خرج من عنده يسير بعقلٍ مشتت، فقد القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ. جلس على أول مقعد استراحة قابله، وهو يفكر: هل سيشارك في شيء كهذا؟ كيف سيفعل ذلك بفتاة لا ذنب لها؟ رفع رأسه صوب السماء متنهدًا بقوة. أدمعت عيناه، ومر طيفه أمامه. يلاحقه آخر حديثه، لقد ذكره بالوصية، ذلك الطلب الصعب. إن بدا في ظاهره شرًا، ولكنه ليس كذلك. لقد سأل حضرة الشيخ، فقال له أن الطلب ليس به شر أبدًا. زفر مرة أخرى وهو لا يدري ما عليه فعله.
مر شهران على وفاة صديقه العزيز، وحتى الآن لم يذهب لتعزية أهله وزوجته. لم يذهب لخوفه من الإنهيار أمامهم بسبب نظرات والدته أو زوجته بأنه من عاش في حين مات حسان. استغفر الله بصوت مرتفع وهو يقول بتنهيدة أخرى: "ربنا يرحمك يا حبيبي، أنا عارف إنك اتعذبت كتير بسببها، وهريحك في تربتك وربنا يستر بقى." وضع يده على جيبه متذكرًا
آخر شيء سلمه له: تلك الكاميرا خاصته. لقد كان متعلقًا بها كثيرًا. هي من حق أهله عليه إرجاعها لهم وتسليمها لزوجته، مؤكدًا بأن بها صورًا خاصة بهم ومقاطع فيديو. لذا منع نفسه من الاطلاع عليها. نهض أخيرًا عن المقعد يتجه صوب سيارته. وضع الكاميرا بجانب مقعد القيادة وقال وهو يضع يديه حول طارة القيادة، يركز نظراته على الطريق: "جه الوقت." توقف فجأة وأسند رأسه على المقعد خلفه مسترخيًا، وهو يتذكر حديثه له قبل ثلاثة أشهر.
حدق به أحمد بصدمة وهو يقول بعدم تصديق: "أنت عايزني أتجوّز مراتك؟ ابتسم حسان مؤكدًا ببساطة، وفي عينيه حزن شديد: "تصحيح: أرملتي! ضربه أحمد على صدره متهكمًا وهو يردف بوجه عابس: "بعد الشر عليك، حسان إن ما بطلتش الهبل ده هضربك." أمسك حسان بيدي أحمد قائلًا بإصرار: "أحمد… أحمد اسمعني، أنا مش بهزر ودي وصيتي ليك. هسألك عنها يوم الدين. أنا بقولك أهو لازم تنفذها. اوعدني تنفذها مهما حصل." حرك أحمد عينيه على ملامح حسان الجادة،
ثم قال برفض وهو ينهض: "طب وأنا هتجوزها ليه؟ أنت عارف إني قلبي لحد تاني ومش هقدر يا حسان. أنا آسف، مش فاهم وجهة نظرك في الطلب ده بصراحة." أوقفه حسان وهو يمسك بيده، يناظره بحنق شديد: "دايمًا بصلتك محروقة. عارف إنك متنيل بتحب، بس أنا عايز أحرق قلبها زي ما حرقتني. أكيد بعد وفاتي هتجري على حبيب القلب بتاعها…" قاطعه أحمد قائلًا وهو يرفع حاجبه بتشنج: "يا بني، مش قولت إنه سابها؟ هترجعله إزاي؟ وبعدين هي طلبت منك وقت؟
اديها وقتها يا حسان، يمكن…" هذه المرة قاطعه حسان يقول بصوت يتخلله دموعه التي سقطت على خده: "جربت وفشلت يا أحمد. هي قالتها لي صريحة، مش هتنساه في كام يوم أو شهر. بتحبه من سنين، مجرد ذكر اسمه بيخلي عيونها تلمع. اسكت أنت مش فاهم حاجة، أنا يا صاحبي دخلت حرب خسرانة." صمت حسان لثوانٍ، ثم أكمل بعد أن أخذ نفسًا عميقًا، ينظر لأحمد بهدوء:
"معرفش هترجعله أو لأ، بس محدش عارف بكرة مخبي لينا إيه. ما يمكن يرجع بعد وفاتي. مش هبقى مرتاح في تربتي وهما مع بعض يا أحمد. قلبي اتحرق وفرحتي اتكسرت بسببهم. الشاب يمكن ذنبه مش كبير زيها، بس هي اللي حرقتني وعشمتني وخلت بيا، طالبة الطلاق ولا عامله أي اعتبار ليا ولا لمشاعري وإني بحبها. أرجوك وافق. هما سنتين بس وبعدها ابقى طلقها وسيبها. اوعدني تتجوزها تحت أي ظرف، واياك تخلف وعدك ليا أو ماتنفذش الوصية."
ختم حديثه وهو يمسح على عينيه بقوة حينما سقطت دموعه أكثر. شعر أحمد بالحزن عليه، لذا سحبه إلى صدره يربت على كتفه بحنان. وبعد وقت قصير قال: "يا حسان، أنا فاهمك والله، بس بردو هتستفاد إيه؟ هما كدا كدا مش مع بعض ومن زمان. فلو رجعتله بعد سنة أو حتى خمسة، إيه اللي هتستفاده؟ اسودت عيني حسان بالغضب واردف وهو يتذكر كل أفعالها وتهربها الدائم منه وعدم مبالاتها بمشاعره:
"جوازها منك أكبر ضربة وهحرق قلبها. أعذبها زي ما عذبتني. أفضل مقيد إحساسها. شعور الخيانة هيقتلها وذنبي في رقبتها، ده غير الذنوب اللي وقعت نفسها فيها. ما تنساش قولتلك دي ناشز. احرمهم من بعض، اعمل أي حاجة وابعدهم، فاهمني يا أحمد."
