الفصل 3 | من 7 فصل

رواية الصمت المعذب الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان ناصر

المشاهدات
47
كلمة
8,146
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

كانت تجلس على الأريكة تضم وسادة متوسطة الحجم إلى صدرها وهي منهمرة في البكاء، وكأن ما عاد بإمكانها فعل أي شيء سوى البكاء والبكاء والبكاء ليلاً ونهارًا. تعالت أصوات شهقاتها وهي تقول ببسمة موجوعة وجراح قلب دائم الحسرات: "واحشني كتير، مش قادرة أنساه، مش عارفة أخرجه من قلبي."

اخفضت نعمة رأسها للأرض وهي تغمض عينيها تجاهد دموعها. ما تفعله ملك خطأ كبير، وبدلًا من أن تشاركها البكاء عليها أن تنصحها. لذا، بعد أن أخذت عدة أنفاس، رفعت رأسها ونظرت لها بملامح غاضبة وهي تقول بينما تقبض على يدها: "كفاية بجد، حرام يا ملك اللي بتعمليه ده حرام. أنتِ ست متزوجة، وقولتلك بدل المرة ألف مش هتقدري. أنتِ حمل الإثم ده؟ أنتِ كدا ناشز والملايكة بتلعنك ومش عايزة أقولك الكلمة التانية لشعورك ده."

طالعتها ملك بشفاه مرتجفة وجسدها كله ينتفض، تردف بنبرة ضعيفة: "أنا فعلًا مش هقدر. أحمد هايفضل جوايا واقف بيني وبين حسان. أنا بشوفه في كل مكان، عارفة كل ده مش محتاجة تقولي. حاولت وفشلت كتير، مش طايقة لمسته ولا طايقة أشوفه. أنا من غير أحمد ولا حاجة." صمتت لثوانٍ تتنفس بصوت مرتفع، قبل أن تقول بحزن شديد وهي تشير جهة قلبها:

"أنا بعشقه افهموني بقى، ده بيحبه بيحبه بيحبه. أنا بموت فيه، حبه في قلبي بيزيد مش بيقل وأنا مش عايزة غيره." صفعتها نعمة بقوة على وجهها وهي تحدقها بعيون يملأها الغضب، رغم الدموع التي فيها الحزينة عليها. ابتسمت ملك بقهر وهي تقول بينما تنظر لها بعينين لامعتين من الدموع: "اضربيني زيه مش هتخرجوه من جوايا. أنا بتخيله مكانه، متخيلة أنا وصلت لإيه؟

أنا عايشة في وهم، أنا خاينة، أنا واحدة حقيرة ومحدش حاسس بالنار اللي جوايا. أنا كل مرة قربت فيها من حسان لأني مش بشوفه حسان، أنا بشوفه أحمد. أحمد وبس، عمري ما اعتبرت حسان زوج أبدًا. أنا قلبي وعقلي وكلي ملك لشخص واحد بس هو أحمد، فاهمه و...

ومنعها عن التكملة كف آخر التحم في خدها. لتنفجر ملك بالبكاء بصوت مرتفع وهي تضع يدها على خدها، بينما نعمة تقبض على يدها بحزن. وهنا سمحت لدموعها بالخروج، وانفلتت شهقاتها التي جاهدت لحبسها حتى لا تضعف من حديث ملك، ولكن حالتها يلين لها الحجر. بكت نعمة بصوت مرتفع وهي تنهض من جوارها توليها ظهرها، بينما ملك استلقت على الأريكة تبكي بهذيان. أخيرًا استطاعت نعمة النطق، فاستدارت لها تقول وهي تمسح دموعها:

"أنتِ هتفوقي من اللي أنتِ فيه ده. أحمد خلاص مبقاش موجود. كفاية ذنوب، ضميرك مش بيأنيبك على حسان المسكين، ذنبه إيه؟ ليه كملتي؟ ميت مرة قولتلك مش هتقدري يا ملك، مرضتيش تسمعيني. قولتلك هتظلميه، معاك بردو كملتي." صرخت ملك بحرقة ودموعها على خدها لم تنضب: "أنا بموت في كل دقيقة وأنا عارفة إني مذنبة في حقه. ولأنه بيحبني قولت هدي لنفسي وليه فرصة يمكن أحبه. وهو وافق بس أنا فشلت فشل ذريع، مقدرتش مجرد إني مقدرتش. ارحموني بقى."

خفت صوتها مع آخر كلمة. أطلقت زفيرًا قويًا وهي تنتفض بشهقات عالية تردد بقهر: "كلكم عايزين تخرجوه وهو ساكن في قلبي، مش هيخرج حتى بموتي. أنا طلبت الطلاق بس سيادته رافض. أنا مش عايزة أكون خاينة ولا عايزة ذنوب ولا أنا حمل ذنب زي النشوز، بس لكل إنسان مقدرة وأنا مش قادرة. حتى لو سلمته نفسي قلبي وعقلي مش معاه، كياني كله مع أحمد. إيه الفرق؟ كدا مش هبقى في نظر نفسي خاينة مثلًا؟

أنا تعبت، بحاول أكفر عن ذنوبي وأدعي كل يوم ربنا يغفر لي ويعجل بموتي علشان أرتاح وأريحكم كلكم." ختمت حديثها وهي تركض إلى غرفة الأطفال، أغلقت الباب خلفها بالمفتاح، وجلست على الأرض تتابع البكاء بحرقة شديدة، حتى ما عاد يخرج صوتها من شدة البكاء. وبخارج الغرفة تقف نعمة بعينيها المليئة بالدموع، عاجزة تمامًا عن فعل أي شيء. أجبرت قدميها على السير باتجاه غرفة ملك وجلست على الأرض تضع يدها على الباب وهي تقول بدموع شديدة

وخوف لما اختفى صوتها: "ملك؟ ملك أنتِ كويسة؟ وأيضًا ما من رد. ظلت نعمة تطرق على الباب بقوة وهي تبكي بهيسترية: "ملك افتحي الباب، ملك اوعي تعملي في نفسك حاجة، ملك افتحي لي وهاقعد ساكتة مش هانطق مش هلومك مش هقولك حاجة تزعلك بس أبوس إيدك افتحي الباب."

