كانت تنظر إليه بصدمة. كان يعرض عليها أن تكون معه للأبد. تراجعت خطوة، ولكنه لم يسمح لها أن تبتعد. حاصرها وهو يمسك كفها ويقول بصدق: "عارف إني آذيتك وعارف إني بشع. عمري ما هجمل نفسي، بس أنا بجد محتاجك في حياتي يا وعد. أنتِ بنفسك قلتي إن جوايا نقطة بيضا بتحارب السواد اللي جوايا. أنا عايزك تحاربي معايا السواد اللي في روحي. اديني فرصة يا وعد أصلح اللي عملته، وأوعدك إني مش هخذلك."
صمت قليلاً وهو يشعر بثقل غريب على قلبه. فكرة الابتعاد عنها تقتله. لم يتخيل أبداً أن يصبح مهووساً بها لتلك الدرجة. متى أصبحت فريسته هي الصياد وأصبح هو الفريسة؟ متى وقع في الفخ لا يعرف بالضبط، ولكن جل ما يعرفه أنه وقع بالفخ وهو سعيد للغاية. وجوده مع وعد أصلح الكثير. يشعر أن وجودها يرمم قلبه، يقتل السواد بداخله.
أغمض عينيه وقرر أن يعطيها حرية الاختيار. قرر الصياد أن يعطي لفريسته حرية الهرب أو تبقى في سجنه للأبد. تبقى في نفس السجن الذي وقع هو فيه. سجن العشق. وبقي هو سجين العشق. تنهد الصياد وقال: "لكن لو عايزة إنك تتحرري مني، أنا معنديش مانع. بس فكري يا وعد، أنا مستعد أجيب العالم كله تحت رجلك. مستعد أعمل المستحيل عشان تحبيني وتبقي معايا. اديني فرصة أحاول ومترفضيش على طول لو سمحتي."
نظرت إليه وعد بعمق. كانت مشتتة. هو يعطيها الحرية الآن. الحرية لتبتعد عنه. كان من المفترض ألا تفكر مرتين وتهرب منه، ولكن لا تعرف لماذا، شعرت بأن ساقيها مثبتة في الأرض، بينما عينيها تنظر إليه بذهول. ذهول من هذا الرجل الذي ظنته بلا قلب. ها هو يعرض قلبه بل كل حياته عليها. هل أحبها؟ معقول. كيف يحبها بتلك البساطة وهو الذي كان يهذي باسم محبوبته منذ فترة ليست بالطويلة. كيف للمرء أن يحب بتلك السرعة؟
بل هي كيف تفكر بعرضه من الأساس؟ لقد أعطاها حريتها، لماذا لا تهرب؟ تبتعد عنه وتعود لحياتها المملة الآمنة. لما تبقى مع رجل خطر كهذا يحرك داخلها عواصف لا تفهمها. نعم، رغم كرهها لهذا، إلا أنها تعترف أن الصياد حرك داخلها مشاعر فشل يوسف في تحريكها. مشاعر ظنت أنها ماتت منذ زمن. لقد ظنت أحياناً أنها باردة لا تشعر، ولكن معه هو أصبحت مشاعرها تجاهه نقطة ضعفها. أصبح قلبها هو الذي يحركها. لذلك قالت دون وعي حتى: "موافقة."
في المساء، كان يقف بجوار فيلتها. لم يصدق أنها سوف تعود لعاصم هذا. مستحيل أن يصدق هذا. منذ أن أخبرته وقد انفجرت براكين غضبه، ونسي كل شيء إلا هي. ماذا تفعل إن كانت نارين تشتعل بك؟ نار الانتقام ونار العشق والغيرة. كلاهما مؤلمان للغاية، وهو احترق بالاثنين. تائه هو بين انتقامه وعشقه. لا يستطيع التخلي عن انتقامه ولا التخلي عنها. ماذا يفعل الآن؟
كلما قرر أن يقاوم تأثيرها عليه، يجد نفسه يغرق بها أكثر. يفكر بها أكثر. هي احتلته وانتهى أمره. عرف أن وضعه ميؤوس منه عندما رآها مع عاصم. اشتعلت نيران الغيرة به وكاد أن يقتل هذا الرجل لأنه يحاول سرقتها منه. تنهد وأخرج هاتفه وهو يرسل لها رسالة. تلك الرسالة بالذات كانت من قلبه مباشرة. لقد خرجت من قلبه إليها هي.
