الفصل 14 | من 16 فصل

رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رضوى جاويش

المشاهدات
18
كلمة
4,729
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

كانت تحبس نفسها اليوم بطوله داخل حجرتها تعمل على إعادة ذاك الحوار الذي عليها البدء به أثناء الحديث معه. كانت تكرره في آلية تضيف أو تحذف بعض الكلمات أو الجمل لتزيد من تأثيره بوجهة نظرها. وعندما هل المساء واقتربت ساعة وصوله للفيلا، وقفت أمام المرآة تتطلع إلى نفسها في سعادة. هذه هي المرة الأولى منذ وقت طويل التي تنظر إلى وجهها وهيئتها في المرآة ولا تشعر بالخزي والعار.

تحذوها الرغبة ألا تنتقل من أمامها منتشية بذاك الشعور الذي تسرب إلى روحها وجعلها بتلك السعادة. وضعت غطاء رأسها وهى مترددة، لكنها قررت ألا تزيله إلا أمامه وبعد أن تقص عليه كل ما يعربد بداخلها من أوجاع. اليوم هي من ستحكي وهو سيسمع على غير العادة. لكنها لن تقص عليه أساطير خرافية كما يفعل هو، بل ستروي له قصة قلبها ومعاناة روحها. اليوم ستفتح صندوق الذاكرة كاملا لتخرج كل ما يعشعش بخاطرها وتدفع به بعيدا بلا رجعة.

نظرت إلى الساعة، لقد تأخر اليوم في العودة وأصبحت فترات غيابه عن الفيلا تطول يوم بعد يوم وعليها أن تجد حلا لهذا. ابتسمت لصورتها في المرآة، تهمس في عبث لنفسها: "سأجعله يكره الخروج من الفيلا، بل سأجعله رافضا أن تطأ أقدامه خارج الغرفة رغبة في ألا يفارقني أبدااا." قهقهت وخبأت وجهها بين كفيها، هامسة لنفسها: "أصبحت أفكاركِ أكثر مجونا منه يا حياة." شعرت بقدومه من الخارج، فارتفع نبض قلبها للضعف دفعة واحدة.

حتى أنها ما عادت قادرة على ازدراد لعابها اضطرابا. مدت كفها لكوب الماء على الطاولة قرب فراشها وارتشفت بعض منه. تنفست في عمق، مندفعة تفتح باب حجرتها متجهة لحجرته حتى لا تخزلها شجاعتها المستحدثة تلك. طرقت باب الغرفة ولم تجد إجابة، فوبخت نفسها هامسة: "أدخلي.. إنه زوجك يا بلهاء." دفعت الباب برفق تستطلع موضعه بالغرفة، لكنه لم يكن بها حتى الحمام بابه مفتوح ونوره مضاء. أين ذهب يا ترى؟ لقد وصل لتوه.

تسللت في هدوء إلى الأسفل لتصل لغرفة المكتب التي استشعرت صوتا قادما منها. كان هو بالداخل فعلا والباب مواربا. همت بالدخول لكنها رفعت كفها عن مقبض الباب عندما سمعت صوته يعلو في انفعال قليلا وكأنما يحاول السيطرة على ارتفاع نبرته المحتدة. هاتفًا في ضيق: "أفعل ما أطلبه منك.. أعرف أني أثقل عليك.. لكن ما هي إلا أيام قلائل وأحصل على ما أرغب فيه.. كن صبورًا وسأسدد دينك بالكامل فلقد تحملتني كثيرًا بالفعل."

تنهد في وجع يستمع لمحدثه على الطرف الآخر. لينفجر فجأة مقهقها هاتفا في سخرية: "أخبرتك أن لا معنى لهذه الكلمة بقاموسي.. لقد انتهى عصر العاشقين يا صديقي.. اجتماع رجل وامرأة لا يعني إلا أن الشيطان ثالثهما والأمر مجرد تلبية احتياجات.. ما الذي يدفعني إلى ارتكاب حمق التعلق بامرأة واحدة وأنا لدي قبيلة من النساء الحسناوات بانتظاري. إن ذاك لجنون مطبق." صدمتها كلماته، فتحركت في آلية، لا تعلم كيف وصلت لحجرتها.

