقوة وأكملت: -حرام عليك اللي أنت عملته فيا ده... خليتني أتزوج بإسم مزيف وعشت حياة مزيفة مع إنسان الله وأعلم لو عرف الحقيقة هيعمل فيا إيه. بعدتني عن أمي ودمرت حياتي. ليه ده كله. اعتـ صر ذراعها وصرخ:
-أنتِ السبب في ده كله يا هانم. أنتِ اللي هربتي بيري بنتي. أنتِ اللي كنتي هتضيعيني. متلومنيش أنا يا حبيبتي. لومي نفسك لأنك بتتدخلي في اللي ملكيش فيه! -لأن اللي كنت هتعمله حرام. حرام تبيع بنتك عشان تنقذ نفسك ولو رجع بيا الزمن هعمل كده برضه. وأنت هتندم. هتندم لما في النهاية تخـ سر كل حاجة! دفعت يده بغلظة ومسحت دموعها وهي ترفع رأسها وتقول بقوة: -أنا هقول لعدي على كل حاجة. هحكيله على كذ.بك وخداعك واخليه يوديك السـ جن.
استدارت لتذهب ولكنه قال: -فاكرة عدي هيساعدك. بتحلمي يا جواهر. عدي أسو أ مني بكتير. عمره ما يسامح حد كذب عليه أو خدعه. أنا هروح السجـ ن صحيح بس أنتِ كمان هتروحي معايا بتهمة الـنـ صب والتزوير وطبعًا الشيكات وبما إنك خريجة حقوق احسبي هتفضلي كام سنة. شحب وجهها بقوة لتتكون على شفتيه ابتسامة خبيـ.ثة وأقترب وهو يضع كفيه بجيبه مكملًا حديثه السا م:
-ووقتها أنا هبطل أعالج أمك وهتطلع من المستشفى الخاص اللي حطيتها فيها. تخيلي حالتها وقتها. بنتها في السجن ومفيش حد يصرف عليها. وقتها أمك هتروح تشحت وفي الأخر هتمو.ت أما بسبب الجوع أو المرض! -أنت معندكش قلب. مش بتحس! صرخت به وهي ترتجف من رأسها إلى أخمص قدميها. للأسف هي متورطة بشدة. وشريف لديه حق. سوف تُسـجن معه. وحينها سوف تتدمر حياتها وحياة والدتها. رباه ماذا تفعل؟ هز شريف رأسه بقوة وقال:
-لو كان عندي قلب وسيبتك في حالك كنت هتحـ.بس يا جواهر. عشان كده كان لازم أشيل قلبي. وأسكت ضميري. كان ممكن حياتك تبقى أحسن لو مكنتيش هربتي بيري اللي والله بدور عليها وبس أقدر ألاقيها هحاسبها كويس.
نظرت إليه جواهر بإشمئزاز. ظنت أن والدها هو الأسو أ. ولكن شريف حقًا يتفوق عليه بمراحل. فهذا الرجل ليس لديه قلب. فعليًا ليس لديه قلب. وهي وقعت في شباكه وانتهي الأمر. هي لا تهتم بنفسها. لا تخاف على نفسها أبدًا. جل ما تفكر به هو والدتها العزيزة. لن تتحمل أن يحدث لوالدتها شيء بسببها. لا هي لن تتحمل لذلك ستسايره! -عايزني أعمل إيه؟ قالتها بنبرة جامدة وقد استسلمت للواقع. لن تقاوم. من أجل والدتها على الأقل لن تُخا طر.
ابتسم شريف بإنتصار وقال: -اهو هو ده الكلام المضبوط يا جواهر. أصل مفيش فايدة. لو دخلت أنا السـ جن هتدخلي ورايا وتسيبي أمك المسكـ ينة لمين. لم ترد عليه ولكن عيناها كانت تنطق بالكره الواضح له. ولكنها لم تبالي بل اتسعت ابتسامته أكثر وقال: -عايزني أحررك من الجوازة دي جيبي باقي الشيكات. اتصرفي وجيبيها.
