الفصل 16 | من 16 فصل

رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل السادس عشر 16 - بقلم رضوى جاويش

المشاهدات
23
كلمة
5,688
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

أنهى بعض المعاملات عند موظف الاستقبال وعاد إليها سريعا. كانت تنتظره تجلس، لا تصدق أنهما معا. هتف في مرح وهو يمسك بكتف المقعد المقابل لها على الطاولة: -هل أجلس أم أنك ستتركين الطاولة..!؟ اتسعت ابتسامتها وهو يذكرها بلقائهما على الباخرة. لم تعقب بحرف ليجلس متطلعا إليها. تجول نظراته على محياها في اشتياق قاهر وهمس في عشق: -حياة.. هناك الكثير لا تعرفينه عني أو حتى عن سبب ذهابي بعيدا عنكِ.

شعرت أنها ستسمع الكثير من الحقائق التي طالما أرقها جهلها بها ليال طوال. هزت رأسها تؤكد اصغائها دون أن تنبس بحرف. ليستطرد هو بجدية: -حسنا.. لا أعلم من أين أبدأ.. لكن لنبدأ باسمي كاملا.. أنا آدم عبدالخالق الصيرفي. زمت ما بين حاجبيها وقد استشعرت أن وقع هذا الاسم مألوفا على مسامعها. ليستطرد مؤكدا حدسها: -أنا ابن عبدالخالق الصيرفي صاحب مجموعة شركات الصيرفي والذي كان.. هتفت تقاطعه: -لقد كان صديقا لجدي!؟

واستطردت في سرعة مترقبة إجابته التي تعني لها الكثير: -وجدي هو من طلب منك مصاحبتي في الرحلة من أجل الحفاظ علي و.. منعتها قهقهاته من الاسترسال وهتف متعجبا: -لديك خيال خصب للغاية.. لقاءنا كان قدريا يا حياة.. لقاءنا دبره الله دون تدخل من أحد.. وأبي لم يكن صديقا لجدك بل صديق والدك رحمهم الله جميعا. همست متعجبة: -حقا!؟ أومأ في إيجاب مستطردا: -وجدك لم يعلم من أكون حتى انفردت به في الغرفة يوم عودتنا.

تطلع من النافذة الزجاجية للمقهى هامسا وهو يسترجع مشهد اللقاء بينهما بعد أن أبقاه وأمر الجميع بالخروج من الغرفة: -تطلع السعيد إلى آدم أمرا: اقترب.. أشعر أني أعرفك رغم أني متأكد أني لم أرك من قبل. تقدم آدم حتى جلس على طرف الفراش هامسا في تأدب: -نعم أنت لا تعرفني.. لكني أعرفك جيدا وحانت الفرصة لأشكرك. همس السعيد متعجبا: -من أنت!؟ أكد آدم متنهدا: -أنا آدم عبدالخالق الصيرفي. دمعت عينا السعيد وهز رأسه في استحسان هامسا:

-ابن عبدالخالق رحمه الله.. كان ونعم الصديق لولدي باهي رحمة الله عليه.. أنت تشبهه كثيرا لذا اعتقدت أني رأيتك من قبل. ابتسم آدم وهمس: -رحمهما الله..

ثم تنحنح هامسا: سيدي.. أريد أن أبلغك بأمر ما.. أنا وحياة كنا بهذه الرحلة سويا وانجانا الله على الجزيرة سويا لكن أشهد الله أني عاملتها بما يرضيه.. وكنت أعتقد أننا لن ننجو من الجزيرة فعرضت عليها الزواج لكن الطائرة أنقذتنا ولم نتمه.. كان يمكن أن يحدث أي أمر آخر خلال بقاءنا في الجزيرة وحيدين، أي امرأة أخرى غير حياة لكن حياة كان لها وضعا آخر أكثر تقديرا لأنه كان عليّ رد معروفك كاملا.. ذاك المعروف الذي ظل مطوقا عنقي ولم أنسه وأقسمت أن أرده لك يوما ما.

همس السعيد متعجبا: -أي معروف!؟ أكد آدم متنهدا:

-عندما توفي أبي كانت شركته مديونة وشبه مفلسة وكنت شابا صغيرا لا قبل لي على تحمل إدارة شركة خاسرة أو انقاذها.. احتجنا لدعم الأصدقاء لكن الكل خزلنا إلا أن أمي جاءتني يوما وكنت قد فقدت الأمل في انقاذ الشركة التي أضاع أبي عمره في تشييدها وأخبرتني أنها توصلت لأحد الأصدقاء الذي لم يعط لنا ظهره كالبقية ومد يد المساعدة لنا لكنه فضل عدم ذكر اسمه.. أنقذت الشركة بمساعدات ذاك الصديق الوفي بل أني طورتها وجعلتها من أكبر الشركات لكني أبدا لم أنس ذاك الرجل الذي حاولت أن أعرف من يكون لكن أمي رفضت لأنها قطعت وعدا له بألا تخبرني.. توفيت أمي وفي يوم كنت أبحث بين أوراقها فوجدت اسمك وعرفت الحكاية.