كانت ملاك متسطحة على الفراش. دموعها تتساقط. تشعر بألم كبير في قلبها. يا إلهي، لماذا أحبت مرة أخرى إن كان سيكون جزاءها الألم والعذاب. لقد انكسر قلبها مرة أخرى، والأسوأ أنها ما زالت تحبه. ما زالت تفتقد وجوده. هي لم تعشق أحد كما عشقته هو. حتى عاصم لم تتألم هكذا عندما تركته. رغم أن وجودها مع عاصم مدة أطول من عدي، ولكن تأثير عدي عليها كبير. لقد تسلل إلى روحها حتى أصبح هو الحياة لها، وبدونه هي ضائعة. حزينة ومحطمة.
صوت رسالة على تطبيق الواتساب أخرجها من شرودها. دق قلبها بعنف وهي تشعر أن تلك الرسالة منه هو. بلهفة أمسكت هاتفها ودموعها تساقطت وهي ترى المرسل. إنه هو. ابتسمت من بين دموعها وفتحت الرسالة بلهفة لتتسع عينيها الرمادية بدهشة وهي تقرأ رسالته: "أنا جنب بيتك."
بلهفة فتحت التراس وأخذت تبحث عنه لتجده فعلياً يقف تحت المنزل بجوار سيارته ينظر إليها بيأس والحزن يرسم خطوطه على وجهه. تألم قلبها وهي تراه بتلك الحالة. شعرت ولأول مرة الضعف يتسلل إليها. لأول مرة قلبها يقودها بذلك التهور ولم تشعر بنفسها إلا وهي تستدير وتركض خارجة من غرفتها. نزلت الأدراج بسرعة وهي تلهث، ثم فتحت باب الفيلا ثم البوابة وخرجت إليه دون أن تهتم أنها ترتدي بيجامة النوم. توقفت وهي تلهث عندما رأته. كان ينظر
إليها وهو لا يصدق أنها أتت. أخذ قلبه يدق بعنف وابتسامة مرتجفة ترددت على شفتيه. ولم يشعر بنفسه إلا وهو يفتح ذراعيه لها. وبالفعل دون تردد ركضت ملاك ثم اندفعت بين ذراعيه وهي تبكي. ابتسم عدي بذهول وهو يضمها أكثر إليه. قبل رأسها وقال وهو مبهوتاً:
"افتكرت إني هقضي طول عمري أطلب منك السماح يا ملاك. فقدت الأمل إنك تسامحيني. أنا مش قادر أصدق إنك أخيراً سامحتيني."
لم تتكلم هي وبقيت تضمه إليها بصمت ودموعها تنهمر. مرت لحظات وهي بين ذراعيه. ثم ابتعدت عنه أخيراً بينما وجنتيها مخضبة بلون الدم من شدة الخجل. أخذ عدي يداعب شعرها بينما عينيه رطبة بسبب الدموع. هو سعيد الآن. سعيد أكثر مما يتخيل. لقد انتهى الأمر. وهو يعترف أنه يعشقها هي. هي فقط. لم يعشق أحد مثلها وسيفعل المستحيل من أجل أن تبقى معه. ولكن فجأة شعر بغصة في حلقه وقال: "عاصم." هزت رأسها وهي تمسح دموعها وتقول: "ما رجعتش ليه؟
كنت بكذب عليك عشان تبطل تلحقني. وقتها هو قابلني في النادي صدفة وكان حابب يتكلم معايا، بس أنا... احتوى عدي وجهها بين يديه وقال بغيرة: "أوعي في يوم تتكلمي معاه حتى، انتِ فاهمة." دفعته هي وقالت بقوة: "دي آخر فرصة يا عدي. لو غلطت في حقي تاني والله ما هسامحك، انت فاهم." ارتعش قلبه بخوف وهو يهز رأسه. وللمرة الأولى يخاف لتلك الدرجة من فقدانها. يبدو أن الحب انتصر على الانتقام. في منزل والد عدي. ولج عدي للمنزل وقال فجأة:
"هدور على طريقة تاني عشان أقبض على عامر النجار. بس خرج ملاك برا حساباتنا."
في إحدى القاعات. كانت حياة تتألق وهي تتأبط ذراع يوسف. يوسف حبيبها الذي أخيراً أصبح لها. بعد أن حطمها كثيراً. حاولت أن تمنع دموعها من الظهور وهي تتذكر هذا. أنبتت نفسها لأنها تجعل الشيطان يتلاعب في عقلها في هذا اليوم السعيد. قررت أن تكون سعيدة الليلة. لن تجعل أحد يعكر مزاجها. ستنسى الجميع وتبقى مع الشخص الذي كاد يموت من أجلها. جلسا على الكرسي المخصص للعروسين أخيراً، بينما قلب حياة كان يقفز بسعادة. كانت عينيها تلمع بسعادة كبيرة. الليلة خطبتها على من تحبه. الليلة هي ليلتها، فلتسعد قليلاً.