ومجددًا لم تتلقى نعمة أي رد على ندائها. نهضت مثل المجنونة تضغط على مقبض الباب تحاول فتح باب الغرفة وعبثًا فعلت. خرجت من باب الشقة تهرول إلى شقة حماة ملك التي قابلتها عند السلالم حيث خرجت على أصواتهم العالية، تقول بدموع شديدة وخوف كسى ملامح وجهها: "ابني حسان فيه حاجة؟ ملك.. ملك عرفت حاجة عنه؟ توقفت نعمة ودموعها على وجهها تقول بصوت خرج من داخلها مرتجفًا وهي تبتلع لعابها الذي جف:

"ها لأ.. لأ حسان كويس يا خالتي. ده ملك بس مفتقداه وكانت بتفضفض معايا ودلوقتي دخلت أوضة الأطفال وقفلت عليها الباب ومش راضية تفتح خايفة تعمل في نفسها حاجة." ضربت السيدة والدة حسان على صدرها تقول بفزع: "يا مصيبتي، استر يا رب. حسان كان عطيني النسخة الثانية من المفاتيح علشان أبقى أطلع أطمن عليها لو نايمة أو حاجة ومفتحتليش." تحدثت نعمة بلهفة شديدة وهي تحثها على جلب تلك المفاتيح: "طيب بسرعة يا خالتي هاتي المفاتيح."

نزلت السيدة السلالم واتجهت إلى شقتها تحضر نسخة المفاتيح. وما إن أحضرتها حتى انتشلتها نعمة من يدها وأسرت إلى شقة ملك وهي تكاد تقع أكثر من مرة نتيجة رؤيتها المشوشة من الدموع في عينيها.

دلفت أخيرًا إلى الشقة واتجهت بسرعة صوب غرفة الأطفال. بأيدي ترتجف كانت تضع المفاتيح بشكل عشوائي حتى انفتح الباب. شهقت بقوة وهي تركض صوب ملك المسطحة على الأرض فاقدة للوعي. انحنت تجلس على مقدمة ركبتيها وهي ترفع رأسها تضعها على حجرها وهي تربت على وجنتيها بضربات خفيفة، أثناء مناداتها لها بدموع شديدة تتساقط على وجهها: "ملك.. ملك ردي عليا."

وضعت نعمة يدها بتوتر على رقبتها لتجحظ عينيها وهي تستشعر ضعف نبضها يكاد يكون معدومًا. أتت في تلك الأثناء والدة حسان التي كانت تنهج بقوة تقول بخوف: "مالها يا بنتي؟ همست نعمة بعينين جاحظتين من الصدمة: "ملك.. ملك.. بتموت.. نبضها ضعيف أوي." شهقت السيدة والدة حسان وهي تضرب على صدرها بجزع: "يا لهوي أقول إيه لابني لما يرجع؟ نظرت لها نعمة بسخط ونظرتها تقول: أهذا كل ما يشغل بالك أيتها المرأة؟

أخرجت نعمة هاتفها تهاتف زوجها. مرت ثوانٍ حتى استمعت لصوته. وقبل أن يكمل أخبرته بدموع شديدة أن يأتي لشقة أخته بصحبة رجال الإسعاف. أغلقت نعمة معه ثم سطحت ملك أرضًا وبدأت بعمل إنعاش لها. وضعت يديها فوق بعضهما على موضع قلبها ثم بدأت تضغط عليه بقوة وهي تناديها بدموع شديدة وبلا فائدة. أسندت رأسها على قلبها وهي تصرخ ببكاء مفجع تهمس بجانب أذنها بصوت منخفض حتى لا يصل حديثها إلى حماة ملك:

"ملك.. ملك أحمد هنا قومي وفتحي عيونك. هاجبهولك لحد عندك بس قومي أبوس إيدك." مرت عدة دقائق أخرى كانوا كالجحيم على رأس نعمة التي ما انضبت دموعها حتى استمعت لصوت سيارة الإسعاف. وتلاه صوت هادي المرتجف بالخوف الشديد على أخته. رفعت نعمة رأسها تقول: "بسرعة يا هادي يالا شيلها."

أومأ هادي بدون كلمة وانحنى يحمل أخته متجهاً إلى سيارة الإسعاف وهو يلعن المصعد الكهربائي الذي تعطل على سوء حظهم. كان يقفز على درجات السلم وهو يتنفس بصوت مرتفع ودموعه لمعت في عينيه. يرى وجه أخته الشاحب شحوب الأموات. حتى وصل أخيرًا إلى سيارة الإسعاف والتقطها منه المسعفون. صعد معها. تشبثت نعمة بذراعه والتي تبكي بقوة لرفض المسعفين وجودها معللين بأنه يسمح بمرافق واحد فقط. نظر لها هادي قائلًا:

"نعمة هاتي خالتي أم حسان والحقونا مفيش وقت. هانطلع على المستشفى اللي على أول الطريق يالا." ***** نظر لهم لحظات ثم عاد ببصره صوب الأوراق التي بيده. وبعد قراءتها، وضعها بهدوء على سطح مكتبه وشبك يديه ببعضهما يقول بنبرة هادئة: "أنتم متأكدين من قراركم ده يا أحمد؟ تبادل أحمد وحسان النظرات. رأى حسان التردد في عيني أحمد من ذهابه برفقته. ليتجاهل نظراته تلك ثم عاد ببصره صوب الوزير يقول بنبرة جادة: "متأكدين معاليك." تحدث

الوزير وهو يرمق حسان بقلق: "يا ابني أنت لسه عريس جديد وسمعت إنك مستني ابنك." عبست ملامح وجه حسان ثم اغتصب ابتسامة صفراء يقول بنبرة هادئة في ظاهرها: "شغلنا مفهوش عواطف وأنا عايز اتطوع وأقدم لهم الدعم وإن مت فابني هايكون فخور بأبوه." تنهد الوزير ثم نظر صوب أحمد الذي يلتزم الصمت: "وأنت يا أحمد؟ ضحك أحمد بخفوت يقول مبتسمًا: "وأنا إيه يا فندم؟ لا زوجة ولا أولاد ولا أي حاجة. أنا واثق من قراري، بس ياريت تمنع...

ضغط حسان على ذراعه بغضب شديد فأكمل أحمد بلا اكتراث بنظراته: "تمنع حسان من السفر، لأنه عنده بيته ومراته. أما أنا فـ زي ما بيقولوا على الله حكايتي وكفاية اللي عيشته لإنهرده أنا عايز الشهادة يا فندم." مط الوزير شفتيه يردد بصوت هادئ مشتحًا بقلق عليهما فهما من أكفأ ضباط الجيش لديه وخسارتهما فادحة كبيرة:

"والله إن جيت للحق أنا رافض إنكم تروحوا لوحدكم كدا وأنتم وراكم مسؤوليات كبيرة وأهل. بلاش توجعوا قلوبهم عليكم. أنت يا أحمد عندك أم نفسها تفرج بيك وحياة قدامك لسه، وأنت يا حسان فأنت مصيبتك أكبر. زوجة وابن وأم وأهل ها تحرق قلوبهم. وعلشان كدا مروركم أنتم الاثنين مرفوض."

