الفصل 1 | من 12 فصل

رواية السيد وسيم الفصل الأول 1 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
24
كلمة
2,352
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

مع رذاذ المطر المتناثر على النافذة الزجاجية الكبيرة والهواء البارد الذي انتشر بقوة معلناً عن بداية الشتاء لهذا العام، كان صقيع هذه الليلة خفيفاً ولم يكن الجميع مستعداً لهذا. لذا، فالأغلب لا يزال يرتدي ملابس صيفية داخل شركة الإلكترونيات الخاصة بالسيد "وسيم الهجري".

شاب في منتصف الثلاثينات يمتلك إرثاً كبيراً من أسرة والده السعودية، حيث كان ابناً لأم مصرية وأب سعودي، والوريث الشرعي لعائلته بعد عمر كامل من الصناعات في المملكة العربية وجولات حول العالم، انتهى به المطاف أن استقر بالقاهرة بعد عمر طويل قضاه بين مصر والدول الأوروبية لدراسته هناك.

حياته أشبه بالحلم الذي لم يكن يصدق، حياة ممتلئة بالرفاهية والترف والجنون والمغامرات المثيرة. أما هو، فكان أسطورياً. امتلك أجمل الملامح المشتركة من أم مصرية من الشرقية وأب عربي أصيل، حيث الشعر الفاحم والعينان الزرقاء كالبحر الهادي في إبداع مهيب، يحاوطهما قوس من الشعر الأسود المتناسق والمصفوف بإنتظام كالطابور العسكري. والفم مكتنز شديد الحمرة والبشرة برونزية متميزة، مع طوله الفارع وعضلاته المشدودة وأناقته المتجددة تجعل العين تقع أسيرة له من الوهلة الأولى.

فتح باب مكتبه ليخرج إلى صف العمل بكامل هيئته المهيبة. وبمجرد مروره في صف المكاتب بطريق خروجه، خطف أنظار كل العاملات. ورائحة عطره الثمينة تسبقه وتستقر من بعده. خطواته كانت واثقة، تمتلئ بالغرور، يعرف قدر نفسه ويشعر وكأنه طاووس في انعكاس نظراتهم إليه.

قميصه الخفيف والذي يبرز عضلاته بدقة، والأزرار المفتوحة من الأعلى تشف وتصف كم هو مغتر بنفسه. لم يمنعه هذا المطر الخفيف من زيارة الملهى. ركب سيارته الخاصة واتجه إلى مكانه المفضل ليهرب بعد يوم طويل من العمل.

جلس على أريكة وثيرة في أحد الزوايا التي تمكنه من مشاهدة مسرح العرض، والذي تعتليه مطربة معروفة للغناء. عينه الزرقاء كانت شارده، غير مهتم بشيء. يحتسي كأساً من مشروبه المفضل، يمسكه بأطرافه بإهمال ويحدق في اللاشيء. ويحك طرف شفاهه السفلية. "إيه يا وسيم سرحان في إيه؟ قالها صديقه "معتز" وهو يميل إليه. وبرغم سماعه له، إلا إنه لم يلتفت، مما جعل صديقه يقول ضاحكاً: "يبقى مافيش غيرها اللي لما بتركب دماغك بتخليك مش هنا."

"حلا عصام" اسمها هو ما جعله ينتبه ولمعت عينه. أوضحت كم هي مسببة له إزعاجاً شديداً وانقلاباً تاماً في عقله. مال بجذعه؛ ليضع الكأس على الطاولة القريبة وهتف بنبرة صوته الخشنة: "مش بترد من وقت ما خلصت الحلقة على الهواء." ضحك "معتز" والذي كان يعرف عنه كل قصصه وحكاياته، والوحيد الذي يتحدث معه بأريحية:

"ما يمكن مشغولة. انت عارف إنها في قمة نجوميتها الفترة دي. دي "حلا عصام" اللي مافيش منصة ما بتتكلم عليها، المذيعة اللي البرامج الإذاعية كلها بتستضيفها." نظرة خاطفة من "وسيم" جعلته يتراجع عن سرد إنجازاتها، فغير مجرى الحديث قائلاً: "طيب شوف "نهال" دي، ما بطلتش تبص عليك وهي بتغني." أشار نحو المطربة التي تعتلي المنصة، ولكن "وسيم" نفخ دون اهتمام، وكأنه وعاء وفرغ منه تماماً ولا يريد أن يرى في أي حاوية نفايات سقط.