دمعت عينا السعيد وقد تذكر القصة التي مر عليها أعوام طويلة حتى أنها تاهت بين أروقة الذكريات. استطرد آدم:

-علمت من يكون ذاك الصديق الذي كنت أدين له بكل ما أملك والأهم أدين له بسمعة والدي الغالية.. يومها كنت قد تركت الشركة لإدارة ابن خالي سامي لظروف خاصة وخرجت للعمل كمرشد سياحي لأفواج تابعة لإحدى شركاتنا.. مللت من رحلتي وابدلتها مع مرشد آخر والذي رأيت بين مجموعته اسم حفيتدك في ذاك الفوج بإيطاليا وقد شعرت أن من واجبي الحفاظ عليها حتى تعود إليك سالمة فقد شعرت أن الله قد أرسل لي هذه الفرصة لسداد دينك الذي يطوق عنقي.

راقبتها وكنت كظلها حتى أننا وللعجيب ركبنا نفس الطائرة معا لأن سامي استدعاني بشكل ملح لأمر طارئ بالشركة فبحثت عن طائرة للعودة فإذا بي أفاجأ أنها طلبت السفر على نفس الطائرة والتي عملت على جلوسي بالمقعد المجاور لها بمساعدة مضيفة صديقة.. وعندما اكتشفت أنها على قيد الحياة وأصبحنا وحيدان بالجزيرة عملت على راحتها والحفاظ عليها حتى من نفسي ردا لجميلك.. والآن ها أنا أمامك أرد لك أمانتك بما يرضي الله. هتف السعيد مقاطعا وهو

يربت على كف آدم في فخر:

-أنت رجل صالح.. لقد استودعتها الله فردها إليّ بهدية غالية هو حفيد آخر عوضني الله به.. أرجوك.. أكمل رد المعروف وتزوجها.. فأنا أعلم أن أيامي بالدنيا معدودة وهي وابنة عمتها وحيدتان.. أنا أموت قلقا في كل لحظة وأنا أعلم أن حقهن ضائع والذئاب تحاوطهن.. فأرسلك الله لتكون خير معين.. تزوج حياة واكشف سرقات مهني ومكائد الحقير شهاب زوجها السابق الذي كادت أن تموت ببيته وعانت الكثير.. تزوجها حتى تسلمها إرثها الشرعي الصحيح في الوقت المناسب بعد أن تمهد الطريق أمامها.. أنا أعلم أني أثقل عليك.. لكن أرجوك أقبل حتى أطمئن بقبري على أمانة أولادي.. وتكون قد رددت المعروف كما يجب.

وابتسم الجد ينظر إلى عيني آدم نظرة عجوز خبير بباطن الأنفس هامسا: -وإذا ما أردت بقاء حياة زوجة لك.. فلا تتعجلها.. دعها حتى تأتيك راضية.. فقلبها كسير وروحها مهزومة.. وعندما تقرر هي أن تقترب أعلم أنها ستلقي بين يديك بكامل أوجاعها وكل مرارتها طالبة دون أن تهمس بحرف أن تكون دوائها فلا تخزلها أرجوك. أومأ آدم في ثبات وهو يرفع يد الجد إلى فمه ملثما إياها: -وأنا قبلت زواجها على هذا يا جدي.

ربت الجد على رأس آدم في امتنان ثم رفع يده للسماء متضرعا بشكر خفي. هتف آدم متنهدا ينظر لحياة التي كانت تجلس مبهورة بما تسمع:

-كان هذا هو ما بيني وبين جدك رحمه الله.. ذاك الرجل الصالح الذي سيظل جميله مطوقا عنقي ما حييت.. بعد وفاته بدأت في التحرك بكل الاتجاهات مدافعا عن حقك ومحاولا كشف الحقير مهني وكذا الأحمق شهاب والحية الرقطاء أخته.. وانتظرتكِ طويلا.. انتظرت أن تتحركي خطوة تجاهي.. أن تستشعري مقدار رغبتي في البقاء قربك للأبد.. تلك الرغبة التي كنت أنكرها كالمغفل.. حتى أني يوم وافقت على مطلب جدك بالزواج بكِ اعتبرته إرضاء لرغبة عجوز يحتضر أكرمني سابقا.. كنت أضحك على نفسي وأنكر أني أريدكِ بكل ذرة في كياني.