اقترب يوسف من أذنها وقال: "الليلة أنتِ أجمل واحدة شفتها في حياتي يا حياة." ضحكت بخجل وهي تنظر إليه وتنظر إلى فستانها الكريمي الرقيق الذي اختارته مع عقد مع فصوص كريمية اللون يلائمه تماماً. بدت بسيطة ولكن جميلة للغاية. هزت رأسها وقالت بخجل: "شكراً."
ابتسم لها وهو يفكر أنه كاد أن يخسر حياة بسبب غباؤه، ولكن الله أعطاه فرصة أخرى ليصلح الوضع معها وهو بالتأكيد سيستغل تلك الفرصة. لقد عرف الآن أنه يحب حياة. يحبها بقوة، ليس مشوشاً، ولكن بالفعل يحبها ويريدها في حياته. يريدها زوجة له. أم لأطفاله. يتخيل حياتهم سوياً، كيف أنها سوف تشاركه كل شيء. قبض يوسف على كف حياة وقال: "أنا بحبك فعلاً يا حياة. بحبك أكتر ما تتخيلي." كادت تذوب من الخجل. وابتسمت له وقالت بخفوت:
"وأنا كمان بحبك."
ابتسم يوسف بسعادة بينما اقتربت والدته ووالدة حياة ومعهما الخواتم. وتذكر أول مرة خطب فيها حياة. وقتها كان يشعر بالضيق لا السعادة. كان يشعر أن يوجد هناك شيئاً خاطئاً، ولكن الآن يشعر بسعادة لم يشعر بها من قبل، ولا حتى عندما خطب. هز رأسه وهو لا يريد التفكير بها. يكفي ما فعلته به. لا يريد حتى استحضار صورتها. لا يريد أن يفكر بها. فمجرد التفكير في وعد خيانة لحياة. ابتسم وهو يمسك الخاتم، ثم وضعه في إصبع حياة برقة. ابتسمت حياة وهي تنظر لقيده الذي وُضع بيده، ولم تعترض إذ أن قيود عشقه وُضعت منذ زمن على قلبها.
انتهت الخطبة وجلسا حياة ويوسف سوياً في منزل حياة ليتكلما بمفردهما. كان يوسف ينظر إلى حياة بإفتتان وقال: "إيه رأيك نقدم الفرح شوية؟ ضحكت حياة برقة وقالت: "إحنا خطوبتنا كانت من ساعة وانت بتفكر في الفرح. لا أنسي، أنا عايزة خطوبتنا تطول عشان أدرس أخلاقك." "تدرسي أخلاقي؟ ده أنا كنت هموت بسببك." قالها بإستهجان. لتضحك هي برقة، ولكن فجأة ملامحها أصبحت باهتة ولمعت عينيها بالدموع. "حياة مالك يا حبيبتي؟ " قالها يوسف بقلق.
"انت لسه بتحب وعد؟ " قالتها حياة فجأة وقلبها يقصف داخل صدرها. لا تعرف ما الذي يجعلها تفتح الدفاتر القديمة وتذكره بها، ولكن نيران الغيرة في قلبها لا ترحمها وهي تتذكر تلك الفتاة التي بسببها تركها يوسف. لقد كرهت وعد حتى دون أن تتعامل معها حتى. نظرت إليها دوماً على أنها المرأة التي خطفت حبيبها وهي لا تحبه من الأساس. نظر إليها يوسف بحيرة ورد: "إيه اللي جاب سيرة وعد دلوقتي؟ وليه افتكرتيها فجأة؟ "وانت ليه مش راضي ترد؟
قالتها بتحدي ثم أكملت: "ولا تكون لسه بتحبها." نهض يوسف وزعق بها: "لا أنتِ مش طبيعية النهاردة يا حياة. مالك؟ ليه مصرة تنكدي علينا؟ تصاعدت الدموع في عينيها وقالت بصوت مختنق: "عايزة أتأكد إنها لما تظهر تاني في حياتك متسبنيش وتجري وراها! تنهد هو وجلس بجوارها وهو يمسك كفها ويقول: "عمري ما أعمل كده. وعد خلاص خرجت برة حياتي، بس أنتِ في حياتي يا حياة، وأنا عمري ما هزعلك وهثبتلك إني بحبك أنتِ وبس."