-طيب أجيبها إزاي. دلني كده. أنا دورت في مكتبه حتى أوضة النوم بتاعته. عاملة زي الحرامية بفتش في كل حتة وهو قفشني مرة وعارف أنا عايزة إيه! -خلاص غيري الخطة. أكسبيه. خليه هو يسلمك الشيكات بنفسه. ضحكت بسخرية وقالت: -أفندم وهو هيسلمني الشيكات بمناسبة إيه! ابتسم شريف وقال: -لو حبك هيسلمك روحه مش الشيكات بس. وقعي عدي رشيد في حبك يا جواهر. خلي عدي رشيد يحبك ووقتها أحنا الاتنين هنكسب! ***
وقفت أمام غرفته بتردد. لقد اشتاقت إليه بقوة. كيف لم تنساه بعد كل ما فعله بها. وبعد أن حطم قلبها مرارًا وتكرارًا بسبب كلماته السامة التي لا يتوانى عن طعـ نها بها. ولكن رغم قسوته، بروده ما زالت تعشقه. كم تمنت لو تقتلع قلبها من صدرها وتدوس عليه بقوة. تمزقه بشراسة لأنه أحب بتلك الطريقة رجلاً لا يراها من الأساس. لا يدري أحدهما العذاب الذي تعيش به. أن تعشق المستحيل. لا يعرف أحد ما تعيشه غير نسرين. نسرين التي أصبحت تعيش
معها مؤقتًا. الاثنان يواسيان بعضهما وربما هذا الشيء جعلها تشعر بالراحة قليلاً فقد قاومت الذهاب لموسى عدة مرات بفضلها. ولكن الآن هي تموت لتراه. تصاعدت الدموع لعينيها وبلحظة تهور فتحت الباب. كانت تريد أن تراه بأي طريقة. لقد مر أسبوع منذ آخر مرة رأته بها. منذ إصابته وهو يُلازم غرفته لا يخرج منها إلا نادرًا. عدي أخبرها أنه على وشك التماثل للشفاء وهذا أراحها نسبيًا. ولجت للغرفة وهي ترتعش بقوة. لم يكن بغرفته وقبل أن تفكر
بمكانه الآن سمعت صوت المياه بالحمام. لابد أنه يستحم. فكرت ثم اتجهت إلى فراشه وجلست عليه تنتظره. كانت إحدى قمصانه ملقية بإهمال على الأرض. انحنت والتقطه ثم ضمته إليها وهي تغمض عينيها بينما الدموع تنسكب دون توقف من عينيها. كم بدت مثيرة للشفقة وقتها. ولكن هذا هو العشق. عشقها لموسى كان لعـ نـة حياتها بأكملها!
تركت القميص على الفراش ثم اتجهت لتنام على وسادته. فجأة وجدت شيئًا تحت الوسادة امسكته لتجده صورة لامرأة جميلة للغاية. تألم قلبها ونهضت وهي تتأمل صورة تلك المرأة. لابد أنها هي من سرقت قلب موسى. كم هي محظوظة! خرج موسى من الحمام فجأة وتجمد وهو يراها. قلبه غار في صدره وكل ما أراده هو الذهاب إليها وضمها بقوة. ولكن ههز رأسه مزيحًا تلك الأفكار وهو يراها تمسك صورة روان. -أنتِ بتعملي إيه هنا؟
زعق بها موسى لتنتفض بقوة وتنظر إليه وهي ما زالت تمسك الصورة. كان يلف منشفة حول خصره بينما جذعه عاري. احمر وجهها بخجل و تنفست ليان بتثاقل ووضعت عينيها في الأرض. أرادت أن تهرب قبل أن يقتـ لها بكلماته كالعادة. اقترب هو منها وعيناه الزرقاء تشـ تعلان بقوة. إنها مصرة على اختراق حصونه. والمشكلة أنها تنجح. فجل ما يريده الآن أن يجذبها إليه ويعانقها بقوة. يقبلها ربما. يطلب منها ألا تُغادر حياته. يتصرف بأنانية مرة أخرى كما تصرف مع روان ولكنه يعرف نتيجة هذا التصرف جيدًا. وقف أمامها وانتزع الصورة منها لتشهق بخوف وتقول
والدموع على أعتاب عينيها: -أنا... أنا آسفة. -أعمل إيه بأسفك. أعمل إيه بيه. ليه كل شوية تدخلي أوضتي من غير إذن. ليه مش عايزة تسيبيني في حالي يا ليان الحب مش... كان يصرخ بوجهها لتنفـ جر هي: -خلاص... خلاص عرفت مش لازم كل شوية تسمعني الكلمتين دول يا موسى. أنا مش جاية أطلب حبك. كنت جايه أطمئن عليك ويظهر أنك كويس أوووي وأنا آسفة لو أزعجتك. وعد مني هخلي اللي بينا شغل وبس. ثم كادت أن تذهب إلا أنها توقفت وهي تنظر إليه
بينما تمسح دموعها بإنفعال: -صحيح حابة أشكرك عشان أنقذت حياتي. صحيح بتقول ده شغلك بس واجبي برضه أشكرك. شكرا أووي ليك. ثم تركته وغادرت ليجلس على الفراش بإنهيار وهو يفكر أنه ربما أبعدها عنه للأبد! *** أتجهت ليان بسرعة إلى مكتب شقيقها ثم طرقت الباب ودخلت وقالت دون إنتظار: -عدي أنا موافقة أتزوج دكتور يحيى! *** في اليوم التالي.