شهقت حياة لتصريحه ودمعت عيناها. ليستطرد هو مبتسما في شجن:

-رحل جدك وظهر ذاك الأحمق زوجك السابق مدعيا بأنك لازلتِ زوجته.. هل تعرفين كيف شعرت لحظتها.. أقسم أني كدت أقتله بالعزاء لولا بعض من تعقل.. لكن هذا لم يخمد تلك النيران المستعرة بداخلي فذهبت لبيته ما أن قرأت رسالته إليك بالصدفة ولقنته درسا لأجد عنده الأوراق المزورة التي تدينه.. أخذتها وتواجهنا يومها.. لا يمكن أن تتخيلي حالي ساعتها أتمزق ما بين رغبتين كلاهما مر حتى تركتك وعدت إليه مرة أخرى أثأر لكِ.

هزت رأسها وهي تتذكر مظهر شهاب عندما رأته. كان يبدو عليه أنه خارج لتوه من معركة مع أحد الديناصورات. استطرد آدم في اضطراب متطلعا إليها وهى لا تقل عنه اضطرابا:

-لقد اكتفيت من الهوى وأوجاعه يا حياة.. فأنتِ لن تدركي مهما أخبرتك عن وجع الرجل عندما يكتشف خيانة زوجته التي كان يعشق، وكان يظن أنها الأقرب إليه من نفسه والسبب أنها امرأة جامحة تريد رجلا جامح العشق لا رجل عادي أشبه بالماء الراكد.. رجلا لا يلبي رغباتها ويعمل على إرضائها.. رجل تزوجته من أجل ماله لا رغبة في مشاركته حياته وأحلامه.. ساعتها أدركت أن العشق خديعة وأن الهوى قصصا خرقاء وشؤون القلب أوهام مختلقة ولا يوجد في دنيانا شيئا ندعوه حبا.. كل تلك المسميات لا وجود لها على أرض الواقع.. بعض من تخيلنا.

تركت كل شيء ورائي متنقلا من امرأة لأخرى.. ويعلم الله أني ما سعيت لإحداهن بل كن هُن الساعيات وكم أرضى ذلك غروري وقدم لي مسكنا لكرامتي الرجولية الجريحة.. لم أكن أتمادى مع إحداهن كان يكفيني ذاك المسكن بسعيهن إليّ وكنت محصنا تماما من الوقوع في الحب.. لم يكن لي رغبة أو حتى قدرة في إعادة الكرة الخاسرة من جديد.. لأني كنت أعلم أني لن أستطيع تحمل الخسارة هذه المرة.. وعندما ظهرتي أوهمت نفسي أنك واحدة من كل ولا فرق في الفوز بك

أو خسارتكِ.. لكني كنت أحمق.. لأن هذه الخسارة كانت معناها فقدك.. كنت تائها يا حياة وأوهمت نفسي أن البعاد هو الحل.. ابتعدت وأنا أضبط لك كل أمور حياتك حتى لا أخلف وعدي مع جدك وأظل أحميكِ.. ابتعدت وأعطيت لك حريتك حتى تعيشي وتنسي الماضي وأوجاعه.. لكن للمرة الثانية أدرك معنى الحمق الحقيقي وأنا أحاول الانغماس في حياتي السابقة قبل أن ألقاكِ لأفشل تماما في أن أكون ذاك آدم الذي ألتقيته فقد أصبحت آدم جديد منذ أدركت أني أهرب من

هواكِ معتقدا أني أستطيع العودة لسابق عهدي وكأن شيئا لم يكن.

ازدرد لعابه مستطردا وهو يمسك بكفيها المرتعشتين عبر الطاولة وعيونها تلمع بدمع شيمته العشق: -لقد طاردتني ذكرياتنا سويا كما ظلي.. رافقت أنفاسي.. تخللت أحلامي.. أصبحت هاجسي في صحوي.. كنت أرى خيالا منك في كل امرأة تمر أمام ناظري.. كنت مسكونا بكِ.. أتدركين كم كان هذا قاسيا حياة!؟ سالت دموعها على خديها سخينة متتابعة وشهقت تهز رأسها إيجابا وهمست بصوت متحشرج:

-نعم أدرك.. أدرك كل هذا أكثر مما تتصور.. أدرك كل حرف تفوهت به لأنك كنت تصف لتوك حالي بعيدا عنك.. تركتني.. وكنت أظن أن العيب في وفي جسدي المعطوب و.. هتف مؤكدا في هدوء: -كنت أعلم. تطلعت إليه مشدوهة وسألته: -كنت تعلم ماذا!؟ هز رأسه هامسا: -لقد رأيت تلك الندوب على ظهرك ورأسك الحليق ساعة أن كنا على الجزيرة.. يوم أن استيقظت باحثا عنك لأجدك عند النبع تستحمين بأمان معتقدة أني لازلت نائما. شهقت في صدمة. ليستطرد في سرعة:

-أقسم أني ما كنت متعمدا وكنت في سبيلي للابتعاد لكنك ظهرت فجأة من تحت مياه الشلال التي كانت تغمرك كليا لأرى تلك الندوب وأعرف لما كنت دوما متمسكة بغطاء شعرك حتى بعد زواجنا.. تمنيت أن تمنحيني ثقتك وتخبريني سرك لكنك لم تفعلي إلا يوم أن واجهتني طالبة الطلاق اعتقادا منك أني ساعيا لمالك وجسدك.. وذلك كان سببا آخر جعلني أود لو أقتل ذاك الشهاب بدم بارد ثأرا لكِ. همست موجوعة ولازالت الدموع تنسكب من عينيها معلنة عن كم

من العتب لا يمكن تجاهله:

-كشفت لك يومها جسدي.. أظهرت لك الندوب وشعر رأسي الحليق.. كنت أريدك أن تنفر وتبتعد.. أو هذا ما كنت أعتقده.. صدقني يومها ما أردت ثأرا بل أردت بلسمًا ودواءً.. أردت أحضانك الدافئة وأمان ذراعيك.. أدرتك لحظتها وبشدة.. على الرغم من محاولاتك لإظهار مدى دناءة رغباتك إلا أن هاتفا ما داخلي كان يخبرني أنك لست بهذه الصورة القبيحة التي تحاول تصديرها لي وأن ذاك الرجل الذي عايشته على الجزيرة وكبح جماح رغباته الماجنة من أجل الحفاظ علىّ لا يمكن أن يكون بذاك السوء الذي يظهره.. لكنك ابتعدت.

همس متأوها: -كنت أنفذ وصية جدك.. كنت أنتظر مجيئكِ.. لكنك لم تأتي.. قاطعته باكية: -بل أتيت. تطلع إليها في صدمة. لتستطرد وهي تشهق في وجع: -أتيتك وأنا أتمنى أن ألقي على أعتابك بكل الأوجاع التي خلفها خذلان الجميع لكنك خزلتني.. سمعتك يومها وأنت تحدث شخص على الهاتف تخبره أنك سترحل عني خلال أيام ما أن تحصل على مبتغاك لترد له دينه وأن العشق كلمة ليست بقاموسك ولا مكان للهوى بقلبك. انتفض آدم مؤكدا:

-كنت أحدث سامي ابن خالي أخبره أني أثقلت عليه بالفعل لأنه كان يحمل مسؤولية إدارة شركاتي بجانب دفعي له لتمثيل دور راغب الوظيفة حتى يكون بقلب شركتكم ويستطيع الاطلاع على حساباتها بحكم وظيفته ويكشف ذاك اللص مهني.. أما ما ادعيته فيما يخص العشق فذلك لأنني.. صمت للحظة وتطلع إليها ضاما كفيها في تعلق وهمس بصوت متحشرج يواري وجعا مضاعفا: -لأنني كنت مشوشا وخائفا.. صدقيني ليس سهلا على رجل أن يخبر امرأته أنه خائف.. لكنني كنت كذلك.

همست في عشق: -امرأته!؟ أكد في عشق مماثل: -نعم امرأته.. وزوجته وحبيبته.. أنا أحبك يا حياة وأريدك بحياتي. همست في اضطراب: -ألن تندم..! همس مؤكدا: -لقد ندمت بالفعل.. ندمت على كل لحظة أضعتها وأنا بعيد عنكِ أحاول التحايل على هذه المشاعر التي تقتلني شوقا إليك والتغلب على تلك الأحاسيس التي تدفعني دفعا للبحث عنك وإعادتك إليّ وقد أيقنت أنك سرقتي راحة بالي للأبد.. فهل تقبلين!؟ همست بوله ودموعها منسابة في سعادة غامرة:

-نعم أقبل.. أقبل وبشدة. جذبها لتنهض خلفه. لتهتف في اضطراب: -إلى أين!؟ هتف متعجبا: -إلى حيث عشنا السعيد.. لقد رتبت كل الأمور وكذا وسيلة لعودتنا حتى نلحق بزفاف سامي ونهى.. المسكين.. لم يستطع الفكاك من شرك ابنة عمتك. قهقهت فهي تدرك نهى وتعرفها تمام المعرفة. ليستطرد آدم مازحا: -سنحضر الزفاف لأسلم لها ابن خالي العزيز على طبق من فضة لتفعل به ما يحلو لها.. ثم.. توقفت لتتطلع إليه هاتفة بمزاح: -ثم ماذا!؟