ختم حديثه وهو يحمل شيئًا ما في يده ومال بجزعه العلوي ليطبع الرفض على ذهابهم في الأوراق التي قدموها. وقبل أن يلامس الختم للأوراق انتزعها حسان يقول بنبرة جادة وبإصرار غريب ملأ عينيه: "مع احترامي لقرارك يا سيادة الوزير بس أنا مُصر." "حسان اللي بتعمله ده غلط. دي عملية انتحارية ومش هشارك فيها ودلوقتي رجع الورق مكانه وعلى شغلك." أنهى الوزير حديثه ثم نظر لأحمد يقول بجدية: "عقل صاحبك يا أحمد." وقبل أن يفتح أحمد فمه للحديث،

قال حسان بثبات وهدوء غريب: "يا فندم الأعمار بيد الله ودي طبيعة شغلنا أصلًا. ما جايز ما أروحش وأموت بردو. الله عز وجل يقول في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ۗ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ وأنا عايز ثواب الآخرة وما أراده الله كان."

صمت الوزير متنهدًا بصوت مرتفع. ابتسم حسان بسمة واسعة ثم تقدم منه ووضع الأوراق على مكتبه يقول بمرح: "هاعتبر إن سكوتك هو علامة الرضا زي ما بيقولوا. شرفنا بتوقيعك يا باشا وادعي لنا نقدر نعمل حاجة ليهم ده دورنا أصلًا نقف معاهم ونساعدهم." وافقه أحمد في الرأي وهذا ما كان يسعى إليه. إلا أنه داخله خوف مبهم على صديق عمره. آفاق من أفكاره على حسان يسحب الأوراق من أمام الوزير بعد أن حصل على توقيعه.

وبعد مضي بعض الوقت كانوا يسيرون متجاورين. أحمد يضع يده في جيب بنطاله، وحسان يحمل الأوراق وينظر إلى تلاميذه بفخر واعتزاز وهم يتدربون بكل قوة. أتى إليهم محمد يقول وهو ينظر لهما بغضب: "عايزين تروحوا لوحدكم طب وأنا هاتسبوني لمين يا اندال؟ ابتسم أحمد مرددًا بنبرة هادئة وهو يربت على كتفه: "أنت لسه قدامك مشوار طويل وفرح بتجهز له. روح افرح يا محمد ومتوجعش قلوبهم عليك." طالعه محمد متهكمًا وهو يقول بضيق:

"والله شوف مين بينصحني؟ الاستاذ اللي رايح برجله للموت وأهلك مفكرتش فيهم وأنت يا أستاذ حسان، طب أحمد والحب لحس عقله خلاص وما دام خسر حبيبته يبقى يقتل نفسه، وأنت يا حسان عندك زوجة بتحبك ومستني ابنك وأم وأخوات مش عارف عقلك فين؟ أطلق حسان تنهيدة قوية ثم أولاهما ظهره وقال ببسمة صغيرة: "هاقولك زي ما قولت لسيادة الوزير، لكل إنسان أجل لا ينقص ولا يزيد. بعدين انتوا خلاص عرفتوا إني ها أموت ما يمكن أرجع."

توقف فجأة واستدار لهما يقول ضاحكًا: "بطلوا تفولوا عليا عيال واطية، جرى إيه يا ببلاوي أنت وهو أنتم ماشيين مع ميت ادفنوني وريحوني كاتكم القرف عيال كئيبة." قال حديثه وتركهم ورحل. نظر أحمد لمحمد بيأس وهو يقول:

"بحاول أقنع فيه مافيش فايدة منشف دماغه. وعلى رأيه يا محمد العمر لا بيزيد ولا بينقص اللي ربك رايده نافذ في آية جميلة جدًا بتمثل اللي حسان بيعمله ربنا سبحانه وتعالى بيقول ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ۗ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَـٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَـٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ سلمها لله مفيش مهرب من الموت."

نظر محمد إلى أثر حسان الذي ابتعد عنهم كثيراً يقول ببسمة واسعة: "ونعم بالله." ***** كانوا يقفون أمام باب الغرفة منذ وصولهم ولا أحد يخرج ليطمئنهم. زفر هادي بخوف وهو يراهم منكبين على البكاء، ليقول حانقًا: "خلاص عرفتوا أنها ماتت وقعدتوا تعيطوا ارحموني بقى واسكتوا شوية، ملك قوية وعايشة ولسه فيها النبض." صاحت والدته ببكاء وقلب أم مكلوم على ابنتها: "عايشة؟

أختك ميتة من زمان واحنا اللي مش حاسين بيها. كفاية بقى فتحوا عيونكم بنتي ميتة اللي جوه دي مش بنتي، بنتي ماتت من زمان. الإنسانه الضعيفة دي اللي بتصارع الموت جوه مش ملك، ملك راحت منا، راحت بنتي ماتت، ماتت ضحكتها ماتت أحلامها ماتت فرحتها السعادة مبقتش تعرفلها طريق خلاص، سيبني أعيت براحتي على بنتي، بنتي اللي مكنتش الضحكة بتفارق وشها بنتي اللي كانت شقية وعاملة دوشة في البيت إنما الساكتة دي على طول اللي عيونها تايهة مش بنتي، مش بنتي هاتولي بنتي."