نظر له أحمد بأسف شديد وحزن كبير. الانتقام أعمى بصيرته. كان حسان أطيب قلب بينهم ومعروف بلطفه وحنانه. تحول إلى شخص آخر لا يعرفه أحمد، وكل ذلك بسبب الحب. تلك اللعنة التي ما إن تتلبسنا لا نعود كما كنا. كم تشتت عائلات بسبب ذلك الحب الملعون. كم اقترفت أيدينا الدماء تحت مسمى الحب. كم انتشر الفجور والسفور والمعاصي تحت اسم الحب. والحب بريء من كل ذلك. ولكن هل من مستمع؟ بعد بضع دقائق قضاها حسان صامتًا وأحمد يربت على كتفه،
تحدث أحمد وهو يسأله: "حسان، هبعدهم إزاي وأنا معرفش مين هو أصلًا؟ تحاشى حسان النظر له ورد بنبرة مقتضبة: "مش عارف. دور اعرف لي مين هو اللي ملك قلبي مراتي؟ أخفض أحمد رأسه للأرض يفكر لثوانٍ قبل أن يقول في محاولة بائسة لإقناعه بالتراجع: "حسان، أنا أكتر واحد جرب البعد والحرمان وصدقني ده لوحده كفاية. ده بيقتل يا حسان وأنا على يدك أهو ميت مش عايش. بلاش أحسن، وسيبها في حالها. أنا مش هقدر أشارك في حاجة زي دي."
صمت أحمد يتنفس الصعداء ثم نظر له ضاحكًا: "بعدين مش خايف تحلى في عيني وأرفض أطلقها بعد كدا؟ ابتسم حسان يقول بنبرة مهمومة بها شيء من السخرية لم يلاحظها أحمد: "طب اسمعني بقى. هتتجوزها وده أمر مفروغ منه." بدى الاعتراض على وجه أحمد، فرفع حسان إصبعه يشهره في وجهه وهو يقول بجدية: "إياك أسمع صوتك. اسمعني للآخر. سنتين بس، وليا شرط: حافظ عليها زي أختك…" قاطعه أحمد يردف بعصبية شديدة: "أنت أكيد اتجننت. أنا مستحيل…"
نظر له حسان بعينين ينبعث منهما الحنق وهو يقول مقاطعًا: "ده جواز ومحدش عارف إيه ممكن يحصل؟ خفت صوته يردف بنبرة متهكمة: "مش جايز هي اللي تفضل لازقة فيك وترفض الانفصال." وقبل أن يفتح أحمد فمه ليعترض على حديثه، فهو يعشق امرأة واحدة ولن يسمح لنفسه بالاقتراب لا منها ولا من غيرها، باغته حسان بحديثه التالي:
"المهم زي ما قولتلك الجواز لمدة سنتين كاملين. وبعدها ابقى سيبها. ولو حصل وحبيتها وعايز تكمل كمل معاها. ده إذا هي ما طلبتش الطلاق يعني." ومجددًا عاد حسان يهتف بنبرة منخفضة داخله بحيث لا يصل صوته إلى أحمد الذي يحدق به بغير تصديق لحديثه: "ومش هتطلب أصلًا." آفاق من حديثه الداخلي على صوت أحمد الذي صاح متهكمًا: "أحب مين يا عم؟
أنا كرهت الحب خلاص. أنا بهزر معاك علشان تتراجع عن اللي في دماغك. أنا ملك جوايا مش هتسمح لحد يدخل. بقولك بعشقها و…" نظر له حسان بغيظ وهو يصفعه على وجهه منفعلًا تحت تعجب أحمد الذي قال بصدمة: "في إيه يا عم؟ هدأ حسان ثم قال وهو يحك شعره بحرج: "آسف معلش، طلعت تلقائي. لما لقيتك بتقول ملك جواك وبتعشقها لقيتني بضربك ونسيت إن حبيبتك نفس الاسم." رمقه أحمد بنظرات متهكمة: "اتفضل يعني، غيران عليها وعايز يجوزهالي؟
ده كلام ناس عاقلة دي؟ "قلتلك مش جواز حقيقي. أوف بقى، ما تضيقش خلقي يا أحمد. أنا بس عايزك تتجوزها سنتين بس وبعدها ليك الحرية." تحدث أحمد برفض وهو يتنفس بقوة: "وأنا مش موافق. خرجني برا الموضوع ده الله يخليك يا حسان. أنا مش ناقص أحرق قلب واحدة تاني واعذبها. كفاية عليا ملك اللي كسرت قلبي. ولا أنا خلاص بقيت متخصص في كسر القلوب علشان كدا طلبت مني." تنفس حسان بصوت مرتفع ثم قال: "يا أحمد اسمعني…" قاطعه أحمد يقول بنبرة جدية
وهو ينظر بعينيه مباشرة: "آسف يا حسان، اللي بتطلبه ده صعب. أنا واحد عاش محروم من حبيبته. فلو هي حبت ترجع له أو أنا في إيدي أجمعهم مع بعض إزاي عايزني أبعدهم؟ وأنا ذايق الحرمان. بعدين لو بتحبها بجد هاتتمنالها السعادة حتى لو مع غيرك." "بحبها آه، بس عايز انتقم لكرامتي. أنا مش بقولك أفضل متجوزها على طول، بعد فترة طلقها." صرخ أحمد حانقًا: "وهتستفاد إيه فهمني؟ تهكم حسان وبرز ذلك في نبرة صوته:
"أبعدها عنه فترة وأحرق قلبها عليه. أنا لو عليا مش عايزك تطلقها أبدًا أصلًا وتفضل تتعذب كدا طول عمرها." توسعت عيني أحمد يقول بخوف على صديقه أن يسود قلبه الأبيض: "لا يا حسان، أنت مكنتش كدا. فوق أرجوك من اللي بتقوله ده." "هي السبب في اللي وصلتله. مش عايزهم يجتمعوا بعد وفاتي على طول. استنى أما العدة تخلص. صحيح ما اتجوزتهاش بس ليها عدة. هاخنق وأنا ميت، يرضيك؟ قهقه أحمد بعلو صوته يردف ساخرًا:
"أنت خلاص فقدت عقلك على الآخر وبتعايب عليا." بملامح جامدة أردف حسان: "أحمد، هايبقى فيها زعل كبير وهموت وأنا غضبان عليك. مش بطلب منك حاجة كبيرة. هما سنتين وطلقها يا عم." مسح أحمد على وجهه بقوة وهو يتنفس بصوت مرتفع يوليه ظهره. يفكر في حديثه بجدية. ما الضرر في ذلك؟ سيتزوجها لفترة ويطلقها لتعود إلى حبيبها أو لا تعود، لا يهمه. المهم أنه سيتركها في النهاية. عاد حسان يهتف برجاء: "ها يا أحمد، قولت إيه؟ استدار له أحمد قائلًا
بعد تنهيدة قوية: "قولت لا إله إلا الله." أكمل حسان ببسمة صغيرة: "محمد رسول الله." قال أحمد وهو يتساءل: "طيب قعدت تخطط كدا، ونسيت أهم حاجة. إيه اللي هيجبرها توافق عليا بقى؟ ما يمكن ترفض، ليه محطتش الاحتمال ده في بالك؟ توسعت ابتسامة حسان وهو يمد يده يعبث بشيء داخل سترته. ضيق أحمد عينيه وهو يتابع حركة يده. أخرج حسان ورقة مطوية قال وهو يعطيها له: "خد اقرأ دي. أنا عامل حساب كل حاجة."
