اتسعت عينيها بفزع وهي تشعر بسائل دافئ ينساب على يديها. بينما عينا الصياد جحظت بألم. "أبعدته" وعد وهي تصرخ ليقع هو على الأرض. بينما يصرخ بألم. رمت السكين من يدها وهي تصرخ. للحظات ظلت باهتة وهي تنظر إلى ألمه الواضح ولا تعرف لماذا شعرت بالآسي عليه. شعرت بثقل في ضميرها وهي تراه ينزف بتلك الطريقة ويتألم. عرفت أنها لو تركته سوف يموت، ولكنها عرفت أيضًا أنها فرصتها الوحيدة للهروب من الشيطان.
ولذلك دون أي تفكير خرجت من الغرفة لتركض. لم تفكر أبدًا بالتوقف. فتلك هي فرصتها الوحيدة. الحراس ليسوا هنا والصياد مصاب بالداخل. تلك هي فرصتها الذهبية. أخذت تتنفس بصعوبة وكادت أن تصل لباب المنزل إلا أنها توقفت فجأة وهي تلهث بعنف. ونظرت بتوتر إلى الغرفة. هل ستتركه يموت بتلك البساطة؟ هي من ستكون السبب لو مات وضميرها لن يحتمل هذا العذاب. نفخت بضيق وهي تشد خصلات شعرها وتقول:
"فوقي يا وعد، ده مجرد مجرم بطلي هبل. يستحق اللي هيحصله. أنتِ ملكيش دعوة. دي فرصتك. روحي ليوسف وبلغي عنه وارتاحي." صوت صراخ الصياد المتألم جذب انتباهها. ارتجفت وهي تشعر بالرعب وللحظات توقف عقلها عن العمل تمامًا. "رباه ماذا أفعل؟ هل أعود وأخاطر أن يحتجزني؟ أم أهرب وأتركه لمصيره وأتحمل تأنيب الضمير؟ شعرت حقًا أنها تائهة، ولكن للحظة انتصر ضميرها المعذب على عقلها وعادت إليه. وقفت وعد وهي مصدومة تراقب الصياد الغارق في دمه.
بينما يصرخ من الألم وهو يتسطح على الفراش بشق الأنفس. وما أن لاحظ وجودها حتى اشتعلت عيناه البنية وهو ينظر إليها وقال بنبرة تقطر حقد: "هقتلك يا وعد. هقتلك بطريقة متتخيليهاش. بطريقة أسوأ من أي فيلم رعب شوفتيه." ابتسمت بسخرية وردت: "أنت الطرف الضعيف هنا، فأحسن لك تحط لسانك جوه بوقك وإلا هسيبك تنزف لحد ما تموت." "أنتِ... "ششش." قالتها بإستفزاز. ثم أكملت:
"أحسن لك تخرس وإلا والله أسيبك تموت عادي وأبقى ريحت العالم من شرك. أنت دلوقتي صباعك تحت ضِرسِي فبالذوق كده خليك مؤدب عشان أطهر لك الجرح وأمشي من المكان الموبوء ده وأبعد عن شخصية مريضة زيك." احمر وجهه من الغضب وهو ينظر إليها. ولكنه لم يتحدث. هي محقة، هو الآن الطرف الأضعف. على رغم شعوره بالغضب الشديد، إلا جزء مجنون منه كان يشعر بالتسلية لأنها تهدده بتلك الطريقة دون خوف. هذا جعله يشعر بحماس غريب.