أدمعت عيونهم من تأثير كلماتها حتى العاملين في المشفى. أجهشت نعمة في البكاء هي أكثر من شاهدت موتها أمام عينيها. ضيقت والدة حسان عينيها بضيق شديد من فحوى كلمات السيدة والدة ملك. ماذا تقصد بكلماتها تلك؟ أن ابنها مصدر تعاستها؟ لولا الموقف الذي هم فيه لكانت صاحت في وجهها ولكنها أم وتقدر حالتها لذا التزمت الصمت غصبًا. خرج في تلك الأثناء الطبيب يحدق في وجوههم بضيق شديد. تسارعت دقات قلب هادي من ملامح الطبيب العابسة:

"فيه إيه يا دكتور؟ أختي مالها؟ نزع الطبيب كمامته يقول بنبرة بها شيء من الحدة: "أنتم إزاي بالإهمال ده؟ البنت تعرضت لنوبة قلبية مفاجئة من كتر الضغط اللي عليها. فيه حاجة قوية مقصرة على نفسيتها، هموم وحزن كبير، ومبتاكلش أصلًا ولا جسمها فيه أي تغذية. ده أنتم لو بتعذبوها مش هتبقى دي حالتها. فيه جفاف في جسمها لا بتاكل ولا بتشرب مش فاهم خايفين عليها بالشكل ده وأنتم شايفينها بتموت قدامكم بالبطيء وساكتين؟

نزلت كلماته على رؤوسهم مثل الصاعقة. نوبة قلبية؟ جفاف وإهمال تغذية؟ ما هذه الكلمات الكبيرة؟ كل ذلك أخته تعانيه ولا يعلم عنه شيء. انفجرت نعمة بالبكاء والشهقات وهي تخفي وجهها بيديها. تقدم هادي من الطبيب يجر قدمه جرًا، وهو يقول بنبرة ضعيفة وهو بلا وعي أمسك الطبيب من مقدمة الرداء الطبي خاصته يهزه بعنف: "هي كويسة صح؟ قولي إنها كويسة؟ قولي إنها ها ترجع زي الأول." حاول الطبيب إبعاد يديه عنه وهو يقول:

"اهدأ لو سمحت، هي حاليًا كويسة وقدرنا نسيطر على النوبة بس مانضمنش المرة الجاية ها تلحقوها أو لأ. علشان كدا لازمها رعاية خاصة وأبعدوها عن التوتر وأي شيء يسبب لها الحزن." ارتمت والدتها على الأرض فاقدة للوعي. هرع هادي صوبها يصرخ بانفعالٍ شديد، في حين هتفت نعمة تستعجل بعض الممرضين لأخذها إلى إحدى الغرف. ذهب هادي معها بينما بقيت نعمة هي ووالدة حسان. قال الطبيب بهدوء شديد: "هي متزوجة صح؟ أكدت السيدة والدة حسان:

"أيوه هي حزينة علشان ابني مش معاها بحكم شغله هو ضابط في الجيش وبيغيب كتير وشكل ده ماثر عليها." "طيب ما تكلموه يرجع ياخد إجازة. وجود شخص بيحبه وبتحبه هيخليها تتمسك بالحياة وتقاوم اللي هي فيه." بصوت ضعيف للغاية، قالت نعمة: "ممكن أشوفها." نظر الطبيب إلى ساعته يردد بصوت هادئ:

"هي حاليًا نايمة ركبنا لها محاليل علشان نعوض سوء التغذية وبعد ما تفوق تقدري تشوفيها. بعد إذنكم وحمد لله على سلامتها بس رجاءً اهتموا بيها أكتر من كدا." شكرته نعمة ثم اتجهت لرؤية حماتها. حينما أوقفتها والدة حسان بقولها الذي ليس في وقته: "هي ملك مش مبسوطة مع ابني ولا إيه؟ "ها لا طبعًا مين قال كدا؟ اومال حالتها دي إيه لو... قاطعتها بحديثها الذي يعتريه الضيق ليس فقط في ملامح وجهها:

"بلاش لف ودوران يا نعمة كلام حماتك معجبنيش زي ما يكون ابني سبب تعاستها. ده أنا اللي على طول شايفة ابني مسهم وحزين وأنا ساكتة ومتكلمتش. لا شوفت فرحته بفرحه زي أي عريس، وحطيته في بطني وسكت. تيجي دلوقتي حماتك وتلقح على ابني أنا لما مقدرة حالتها كان هايبقى في كلام تاني." ابتسمت نعمة بسمة صغيرة وهي تقول: "يا ست الكل مفيش حاجة من اللي في دماغك وهي أم بقى ومعرفتش هي بتقول إيه؟ عن إذنك ها أروح أشوف حماتي."

تنهدت هي بضجر ثم جلست أمام الغرفة التي توجد بها ملك، وهي تفكر في شيءٍ ما. مرت من أمامها إحدى الممرضات أوقفتها من فورها تقول ببسمة صغيرة: "بقولك إيه يا بنتي، مفيش هنا دكتورة نسا؟ "فيه طبعًا يا حاجة دكتورة منى أؤمري." اتسعت ابتسامتها أكثر وقالت بهدوء: "الأمر لله يا بنتي، طب ممكن تاخديني عندها." رحبت الممرضة ببسمة صغيرة وهي تشير لها أن ترافقها: "طبعًا تعالي معايا يارب بس نلحقها قبل ما تمشي." ***** بعد مرور بعض الوقت…

فتحت ملك عينيها تنظر إلى السقف بتشوش. دارت بعينيها في الغرفة باستغراب شديد، جعدت جبينها بألم ثم نظرت عن يمينها رأت إحدى الممرضات تضبط لها المحلول المغذي. تحدثت بإعياء شديد ودموعها طفت على السطح، وهي ما بين الصحوة والغفوة: "أحمد… آه أنا فين؟ أنا عايزة أحمد، حد قالي إنه هنا." نظرت لها الممرضة مبتسمة ببشاشة تقول وهي تزيح حبات العرق عن جبينها: "حمد لله على سلامتك يا قمر، ثواني وهشوف حد من أهلك برا."

عادت ملك تهمس بدموع شديدة: "هاتيلي أحمد لو سمحتي، مش عايزة غيره." أومأت الممرضة بهدوء ثم ذهبت. وقعت عينها على السيدة أم حسان تجلس على إحدى المقاعد. اقتربت منها تقول ببسمة صغيرة: "المريضة فاقت وبتقول إنها عايزة تشوف... أتت في تلك الأثناء نعمة بعد اطمئنانها على حماتها، بينما ذهب هادي ليحضر لهم بعض الأطعمة والمشروبات. تقطع عليها حديثها وهي تلهث لتوقعها شيء كهذا. ابتسمت بتكلف تقول: "تمام أنا ها أدخل أشوفها الأول."