التقط أحمد الورقة منه وأخذ يقرأها بعناية. ورغم أن الكلمات أوجعت قلبه من مجرد تخيل أنه يقرأ وصية صديقه أو أن يفقده، لتنهمر دموعه بقسوة وهو يلقي الورقة أرضًا. يندفع له يحتضنه بقوة وهو ينبس بصوت منخفض: "بعيد الشر عن قلبك. إن شاء الله ده مش هيحصل. أنت مش ها تسيبني وتمشي يا حسان." بادله حسان العناق وهو يجاهد دموعه هو الآخر. رفع يده يربت على ظهره:
"أنا في قلبك يا صاحبي حتى لو مش موجود معاك. توعدني يا أحمد تنفذ وصيتي وتتجوزها." "أوعدك يا حسان." عاد أحمد من شروده على تلك المياه التي تتساقط من عينيه بقوة، وصوت حسان يتردد على عقله: "أنا في قلبك يا صاحبي حتى لو مش موجود معاك." مسح أحمد دموعه ثم انطلق بالسيارة عازمًا على تنفيذ وصية حسان مهما كلفه ذلك. ******
تجوب أرضية الغرفة ذهابًا وإيابًا من التوتر، تنظر إلى معدتها بملامح باكية، تطالع بروزها الظاهر للعين وهي تنفخ الهواء بحنق واضح. والأخرى تجلس على الأريكة تنظر لها بصمت. توقفت ملك تقول بنبرة صوت مرتفعة من البكاء: "خلاص مش قادرة أكمل في التمثيلية دي. حرام اللي بنعمله ده حرام. أنا تعبت بجد ومش عارفة أعمل إيه؟
ختمت ملك حديثها وهي ترفع طرف بجامتها تنزع تلك البطن الاصطناعية، تلقيها بجوار نعمة التي تلتزم الصمت على غير العادة. حركت ملك عينيها عليها تقول بضيق شديد من صمتها: "مالك يا ست نعمة؟ لا اسكت الله لكِ حسًا! زفرت نعمة الهواء بقوة وقالت بعينين باردتين: "عايزاني أقول إيه؟ ما أنا ياما قولت ولا حياة لمن تنادي. سيادتك المفروض بقى حامل في خمس شهور، هتعملي إيه؟ جلست ملك على المقعد وهي منفطرة من البكاء، تغمغم بضعف شديد:
"أروح أموت نفسي يعني. يارب أنا تعبت وعايزة أموت بقى." نهضت نعمة تجلس أمامها وهي ترفع وجهها تقول: "استغفري ربك، وما تدعيش على نفسك لأنه حرام. الحل علشان نخلص من الكدبة اللي قالها حسان الله يرحمه إنك تعملي إجهاض…" سخرت ملك رغمًا عنها: "مش لما أبقى حامل الأول علشان أعمل إجهاض." ابتسمت نعمة بتكلف تقول بغيظ: "ما أنا عارفة يا غبية. هنمثل إنك سقطتي وخلاص." حركت ملك رأسها برفض للفكرة تقول بنبرة ضعيفة:
"حماتي تروح فيها. بعدين مش هتسامحني لو عملت كدا وضيعت آخر أمانة من ابنها." "يا ذكية، اومال هنعمل إيه؟ ما الكدب ملوش رجلين، ولا هتخطفى عيل وتقولي ده ابني." نفخت ملك الهواء بضجر وهي تسترخي على المقعد بكامل جسدها: "أوف، أنا تعبت. أكيد مش هعمل اللي بتقولي عليه ده. الصدق أحسن حاجة في الوقت ده واحنا غلطنا لما سكتنا وقتها. لو كنت قولتلهم إني مش حامل كان أفضل." "وايه اللي منعك بقى؟ شردت عيني ملك وهي تقول:
"نظرات حماتي ليا وقتها يوم الخبر قبل ما نروح المستشفى. لما فقت ولقيتها بتقولي إني آكد اللي قاله الوزير، كانت نظراتها بتترجاني وقتها أقول أيوه. مقدرتش أكسر فرحتها وقتها." قالت نعمة بدموع شديدة: "ودلوقتي مش هتكسري فرحتها." صاحت ملك بعينين دامعتين وهي منهارة كليًا: "خلاص اسكتي بقى أنا زهقت. كذا مرة حاولت أقولها بس لساني مبيطاوعنيش. بلاقيها قاعدة تخيط في هدوم لحفيدها وفرحانة وهي بتوريهاني، كنتي عايزاني أعمل إيه وقتها؟
ومرة تانية لقيتها جايبالي صندوق في هدوم حسان وهو صغير بتفرجهالي وتقولي هنلبس ابنه من هدومه. تقولي هايبقى شبه حسان، تلمس بطني وتقولي اللي مصبرني هو ده وتدعي لي أقوم بالسلامة." صمتت ملك تتنفس بصوت مرتفع وهي تصرخ بحرقة وقد فاض كيلها: "أقولها إيه وقتها؟ معلش أنا مش حامل وكدبت عليك، وحفيدك اللي قاعدة تعدي الأيام علشان يجي ملوش وجود. انطقي؟ سكتي يعني؟
يارب أموت وأرتاح. يارب أموت ارحموني بقى. كفاية لوم وعتاب أنا فاض بيا خلاص. أنا خلاص مش عايزة أعيش خدني عندك يارب…. نفسي أموت. حلوا عني بقى بكرهكم كلكم سيبوني في حالي. ذنبي إيه في ده كله؟ قولي إني حبيت؟ واتكويت بالحب ده. بس تعرفي مش ندمانة على حبي ليه وهفضل أحبه…." صفعتها نعمة على وجهها بقوة تقول بنبرة صوت مرتفعة:
"بس كفاية اخرسي اخرسي بقى دمرتينا يا ملك. كفاية عذاب بقى بطلي تدعي على نفسك. ملعون أبو الحب ده اللي يعمل فيك كدا، ويخليك متحترمييش حتى وفاة جوزك ولا إنك قاعدة في بيته وواقفه قدامي تعترفي بحبك لأحمد اللي أنتِ اصلا مفرقتيش معاه. بكل وقاحة حرام فوقي بقى كفاية الراجل مات وهو غضبان عليكِ أنتِ ناشز يا ملك ليه لاغيه التفكير في ده كله وبدل ما تكفري عن ذنبك بتزيدي فيه. فوقي من الحب ده."