-سمعت دكتور يحيى خلاص هيخطب. النهاردة الخبر انتشر في المستشفى. البت ميار قالتلي إنها سمعته بيقول هيروح يقابل النهاردة العروسة اللي جابتهاله أمه. قالتها إحدى الممرضات وهي تضحك بينما ابتسمت الممرضة المسنة الأخرى بحنان وقالت: -الحمدلله عقدته هتتفك. الدكتور يستاهل كل خير ربنا يسعده دائمًا.
تلك الكلمات وقعت عليها كالصاعقة. تجمدت الممسحة في يديها وتصاعدت الدموع بعينيها. شفتيها ارتعتشت. أرادت أن تهرب ولكن إلى أين. شعرت بالإختناق. رباه تشعر أنها سوف تموت. العالم يضيق بها. أغمضت عينيها وهي تتنفس بقوة. تحاول السيطرة على نفسها ولكنها تشعر أنها ستنهار في أي وقت. أمسكت الممسحة وهي تعمل بيد مرتعشة. تنفلت شهقات من شفتيها تحاول كتمها بقدر الإمكان. تنجح تارة. وتفـ شل تارة. ماذا توقعت. حقًا ماذا توقعت. أن يحيى سوف
ينظر إليها هي. كيف ينظر إليها ولماذا. هل نست نفسها. هذا هو المتوقع. هو بالطبع لن ينظر إلى من في مستواها. إذًا لماذا الصدمة. هل ظنت أنها سندريلا التي سوف ينتشلها الأمير من العامة ويجعلها أميرته. هذا يحدث في القصص الخيالية فقط. الأمير لا يحب الفقيرة إلا في قصص الأطفال أما الواقع فهو شيء آخر تمامًا. الواقع لن يتغير. الطبيب ليس من حقها. عقلها كان مقتنعًا تمامًا بتلك الفكرة ولكن قلبها الـغـ بي لا. لم يكن يجب أن تنظر إلى
ما ليس لها. هي من عانت بالنهاية. دموعها تسابقت على وجهها وهي تثبت وجهها على الأرض. لم ترغب أن تكون عِرضة للتسلية. كان يجب أن تغادر منذ زمن. منذ أن تاقت لما ليس لها. منذ فشلت في الحفاظ على نظراتها. منذ أن غرقت في عينيه ولم تستطيع النجاة. ومنذ أن خسـ رت قلبها أمامه. كان يجدر بها الذهاب. الهرب ولكن بكل غباء قررت البقاء. خافت ألا تراه مجددًا لذلك تراجعت عن القرار الذي اتخذته منذ أيام. قررت أن تبقى. قررت أن تستأنس برؤيته
يوميًا ولكنها دفعت ثمن هذا القرار غاليًا. فقلبها الآن تحطم.
-رانيا. قالتها منى بتوجس وهي تقترب منها. رفعت رانيا وجهها. -مالك يا بت فيه إيه بقالك فترة مش عجباني. معقول فسخ خطوبتك يعمل فيكي كده!!!
قالتها منى لرانيا بقلق بعد أن رأت وجهها الشاحب والدموع التي تلطخ وجنتها. ضمت رانيا شفتيها وحاولت أن تسيطر على نفسها كي لا تنفـ جر بالبكاء. كانت مظهرها مثيرًا للشفقة. يرسم البؤس خطوطه على وجهها. الأمر ليس قصة خطبة يحيى فحسب. بل لأنها اكتشفت أن ممنوع أن تحلم فأمثالها لا يحق لهم الحلم. ربما نصيبها سيكون بالنهاية مع رجل كابن عمتها وخطيبها السابق. -أنا كويسة يا مدام منى. كويسة. قالتها بنبرة مرتعشة. لترد منى:
-لا مش كويسة وباين عليكي يا رانيا. قوليلي يا بنتي مالك وإيه الحالة اللي أنتِ فيها دي!!! -يا مدام قولتلك كويسة. عن إذنك رايحة الحمام. قالتها بإنفعال وهي تتركها متجهة إلى الحمام. *** وفي رواق المشفى وقبل الوصول للحمام وجدت يحيى أمامها. كان مبتسمًا وقد اختفت ابتسامته ونظر إليها بتوجس وقال: -آنسة رانيا أنتِ كويسة. انسكبت دموعها من وجهها مرة أخرى وهي تتكلم بصعوبة بسبب شهقاتها: -لا أنا مش كويسة...
مش كويسة خالص. أنا عايزة أمشي من هنا... مش عايزة أقعد هنا. غلطت لما جيت... غلطت لما قررت أفضل... كان مفروض أهرب. نظر إليها بتوجس وقال: -اهدي بس يا آنسة وقوليلي إيه المشكلة. مين زعلك هنا! انفجرت بوجهه وقالت: -المشكلة إني حبيتك... عشقتك زي الـغـ بية فهمت!!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!