قالت الممرضة باستغراب: "بس هي طالبة تشوف... ومجددًا قاطعتها نعمة وهي تقول بنزق: "خلاص بقى ما هو مش هنا ده مسافر مش أنتِ قصدك تشوف جوزها مش كدا يا خالتي؟ قالت والدة حسان بتأكيد: "أيوه هو مسافر." طالعتهم الممرضة باستغراب شديد وحدسها أنبأها بأن من طلبت رؤيته ليس زوجها كما يدعيان، لكنها لم تملك سوى أن يومئ برأسها بصمت. ثم ذهبت من أمامهم بعدما أوصتهم بألا يجهداها. نظرت نعمة للسيدة والدة حسان:

"طيب يا خالتي أنا ها أدخل أطمن عليها ولو هادي سأل عني قوليله إن ملك فاقت." "لا خليه يستنى شوية أما الدكتورة تمشي وقتها يبقى يدخل يشوفها." ضيقت نعمة عينيها تقول بشك وهي من داخلها تتمنى ألا يكون ما خطر على بالها صحيحًا: "دكتورة إيه دي؟ ابتسمت في وجهها باصفرار وهي تقول: "دكتورة نسا وتوليد." أغمضت نعمة عينيها حدث ما كانت تخشاه. رفعت يدها تحك جانب جبهتها وهي تقول ببسمة مغتاظة: "اممم وهو ده وقته يا خالتي."

خفت صوتها وهي تقول بدموع وغصة تشكلت في حلقها: "وقته ونصه ادينا في المستشفى نطمن زيادة بقوا داخلين على الشهر الخامس وما فيش حمل، وأنا أم وعايزة أطمن على ابني، قدري حالتي أنا ها أموت على حفيد يا نعمة، حسان ها يسبني أنا حاسة وعايزة أثر منه يا بنتي، كل ليلة بدعي إنها تكون حامل كل ليلة بودعه كأنها الليلة الأخيرة وكل أملي يبقى ليه حس في الدنيا دي."

عضت نعمة على وجنتها من الداخل وهي تنظر لها بعينين دامعتين وبلا مقدمات أخذتها في حضنها لتجهش في البكاء أكثر وهي تقول: "شفت له رؤية في وقت صلاة الفجر كأنه بيودعني أنا قلبي حاسسني والله، إنها آخر مرة ها أشوفه." انتفضت نعمة من شدة البكاء، تربت على ظهرها بلطف وهي تغمض عينيها ولسان حالها يقول: "وآخرة الصمت ده إيه؟ إيه ها يحصل تاني، قلبي بيتقطع عليكم كلكم مش عارفة ألوم مين وكلكم مظلومين." ابتعدت عنها السيدة أم

حسان تمسح دموعها وهي تقول: "بصي أنتِ ادخلي اطمني عليها وأنا ها أروح أستعجل الدكتورة كانت في إيدها مريضة." تبسمت نعمة في وجهها وهي ترفع يدها تزيل دموعها المستمرة الهطول، ثم ذهبت إلى ملك. فتحت الباب وقفت خلفه تستند عليه بظهرها وهي تعض على يدها لتكتم أصوات بكائها. فتحت ملك عينيها ببطء وهي تستمع لصوت أنين باكي، لتقع عينيها على نعمة المنفطرة من البكاء. حاولت ملك الاعتدال وهي تقول بنفس متثاقل: "نعمة.. نعمة أحمد هنا؟

صرخت نعمة بتهكم شديد لأول مرة متجاهلة وضع ملك الصحي رامية بكلام الطبيب عرض الحائط: "داهية تاخده علشان نرتاح، كفاية بقى هنعذب مين تاني معانا في سكوتنا ده؟ الست الغلبانة اللي برا دي اللي أمنية حياتها يبقى ليها حفيد يعوضها عن ابنها، ولا حسان اللي أخذتيه سلم علشان تعدي وتخرجي من هوسك؟ هنظلم مين تاني بسبب حبك المريض ده؟

أحمد مشي يا ملك، هو محبكيش، هو خذلك واتخلى عنك، أحمد مات خلاص فوقي بقى وكفاية تعبتي نفسك وتعبتي اللي حواليكِ." شهقت ملك بقوة وهي تحاول التقاط أنفاسها بينما غامت عيونها بالدموع. تقدمت نعمة منها وهي تتابع حديثها والرؤية مشوشة في عينيها فلم تلحظ صعوبة تنفسها: "حماتك راحت تجيب لك دكتورة تكشف عليك تشوف ليه ما حملتيش؟ ها تقولي لها إيه؟ انطقي يا ما قولتلك ابعدي ها تندمي صدقيني، ماسمعتنيش عاندتي وشوفي نتيجة عنادك إيه؟

دمرتينا يا ملك دمرتي أم مغلوبة على أمرها، كل ثانية عايشاها في قلق وخوف واللي مصبرها تكوني حامل ها تعملي إيه دلوقت؟ ماتسكتيش سكوتك بيعذبنا لايمتى ها نفضل ساكتين لايمتى ها تفضلي ساكتة؟ كانت ملك مستمرة بالشهقات وأصوات تنفسها هي الطاغية. تنظر إلى نعمة بدموع وهي تحاول الحديث: "نـ..عـمـ.."

تنبهت الأخيرة على حالتها لتصرخ بخوف شديد وهي تنادي على الأطباء. دلفت الممرضة وبرفقتها الطبيب، بينما نعمة التصقت بجدار الغرفة مصعوقة مصدومة لقد قتلتها. وضع الطبيب جهاز الأكسجين على وجه ملك، التي غابت عن الدنيا وصوت حاد بات هو المسيطر على الغرفة صوت أنبأهم بتوقف قلبها. ظل الطبيب يصعقها بالصدمات الكهربائية مرة تتلوها مرة ومع كل انتفاضة لجسدها تزداد نعمة بكاءً وهي تدعي بصوت مرتفع والممرضة تحاول إخراجها من الغرفة بصعوبة.

****** بعد مرور أسبوع…… كانت تلازم فراشها كعادتها منذ أسبوع ترعاها خير رعاية. كل ثانية وأختها تمسك بيدها تقبلها وهي تقول ببسمة صغيرة والدموع في عينيها: "حبيبتي أنا آسفة آسفة كتير، عارفة إنه مش ذنبك بس سامحيني لأني انفعلت عليك كدا، افتحي عيونك يا ملك." ربت هادي على كتف نعمة وقال وهو يكبت دموعه فمنذ أسبوع وهي تستيقظ تتطلع لهم بشرود للحظات ثم تغيب عن الوعي: "كفاية يا نعمة أهلكت نفسك، ها تبقي كويسة إن شاء الله."