وقعت ملك على المقعد تنظر لها بذهول، ترى دموعها أغرقت وجهها وانفعالها الشديد، بينما تقف أمامها تتنفس بصوت مرتفع. قالت نعمة بعد عدة ثوانٍ وهي تمسح على وجهها تحاول الهدوء: "الانفعال خطر على ملك متى ستتعلم ذلك؟ لما وقعت عينها على ملك التي تجلس جامدة فقط تحدق بها بصمت: "خلاص أنا آسفة يا ملك، آسفة مش هتكلم تاني. أنا آسفة سامحيني. قولي لي أنتِ طيب هنعمل إيه؟ همست ملك بعيون متسعة خاوية: "أنا هقولك نعمل إيه؟ استني."
قالت كلمتها واتجهت مثل المجنونة إلى غرفة المطبخ أخرجت إحدى السكاكين الحادة وعادت لغرفة المعيشة. شهقت نعمة بقوة وهي تنظر لها برفض تراها تضع السكين على موضع قلبها وهي تقول ببسمة موجوعة: "كل ده بدأ من هنا من قلبي وهاينتهي هنا." صرخت نعمة بقوة صرخات متتالية عنيفة: "لا يا ملك.. اهدي.. سيبى السكينة من إيدك لو سمحتي، حرام.. حرام يا ملك." سقطت دموعها بقوة وابتسمت بسخرية وهي تقول:
"واللي بيحصل فيا مش حرام، ها ردي عليا، مش حرام؟ أنا خسارة فيا النفس، أنا كدا كدا ميتة ومفيش ميت بيموت تاني. سلام يا نعمة.." صرخت نعمة بقوة وهي تغمض عينيها: "مـــــلــــك." عم صمت قاتل. فتحت نعمة عينيها سريعًا ودقات قلبها متتالية عنيفة، تنظر لهما بصدمة وهي تهمس: "أحمد؟ قبل عشر دقائق…
ترجل أحمد من السيارة يسحب أكبر كمية من الهواء يقوي نفسه. سمى الله في داخله، ثم خطى خطوات بسيطة صوب باب العمارة. ألقى السلام على البواب واتجه إلى منزل حسان. طرق على باب الشقة وانتظر حتى فُتح الباب. أطلت السيدة والدة حسان بوجه حفته التجاعيد، وعيون حمراء من البكاء. وقبل أن ينطق أحمد بحرف ابتسمت هي تقول: "ياه، استنيتك كتير يا أحمد. طولت ليه كدا؟
عض أحمد على شفتيه من الداخل وهو يجاهد دموعه. ثانية ثانيتين واندفع يحتضنها وهو يبكي بصوت مرتفع. ربتت هي على ظهره بلطفٍ وهي تقول: "ما تزعلش يا ضنايا، صاحبك شهيد." تحدث أحمد بصوت مبحوح من البكاء وهناك غصة في حلقه: "كان المفروض أنا اللي أموت." "لا يا حبيبي، ربنا يبارك في عمرك. ده عمر حسان وأنت إنسان مؤمن. تعالى أدخل، ده أنت من ريحة الغالي." دخل أحمد إلى المنزل وجلس على الأريكة بجوارها. أمسكت بيده تقول ببسمة صغيرة:
"هو ما عملش كدا إلا من حبه ليك، وأنا واثقة يا ابني إن لو كان هو مكانك مكنتش هتتردد لحظة واحدة. أنتم الاتنين ولادي اللي طلعت بيهم من الدنيا، راح واحد واتبقى لي أنت. أوعى تغيب تاني يا أحمد." قبل أحمد يديها ودموعه تسقط على كفها يقول بنبرة ضعيفة: "بس الفراق صعب جدًا، واحشني أوي." مسحت هي دموعه ثم ابتسمت: "هو في قلوبنا يا أحمد، هنشوفه تاني وهربيه على أيدي. ربنا كرمني بإني أشوفه تاني."