نظر إليها نظرات عابثة ولم يعقب. لتنفجر ضاحكة هاتفة في مرح: -لا فائدة ترجى منك.. العون يا إلهي. قهقه مؤكدا: -أحسنتِ يا فتاة.. استمري.. فستحتاجين هذا الدعاء كثيرا الفترة المقبلة. علت ضحكاتها من جديد وهى تتأبط ذراعه في عشق فاضح لا يمكن أن تخطئه عين. *** أنزلتهما الطائرة بالجزيرة على ذاك التل الذي ألتقطهما منه يوم إنقاذهما. كانت تقف بثوب زفافها تتحامي فيه من ذاك الريح الهارد الذي خلفه رحيل الطائرة مبتعدة.

استدار إليها ليتنحنح في شقاوة هاتفا وهو يقترب منها: -أين توقفنا في المرة السابقة!؟ أمسكت ضحكاتها ولم تعقب خجلا. ليضم خصرها بكفيه هامسا في نبرة من يسوق لها المبررات حتى ترضى عنه: -أنا وأنتِ وحيدان على هذه الجزيرة ومعي قسيمة زواجنا بما يرضي الله ولمزيد من التأمين أغلقت باب الجزيرة حتى لا نستقبل زوارا. قهقهت لمزاحه فاضطرب خافقه جاذبا إياها خلفه ليهبطا التلة سويا.

توقفا حيث كان موضع كوخيهما القديمين لتشهق حياة من روعة ما تراه. فقد تم استبدال الكوخين بآخر مبني بشكل أكثر احترافية مع وجود مصابيح بكل مكان من مدخل الكوخ بطول الطريق للشاطئ. همس آدم في فخر: -ما رأيك!؟ تطلعت إليه في سعادة: -إن هذا رائع.. أنت من فعل كل هذا!؟ همس مبتسما: -ليس بالضبط لكني أمرت بذلك.. حاولت ألا أغير من الشكل الأصلي لكن بإضافة بعض الرفاهية. وامسك بكفها ليدخلا الكوخ هامسا: -تعالي لم تر شيئا بعد!؟

تبعته في وجل وهو يدفع باب الكوخ لتفغر فاها في دهشة فقد كان الداخل مصمم بشكل رائع أشبه بحجرة في فندق خيالي. الأرض بها بعض البسط الخفيفة والأركان مزينة بالطنافس والوسائد الملونة والشموع ذات الرائحة العطرية تنتشر هنا وهناك بشكل ساحر. وأخيرا ذاك الفراش الذي يشبه أحد الأسرة التي رأتها يوما في فيلم تاريخي. كان رائعا وشديد العظمة بأعمدته التي يرتسم عليها رؤس لأسود ضارية وتنساب من أعلى تلك الأعمدة غلالات رقيقة متداخلة الألوان تهتز في رقة بفعل ذاك الهواء القادم من ناحية البحر لتعطي جوا أسطوريا مصاحبا لاهتزاز لهيب الشمعات التي تعكس أضواءها في سحر يخلب اللب.

همس في سعادة لردة فعلها: -هل أعجبك!؟ همست بدورها: -إنه أكثر من رائع. اقترب يمد كفيه يزيح عن رأسها حجابها الذي أصرت على الاحتفاظ به وأقسمت ألا تخلعه أبدا.. فكما ستر عيبها قررت أن يستر جمالها له وحده. ذاك الرائع الذي تطلع إليها وإلى شعرها الذي استطال قليلا حتى وصل لطول مناسب يعطيها مظهرا أنثويا وهمس مشاكسا: -ها قد استطال زغب بطتي وظهر هذا الشعر الكستنائي الرائع قطتي. قهقهت حياة متطلعة إليه: -ألهذا كنت تناديني بطتي!؟

أكد وهو يعبث بخصلات شعرها الناعمة مؤكدا: -نعم.. وغمز بعينه عابثا: منذ ذاك اليوم على النبع. نظرت إليه نظرة عاتبة. ليقهقه وهو يضمها هامسا بمشاكسة: -ماذا!؟ قد أصلحت غلطتي وتزوجتك. علت ضحكاتها. ليهمس متطلعا لعمق عينيها: -بمناسبة هذا الجو الخيالي.. هل أقص عليكِ إحدى أساطيري.! كانت تداري نظراتها خجلا منه هامسة: -عن ماذا ستروي حكايتك هذه المرة!؟ كان رده على سؤالها بحملها بين ذراعيه. لتشهق في صدمة هاتفة: -ماذا تفعل!؟ همس