طالعته نعمة بعيون حمراء من البكاء: "أنا كنت ها أموتها مراعتش حالتها الصحية انفعلت عليها أوي يا هادي أنا آسفة آسفة كتير." تنهد هادي وهو يضمها إلى صدره: "اهدي الدكتور قال ممنوع التوتر هنا وإلا ها يخرجنا، أنا مش فاهم لحد دلوقتي ليه عملتي كدا؟ بتوتر شديد قالت نعمة وهي تستغفر الله في داخلها، باتت كاذبة محترفة:

"كنت… كنت بعاتبها على إهمالها في نفسها وإنها محكتلناش تعبها وكدا، أنت عارف بحبها إزاي وبعتبرها أختي الصغيرة وحصل اللي حصل." ضمها هادي له أكثر وأردف وهو ينظر لأخته بحزن: "ربنا يخليكم لبعض يا حبيبتي، أنا ها أروح أطمن على أمي وأجيلك." أومأت نعمة وابتعدت عنه. خرج هادي وهو يمسح على وجهه حينما وقع عينه على والدة حسان تجلس على إحدى المقاعد وهي تبكي بصمت. رق قلبه لحالها ووجد نفسه يسير باتجاهها قال بعد أن جلس بجانبها:

"مالك يا ست الكل؟ ها تبقي كويسة وزي القط معلش بقى الحب وسنينه وهي جوزها واحشها، أنا حاولت كتير أتواصل معاه مش عارف تلفونه خارج التغطية." بدموع وصوت ضعيف قالت: "ابني راح يا هادي، راح للموت برجله." ضيق هادي عينيه يقول باستغراب: "مش فاهم يعني إيه؟ "سافر بقاله أكتر من أسبوع هناك عند اللي ما يتسموا دول، علشان يساعد أهل غزة اتطوع هو وواحد صاحبه وراحوا والأخبار ما تطمنش شغالين قصف فيهم." أغمض هادي عينيه وهو لا يدري ما يقول؟

إن سمعت أخته بهكذا خبر فلن تنهض بعده، فكما يرى هو من وجهة نظر أن ما تعانيه أخته بسبب تلك الزيجة وسفر حسان المقارب على الشهرين. لدرجة أنه فكر بمجرد أن تتعافى يطلقها منه، يكفيها توترًا وخوفًا فليذهب هذا الحب المهم أن تبقى معه وتعود لها ابتسامتها. ***** بعد مرور شهر……

وهناك حيث الأصوات المكلومة والجثث المنتشرة في كل مكان والمنازل المحطمة، كانوا يتخفون أسفل الركام ملابسهم كساها التراب والدماء. أدمعت أعينهم من تلك المجازر التي يرتكبها الكيان الملعون في كل أرض وكل سماء، وكل كتاب أنزله الله عز وجل. تساقطت دموع أحمد بقوة وهو يرى أصدقائه أو الباقي منهم حيث تنتشر أشلاؤهم في كل مكان. ردد بصوت مرتفع يناشد الرحمن. "لطفك يا رب."

خرج من مكان تخفيه يحاول التغطية على زملائه ريثما يعبرون للجهة الأخرى حيث من المفترض مهمتهم إخراج النساء المخطوفات والأطفال.

كان يعرج بقوة وهو يسير أمامهم بلا خوف يحمل سلاحه في يده يطلق عليهم ودموعه على خده. نفذت الذخيرة منه وقام أحد الجنود الإسرائيليين بضربه بشدة على قدمه فوقع على الأرض يرفض الصراخ وإظهار ضعفه لهم. لم يجعله يرى منه سوى ابتسامة واسعة حينما رأى ملاكه تبتسم له وبيدها الناعمة تمسح له دموعه. همس هو لها بعد أن تلا الشهادة بصوت مرتفع: "بحبك يا ملك سامحيني."

ثم أغمض عينيه مرحبًا بالموت. ثانية ثانيتين ولم يشعر بشيء. فتح عينيه مصعوقًا وهو يرى حسان يقف أمامه متلقيًا تلك الطلقات بنفسٍ راضية بعد أن قتل ذلك الصهيوني النجس. نهض أحمد يصرخ بانفعالٍ صرخة شقت جدران المنازل ودموعه تهبط بقوة. يلتقط جسده بين أحضانه وهو يفتح فمه على آخره يصرخ صرخات متتالية وهو يجر جسده صوب أحد المنازل المهشمة يردد باستنكار: "ليه عملت كدا؟ كنت بأمن لك المخرج رجعت ليه؟ اخدت الشهادة مني يا حسان؟ ليه؟

سعل حسان بقوة وقال وهو يبتسم بسمة واسعة: "كنت عايزني أسيبك يا أحمد أنا أول ما خرجت الجنود ووصلنا للسجن وخرجناهم وملقتكش عرفت إنك رايح لهم وأول ما لقيت النجس ده ها يقتلك، كنت عايزني أغمض عيني وأمشي. لو أنا مكانك كنت ها تسيبني يا أحمد؟ شايفني ندل للدرجة دي؟ مسح أحمد على وجه حسان وهو يبكي بقوة يقول: "أيوه كنت خليك ندل وامشي، امشي أنا قولتلك أنا ميت من زمان يا حسان، لكن أنت... قاطعه حسان وهو يسعل قائلًا بنفس متثاقل:

"وأنا بردو طلعت ميت محدش أحسن من حد، متزعلش ده عمري يا أحمد والحمد لله إني ها أموت هنا وهموت موته شريفة ها أدخل الجنة من غير حساب…" صمت لثوانٍ ثم أكمل وهو يحاول الضحك: "ده أنا كنت عامل بلاوي يالا ربك ستر واديني ها أدخل الجنة شهيد، مفيش أفضل من كدا، ولا أحسن من دي خاتمة. ما تخلكش حقود ياض أنت وافرح لي من قلبي." أسند أحمد رأسه على رأس حسان يبكي بقوة وهو يضم جسده إليه ويده تضغط على مكان الطلقة:

"لا لا أنت مش ها تموت أنت ها تعيش يا حسان ها نروح الجنة سوا أنا مش ها سيبك تسبقني." رفع حسان رأسه للسماء يردد ببسمة واسعة: "الحمد لله يارب الحمد لله، قول لأمي متزعلش وتفتخر بيا، سلام يا صاحبي." صمت لثوانٍ وهو يشعر بثقل في لسانه: "ماتـ.. الوصية يا أحمد … الوصية كاميـر …" صرخ أحمد بأعلى صوته وهو يراه يردد الشهادة يشهق بقوة: "أشهد أن…. لا إله…. إلا الله…. وحده لا شريك له…. واشهد أن محمد…. عبده…. ورسوله."