حماس غريب يجعله يرغب في قتالها وإخضاعها له. والصياد عرف في تلك اللحظة أن وعد ليست مجرد فتاة سوف يتخذها عشيقة، بل هي امرأة ستغير حياته كثيرًا. تلك الشرارة في عينيها لم يراها بعيني أحد إلا عين والدته. حتى ملاك لا تمتلك تلك الشرارة النادرة. "أنت مبتسم ليه؟!! قالتها وعد بتوجس. ليرد الصياد بألم: "مستغرب أن واحدة زيك يدوب واصلة لكتفي تقف تهددني كده." ربعت ذراعيها وقالت بفظاظة:
"للأسف معندكش حل تاني. أنت دلوقتي هتنفذ اللي أقوله وبس. ودلوقتي خليني أشوف الجرح." ثم اقتربت منه متوجسة حذرة وهي تقرر أنه لو فكر أن يفعل أي شيء ستضربه. عاينت جرحه وتنهدت عندما وجدت أن جرحه سطحي. نظرت إليه وقالت: "متقلقش، الوحش لا بيروح ولا بيضيع، جرحك سطحي." ثم بعنف ضربته على الجرح ليصرخ بقوة وهو يسبها بألم. رفعت وعد حاجبيها وقالت ببراءة مزيفة: "مش أنا دي إيدي." نظر إليها وهو يكز على أسنانه وقال:
"بس أقوم هربيكي كويس على اللي بتعمليه ده." ضربته على وجهه وقالت: "لا قلة أدب هسيبك وأمشي. لم لسانك لاقطعهولك، أنت فاهم؟!! ثم بمهارة ممرضة بدأت تحضر ما تريده من علبة الإسعافات الأولية الموجودة بالغرفة لتنظيف جرحه. كانت ملاك تتسطح على الفراش. خصلاتها الذهبية تنتشر على وسادتها بينما ابتسامة حالمة تزين شفتيها. وعقلها يستعيد يومها مع عدي. لقد كان من أجمل أيام حياتها.
كان عدي يمتلك حس دعابة مذهل لم تتوقف عن الضحك أبدًا طيلة اليوم. عاملها اليوم كشيء ثمين. تجول معها في مركز التسوق واشترى لها دب هدية. تجول معها كثيرًا. كان بسيطًا جدًا وهذا ما أحبته كثيرًا. وبالنهاية أخذها لمطعم للمأكولات البحرية. ذُهلت عندما أخذها هناك. كيف عرف أنها تعشق المأكولات البحرية؟ وعندما سألته أجابها ضاحكًا: "أنه هو يحب ذلك الأكل أيضًا." تحدثا سويًا لمدة طويلة ودهشت من كم التشابه بينهم. هو يحب كل ما تحبه.
ذوقه يشبه ذوقها إلى حد كبير. يحب الفن والموسيقى مثلها. مولع بالقراءة أيضًا مثلها. بحياتها لم تجد أحدًا يشاركها اهتمامها مثل عدي. لتَعتَرِف أنها تسير في طريق تجهله. تُسَلِّم قلبها لشخص لا تعرفه حتى. لكن جل ما تعرفه حقًا أنه ترك تأثيرًا عميقًا داخل قلبها وروحها. بعد عاصم ظنت أنها ستنبذ الحب، ولكن بطريقة لا تصدق وجدت نفسها تتعلق بآخر ولا تعرف السبب. تخاف أن يكون هذا مجرد احتياج وفراغ عاطفي بعد تجربتها المريرة مع عاصم.
ولكن لماذا لم تنجذب لجاسر؟ هو أقرب لها من أي شخص. وتثق به أكثر من نفسها. "فلماذا تثق بغريب لا تعرفه جيدًا من الأساس؟ ولماذا تسلمه ثقتها بتلك السهولة؟ هي منذ أيام خرجت من تجربة مريرة. فالذي أحبته خانها في ليلة زفافهما وحطم قلبها. يجب أن تتريث قليلًا ولا تجعل عواطفها تتحكم فيها. فهي تعرف كم أن القلب ضعيف متهور. يجب أن تحكم عقلها. تجعل عقلها من يقودها. والعقل يخبرها أن تنتظر، فقلبها لن يتحمل أذى آخر.
هي لا تعرف الشاب جيدًا. يجب أن تتعرف عليه بصورة أوضح حتى تثق به. تنهدت ملاك وقد اتخذت قرارها. لن تخرج معه مرة أخرى. يجب أن يجعلها تثق به أولًا. وبهذه الفكرة أغمضت عينيها وقررت النوم. وفعلًا ما كادت أن تغرق في النوم حتى أيقظها صوت رسالة أتت على تطبيق الواتس آب. فتحت التطبيق ليدق قلبها بقوة وهي تجد رسالة منه. توقفت عن التنفس للحظات وابتسامة رائعة ارتسمت على شفتيها وهي تقرأ رسالته المختصرة.
كان يطلب منها الخروج معه مجددًا وأخبرها أن الأمر مفاجأة. وفجأة تطايرت كل وعودها لنفسها وهي ترد عليه بالموافقة ثم تغلق الهاتف وتنام بسعادة. على الجانب الآخر. كان عدي يبتسم بخبث. "هي تقع في حبه". "مهمته أصبحت أسهل مما توقع." "قدرت توقعها؟! قالها مالك لابنه الذي يشع وجهه من السعادة. رفع عدي رأسه بفخر ورد: "عندك شك. كام يوم تاني وملاك هتقع تحت إيدي تمامًا وهسيطر عليها. ساعتها هجيب عامر النجار راكع عند رجلي."