في مجون متجها لفراشهما: -أبدأ في قص الأسطورة.. هل سمعتي يوما عن هرقل.. بالتأكيد سمعتي.. أنا الليلة سأريك مناقبه فعليا. قهقهت متعلقة برقبته هامسة: -أيها الماجن.. كيف السبيل لتأديبك!؟ همس وهو يضعها بوسط الفراش منضما إليها: -لا سبيل لذلك صدقيني.. فلا تضيعي وقتك سدى. قربها إليه متطلعا إليها من عليائه ناظرا لعمق عينيها. ليهمس في وله: -حياة.. أريد أن أعيش الحياة بكل تفاصيلها بين ذراعيكِ. همست في اضطراب: -لكن.. أنا.. همس

بعشق وهو يغيبها بين أضلعه: -أنتِ لي وحدي. ساد الصمت وتراقصت الشموع في رقة على نغمات القلوب العاشقة ونبضاتها. وبدأت في البكاء فرحا مع كل لحظة تمر من ملحمة الهوى التي تشهدها وكأنما الأرواح قد تعانقت لتصبح الطبيعة كلها شاهدة على ذاك العشق المسطور على لوح القلوب التي أضناها الوجع. همس آدم أخيرا وهو يلقي برأسه في ذاك التجويف ما بين ذقنها وكتفها متنهدا في سعادة هامسا باسمها: -حياة.

لم تفه بحرف أو حتى همهمت. فرفع رأسه متطلعا إليها ليجدها تغلق عينيها كأنما تحبس الدموع بين أجفانها. ليهمس من جديد بالقرب من مسامعها: -حياة.. انظري إليّ. هزت رأسها نفيا. ليعيد الأمر من جديد وهو يضم جانبي رأسها بكفيه هامسا: -افتحي عينيكِ وانظري إلىّ. أطاعت في تردد وتطلعت إليه بأعين لامعة لأثر الدمع بمآقيها. ليهمس: -حياة.. أخطأ من أسماكِ حياة. تطلعت إليه في وجع. ليستطرد هامسا وابتسامة عاشقة ترتسم على شفتيه:

-أنتِ بعث.. بعث لنبض قلبي وسعادة روحي.. أنتِ حياتي. انسابت الدموع كخيوط من فضة على جانبي وجهها مع ابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيها. واندفعت تلقي بنفسها بأحضانها تطوقه بذراعيها. ليغمرها بين حنايا روحه يهدهد جراحها ويضمد الأوجاع التي خلفها الماضي. لكنه استعاد روحه المرحة سريعا وهو يبعدها قليلا عن أحضانه هامسا في مشاكسة: -هل أعجبتك أسطورة هرقل!؟ اتسعت ابتسامتها مؤكدة: -أعشق كل أساطيرك يا أمير الحكايات. تطلع إليها في

عشق وهتف تعلو وجهه الفرحة: -من أجل هذا اللقب الرائع قررنا نحن أمير الحكايات أن نقص عليك سلسلة هرقل كلها.. والله الموفق والمستعان. انفجرت ضاحكة وهو يجذبها مرة أخرى بين ذراعيه. لتستعيد روحها التي افتقدتها منذ زمن. لتعود أخيرا حياة للحياة. ***

كان يستند على جذع إحدى الأشجار وهى بجواره تتأبط ذراعه وتسند رأسها على كتفه يتطلعان للبحر المنسابة أمواجه في رقة مدفوعة للشاطئ تحمل أسرار البحر سرا وراء سر لتفضي بهم للعشاق على مقربة من موضع لفظها لأنفاسها الأخيرة. لمعت كوكبة من نجوم بالسماء. ليشير آدم إليها هامسا: -انظري.. هذه مجموعة "النسر الواقع".. أمعني النظر.. تشبه القيثارة. تطلعت حيث أشار وتتبعت النجوم لتري تلك القيثارة فعلا. همست في رقة: -وما قصتها!؟

فلا يوجد لديك أمر ليس له حكاية ما!؟ همس في فخر: -ألست أمير الحكايات!؟ ضحكت مؤكدة: -بلا.. هيا اخبرني.. ما قصة هذه القيثارة اللامعة هناك!؟ همس حاكيا في صوت رخيم أشعرها بسلام داخلي بحثت عنه طويلا والآن وجدته بقربه:

-كان "أورفيوس" ابن الإله "أبولو" وإله الشعر والموسيقى "كاليوبي" قد أهداه أبوه قيثارة. ما إن يعزف عليها حتى يسحر بألحانه كل كائن حتى الحصى والشجر كانت تتبعه حيث يذهب بألحانه السحرية والتي كان النهر يتوقف جريانه لسماعها.. عشق "أورفيوس" حورية الغابة "بوريديسي" وهام بها عشقا. لكن الموت اختطفها منه عندما لدغتها أفعى وهي تهرب من محاولة أخيه غير الشقيق مراودتها عن نفسها.. حزن "أورفيوس" وبكاها كثيرا وعزف ألحانا على قيثارته أبكت الحجر. حتى أن أباه تشفع له ليقوم برحلة إلى العالم السفلي عالم الظلام والأموات ربما يستطيع استعادة زوجته الحبيبة.