تزامن ذلك مع دخول قوة عسكرية كبيرة أغلبهم من الضباط المصريين الذين أرسلهم الوزير لمساعدتهم ليبكي أحمد بكل طاقته وهو ينظر لوجه حسان الذي أغمض عينيه للأبد وعلى محياه ابتسامة عريضة: "في الجنة ونعيمها يا صاحبي، ربنا يرحمك يا حسان." ***** في مصر… بعد مرور يومينوتحديدًا في شقة حسان _رحمه الله _كانوا يجلسون في الصالة الرئيسية وملك تجلس معهم جسد بلا روح. استأذنت منهم ودخلت إلى غرفتها هي وحسان. ثوانٍ ولحقت بها نعمة قالت

بعد أن أغلقت الباب خلفها: "حماتك مصرة على رأيها ها نعمل إيه؟ الفترة اللي فاتت وأنتِ كنت تعبانة فاسكتت لكن فات شهر أهو الولية نفسها تطمن." جلست ملك على الفراش تقول بتعب: "كفاية سكوت وكدب بقى أنا بعد ما يرجع حسان ها أطلب الطلاق مش ها أقدر وإحساس الخيانة ده خانقني." تنهدت نعمة بصوت مرتفع ثم قالت باندفاع ناسية أن ملك لا تعلم أنه تطوع لمساندة الجيش الفلسطيني: "ملك حسان مش ها يرجع دلوقتي من غزة ويا عالم ها يرجع أو لأ."

توسعت عيني ملك بصدمة: "غزة؟ مين قالك إنه مسافر غزة، حسان في سينا بطلي هزار بقى." أغمضت نعمة عيونها وعضت على شفتيها تقول: "أنا آسفة إني مقولتلكيش بس هو بعد ما مشي من عندك سافر على غزة والأوضاع هناك مش مستقرة ربنا يستر بقى." شهقت ملك بدموع شديدة: "أنتِ بتقولي إيه؟ فجأة وصل إلى مسامعهم أصوات بكاء حادة. خرجوا من الغرفة مصعوقين وهم يرون حماتها السيدة أم حسان تسجد على الأرض مرددة بصبر واحتساب:

"ألف حمد وشكر يارب، ابني مات شهيد يا جماعة ابني مات شهيد وهو بيدافع عن الحق." كانت تزيد وتعيد في نفس الكلمات وهي تبكي بشدة، في مشهد جعل الجميع يبكي بقوة حتى الوزير نفسه الذي أتى خصيصًا لتعزيتها وأخذها للمستشفى العسكري وبعدها حضور الجنازة العسكرية في اليوم التالي. وقعت ملك على الأرض مغشي عليها من الصدمة. هرعوا جميعًا صوبها والكل ينادي عليها بخوف شديد أن تصاب بالنوبة مجددًا. وتحدث الوزير بقلق:

"براحة يا جماعة عليها ابعدوا عنها خلوها تتنفس هي واللي في بطنها." التفتت الرؤوس صوبه وأول من خرج من صدمته كانت السيدة أم حسان: "هي حامل؟ أكد الوزير والضابط محمد الذي يبكي بصمت يقول بنبرة ضعيفة: "حسان مقالش ليكم ولا إيه؟ هزت والدته رأسها تقول: "لا مقالش." نظرت صوب ملك تبتسم بسمة صغيرة وهي تبكي:

"ولا هي قالت أصل كانت تعبانة الشهرين اللي فاتوا دول، يالا الحمد لله ربنا كرمني باللي ها يعوضني عن ابني، ده أنا ابني مات شهيد، انتوا بتعيطوا ليه؟ ده شهيد." كانت تتحدث وهي منفطرة من البكاء، بينما نعمة تنظر بعدم تصديق إلى ملك الغائبة عن الوعي بين أحضان أخيها. ****** بعد مرور عدة ساعات في المستشفى العسكري…..

اتجه الوزير إلى المشرحة حيث أحمد الذي يحتضن جسد حسان يبكي بقوة وهو يستند برأسه عليه. منذ أن أتوا من غزة وهو لا يفارقه ولا استطاع أحد إخراجه. يقول له وهو يكبت دموعه: "أحمد امسك نفسك شوي، ادعي له بالرحمة والمغفرة وتعالى علشان تفتتح ال…" قاطعه أحمد يردف بنبرة خافتة: "مش ها أقدر، أنا مش مصدق إنه مات وسابني، سيبوني في حالي، حسان.. قوم رد عليا يا حسان ما تسبنيش لوحدي اتخبط بدونك، مين ها يفضل جنبي؟

وينصحني مين ها يخاف عليا زيك؟ مين ها يحبني ويفديني بحياته، قوم يا حسان بطل رخامة، قوم رد عليا أبوس إيدك، ما اتفقناش على كدا ما اتفقناش تسيبني وتمشي، خدني معاك يا حسان أنا ماليش حد هنا خدني معاك يا صاحبي." تساقطت دموع الوزير وسحبه من ذراعه بالقوة بينما أحمد يتشبث بجسده بكل قوته وهو يبكي وصوت بكائه قطع نياط القلوب:

"حــــــــســـــــــان لا سيبوني معاه هو مماتش، بيهزر معايا هو بيهزر ها يفتح عيونه دلوقتي وهتشوفوا قوم يا صاحبي، قوم طمني ورد عليا! من شدة تمسك أحمد بجسد حسان، كشف عنه الغطاء حتى منتصف معدته لتقع عينه على تلك الجروح مكان الطلقات. انهار أحمد أكثر يضع رأسه على صدر حسان، أغرقت دموعه جسده يصرخ بقوة، وبجواره الوزير يحاول إبعاده وهو يصرخ بانفعالٍ ليفيق أحمد:

"اهدأ يا أحمد بقولك، حرام اللي بتعمله ده، وقوم اطلع معايا أهله عايزين يشوفوه، صاحبك مات شهيد وبشرف متعذبوش بعمايلك دي امسك نفسك شوية." همس أحمد بوجع شديد يرفع رأسه لينظر إلى وجه حسان المشرق بالبياض وتلك الابتسامة تزين محياه ليبتسم بألم شديد، يقبل جبهته بدموع شديدة:

"هاجيلك مش ها تخلص مني، استناني أنا هاجيلك على طول، طول عمرك بتخاف من الوحدة، ها تدفن معاك في نفس القبر مش ها تخلص مني يا حسان، ها نشكي همومنا لبعض ونضحك على حظنا مع الحب، ها توحشني كتير قلبي واجعني على فراقك ومش مصدق نفسي إنك سبتني ومشيت."