"أنا مش مصدقاك." قالتها بألم وذكرى تركه من أجل أخرى تلاحقها. لينهض هو ويقول: "يووه، هي طالبة معاكِ نكد فعلاً وأنا راسي وجعاني." ثم تركها وذهب، بينما هي انفجرت في البكاء. بعد أسبوع. في مستودع الصياد. كان يجلس على كرسيه ينفخ سيجارته بعمق، بينما أحد رجال موردي المخدرات جالس بجواره وهو يعرض عليه بضاعته قائلاً:
"ده نوع جديد يا صياد. مستر جاك عرف إنك رفضت بضاعة المرة اللي فاتت، بس ده نوع معتبر وهو موصي جداً أراضيك واتفق معاك." أمسك الصياد الكيس وهو يعاينه. وللمرة الأولى يشعر أنه متضايق لتلك الدرجة. صحيح أنه كل مرة يشعر بالضيق، ولكن تلك المرة يشعر بشيء ثقيل يقبع على صدره يمنعه من التنفس. يشعر بالقرف والاشمئزاز، ولكنها تلك ستكون صفقته الأخيرة. عندها سوف يتوب من هذا العمل. تنهد وهو يفتح الكيس ويتذوق البضاعة. هز رأسه
برضا تام وهو يقول للرجل: "جميل. إحنا هناخد ضعف الكمية المرة دي لأن دي هتكون آخر صفقة لينا معاكم." ابتسم الرجل وهو يقترب منه ويقول بخبث: "عرفت إن عمك ناوي يبطل تجارة وعنده حق. هو كبر دلوقتي. لكن يا صياد، أنت لسه صغير. ومستر جاك معجب بيك جداً. أنت أكتر واحد تقدر توزع البضاعة داخل البلد باحترافية ومن غير ما يتقبض عليك. إيه رأيك تبقى أنت المستورد الرئيسي للبضاعة بتاعتنا والربح كله هيبقي ليك." ابتسم له الصياد بسخرية وقال:
"للأسف أنا كمان دي آخر صفقة ليا." بهت الرجل وقال: "مش عايزين نخسر واحد زيك. مستر جاك بيحب التعامل معاك أوووي." قاطعه الصياد وقال: "وأنا مقدر مستر جاك والله، بس أنا وعمي أخدنا قرارنا. إحنا هنبطل. قول لمستر جاك طلبي وحددوا معاد الشحنة تمام! هز الرجل رأسه بالإيجاب. "برافو يا صياد." قالها عامر وهو يعطيه كأساً. أخذته الصياد منه وشكره بخفوت. جلس عامر بجواره وقال:
"حرفياً دي هتبقى أكبر عملية في تاريخنا يا صياد. هتبقى العملية الأفضل لينا. هنكسب دهب من وراها، بعدها نعتزل الشغلة دي ونخلص. وبعدين أقضي الباقي من حياتي أراعي لملاك وأجوزها من إنسان يستحقها." ابتسم الصياد وقال: "هنجوزها لواحد محترم أكيد يا عمي." نظر إليه عامر وقال: "لسه بتحبها. بتحب ملاك." تفاجأ الصياد بهذا السؤال وقال: "إيه مناسبة السؤال ده دلوقتي؟ هز عامر كتفه وقال: "عايزة أتأكد إنك لسه مش زعلان."
هز الصياد رأسه وقال بصدق: "لا، متقلقش. مش زعلان." ضحك عامر وقال: "طبعاً هتزعل ليه؟ انت دلوقتي عريس جديد واكيد مبسوط مع مراتك." ابتسم الصياد عندما أتى بذكر زوجته. ارتعش قلبه والسعادة طفت على وجهه. "شكلك مبسوط أووي معاها يا صياد. شكلها دي اللي هتغير الصياد وتخليه جاسر وبس." هز رأسه وقال: "أنا فعلاً مبسوط أووي معاها. أول مرة أكون مبسوط للدرجادي. مكنتش أتخيل إنها هتأثر فيا للدرجادي. محدش أثر فيا بالشكل ده بعد أمي غيرها."
أمسك عامر كف الصياد وقال بصدق: "أنا فعلاً مبسوط عشانك يا جاسر. مبسوط إنك لقيت الحب الحقيقي. لقيت الإنسانة اللي قدرت تأثر فيك بالشكل ده. لقيت هدف تعيش عشانه." ربت الصياد على كف عمه وقال: "وأنا كمان مبسوط يا عمي." ابتعد عمه وتنهد وهو يكمل: "المهم دلوقتي فيه موضوع مهم لازم نناقشه يا صياد." نظر إليه بحيرة فرد عامر:
"مالك العمري مش سايبني في حالي. بيدور ورايا ومعرفش من فين جاتله المعلومة دي، بس هو عرف إننا هنعمل أكبر صفقة في شغلنا ومتلهف يعرف المكان والمعاد." هز الصياد رأسه وقال: "انت خليت الراجل ده عدوك لما قتلت مراته يا عمي. للأسف مالك العمري مش سهل ومش هينسى اللي عملته في مراته. أنا حذرتك بس." "كان لازم أوقفه عند حده." زعق عامر ثم أكمل: "مالك كان بيحاول يثبت بأي طريقة إني تاجر مخدرات. و... "بابا." قالتها ملاك وهي تدخل.
فبهت عامر وقال وقد شحب وجهه كالأموات: "ملاك!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!