طالعها أحمد مستغربًا، وقبل أن يفتح فمه وصل إلى مسامعهم أصوات صراخ حاد. انتفضت والدة حسان تقول بخوف شديد: "حفيدي." نهض أحمد معها وقال بقلق وتوتر: "حفيدك؟ إيه الأصوات دي؟ وضعت السيدة أم حسان يدها على قلبها بتوتر وهي تشعر بأن قدميها لا تحملانها: "بسرعة يا أحمد اطلع شوف في إيه فوق. حاسة أن رجلي مش شيلاني. روح يا ابني بسرعة." قال أحمد على عجل وتوتر وهو يجعلها تستلقي على الأريكة: "في حد فوق معاها طيب؟
هزت السيدة أم حسان رأسها: "أيوه مرات أخوها. اطلع يا ابني، جيب العواقب سليمة يارب."
خرج أحمد مهرولًا إلى شقة صديقه يطرق الباب. وما كاد يكمل ازدادت صوت الصراخ. من دون تفكير أخذ يدفع الباب بقوة كبيرة حتى فُتح. هرع إلى الداخل لتشل المفاجأة جسده وهو يرى زوجة حسان تقف توليه ظهرها بشعر هائج، وبجامة منزلية بأكمام كاملة، وبيدها سكين تضعها على قلبها. غض بصره عنها واتجه إليها سريعًا يمسك بيدها قبل أن تطعن قلبها، لتتسع عينيه بصدمة كبيرة وهو ينظر لها بعدم تصديق. عودة إلى الوقت الحالي.
كانت ملك تنظر له بملامح منصدمة، تفتح عينيها على وسعها. ارتجفت شفتيها وهي تقول: "أحمد؟ همس أحمد بصدمة كبيرة: "ملك؟ وفي الزاوية تقف نعمة بعينين جاحظتين من الصدمة. عم هدوء قاتل لا يقطعه سوى أصوات تنفسهم العالية. وبعد مرور بضعة دقائق قضاها أحمد صامتًا مصعوقًا من تلك المفاجأة الكبرى بالنسبة له، محبوبته هي نفسها زوجة صديقه. خرجت ملك من صدمتها تقول ببسمة موجوعة والدموع تنهمر بقوة على خديها:
"أنت مش حقيقي، أنت وهم. أيوه أنا أكيد بتخيل، زي كل مرة تخيلت وجودك فيها. امشي بقى أخرج من قلبي وعقلي كفاية تعبتني." سحبت يدها من بين يديه ولا تزال السكينة معها، وقبل أن تطعن نفسها، آفاق أحمد من صدمته يسحب السكينة منها يلقيها أرضًا. لتفتح هي عينيها على وسعها. هتف أحمد وهو لا يسيطر على أعصابه: "أنا مش وهم، أنا هنا يا ملك. فوقي أنتِ عايزة تقتلي نفسك؟ ببسمة ساخرة قالت ملك قبل أن تسقط على الأرض فاقدة للوعي:
"ما أنا ميتة من زمان." صرخ أحمد بخوف شديد باسمها، وصرخته أفاقت نعمة المتجمدة في موضعها، والتي ركضت صوبها تقول بدموع وهي تتحسس نبضها وبيدها الأخرى تربت برفق على خدها: "ملك.. ملك ردي عليا." لكن ملك كانت لا تحرك ساكنًا بوجه شاحب وضربات قلب منخفضة. ما كاد أحمد يقترب منها حتى أظهرت نعمة أنيابها وقالت بملامح غاضبة: "برا اطلع برا. أنت السبب في كل ده. امشي من هنا."
نهض أحمد متراجعًا للخلف بصدمة وهو ينظر إلى ملك الشاحبة شحوب الأموات، ونعمة التي تحاول إفاقتها. وبعد عدة محاولات فتحت عينيها أخيرًا. وهنا سمحت نعمة لنفسها بالتنفس أخيرًا، وضعت رأسها على صدر ملك تردد بنبرة هادئة: "الحمد لله.. الحمد لله. قتلتيني من الخوف عليك." استدارت نعمة تنظر لأحمد الجالس مصدومًا تقول بغضب وعيون حانقة: "أنت لسه بتعمل إيه عندك؟ قولتلك اطلع برا."
أتت في تلك الأثناء حماة ملك تضع يدها على قلبها وهي تتنفس بصوت مرتفع. توقفت مصدومة من حديث نعمة وهي تتطرد أحمد لتقول حانقة: "ده صاحب حسان يا نعمة وأنا اللي قولتله يطلع يشوف بتصرخوا ليه؟ سيبتوا رُكبي." خرج أحمد بدون كلمة ووقف عند السلالم يستجمع أفكاره، بينما في الداخل قامت الحرب ولم تقعد حينما رأت حماة ملك معدتها المسطحة لتقول بعيون متسعة بصدمة: "حفيدي.. ودايته فين؟ بطنك إزاي كدا؟
أغمضت ملك عينيها بقوة وهي تتحاشى النظر لها، لتصرخ السيدة والدة حسان مجددًا تقول بدموع غزيرة وهي تجثو على الأرض بركبتيها: "حسان الصغير فين؟ ودايته فين؟ نظرت صوب نعمة المنفطرة في البكاء: "فين حفيدي يا نعمة؟ بطنها راحت فين؟ اتجهت لها ملك وجلست أسفل قدميها تقول بأسف شديد: "أنا آسفة يا ماما أنا مش حامل." ضحكت السيدة أم حسان ودموعها على خدها تقول بعينين لامعتين: "بتضحكي صح؟ بطلي هزار يا ملك، يعني إيه مش حامل؟
وديتي حفيدي فين؟ رفعت ملك رأسها ونظرت لها وهي تبكي بشدة: "ما كنتش أتمنى تعرفي بالطريقة دي، بس هي دي الحقيقة. أنا مش حامل، حسان كدب علينا…" "اخرسي ابني مش كداب، قتلتي حفيدي، ضيعتيه. آخر حاجة من ابني أخدتيها مني، أيوه قتلتيه لأنك مش بتحبيه أصلًا. أنا كنت حاسة، منك لله مش هسامحك." حركت ملك رأسها بالنفي وهي تغمغم بصوت باكي: "والله العظيم ما كنت حامل، صدقيني معرفش ليه حسان قال كدا؟
بس مكنتش حامل. أنا اتصدمت زي زيكم لما الوزير قال، وعملت تحليل ومطلعتش حامل. بس فرحتك سكتتني ودي كانت غلطتي. كان لازم أقول من الأول بس مقدرتش. سامحيني ابوس إيدك، أنا مش حمل ذنبك أنتِ كمان أرجوك سامحيني لو بتحبي حسان سامحيني."