عاد ينظر لهاتفه ويتلصص على الملف الشخصي بها بترقب لكل ثانية ترفع بها حالة أو تحديث جديد. شخصت عيناه بضيق عندما رأى صورتها التي نزلت من 15 دقيقة بفستان أسود أسفل الركبة ومفتوح الصدر يبرز مفاتنها. أثارت جنونه وجعلته يجز على أسنانه. قرأ في عجالة بصوت هامس: "أمسية رائعة في فندق... " لم يكمل. وثب من مكانه وهتف لمعتز صائحاً: "معتز يلا بينا! سأله معتز بدهشة: "في إيه يا وسيم؟ لم يجبه، فما كان منه إلا أن تبعه هاتفاً بتأفف:

"يا عليك يا وسيم! في أقل من ساعة كان على يخطو بخطواته الرنانة إلى الفندق. لم يعمدها شخصياً، بل عرف وجهته ومر من جوارها. حضوره جعلها فوراً ترتبك. تعرف أنه لن يقتحم أبداً مجلسها، لكن سيجلس بطاولة قريبة وسيشتتها دون النظر نحوها. ارتجفت ريقها وسمعت صديقتها تميل إلى كتفها قائلة معتقده أنها لم تراه: "وسيم هنا يا حلا." حركت رأسها بثقل وهي تحاول لملمت أعصابها، ثم هتفت هامسة: "شفته." تلاحت "لبنى" بصوت عنيف رغم انخفاضه:

"ما تخلصي بقى من الحكاية دي. دي كانت حلقة مهببة اللي عملتيها معاه." زاغت عيناه البنية في اليمين واليسار وردت بإستسلام: "هتخلص إزاي؟ تتمتع "حلا" بجمال براق يخطف الأنظار، عينها البنية وبشرتها البيضاء وشعرها المنسدل مع قوامها الممشوق كان سبباً في نقلها من قاع الهرم لقمته في لمح البصر. عشقتها الكاميرا مع أول ظهور لها، وفُتحت لها أبواب الشهرة بكل سهولة ويسر، وانتقلت هي ووالدتها من الحضيض إلى أرقى الأبراج السكنية. "لبنى"

رمت نظرة عليه وعادت تقول: "مش بيبص ناحيتنا. عامل نفسه مش جاي لينا أصلاً. أراهن ثواني بالظبط وكل اللي على التربيزة هيندهوا عليه، أول ما يعرفوا بوجوده." سقط منه الكوب وأحدث ضجة فجذب انتباه الحاضرين، وعلى الفور نهض أحدهم بسعادة وفرح ليدعوه بحرارة. مما دعت "لبنى" أن تقول بإزدراء: "شوفتي! هتف أحد الشخصيات الهامة والذي نهض خصيصاً ليصافحه ويدعوه: "باشا منور الدنيا." ابتسم له "وسيم" ابتسامة واثقة ورد برصانة:

"بنورك يا أستاذ مجدي." هتف برحابة: "اتفضل اقعد معانا." استأذن "وسيم" بلباقة وهو يحافظ على ابتسامته: "لا مش حابب أضايق حضرتكم، خليكوا على راحتكم." قال مجدي بدهشة: "معقول في حد يضايق من "وسيم باشا"؟ انت بتحلي أي مكان."

نهض وكأنه مجبراً على مجاملته. تحرك هو وصديقه نحو الطاولة التي تجلس بها وقلبها يخفق مع كل خطوة يقترب بها نحوها. وصل وابتسامته العريضة ترتسم على شفاهه ومد يده ليصافحها وضغط على يدها بلطف وكأنه يضغط على لغم. استدار دون اكتراث لوجهها الذي وهج به حمرة الخجل؛ ليصافح باقي الحضور بلطف وحفاوة. الحقيقة أنه كان لحضوره هيبة ولطافة بمثابة فاكهة الطاولة، يوزع الابتسامات والاهتمام سواء بالنظرات أو بالإنصات وتبادل الأحاديث. ينصت باهتمام ويلقي النكات إن أتى دورها، وغير مسار الجلسة العملية إلى أخرى في منتهى اللطافة والخفة.

كانت "حلا" بينهم كالعادية وكأنها لم تكن هي أساس الجلسة هذه قبل مجيئه. وجه إليه "مجدي"، أحد المنتجين الكبار، سؤالاً لم يستطع حبسه: "ما بتفكرش تمثل؟ ضحك "وسيم" وكأنها دعابة وقال ببساطة: "وأنا أمثل لي؟ صاح مجدي باندهاش: "يا خبر أبيض! انتوا ماعندكمش مرايات في بيتكم يا ابني؟ دا انت ماشاء الله كأنك متفصل للشاشة." أيده أحد الحاضرين وقال:

"دا غير إن الكاميرا بتحبه. الحلقة اللي عملها مع "حلا" مسمعة لحد النهارده. دا بقى فتى الشاشة الأول، ورائج على محركات البحث." حافظ "وسيم" على ابتسامته ورد ممتناً: "دا من ذوقكم بجد، إنما أنا حد عادي والمهنة دي ليها ناسها اللي يقدروا يأدوا فيها بجهودهم أفضل أداء." هتف مجدى معجباً بعقليته الفذة: "يا سلام على تواضعك." صديقه كان يميل لرفع منه أكثر وتلميعه، فتدخل ممسكاً بهاتفه:

"يا أستاذ مجدي، مشاهدات الحلقة تخطت العشرة مليون. دي عمرها ما حصلت في تاريخ البرنامج." فتح هاتفه ليريهم آخر ما توصلت له الأرقام، وعندها رفع "وسيم" يده ليقول مقاطعاً صديقه: "مش نجاح ليا لوحدي، أكيد أستاذة حلا مشتركة فيه."