بل أنها لا تدرك كيف حملتها قدمها من الأساس لتصل إليها. جلست في تباطؤ مرير على طرف فراشها وقد شعرت أن أهازيج الفرحة التي كانت تتعالى بين جنبات نفسها منذ قليل تحولت إلى نعيق مشؤوم لمكان خرب مظلم هو روحها. رفعت رأسها وقد بكت حتى فاض معين الدمع لتصطدم بوجهها في المرآة أمامها. وتساءلت في ما يشبه الجنون: "من هذه المطلة أمامها؟ هل هي نفسها ذات المرأة التي كانت منذ دقائق كالفراشات خفة لا تكاد تساعها سماء ولا تقلها أرضا؟

ما الفارق؟ الفارق دقائق.. لا الفارق ليس زمنًا.. الفارق أمل.. الفارق هو ذاك الوهم الكاذب الذي غرست بذرته بقلبها وأسقته يقينها وترعرع على رغبة بريئة حتى أضحى ذاك الوحش الذي يقتات اللحظة على فتات روحها المهترئة." انتحبت من جديد وهي تدرك أن اسمها هو سر لعنتها. "حياة.. أي حياة؟ حياة الفقد.. حياة الوجع.. حياة التعاسة والشقاء." ***

دخل شهاب لبيته صارخًا في سعادة وهو يحمل بعض الأوراق يلوح بها لأخته التي كانت تجلس على طاولة بمنتصف الردهة تحضر طعام الغذاء. لتترك ما كان بيدها منتفضة تتطلع إليه في عدم تصديق هاتفة في تساؤل متردد: "هل هي الأوراق التي..؟ لم تكمل سؤالها فلقد قاطعها شهاب يومئ برأسه عدة مرات في إيجاب مطلق. لتصرخ في سعادة تكاد تطلق الزغاريد تيمنا بهذا الحدث السعيد الذي لن يتكرر. وأخيرًا جذبت بكف شهاب أمرة:

"اتصل بها وأخبرها بما اتفقنا عليه." هز شهاب رأسه طائعًا وأمسك بهاتفه يتصل بحياة إلا أنها لم ترد. فتطلع لأخته مؤكدًا: "لم ترد.. هل أتصل من جديد؟ ابتسمت شادية في شماتة: "لا.. أرسل لها رسالة وأخبرها ما سأمليك إياه وستجدها هنا في غضون دقائق من بعد قراءتها." ابتسم شهاب مستحسنا الفكرة، يكتب ما تمليه أخته من أحرف مسمومة. وأخيرا ضغط زر الإرسال لتتسع ابتسامته بينما تعالت ضحكات أخته في تشفي. ***

صعدت نهى الدرج حاملة صينية إفطار مخصوص لابنه خالها. وابتسمت في حبور وهى تتجه نحو غرفتها تطرق الباب تنتظر منها أخبار الليلة الميمونة. طرقت باب الغرفة عدة مرات لكن لا مجيب. توجهت لغرفة جدها التي كانت تحتلها حياة فربما باتا ليلتهما فيها. عدة طرقات متتابعة لتهتف حياة بها أمرة إياها بالدخول. فتحت نهى الباب في حرص وما أن وقعت عيناها على حياة حتى شهقت في صدمة.