"اللي بيلعب بالنار هو اللي بيتحرق بيها الأول يا عدي." قالها والده فجأة. ليعقد حاجبيه بقوة ويقول: "مش فاهم." تنهد والده وهو ينظر إليه بتوتر ويقول: "خايف اللعبة تنقلب عليك. خايف الصياد يبقى فريسة." "بابا وضح كلامك، مبحبش شغل الألغاز ده! ربع مالك ذراعيه وقال: "يعني يا حضرة الضابط خايف إنك بدل ما تخلي ملاك تحبك وتستغلها أنت اللي تحبها؟ خايف إنك تحبها وتنسى مهمتنا؟ خايف الحب يسيطر عليك؟ انفجر عدي بالضحك.
كان يضحك بقوة وهو ينظر إلى وجه والده الغاضب ثم قال وهو يشير إلى نفسه: "أنا أحبها؟ أحب بنت عدوي؟! ثم أكمل ضحكه وقال: "أنت أكيد بتهزر." "أنت ملكش سلطان على قلبك يا عدي. وأنا خايف." قاطعه عدي وقال بنبرة باترة جافة: "اطمن يا بابا، أنا عمري ما أحب بنت عامر النجار. عامر عدوي وهيفضل عدوي وبنته هي الطعم اللي هستخدمه عشان أقضي على عامر نهائيًا. اطمن، أنا عمري ما حياتي ما أرتكب الغلطة دي وأحب بنت أكبر تاجر مخدرات في مصر!
تنهد عدي واقترب من صورة والدته التي معلقة على الحائط وقال: "مستحيل أحب بنت المجرم اللي قتل أمي. زي ما حرمني من أمي هحرمه من بنته! كان جالسًا بغرفته غارقًا في أفكاره. الخيانة أحرقت روحه. يتذكر كل ما فعله لأجلها. يتذكر كم احتمل إهانات والدها فقط لأجلها. كان يعد الأيام لتكون ببيته. كان يحقق لها جميع أحلامها. فكيف تفعل به هذا؟ كيف تتركه بتلك الطريقة المهينة؟ هو قبل بها رغم كل شيء وهي من تركته.
تركته تمامًا ولم تهتم بقلبه الذي انكسر. لقد كسر قلب حياة من أجلها. تحمل لوم عائلتها وتحدي الجميع كي تكون له. فكيف تجازيه بتلك الطريقة؟ أن هذا عدالة الله الذي حطم قلبه بنفس الطريقة التي حطم بها قلب حياة. حياة... أغمض عينيه وهو يتذكر ابن خالته التي أحبته أكثر من الحياة نفسها وهو ببرود حطم قلبها وتركها من أجل أخرى. لن يكذب على نفسه بعد الآن، هو خانها. أجل، كان يلاحق وعد عندما كانت خطيبته. جعلها تتأمل أكثر.
لم يكن يريد إفلاتها إلا عندما يجد رد فعل من وعد. وبعد فترة قرر بستجمع شجاعته ويكلم وعد. حينها انفصل عن حياة. لأن ضميره لم يتحمل أن يقترب من فتاة وهو مرتبط بآخرى. وهكذا ببساطة حطمها وأخبرها أنه يحب أخرى. لقد رأى الألم بعينيها. بدموعها. ولكن في تلك اللحظة لم يفكر إلا بوعد. كان مهووس بها وأصر أن يرتبط بها مهما حدث. صحيح، واجه اعتراض كبير من والدته ولكنه أصر عليها. حارب الجميع من أجلها. وللأسف هي لا تستحق هذا.
لا تستحقه أبدًا. تنهد وهو يشعر بألم عظيم في قلبه. نيران الخذلان تحرق روحه. ومن بعيد كانت تقف والدته وهي تشعر بالشفقة عليه. تعرف داخلها أن ما يحدث في ابنها بسبب تلك الفتاة. هي لم تحبها منذ البداية. عرفت أن تلك الفتاة لا تحب ابنها كما يحبها هو. عرفت أنها سوف تحطم قلبه ولهذا رفضتها بإصرار. ولكن يوسف تمسك بها وكأنها آخر امرأة بالعالم. لم يسمح لأحد أن يبعده عنها. تحدى الكل فقط لتكون ملكه. وأمام إصراره رضخت هي.