ألقى نظرة ثاقبة إليها جعلتها تبتسم بسعادة بهذا الشعور الحافل من رفع معنوياتها. وهذا ما جعله هو الآخر يبتسم ابتسامتها، وكأنها الشمس بعد سنوات من الغيم والمطر. التفت بنظره للموجودين حتى لا يلاحظ أحد نظرات الإعجاب والهيام البادية عليه. أما هي، فكانت سعيدة أنه شاركها في حديث كانت هي مصدره قبل حضوره، ليعيد التذكر لأذهانهم حضور "حلا عصام". تحدث مجدى بإنتباه: "ومين نجمة زي نجم "حلا عصام"؟

احنا في انتظار موافقتها تطلع معانا ضيفة شرف في الفيلم الجديد." نظر لوسيم وقال يرجوه: "اقنعها معانا يا وسيم باشا." نظر لها بصمت لعددة دقائق، فإرتبكت من نظراته كالغزال الذي سقط في شباك الصياد. فاللعنة الكاملة في النظر في عيناه، التي تشبه في سحرها البحر الهادئ. بعد مدة انفرد بها، حتى هي لا تفهم كيف حدث هذا؟! جلست معه وبدأ هو الحديث بثقة: "كفايا يا حلا تتهربي مني، أنا عارف إنك محتاجاني أكتر ما أنا محتاجالك." هتفت وقد زاد

تشتتها بين رفضه وقبوله: "وسيم، أنا فعلاً موافقة نرتبط، لكن طريقة الارتباط مش مناسبة ليا." هز كتفيه دون اهتمام وتلفظ بحنق: "أنتِ مش لسه صغيرة يا حلا، ولا أنا قليل. أنتِ عارفة إني أكتر حد آمن تسلميلي نفسك وتطمني معاه. أنا مش جاي من الشارع أو مش عارف الأصول." عقد يديه أعلى الطاولة التي تفصلهم وأضاف:

"أنا هدخل البيت من بابه. مامتك ومامتي هيعرفوا، أهلي واهلك هيبقوا عارفين، وكمان أختي "كارما". تقدري تقوليلي إيه يهمك بباقي الناس؟ "وبعدين احنا الاتنين مش في مصلحتنا نعلن جوازنا للصحافة والإعلان." حديثه زادها حيرة، اقتنعت رغم أنه ضد رغبتها كلياً. شهور وهي معه على نفس الحالة يكرر طلبه بشروطه ويغريها بالعروض. قلبها ميال له، لكن الشروط التي تتقيد بها هي ما تجعلها ترفض تارة وتميل للقبول تارة. هتفت بتردد:

"ماهو أكيد الناس هتشوفنا واحنا مع بعض، وبما إننا مش نفس المجال، متخيلة كم الإشاعات اللي هتدمرنا أكتر؟! حاول أن لا يخسرها وهو يحاول بشتى الطرق إقناعها، فهدر مطمئناً لها: "ما تقلقيش من دي. سيبهالي، أنا هحافظ على شكلك. ويوم ما أحب أخرج أنا وانتي هحجز المكان كله لينا، ولو حبينا نسافر هاخدك في جزيرة لوحدنا." وقد بدأ ينجح بعدما تغيرت لهجته لتهديد مبطن:

"مش هفضل أتحايل عليكِ كتير. أنا كدا هحس إني قليل أوي عليكِ، وأنا عمري ما حد حسسني كدا ولا عملت معاه اللي عملته معاكي. يا توافقي حالا، يا عمرك ما هتشوفي وشي تاني ولا هضايقك تاني، وأي مكان هنتقابل فيه هسيبه فوراً."

انتفضت من هذا القرار الصارم، فهي أيضاً لا تريد خسارته. "وسيم" شخصية جذابة وساحرة تتمنى أي امرأة في الوسط أن تحظى برفقته ولو لليلة واحدة ودون شروط، ما بال هو يحبها ويطاردها لشهور معلناً حبه وملقياً بقلبه بين يديها، ويوقفها شرط أحمق غير مهم، وهو الإعلان للجمهور. فاليحترق العالم، الأهم الآن هي سعادتها.

قلبها الصغير أحسها على القبول وانساقت لرغبتها بالعيش مع حبيبها والتنعم في تمائم الحظ التي تتوالى عليها، ووسيم أكبر حظ ممكن أن تمتلكه. وبما أن والدتها على علم بطلبه وموافقة، والأمر كله متوقف على رضاها، فحركت رأسها بالقبول وهي تنظر له بخجل معلنة قبولها. ابتسم، فكادت تهلك من فرط وسامته. لأول مرة ترى إنسان يمتلك من الوسامة هذا القدر، وبكل ما تحمل الكلمة من معنى. هتف "وسيم" بسعادة وهو يمسك بيدها بلطف وحنان بالغ:

"أوعدك يا حبيبتي إن حياتنا هتكون جنة، وأنتِ الأميرة اللي فيها."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...