دلفت للغرفة واضعة صينية الطعام جانبا واتجهت إلى حيث كانت ترقد حياة بهيئة عجيبة افزعتها. جلست نهى قبالتها على طرف الفراش تتطلع إلى ثوبها وزينتها التي لطخت وجهها هامسة في قلق: "ما الأمر؟ همست حياة في هدوء عجيب: "لا شيء.. لم يحدث شيء غير متوقع." همست نهى تحاول الاستفسار: "هل تشاجرتما؟ هتفت حياة بحزم وهى تنهض من موضعها في اتجاه الحمام: "لا مزيد من الأسئلة حول هذا الأمر." وقبل أن تدلف للحمام همست في حرج:

"ورجاء خاص.. أريد بعض المال على سبيل القرض بشكل مُلح وسأرده إليكِ من راتبي." هتفت نهى في لهجة عاتبة: "المال كله مالك.. كما إنني قررت التنازل عن نصفه لأجلك بالفعل.. فهذا حقك." هتفت حياة في إصرار عجيب: "لا.. المال مال جدي رحمه الله وهو قرر لمن يعطه ولا تبديل لقراره.. أريد المال في أسرع فرصة.. و.." قطعت كلماتها متطلعة حولها تبحث عن هاتفها لكنها لم تجده بالغرفة. فهتفت بنهى:

"ابحثي عن هاتفي من فضلك فلم اتفقده منذ البارحة.. يبدو أني نسيته بالأسفل.. هيا." أومأت نهى في طاعة رغبة في عدم اثارة غضب ابنة خالها التي تبدو في حالة عجيبة تشعرها بالقلق عليها. كان آدم بالمكتب يبحث عن هاتفه فيبدو أنه نسيه عندما كان يتحدث به ليلا وتركه جانبا عندما جلس يقرأ قليلا ولم يصطحبه معه لحجرته. تراءى أمام ناظريه ضوء لشاشة هاتف أضاء نورها فجأة واختفي فوق المكتب.

فاتجه إليها في ثقة معتقدا أنه هاتفه فإذا به هاتف حياة وأحدهم يتصل بلا اسم. كاد أن يرد لكن الرنين توقف ليأتي اشعار برسالة. قرأ بعضا من نصها مكتوبا على شاشتها الخارجية: "انا شهاب.. تعالي إلى بيتي حالا وإلا.." حاول أن يدخل لمحتواها حتى يكمل القراءة ويقوم بحذف الرسالة من الأساس. إلا أن الهاتف كان يحمل رمزا للمرور فلعن في سره وانتفض واضعا الهاتف بجيب سترته ما أن استشعر قدوم أحدهم. هتفت نهى وهى تدخل الى المكتب في أريحية:

"صباح الخير آدم.. ألم تر هاتف حياة." اندفع راغبا في الخروج من حجرة المكتب هاتفا: "صباح الخير يا نهى.. ساتغيب الليلة قليلا.. فأرجو أن.." رنت نهى على هاتف حياة ربما سقط منها في مكان ما ولا تستطيع الوصول إليه. سمعت الرنين بالفعل قادم من جيب سترة آدم الذي لم يكن قد غادر الغرفة بعد. فادعى الدهشة مخرجا الهاتف من جيبه يهتف مبررا: "ها هو هاتف حياة.. كنت اعتقده هاتفي لأنه مفقود أيضا." تقبلت نهى مبرره في سلاسة وهتفت في مرح:

"يبدو أنه يوم ضياع الهواتف." واتصلت بهاتفه ليرن فعلا بالقرب من احد الكتب الموضوعة جانبا بركن الغرفة. ليهتف آدم في امتنان: "ها هو.. اشكركِ.. على الذهاب." تناول هاتفه واندفع خارج الفيلا يلعن ذاك الحظ العسر الذي أتى بنهى قبل أن يغلق حتى الهاتف فلا يرن بجيبه. *** طرقات على الباب جعلتها تسرع لتفتح تنظر إلى ذاك الذي يقف متحفزا يتساءل في لهجة حادة: "هل أخوكِ هنا؟ هتفت شادية في ميوعة وهى تقف تسد الباب واضعة كفا

بخصرها تقيم آدم بناظريها: "نعم هنا." ونادت بصوت جهوري ليظهر شهاب مستيقظا لتوه من غفوة الظهيرة متجها للباب. هاتفا وهو يتثاءب: "من يطلبني..؟ أصبح الآن في مجال رؤية آدم الذي أزاح شادية جانبا وكال لشهاب لكمة قوية جعلته يصرخ في ألم وسقط أرضا هاتفا بثورة: "أنا من يطلبك.. هل لديك مانع؟ عاد آدم للباب مرة أخرى جاذبا مشادية التي كانت على وشك الخروج منه صارخة تستدعي الجيران.