هنا وأخرجه الوزير بصعوبة شديدة لم يعد يقدر على سماع حديثه أكثر، وهو يجره جرًا وما إن خرج أحمد من بوابة المشرحة ركض بكل قوته وهو لا يرى أمامه من الدموع لدرجة اصطدم بأحدهم وأوقعه أرضًا لكنه لم يتوقف حتى ليرى هل هو بخير أو يساعده؟ انحنى هادي يمسك بيد أخته المصدومة _لم ترى أحمد بالطبع ولا هو لاحظها _يرفعها عن الأرض وبجواره حماتها التي أخذت تقول بقلق شديد: "حصلك حاجة يا ملك؟ حاسة بأيه؟

لتنفجر ملك في البكاء بصوت مرتفع من إحساسها بالذنب. ضمها أخوها بقوة وهو يربت على حجابها: "اهدي يا ملك علشان اللي في بطنك اهدي يا حبيبتي دي آخر أمانة من حسان ولازم تحافظي عليها." بسمة موجوعة قالت حماتها وهي تؤكد على حديث هادي: "أيوه يا ملك أنتِ دلوقتي معاكِ أمانة ولازم تحافظي عليها لحد ما تسلميهاني، ودلوقتي قولي لي حاسة بحاجة؟ هزت ملك رأسها بعنف وهي تخفي رأسها في صدر أخيها.

وصلوا أخيرًا إلى بوابة المشرحة دخلت والدته أولًا، تجلدت بالصبر أمامهم ولكنها هنا مع ابنها انفجرت بالبكاء والصراخ. أخذت تقبل كل إنش في وجهه وهي تضمه إلى صدرها تحاوط عليه وهي تقول: "حبيبي يا ابني ياريتني موت ولا شوفتك كدا يا حسان، بردان يا ضي عيوني، أمك ها تدفيك، متخافش ابنك في عيوني ها يتربى معايا في حضني هو ده اللي ها يعوضني عن غيابك، في الجنة يا نور عيني في الجنة إن شاء الله، أنا مش بعيط أنا فرحتلك من قلبي."

ضمته إلى حضنها وأخذت تشم رائحته وهي تبكي بقوة. ظلت على هذه الحال بضع دقائق أخرى، تارة تقبله وتضمه وتارة تبكي على صدره، وهي تردد ببحة صوت ضعيفة: "قتلوك الانجاس دول، ربك مش ها يسيبهم ها ينتقم منهم أنا واثقة، ها توحشني كتير يا قلب أمك، مش ها أنساك أبدًا، هاجيلك على طول، مع السلامة يا حبيبي سلم لي على أبوك لحد ما أجبلكم." دخل في تلك الأثناء أخوات حسان منفطرين من البكاء خرجت والدتهم واستندت على الحائط وهي تكبت دموعها.

وعلى مقربة منهم كانت ملك تجلس على الأرض منفطرة بالبكاء كيف ها تقابله بأي وجه؟ بعد مدة خرج أخواته وجلسوا بقرب والدتهم التي أخذتهم في حضنها وتابعوا بكائهم. وقفت ملك توليهم ظهرها وهي تقول بدموع: "لا مش ها أقدر أشوفه." أتى إليها هادي حيث ذهب ليحضر لها بعض العصير فوجدها تتجه له وهي تبكي وتهز برأسها تقول: "مش ها أقدر أشوفه مش ها أقدر آه يا قلبي." مسح هادي على وجهه بلطف يقول:

"معلش يا ملك ادخلي ودعيه عارف الموضوع صعب عليك بس دي آخر مرة ها تشوفيها راجعي نفسك." حركت ملك رأسها برفض وهي تبكي بقوة: "لا مش عايزة مش عايزة." كانت خائفة من الدخول ورؤيته شعور الذنب يقتلها. وبعد خمس دقائق…. نجدها تقف أمامه ترتعش وتبكي بصوت مرتفع، وهي تتمسك بيد أخيها هادي. اتجهت صوبه تقول بنبرة ضعيفة وهي تهمس بأذنه كلمات غير مترابطة:

"حسان أنا آسفة آسفة كتير سامحني، الله يخليك سامحني، أنا حبيتك على فكرة يمكن مش زي ما أنت بتحبني بس مكنتش بكرهك، أتمنى تسامحني، عارفة إني زعلتك كتير وموت وأنت مضايق مني ويمكن بقيت تكرهني، سامحني أبوس إيدك، اغفر لي غلطي في حقك وسامحني آه يا وجع قلبي عليك." ختمت حديثها وهي تقبل جبهته بدموع ثم اتجهت إلى حضن أخيها منهارة في البكاء. ****** اليوم التالي……. تم عمل جنازة عسكرية تليق بالشهيد حسان _رحمه الله

_وحضر الجنازة جميع الضباط والجنود الذين تولى تدريبهم والقيادات العليا في البلد. تقدم الوزير ليلقي كلمته وهو يتحدث عن إنجازات حسان ونزاهته وتفانيه في العمل وعن تضحيته النبيلة لإنقاذ زميل له من بين براثن العدو، مظهرًا بسالة وشرف وشجاعة قوية وتمكنه من قتله في النهاية حتى وإن خسر حياته في المقابل. ختم حديثه وهو يقول: "ادعوا له بالرحمة والمغفرة."

تم تقديم وسام الشرف للسيدة أم حسان بحضور رئيس الجمهورية. وحينما أرادوا تقديم وسام لزوجته رفضت ملك الحصول عليه فهي لا تستحقه حتى الآن لا تصدق بأنه مات نزلت دموعها بقوة وشعور بالذنب يقتلها. مات حسان وتركها مع كذبة وأمل زائف لا تدري كيف تخرج منه؟ لعلكم تتساءلون عن أحمد، كان يجلس بجوار التابوت الموضوع فيه حسان يتحدث معه وكأنه ما زال على قيد الحياة. وبجواره محمد ذا العيون الحمراء وضع يده على كتفه:

"اهدأ يا أحمد وأمسك نفسك صاحبك مات بطل، أعتقد خلصوا يالا علشان صلاة الجنازة." ******* بعد مرور شهرين على وفاة حسان…… كان أحمد يجلس في المسجد وأمامه إمام المسجد الذي ينتظر ما سيقوله؟ ولما طال الصمت قال هو وهو ينظر إلى ساعة يده: "ها يا ابني هتفضل ساكت كدا؟ ورايا كتب كتاب، ومناقشة في المؤتمر." ابتلع أحمد ريقه يقول بنبرة هادئة: "هي وصية الميت حكمها إيه؟ "واجبة التنفيذ طبعًا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...