أنهت ملك حديثها وهي تضع رأسها على حجرها، تولول وتبكي بانفطارٍ. أطلقت السيدة والدة حسان شهقات بكائها عاليًا وقلبها ينزف دمًا، تضع يدها على رأس ملك ودموعها تنهمر على شعرها. أمسكت ملك بيدها تقبلها وهي تعتذر وتبكي. احتضنتها السيدة والدة حسان مغمغمة بنبرة خافتة حزينة: "أنا آسفة يا بنتي عذبتك معايا كتير وكنتي هتخسري حياتك وأنا بتهمك إنك محبتيش ابني والسبب في تعاسته ودلوقتي اتهمتك بقتل ابنك. سامحيني. موت حسان أثر على عقلي."
ارتجفت شفتي ملك وهي تضمها بين يديها تصرخ بحرقة تعض أصابعها من الندم على ما اقترفته يداها. أتعذر منها وهي السبب بحالتها وضياع آخر أثر من ابنها؟ لو أنها أطاعته ولم تعصه على الأقل لا يموت وهو حزين منها وغضبان عليها، وأعطت للسيدة ذلك الحفيد الذي يؤنس وحشتها: "لا لا ما تعتذريش مني أنا اللي آسفة سامحيني. سامحيني يا أمي محدش غلطان هنا غيري أنا آسفة سامحيني." وأرضًا كانت تجلس نعمة تشاركهم البكاء، وهي تضع يدها على فمها.
وخارج الشقة يقف أحمد يعض على يديه من الندم هو الآخر. هو السبب في تعاسة صديقه هو السبب في كل هذا. كان يبكي بين أحضانه وهو يخبره بأن زوجته تعشق أحدهم وأنها كسرت بفرحته، وهذا الأحد كان هو. يا الله، أخذ حياته وحبيبته منه. ما هذه الأنانية يا أحمد؟ ولكن الشيء الثابت والوحيد وهو سيفعله مهما كلفه الأمر هو تنفيذ وصيته. سيعاقب نفسه معها. لن يتنعم بما حُرم منه حسان. ****** بعد مرور أسبوع……
كانت ملك تجلس أمامها وهي تمسك بيدها تقبلها بدموع شديدة، وخلفها يقف أخيها هادي يحمل حقيبة ملابسها. تحدثت ملك ببسمة حزينة: "أشوف وشك بخير يا ماما وسامحيني لأني خيبت أملك." ربتت السيدة والدة حسان على يدها وهي تقول ببسمة مماثلة: "بردو هاتسبيني وتمشي يا ملك." ملئت الدموع عينيها، ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت لها وهي تبتسم بسمة موجوعة:
"معلش يا ست الكل، أنا كان وجودي غلط من الأول، آسفة إني معرفتش أسعده وزعلته مني كتير، يشهد ربي إني حاولت كتير يا أمي بس فشلت والموت اخده مننا." "طب آخر حاجة طلبها حسان مش عايزة تعمليها." ضيقت ملك عينيها باستغراب ثم قالت: "طلب إيه ده؟ أشارت لها بعينيها أن تنتظر قليلًا ثم غابت داخل غرفتها، تبادلت ملك النظرات هي وأخوها هادي الذي تهرب من عينيها، لتنظر له ملك بصدمة هل يعلم بما تريده حماتها؟
عادت تنظر إلى حماتها التي أقبلت عليها تحمل شيئًا ما لتبتسم ملك بسمة صغيرة في وجهها. رفعت حماتها الورقة تقول: "حسان سايبلك دي وصيته." أخذت ملك الورقة منها وقلبها ينبض بقوة، كانت تقرأ الكلمات وهي لا تصدق عينيها. وقعت الورقة منها على الأرض وشعرت بأن الدنيا تلف بها. أسندها أخوها هادي، فهتفت ملك بتوتر شديد: "اللي قرأته ده صح؟ "أيوه صحيح."
ولم يكن هذا سوى صوت أحمد الذي أتى قبل بضعة دقائق وكان يقف خلفها تمامًا. استدارت له ملك تطالع وجهه بصدمة، لتنفجر بالبكاء الشديد وشعور الذنب يفتك بقلبها. لقد جمعها بحبيبها، أحضره لها. لا تصدق عينيها كم أنت شخص نبيل يا حسان! حاوطها أخيها هادي يربت على ظهرها بلطف، وهو يقول بنبرة هادئة: "هو آه طلب حسان غريب شوي بس هو بيثق في أحمد وغير كدا أنا عارفه ومتربيين سوا، فاللي أنتِ عايزاه أنا هعمله يا ملك ومحدش هيجبرك على حاجة."