دافعة بها للداخل لترتطم بالحائط لتقف متسمرة لا تدري ماذا يحدث. أغلق آدم الباب بالإقفال المتعددة وعاد مرة آخرى لشهاب الذي صرخ يحاول التقهقر حتى لا تصله يد آدم. لتصرخ شادية في ذعر: "من هذا يا شهاب!؟ وماذا يريد منك!؟ هتف شهاب مذعورا قبل أن تمسك به يد آدم مرة آخرى: "هذا زوج حياة." صرخت فهتف بها آدم أمرا في صرامة: "أخرسي.. رغم أني لم أمد يدا على امرأة من قبل، لكن سيكون دورك هو القادم إن سمعت لك صوتا." ابتلعت صوتها مذعورة

إلا أن أخوها هتف يستحثها: "بل أصرخي يا شادية.. سيقتلني.. أصرخي لاستدعاء الشرطة." ظلت شادية على صمتها رعبا رغم توسلات أخيها وآدم يكيل له اللكمات الواحدة تلو الآخرى. وهتف أخيرا وهو يرج جسده في غيظ: "لما أرسلت الرسالة لحياة!؟ ماذا تريد منها أنت وهذه الحية!؟ أما كفاكما ما فعلتماه بها!؟ ودفع بجسد شهاب يطوحه حتى سقط على الطاولة يصرخ فيه أمرا: "انطق.. ماذا كنت تريد منها!؟

ولمَ.. صمت آدم ولم يكمل سؤاله فقد كان جسد شهاب ملقا على بعض الأوراق التي تناثرت هنا وهناك فوق الطاولة. دفع آدم بجسد شهاب بعيدا متطلعا إلى الورقة التي تحمل اسم حياة ليرفعها بين يديه يقرأها ويتناول غيرها وغيرها حتى انتهى من جمع الأوراق. وتطلع إلى شهاب وشادية في احتقار متحدثا من بين أسنانه في غيظ: "أهذا ما كنتما تخططان له!؟

تزوير تاريخ الطلاق ونوعه.. تلاعبت باليوم حتى تظل حياة إلى اللحظة في عدتك ويكون من حقك إعادتها لعصمتك أو ابتزازها حتى لا تشهر الأوراق وتصبح هي عرضة للسجن بتهمة تعدد الأزواج.. وكذا أبدلت كوّن الطلاق على الابراء إلى طلاق رجعي حتى يكون لك حق إرجاعها دون موافقتها.. أي شيطان أنت! وتطلع إلى شادية وصرخ: "بل شيطانة.. فهذا الاحمق أخوكِ لا يمكن أن يدبر مثل هذا التدبير الابليسي منفردا." ولتقط أنفاسه هامسا في نفاذ صبر:

"حسنًا.. فعلتما كل هذا سعيا خلف مالها.. إذن فلتسمعا البشرى.. جد حياة أخرجها من الوصية وكتب كل ما يملك لحفيدته الآخرى نهى ولم تعد حياة تملك مليما." شهق كل من شادية وشهاب. ليستطرد متجاهلا صدمتهما أمرا: "ورغم ضياع المال الذي كان همكما الأول إلا أني أقسم إن فكر أحدكما مجرد تفكير في الاقتراب من حياة لأي سبب كان فسيكون عاقبته أمر من أمرين لا ثالث لهما." وضغط على أسنانه مستطردا في صرامة: "السجن أو القبر."