وهكذا حصل يوسف على ما يريده وتم تحطيم قلب ابنة أخته المسكينة. تنهدت منار وهي تلج للغرفة وتجلس بجوار ابنها. نهض يوسف عندما شعر بوجود والدته. ابتسم لها بتعب فقالت: "قلبي واجعني عليك. أنا عارفة أن البنت دي آذتك." في موقف آخر كان يوسف ليدافع عن وعد، ولكن في تلك اللحظة صمت تمامًا. لأن للأسف لا يوجد شيئًا ليقوله. فوعد خذلته وتركته بأقسى طريقة. لم تهتم لا به ولا بمشاعره وأثبتت أنها فتاة لعوب كما أخبرته والدته.
"ربنا يصلح حالها ويسعدها يا أمي." تنهدت منار بحسرة وقالت: "كان مالها بنت خالتك بس يا يوسف." أغمض عينيه وقال: "كفاية يا أمي لو سمحتي، الموضوع انتهى. أنا محبتش حياة والحب مش عافية ومش معنى أني انفصلت عن وعد أني هبص لحياة." مطت منار شفتيها وقالت: "وحتى لو عايز حياة دلوقتي مينفعش." نظر يوسف لوالدته بحيرة. لتكمل بخبث: "متقدم لها واحد ميترفضش وهيقابله بكرة." ابتلع ريقه وهو يشعر بضيق مفاجئ وقال:
"ربنا يوفقها يا أمي. يالا دلوقتي تصبحي على خير! "أبوس إيدك يا دكتور جيب العلاج دلوقتي وأنا هديك الفلوس بعدين. أمي هتموت أبوس إيديك." قالها ذلك الطفل صاحب الثاني عشر عامًا وهو يبكي. الخوف يستوطن قلبه. حالة والدته أصبحت سيئة بسبب داء السكري والأدوية نفذت. حتى النقود التي يكسبها من عمله كعامل بناء نفذت. وهو الآن في ورطة. لم يرضَ أحد أن يسلفه أي فلس.
والآن كل ما يستطيع فعله هو التوسل من أجل حياة والدته، فهو ليس لديه غيرها. "مستعد أشتغل لك هنا من غير أجر. هعمل اللي أنت عايزه بس أبوس إيديك اديني الحقن أمي هتموت." "يالا يا واد أنت غور من هنا وبلاش قرف. مفيش دوا إلا بفلوس، مش فاتحينها جمعية خيرية يا حبيبي أنت. وبعدين النوع اللي طالبه مستورد. خلي الدكتور يكتب لك نوع تاني تقدر تاخده من المستشفى." انسكبت دموعه وهو يشعر بالعجز. بينما لم تحتل ملامح الرجل إلا قسوة.
لم يجد ولا أثر ضئيل للشفقة. لذلك قرر أن يأخذ ما يريده مهما حدث. ولهذا قام بدفع الرجل بقوة وهو يحاول أخذ الحقن ويركض بها. "حرامي! حرامي! صرخ الرجل وهو يحاول أن يمسك بالصبي. ولكنه كان يركض بقوة. لم يفكر بشيء إلا والدته. فليمُت هو ولكن تعيش هي. فإن ماتت هي سوف يضيع للأبد. هي الخيط الضئيل الذي يجعله يتمسك بالنور. وإن خسرها سيغرق بالظلام. وصل إلى المنزل المتهالك لاهثًا وولج إليه وهو يقول: "جبت الحقن يا ماما."
ولكن ابتسامته تجمدت وهو يجدها ساكنة. اقترب منها وهو يبتلع ريقه وقال: "أمي... أمي اصحي جبت الدوا." ولكن لا رد. تساقطت دموعه أكثر وقد فقد الشعور لبضع لحظات. أمسك كفها البارد ثم قبله برفق وقال بصوت مختنق: "أنا أسف. أسف." فجأة اقتحم صاحب الصيدلية المنزل هو وبضعة رجال وقال بغلظة: "هو ده. اضربوه." وهكذا أخذه الرجال خارج المنزل. بينما هو منفصل عن العالم وقاموا بضربه دون رحمة. استيقظ الصياد من كابوسه المعتاد وهو يلهث بقوة.
كان يشعر بقلبه يقفز داخل صدره. بينما دموعه تنساب على وجهه. وضع كفه على وجهه بتعب وهو يفكر: "من سينسى الماضي؟! ولكنه فجأة تجمد عندما أدرك أن وعد قد اختفت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!