الصدمة لا تزال قوية عليها. أخفت ابتسامة كادت تظهر على محياها تكشف فرحة قلبها بهذه الوصية. آه يا ملك لو تعلمين بواطن تلك الوصية، هكذا هي طبيعتنا دائمًا ننظر للغلاف من الخارج منبهرين به، ونُغفل البواطن والشقوق التي تحفه. نظرت إلى حماتها واصطنعت الرفض مراعاة لمشاعرها: "أنا مش موافقة يا حماتي الطلب غريب شوي وحسان يمكن قال كدا وهو ما يقصدش يعني أقصد…." تقدمت منها حماتها تمسك بيدها وفي عينيها رجاء تقول:
"دي وصية حسان ولازم تتنفذ يا ملك. بعدين أحمد ابني هو كمان وهيحافظ عليك متقلقيش أنتِ صغيرة لسه." "بس…." قاطعها هذه المرة أحمد حين قال بقلب متألم: "فترة ولو مش عايزة تكملي هطلقك. دي وصية ميت وواجبة التنفيذ." أخفضت ملك عينيها بخجل، ثم أومأت برأسها بصمت وهناك شعوران متضادان غمراها في تلك اللحظة. الشعور بالسعادة والحزن في آنٍ واحد. قال أحمد وهو يخفي حزنه: "بعد العدة نكتب الكتاب إن شاء الله." *****
بعد مرور شهرين وعشرة أيام حيث انتهاء آخر أيام العدة. تم كتب الكتاب في جو هادئ مقتصرًا على المقربين فقط. وعكس ما كانت تتوقع ملك لم تكن سعيدة أبدًا، بل نظراتها مهمومة وشاردة. كانت نعمة تجلس معها وهي تجهز لها حقيبة ملابسها تقول ببسمة صغيرة: "حسان إنسان نبيل وكويس، وما دام عمل كدا يبقى أكيد مسامحك. ليه بقى الحزن ده؟ تطلعت لها ملك بعينين فاترة كحديثها:
"الذنب هيقتلني يا نعمة. بعدين فرحتي مكسورة وأنا شايفة أحمد مجبور على الجوازة دي. شوفتي بقاله شهرين حتى ما سألش فيا ولا كلمني." "لازم يبين كدا قدامهم، أنتِ كنتي مرات صاحبه بردو، وطبيعي يكتم فرحته بأنه حصل عليك في النهاية. وبعدين ما تظلمهوش، كان بيسأل أخوك من تحت لتحت كدا أنت في أيام عدة والكلام حرام. سبحان الله مكنتش طيقاه بس هو طلع إنسان محترم." أصدرت ملك صوت ساخر من فمها وهي تبتسم بقهر:
"وهنفضل عايشين في الصمت ده على طول؟ كل حاجة في صمت، حبه ليا، فرحته بجوازنا، كل ده في صمت. أو يمكن معدش يحبني أصلا. أنا خلاص راحت عليا وبقيت في نظره أرملة. شوفتي السخرية؟ كان رافض يكمل معايا علشان ما اخدش لقب أرملة وأنا في السن ده ودلوقت جي يتجوزني وأنا أرملة أهو فعلا إنسان غبي." أغلقت نعمة سحاب الحقيبة واتجهت لها أمسكت بكتفيها تقول ببسمة: "راحت عليك ده إيه؟
أنت صغيرة وحلوة والحياة لسه قدامك. جه الوقت تفرحي بقى من قلبك. بصي واثقة لما تكونوا لوحدكم الصمت ده هيموت وهتشوفي. الماضي بقى ارميه ورى ضهرك وعلى إحساسك بالذنب تجاه حسان اديك بتخرجي صدقات كتير وبتصومي كمان وبتحاولي تكفري عن ذنبك يا ملك اهم حاجة اوعي تغلطي نفس الغلط ده تاني ولو إني أشك بقى المرة دي." ثم غمزت لها، لتخفي ملك ابتسامتها وهي تشعر بوجنتيها يشتعلان من الخجل، لتضحك نعمة على ملامح وجهها
الخجولة تقول ببسمة واسعة: "يالا بينا زمانه زهق من القعدة ياه. واخيرا هبطل عياط بسببك ده أنتِ فحرتي قلبي معاك يا ملك. خايفة أخوك هادي يسيبني بسببك. بسبب الهالات السودا اللي طلعتلي تحت عيني من تحت رأسك." ضحكت ملك بقوة ثم وضعت يدها على فمها تكتم صوتها، قبل أن تبتسم بملاء فمها وهي تتجه إلى نعمة تحتضنها بصمت وهي من داخلها ممتنة لوجودها معها.
بعد وقت خرجوا من الغرفة وقفت ملك تخفض بصرها أرضًا تتحاشى النظر له حتى لا تفضحها نظراتها العاشقة له. وبعد كلام بين أخيها وأحمد ودعت ملك عائلتها وأمها الحبيبة التي ترجو أن توفق ملك في زيجتها تلك وأن ترجع لها سعادتها. ناداها أحمد وهو يمنحها بسمة هادئة يقول وهو يمد يده لها: "يالا يا ملك."
رفعت ملك عيونها له، ثم سرعان ما أخفضتهم تضع يدها في يده لترتجف بشدة ويزداد خفقان قلبها. توردت وجنتيها بحمرة الخجل. شعر بها أحمد ليتنهد بصوت مكتوم ثم أخذها ورحلوا. بعد مدة ليست بقصيرة وصلوا إلى شقتهم، كانت ملك طوال الطريق تفرك في أصابع يديها من التوتر. وأحمد بجوارها يلتزم الصمت وداخله صراعات كثيرة. كيف وافق على تلك الزيجة؟ كيف سيفعل ذلك بها؟ والسؤال الذي يؤرق مضجعه هل تعمد حسان اختياره لتلك الوصية؟
أتراه كان يعلم بأنه هو الشخص المقصود لذلك أوكله بها، ليحرق قلبه وقلبها؟ نفض التفكير في ذلك مؤكدًا لم يكن يعلم. لقد رأى بأم عينه عذابه في بعدها وأنه هو من تركها. بأي حق سيشركه في انتقامه؟ لا لن يفعل. إنها ترتيبات القدر ليس إلا ولا دخل لحسان في هذا. حسان صديقك يا أحمد ولن يفعل بك ذلك. تنهد بصوت مرتفع خرج من داخله مهمومًا وقلبه أخذ يلقي عليه جراحه. أكان عليك أن توافق؟ أكان عليك أن تعده بذلك الوعد؟
هل ستتركها حقًا بعدما اجتمعت بها أخيرًا؟ كان طلب حسان واضحًا: زواج لمدة سنتين تحرمها فيه من حبيبها. بالله كيف يفعل ذلك وهو حبيبها؟ كيف سيطاوعه قلبه أن يكون معها وليس معها بذات الوقت؟ لا يدري حقًا. آفاق من موجة أفكاره على صوتها الهامس والمرتجف من التوتر: "أحمد أنت كويس؟
أومأ أحمد برأسه بصمت ثم مال بجذعه العلوي يفتح الباب، ثم أشار لها بالدخول وهو يمسح على وجهه ويقوي نفسه على ما هو مقبل عليه. دخلت ملك ودقات قلبها في تسارع مع الزمن. أضاء أحمد الأنوار. دارت بعينيها في أنحاء الشقة التي سلبت عقلها منذ أول لحظة. تحدث أحمد بصوت جاهد لإخراجه طبيعيًا: "أتمنى تكون عجبتك…" قاطعته ملك وهي تبتسم بسمة واسعة تدور في الشقة بسعادة: "دي خطفت قلبي جميلة أوي."