وتطلع إليهما في اشمئزاز ثم اندفع يفتح الباب ليخرج صافقا إياه في عنف كاد أن يخلعه. لينظر كل من شادية وشهاب لبعضهما وقد تلاشت كل آمالهما في الحصول على مال حياة كما تتلاشى الكتابة على سطح الماء. *** هتفت نهى وهى في سبيلها للخروج لحياة التي تجلس ببهو الفيلا في شرود مؤكدة: "حياة.. لقد توقف هاتفك عن العمل فيبدو أنه كان بحاجة ليُشحن.. وضعته بحجرتك على الشاحن."

هزت حياة رأسها متفهمة ولوحت لنهى التي اندفعت من باب الفيلا في اتجاه الشركة. وهمست وهى لا تزل على شرودها: "يبدو أنه ليس الوحيد الذي في حاجة للشحن." لا تعرف كم مر من الوقت وهى على حالها تجلس بموضعها حتى دخل آدم للفيلا. فانتفضت لمرآه واتجهت إليه تقف قبالته هاتفة: "علينا التحدث." هتف ادم بلامبالاة: "ولما لا، تفضلي." أشار لحجرة المكتب لتندفع إليها حياة وهو في أعقابها مغلقا الباب خلفه. ما أن استدار لمواجهتها حتى

بادرته متسائلة في هدوء: "متي أحصل على الطلاق..؟ هتف في لامبالاة: "ولما أطلقك؟ هتفت تحاول السيطرة على أعصابها: "أعتقد أنه قد حان الوقت للانفصال وليمض كل منا بطريقه." همس مقتربا منها: "وما الضرر بتقاطع طريقينا.. فأنا مرتاح جدًا في حياتي معك ولا رغبة لي في العودة لحياة التنقل هذه." هتفت بانفعال وقد بدأت تفقد السيطرة:

"أنت لا تختلف عن أي منهم.. كلكم طامع.. كلكم يبحث عن المصلحة من بقائكم قربي والتواجد بحياتي.. لكني لا أريد أحدًا.. ولا احتاج أيكم أبدااا." هتف مؤكدًا في هدوء: "وليكن.. لا اعتقد أن ذلك هو الوقت المناسب لانفصالنا على أي حال." تطلعت إليه في وجع وساد الصمت لبرهة. اقتربت منه في ثبات عجيب حتى أصبحت قبالته تماما. وأخيرا همست بصوت كالانين وبنبرة مشروخة ألما:

"فهمت.. أنت لم تحقق مقصدك من تلك الزيجة وهو الحصول على المال أو عليّ أنا.. بنظرك الصفقة خاسرة.. وطالما إن حصولك على المال أصبح صعبا بعد وصية جدي التي جردتني من إرثي أو لنقل حتى بعد اقتراضي المال من نهى فلن يرضي ذلك طموحاتك العالية.. إذن لم يتبق إلا الحصول عليّ أنا لتصبح الصفقة إلى حد ما رابحة.. الحصول على المال ولا ضرر من بعض المتعة.. كان ذلك هدفك منذ البداية.. مذ كنا على تلك الجزيرة وأنت تسعى خلف إرضاء نزواتك.. كنت

أعتقد أن رغبتك تلك لأنني كنت الاختيار الوحيد المتاح وقتها وقلت لنفسي بعد عودتنا أنك ستصرف نظر عن تلك الرغبة فأنا لم أعد خيارك الأوحد بل ربما أكون الاختيار الأخير في قائمة حسناواتك التي لا تنتهي.. لكن يبدو أنك لا تترك أمرًا قد عزمت على نيله مهما كانت الظروف."