همست حياة: -ألهذه الدرجة يعشقها!؟ أكد آدم:

-كان عشقها حدثا ومضربا للأمثال.. لكن أباه لم يستطع أن يوفر له فرصة الرحلة للعالم السفلي فقرر "أورفيوس" استخدام ألحان قيثارته ووقف على ضفاف نهر "ستيكس" الذي يفصل ما بين عالمي النور والظلام وأخذ في عزفها ساحرا ناقل الأرواح "خارون" وكلبه "كربروس" لينقله لعالم الموتى بقاربه. وهناك استطاع التأثير على إله العالم السفلي "هادس" مستعطفا إياه ليرد له زوجته التي يعشق. وبدأ في عزف ألحانه فلان قلبه ووعده بإعادتها معه لكن بشرط

واحد أن لا ينظر للخلف حتى يصبح بعالم الأحياء.. أطاع "أورفيوس" لكن الشوق استبد به حتى أنه استدار ناظرا لزوجته قبل أن يعبرا الفاصل ما بين العالمين لتختفي "بوريديسي" للأبد.. هام "أورفيوس" حزنا على محبوبته التي أضاعها.. راودته كثيرا من النساء عن نفسه لكنه ظل مخلصا لمحبوبته حتى تأمرت هؤلاء النسوة عليه لقتله.. ولم يكن يعلمن أنهن بقتله قد أرحنه من عذابه أخيرا لأنه انضم إلى زوجته الحبيبة بالعالم السفلي ليعيشا للأبد. بينما

حولتهن الآلهة لشجر بلوط. ورفعت قيثارته تخليدا لوفائه لتكون تلك المجموعة الرائعة من النجوم بالسماء.

همست حياة في استمتاع: -قصة رائعة. همس مشيرا لإحدى الأشجار متسائلا: -أتتعرفين ما نوع هذه الأشجار السامقة هناك!؟ هزت رأسها نفيا. ليهمس مؤكدا: -إنها أشجار بلوط. هتفت حياة في ذعر: -المتآمرات!! قهقه آدم وهو ينهض جاذبا إياها: -تعالي. ضغط زر تشغيل الموسيقى وضمها بين ذراعيه متمايلا هامسا في عشق: -أورفيوس يعزف ألحانه بقيثارته بالأعلى وأنا سأغني بالأسفل ولتشتعل المتآمرات هناك غيرة.

قهقهت وهو يضمها إليه أكثر هامسا بكلمات الأغنية التي بدأت تنساب من بين شفتيه: أنا لم أتغير... ما زلت ذلك الشاب الغريب الذي أطربك يوماً بالشاعرية... والذي خلق لكِ الأعياد... وجعلكِ تسافرين... أنا ما تبدلت... ما زلت ذلك الصبي الذي يغزوه قليلٌ من الجنون.. أرغب في أن أحميك... وأرغب في أن أحرسك وأذوب فيك... *** صرخت حياة في ثورة وهى تدخل حجرة طفلها باحثة عن آدم وهى على علم تام أنها ستجده هناك يقص على ولده إحدى أساطيره:

-اترك الولد لينام.. لقد تأخر وعليه الاستيقاظ مبكرا من أجل المدرسة. هتف آدم متعللا: -لقد أوشكت على الانتهاء. هتفت في غيظ: -أنت ما إن تشرع في بداية أسطورة من تلك الأساطير إلا وتنهيها بعد ساعات.. كيف سيستيقظ الولد صباحا!؟ إنه ينام بالصف حالما بالجنيات. قهقه آدم متطلعا لولده: -هل هذا صحيح يا صغيري!؟ شعر الولد بالحرج قليلا. وأخيرا تطلع لابوه يهز رأسه في إيجاب. ليعاود آدم القهقهة رافعا كفه ليضرب عليها

الصغير مصفقا فيهتف مؤكدا: -مرحى فالولد سر أبيه.. لقد كنت أترك الدرس وأمضي في.. تنحنحت حياة في حنق محذرة من تشجيع الطفل على التمادي في الخيال: -آدم.. تنحنح آدم بدوره في إدراك وتفهم هاتفا لولده: -لقد كنت الأول على الصف دوما وعليك أن تكون نسخة مصغرة من أبيك. وتطلع إلى حياة في قلة حيلة: -هل يرضيك هذا الآن!؟ ثم عاد متطلعا لابنه وهو يشد عليه غطاءه: -هيا يا صغيري.. عليك أن تحصل على قدر كافٍ من النوم.. تصبح على خير.