وسعادتها تلك جعلت بسمة واسعة ترتسم على فمه بالمقابل. بسمة أعادت النبض لقلبها، وأعطتها أملًا متذكرة حديث نعمة. نعمة دائمًا على حق. بمفرده سيغدقها بالحنان والحب. يكفيها حزنًا وألمًا أن الأوان أن تفرح وتسمح للسعادة بالولوج إلى قلبها. تنحنح أحمد لما طال صمته وتحديقه بها، يستغفر الله داخله، ثم تحدث بجدية وهو يشير لها على إحدى الغرف: "دي أوضتك."
وها قد انقشعت ألوان الحياة من وجهها. تجعد جبينها باستغراب لكلمته لكنها حافظت على ابتسامتها وتبعته للداخل. أنزل هو حقيبتها أرضًا، واستدار ليخرج حينما تقابلت عينيه مع عينيها الفاتنة والتي تنظر له بحب شديد. تصنم هو في أرضه وبقى يحدق بها بعيون يملأها الشوق رغمًا عنه. نظرة كانت كفيلة بزلزلة كيانه كليًا. نظرة أعطتها ضوءًا في آخر النفق المظلم.
ليبتهج قلبها ومن دون تفكير كانت تلتصق به تضع رأسها أخيرًا حيث موطنه. أغمضت عينيها بقوة وهي تستنشق شذى عطره ببسمة واسعة، ويديها الصغيرتين تحاوطان خصره بقوة. رفع أحمد يديه وكاد يبادلها العناق الذي لطالما تمناه، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه كما قال الشاعر. طفى على عقله صورة حسان يقف وهو ينظر له بعتاب، ليفيق أحمد من غفوته ويفقده بقربها يبتعد عنها مصعوقًا. نظرت له ملك بملامح متعجبة تقول بمشاعر حب صافي: "في إيه؟
مالك يا أحمد؟ استدار أحمد يعطيها ظهره وهو يحاول أن يجمع شتات نفسه يمسح على وجهه بقوة وقلبه ينبض بعنف محتجًا على كل همسة تصدر منها. شعر بها تحتضنه مرة أخرى وهي تردد بنبرة حانية بها شيء من العشق: "ياه لو تعرف قد إيه اتمنيت اللحظة دي، وكنت عايشة علشانها، كم مرة حلمت إني بضمك بالطريقة دي. أنا بموت فيك بحبك أوي."
يا الله، لمساتها تحرقه وهو بشر وتلك حبيبته التي أضناه الحرمان منها وكاد يفقد عقله. نبرة صوتها مشاعرها الواضحة. ومن جانب آخر وصية صديقه له بأن يعذبها ويمنعها عن حبيبها، يجعلها تجرب ما عاشه هو شعور الرفض. وعد قيد يديه هبطت دموعه وهو يكتم صوت بكائه عنها يجاهد نفسه. احتاج لقوة كبيرة كي يبتعد عنها. أمسك بيديها يبعدهم وهو يقول بملامح جامدة وقلبه يحترق:
"كفاية يا ملك، فوقي من الوهم ده. الجواز ده مش حقيقي وأنا مرجعتلكش أنا مجرد بنفذ وصية حسان. كلها سنتين وهنطلق فلوسمحتي خلينا نقضي اليومين دول على خير." تركها في صدمتها وفر هاربًا، فلو بقى ثانية أخرى كان سيلقي بوصية حسان عرض الحائط ويضمها إلى قلبه معتذرًا على كل دمعة تسبب في سقوطها من عينيها.
سقطت ملك على الأرض مصعوقة تفتح عينيها على وسعها وبدون مقدمات انخرطت في موجة بكاء حادة. وخارج الغرفة يحارب أحمد نفسه بين الدخول وتهدئتها وإخبارها بأنه يعشقها، وبين تركها وتنفيذ تلك الوصية. صرخت ملك بقوة صرخات تقطع القلب وهي تنزوي في آخر الغرفة تبكي من كل قلبها، جسدها ينتفض بعنف والتنفس بات أمنية صعبة.
مرت عدة دقائق أخرى ولم يعد أحمد يطيق صوت بكائها، لذا دلف إلى الغرفة يركض لها بقلب مرتجف خائف وهو يرى شحوب وجهها وصعوبة تنفسها. غمغمت ملك بعينين دامعتين ما إن أبصرته يقف أمامها بملامح يغلفها الخوف: "امشي.. امشي وسيبني كالعادة. أنا اللي قلبي مهزأ ومش عارفة متمسك بيك ليه؟ بتظهر تاني في حياتي ليه؟ أنت بتقتلني وأنا ده…" صمتت تبتلع غصاتها تضرب على موضع قلبها بدموع شديدة:
"ده مش راضي يسكت، ده جواه ثورة. ده عايزك حرام عليك بقى، ارحمني…." أولاها أحمد ظهره يكبت دموعه، وهو يشعر بالغضب من نفسه وكم قطعت كلماتها روحه. وحينما توقفت عن الحديث بسبب شهقاتها، تمالك هو نفسه وتجاهل حديثها ثم استدار لها يمسكها غصبًا، حينما بدأت تدفعه بوهن وهي تشهق بقوة، تصرخ بغضب: "أنت عايز إيه مني؟؟ عايز تحرق قلبي ليه؟ بتعمل فيا كدا ليه؟ أنت محبتنيش يا أحمد خالص؟ رد عليا جاوبني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!