صمتت تزدرد ريقها مستطردة في قوة وهو يقف أمامها كالمسمار لا يحرك ساكنًا: "صدقني.. ما عاد لدي ما أمنحه لك.. فأنا لا أصلح للمتعة إطلاقًا." ساد الصمت وطال تبادل النظرات بينهما. لتهتف صارخة في نفاذ صبر: "ألا تصدقني..؟ حسنًا.. هاك الإثبات." وجذبت عن رأسها غطائه بعنف ليظهر رأسها الحليق وشعرها الذي بدأ ينمو قليلا.

وأخيرا رفعت كفيها ممسكة بطرفي ثوبها من خلف الرقبة جاذبة سحاب الثوب لينفرج دفعة واحدة لتستدير بعنف ليتطلع لصفحة ظهرها الممتلئة بالندوب للحظة قبل أن تعاود النظر إليه من جديد هامسة وابتسامة تقطر وجعًا ترتسم على وجهها:

"ها قد رأيت.. أنا أبعد ما يكون عن صورة امرأة تمنح المتعة.. أنا مجرد حطام امرأة بشعر حليق وجسد تعلوه الندوب وروح مشوهة.. أذهب وأبحث لك عن امرأة بحق.. امرأة لديها ما تهبه لك.. أما أنا.. فقد اكتفيت من لعبة العشق وخداع القلب.. فقد أخطأ من أسماني حياة.. ألم تكن هذه كلماتك؟ كان يتطلع إليها في صمت محير لم ينبس بحرف واحد. نظراته إليها لم تهتز للحظة لكنه لم يبح بكلمة، وهذا ما كان يقتلها. ليته يتكلم.. ليته يفصح عن دواخله.

ما عادت قادرة على التطلع إلى نظراته التي كانت تحمل شعورًا ما لم تستطع قراءته في خضم اضطرابها. لذا، فإنها استدارت توليه ظهرها حتى تعطيه الفرصة الكافية ليرحل دون حرج. اقترب منها في هدوء ليقف خلفها مباشرة ومد أصابعه متحسسًا إحدى الندبات البارزة على ظهرها لترتجف وقد نكست رأسها الحليق ودمعها يسيل على خديها في صمت. انحدر كفه ماسكًا بسحاب الرداء مغلقًا إياه في بطء، ثم انحني متناولًا غطاء رأسها واستدار ليصبح في مواجهتها.

وهي تقف في استكانة غير قادرة على التطلع إليه وقد عرت أوجاع روحها أمامه. وضع غطاء رأسها على هامتها ودفع بطرفيه على كتفيها ومد يده يرفع ذقنها لتطالع عيونها الدامعة عيونه التي كانت ما تزال تحمل نفس النظرات المبهمة. وبأصابع كفه الآخر أخذ يزيل خطوط الوجع التي رسمتها تلك الدموع على وجنتيها. اقترب منها في وجل وقرب جبينها ليلثمه في بطء قبل أن يبتعد عنها متطلعًا إليها من جديد كأنما كان يحفظ قسمات وجهها عن ظهر قلب.

وأخيرا اندفع ليفتح باب الغرفة راحلًا تاركًا إياها تتطلع إلى موضعه حيث غاب لتسقط على ركبتيها باكية في قهر. *** ظل اليوم كله خارج الفيلا بل إنه لم يعد للمبيت فيها. وباتت هي ليلتها تتقلب على جمر بعد تلك المكاشفة التي دارت بينهما. امسكت بهاتفها الذي نسيته تمامًا منذ البارحة وتطلعت إلى الرسائل لتنتفض ما أن طالعتها رسالة شهاب. انطلقت بسيارتها عازمة على وضع حد لهذا الرجل الحقير.

عليها التصرف بنفسها منذ هذه اللحظة فلقد انتهى عصر الاعتماد على جدها الراحل في تسيير أمورها وعليها أن تكون قادرة على اتخاذ قراراتها وتنفيذها وتحمل تبعاتها مهما كانت. همت بالخروج من الفيلا إلا أن أحد أفراد الأمن استوقفها هاتفا: "سيدتي.. لقد ترك السيد آدم هذا الظرف لكِ." تناولته في آلية وتركته جانبًا على المقعد المجاور وهى تندفع إلى حيث وجهتها لتنهي أمرًا لابد من إنهائه للأبد.