همس الصغير في عتب: -وكيف سأنام الآن وأنت لم تنه الحكاية!؟ انحنى آدم مقبلا جبينه هامسا: -لا بأس.. غدا بإذن الله أكملها. واتجه إلى حياة يطوق خصرها بإحدى ذراعيه هامسا بالقرب من مسامعها وهو يدفعها برفق لخارج الغرفة: -أما الآن فقد جاء دور ماما في قص الحكاية.. أسطورة هرقل للمرة الألف بعد.. كم.. ذكريني من فضلك!؟ قهقهت حياة هاتفة: -لا أذكر. هتف مدعيا الضيق:

-هكذا النساء لا خير لك يذكرنه أبدا.. الأمر لله.. فلنبدأ العد من جديد. وحملها مندفعا لداخل حجرتهما صافقا بابها. لترتفع قهقهاتهما من الداخل. *** تقلبت في فراشها وما إن وضعت يدها موضع رقاده حتى انتفضت لتكتشف أنه ليس جوارها. نهضت باحثة عنه تتسلل لحجرة ولدها حتى لا توقظه. وما إن طلت من خلف الباب الموارب حتى وجدته يحشر جسده جوار ابنه ويهمس له ببقية الحكاية. لتتنهد في قلة حيلة دافعة الباب لتدخل.

رفع آدم الغطاء ليختبئ كلاهما من غضبها. إلا أنها أبعدت الغطاء عنهما وحشرت جسدها على الجانب الآخر من الفراش ليصبح الصغير بينهما. همس آدم: -ماذا تفعلين!؟ أكدت في قلة حيلة: -أستمع للحكاية. انحنى نحوها هامسا في مجون: -ألم تكتفِ من الحكايات!؟ أمسكت قهقهاتها وهى تهز رأسها نفيا. لتهمس أخيرا: -لن أمل أبدا يا أمير الحكايات. هتف الطفل الراقد بينهما مقاطعا في غضب: -ألن ننتهي يا أبي من هذه القصة في هذه الليلة العجيبة!؟

انتفض كلاهما. ليتنحنح آدم متطلعا إليها في عتاب لأنها تأخره عن إنجاز مهمته. ليتمدد الجميع ويهمس آدم مستطردا بحكايته لبعض الوقت. وهمس ينهيها أخيرا في هدوء: -وهكذا عاش العمالقة والأقزام.. في عالم من الوئام.. يعمه الفرح.. ويغمره السلام. تطلع آدم لابنه وزوجته ليجدهما قد راحا في سبات عميق. ليتنهد في راحة وهو يحذو حذوهما ويطبق أجفانه على صورتهما. وقد أدرك أنه قد حاز الحياة ومباهجها جميعا. ***

تنهدت حياة في راحة ممزوجة بفرحة وهى تدخل لحجرة نومهما. وما إن جلست لتخلع حذائها ذو الكعب العالي لتتخلص من تقلصات قدمها حتى بادرها آدم الذى تبعها للغرفة جاذبا إياها. ل تنهض حافية القدمين معترضة: -آدم.. أشعر بالتعب.. لقد كنت طول النهار أقف على قدميّ. همس مشاكسا: -دقائق من العبث البريء لن تضر أحدا حياة. قهقت وهو يتجه إلى مشغل الموسيقى. وهتفت في عتب:

-أيها الرجل.. اليوم كان زفاف ابنتك الصغرى وقد أصبحت جدا منذ زمن.. ألم تكتفِ من المجون!؟ أكد وهو يتلقفها بين ذراعيه والموسيقى تنساب في رقة: -مطلقا.. القلب الماجن لا يشيخ أبدا. اتسعت ابتسامتها وهو يتمايل بها في سلاسة حتى خرجا للشرفة. فهمس مشاكسا وهو يتطلع للسماء: -الأميرة المسلسلة تشير إليكِ مرحبة. تطلعت إليه في عشق هامسة: -ما عادت مسلسلة.. فقد انفك قيدها وبرئت جراحها بفضلك بوريسيوس.

ضمها إليه أكثر هامسا في عشق بكلمات الأغنية والتي تمايلا على أنغامها من جديد.. أنا ما تغيرتُ... فأنا دائماً أمشي في الطريق التي تروقني... وطريق وحيدة فقط تلك التي أعجبتني على الأرض... هي تلك الطريق التي سلكناها يوماً معاً... *** تمت بحمد الله

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...