توقفت أمام ذاك البيت العتيق الذي أزكمت أنفها رائحته العطنة وصعدت درجاته التي اعتلتها يومًا يحدوها الأمل في حياة لم تمنتها. توقفت عند باب الشقة المرجو وطرقته لينفرج عن محيا تلك المرأة التي ما تمنت إلا عدم الاجتماع بها ما حيت. وعلى الرغم من ذلك تطلعت إليها في قوة لا تعلم من أين واتتها اللحظة. أفسحت لها شادية الطريق في هدوء على غير العادة لتدلف حياة إلى ذاك البيت.

تقف في منتصف الردهة تتطلع لكل ركن فيه وكأنما تسترجع ذكريات الوجيعة التي عاشتها بين جنباته. صرخ شهاب من الداخل: "لا.. شادية.. أرجوكِ لا تسمحي له بالدخول.. دعيه يكف عني." هتفت حياة في تعجب: "عن من يتحدث أخيك الأبلة..؟ وما هذه الرسالة التي أرسلها لي..؟ هتفت شادية في غل مكبوت: "انسي أمر الرسالة فما عاد لها أهمية بعد علمنا بأنك خرجتي من وصية جدك خالية الوفاض." قهقهت حياة:

"أهااا.. لقد فهمت.. كانت من أجل ابتزازي ليس أكثر.. ولكن ابتزازي بماذا!؟ ما حيلتكم القذرة هذه المرة!؟ هتف شهاب وهو يخرج متوكئًا على الحوائط في ألم: "لم نعد نريد شيئًا ولم يبق معنا ما نبتزك به." شهقت حياة ما أن وقع ناظريها عليه فقد بات محطمًا تمامًا كمن خرج لتوه من صراع مع أحد الأفيال. فهتفت متسائلة: "من أحدث بك كل هذه العاهات التي تستحق!؟ هتفت شادية في غيظ: "ألا تعرفين!؟ هتف شهاب منكسر النبرة:

"إنه زوجكِ.. لقد جاء إلى هنا وأوسعني ضربا.. بل جاء مرتين.. أمس صباحًا ومساءً.. كأنما أصبح ضربي هوايته المفضلة." واستطرد صارخًا في وجع باكيًا: "أرجوكِ يا حياة.. دعيه يرحمني.. لم أعد أحتمل." وانتفض هاتفا في تأكيد: "ونحن أخبرناه أننا لن نقترب منك أبدا." وتطلع لشادية أخته يحثها على موافقته: "ألم نفعل يا شادية!؟ هااا.. انطقي." أكدت شادية ممتعضة:

"بلا فعلنا.. فما حاجتنا إليكِ وأنتِ أكثر إفلاسا منا.. كما إنه أخذ كل الأوراق التي كنّا سنساومك عليها." تنبهت حياة متسائلة: "أي أوراق!؟ وتذكرت فجأة ذاك الظرف الذي أعطاه لها الحارس وتركته بالعربة. هتف شهاب مستعطفًا: "أرجوكِ يا حياة.. لا تسلمي الأوراق للشرطة.. أرجوكِ." هتفت حياة نتطلع إليه في حنق وأخيرا هتفت صارخة في ألم مكبوت منذ زمن: "الآن تتذلل..؟ كم من رجاء تذللت به إليك..؟ لما لم تسمعني..؟

لم تركت هذه الحقيرة تفعل بي كل ما يحلو لها في سبيل الحصول على مالي..؟ مالي الذي أقسمت لكما مرارًا أني لا أملكه وأن جدي قد جعلني أتنازل عن كل مليم حتى أستطيع الزواج بك.. لكنك لم تصدقني." وتوجهت بحديثها لشادية وصرخت بوجهها هاتفة في وجع: "أتذكرين هذا الركن..؟ وأشارت لركن بعيد مستطردة:

"هذا الركن الذي كنت ألقى فيه مكبلة لتستمتعي بحرق جسدي كي أخبرك أين أخبئ مالي المزعوم وتدفعي بي كي أشاهد بائعات الهوى في أحضان زوجي لأنني لست بامرأة تستحق أن تكون زوجة تهب زوجها ما يستحق.. وأخيرًا.. قمت بحلاقة شعري لأني كنت أزهو به.. على حد قولك." هتف شهاب في نبرة كسيرة: "أنتِ على حق تمامًا.. لكن صدقًا أنا لم أرض عن كل ما فعلته بك شادية.. أنا.." صرخت به حياة:

"أنت كنت أكبر خطيئة ارتكبتها بحق نفسي وجدي.. أنت الذنب الذي لا يغتفر.. تركتها تفعل بي كل تلك العذابات ولم تحرك ساكنًا." وتحشرج صوت حياة هاتفة في حسرة:

"حتى طفلي.. طفلنا.. لم تستطع حمايته من جبروت أختك والتي ما أن علمت بحملي حتى إذاقتني كل صنوف العذاب، وأخيرًا قامت بإجهاضي ولم تحركك توسلاتي وأنا أصرخ أمام ناظريك بأن تحمي طفلنا.. لكنك لم تستجب إلا عندما تأكدت أني على وشك الموت فحملتني للمشفى.. لا علاجي أو حتى محاولة لإنقاذ الطفل بل لتستدعي جدي لتساومه على طلاقي في مقابل بعض المال حتى لا يصبح صفقة زواجي منك خاسرة على حد قول تلك الحقيرة." هتفت شادية في لامبالاة:

"لقد مر الأمر.. وها أنتِ بخير.. فدعينا لحالنا واذهبي لحال سبيلك." قهقهت حياة في وجع: "بخير..؟ عن أي خير تتحدثين..؟ لقد استمر علاجي بالمشفى من أثر أفعالك ما يقرب من الشهرين بجانب العلاج النفسي لترميم بقايا روحي التي أزهقتموها ذلًا وقهرًا." وهتفت حياة في إصرار: "لن أسامحكما ما حييت.. فالرحمة والمغفرة تُعطى لمن يستحق."

اندفعت حياة تفتح الباب هاربة حين شعرت بالاختناق داخل هذه الجدران العفنة وقد تحررت أخيرًا من أوجاعها التي ذاقتها بداخل هذا البيت. دخلت سيارتها فوقع نظرها على الظرف الذي أرسله آدم. فتحته على عجالة لتجد بعض الأوراق ورسالة منه. وضعت الأوراق جانبًا وقرأت الرسالة في عجالة ولهفة: "هذه الأوراق هي وسيلة ثأركِ.. إن شئتِ العفو اجعليها سلاح تهديد بيديكِ لحمايتك وإن شئتِ الانتقام فقدميها للشرطة... وداعا."

تطلعت للأوراق تتفحصها لتدرك تلك المكيدة التي كانت على وشك الوقوع فيها لولاه. أعادت قراءة الرسالة مرة أخرى ليقع نظرها على الكلمة الأخيرة.. وداعا. دمعت عيناها وشعرت بحيرة وتشوش لم تستشعرهما يومًا. وتساءلت ربما للمرة الأولى منذ رأته.. "من أنت يا آدم عبدالخالق..؟ ولما لك وجهان متعاكسان بمرآة القلب لا أعلم أيهما وجهك الحقيقي..؟ من أنت..؟

صرخت بداخلها ودموعها تغشى عينيها وهى تندفع مبتعدة بسيارتها لا تدرك كونه يترقبها بأعين حارسة من البعد حتى تأكد أنها بعد مواجهة الماضي. رحلت في سلام. يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...