تم الزفاف في حضور رفقة قليلة من الأصدقاء والأقارب، وسط احتفاء الجميع. رغم أن "حلا" كانت تتمنى فرحًا كبيرًا يتم بشكل يليق بنجوميتها وبفرحة شبابها الأولى، وتحقق أحلامها التي راودتها من وقت ما سلط عليها الضوء.
حفل أسطوري بأشهر الفنادق يستمر صداه لعدة أيام، ويتم عرضه في بثوث تلفزيونية عبر الشاشات، وفستان أبيض منفوش مصمم في أرقى بيوت الأزياء، عوضًا عن هذا الفستان الأبيض البسيط. ولكن حبها وانبهارها بـ"وسيم" جعلها تتنازل عن كل شيء في سبيل أن تكون معه.
الكل بات يحسدها عيانًا بيانًا، ومن لا يحسدها على "وسيم الهجري" الرجل المذهل الشبه كامل والخالي من العيوب. يمتلك الأصل والحسب، والنسب، والجاه، وفوقهم وسامة تأسر العقول وتفتن القلوب. انتقلت معه بخفة الفراشة إلى شقتهم التي انتقاها لها بأحد الأبراج السكنية الشهيرة. "في شقتهم" تحدثت بحماس وهي تجلس أمام المرآة تفك أطراف شعرها وتمسح بقايا المكياج عن وجهها: -شفت أصحابي، هيتجننوا مش مصدقين إننا اتجوزنا بالسرعة دي؟
كان يسند على طرف قطعة خشبية عالية تحمل فوقها عدة زجاجات، يرتدي قميصه الأبيض ولا تزال ربطة العنق ملتفة حول عنقه بفوضوية، محتفظًا ببنطاله الأسود الأنيق، وتتطاير خصلاته الفحمية على جبهته مما أعطاه مظهرًا غاية في الجاذبية. يوزع نظراته بينها وبين انشغاله بسكب شرابه، لكنه كان ينصت جيدًا، وبدأ بالتفاعل متسائلًا: -مش مصدقين إننا اتجوزنا بسرعة ولا إنك اتجوزتيني أنا؟
ابتسمت بخفة وهي تنظر لانعكاسه بإعجاب، ثم أكملت إزالة آثار المواد التجميلية عن وجهها بخجل أعطاه الإجابة الكافية.
كانت "حلا" اسمًا على مسمى، جميلة الملامح، بيضاء اللون، وعيناها واسعتان وكأنهما بحيرة صافية في الخريف، قزحيتها عسلية اللون، وحاجبها متناسقان وأنفها مرفوع. وجمالها أخاذ دون تدخل جراحي، وما كانت المواد التجميلية تضيف لها شيئًا بل تبرز جمالها أكثر، ويجعلها تظهر على الشاشة ببريق مميز فتعشقها الكاميرا كما عشقها الجمهور. سألها "وسيم" وهو يضم حاجبيه مستنكرًا: -أنا ما شفتش باباكي عصام، هو فين؟
ارتبكت قليلاً عندما حضر اسمه، ثم استعادت توازنها وحاولت قدر الإمكان أن تفصح دون خجل عن جزء من حياتها مخبأ: -هو منفصل عن ماما من زمان وتقريبًا مقاطعنا، ولما بلغته يحضر رفض. ترك ما بيده واتجه صوبها عندما التقط نبرة الأسف في صوتها. أمسك بيدها ثم دعاها لتقف، ووضع يدها بين كفيه ثم قبّلها بعمق وهو يقول: -ما تزعليش يا سكرتي، أنا هبقى لك كل الناس، أنا مش هعمل حاجة غير إني أسعدك وبس.
رغم أنها خجلت من هذا التقرب وتلك القبلة التي لم تجربها من قبل، إلا أنها سعدت بحديثه اللطيف وتقديره لمشاعرها ومحاولة الاصطفاف بصفها دون علمه بكامل الجوانب المؤدية للخلاف بينها وبين والدها. هتفت ممتنة للطفه بفرح: -ربنا يقدرني وأسعدك يا وسيم. نظر لها بعمق ثم عاينها بعينيه الصافية وفمه يبتسم كالمقبل على وجبة شهية، وقال بهدوء: -أنا طريق سعادتي بسيط أوي يا سكرتي. أضاف نظرة بريئة في نهاية الجملة ثم أكمل: -الطاعة.
استمعت للكلمة جيدًا لكنها لم تستوعبها. حاولت تدرك ما قاله، تعرف أن كل الرجال يحبون الطاعة، لكن نحن في ألفية متقدمة لفرضها بشكل سيادي، فأصبح العوض عنها التفاهم والحوار وتبادل الآراء، خاصة لو كان الطرفان يمتلكان نفس القدر التعليمي أو حتى التكافؤ الاجتماعي. رددت متسائلة: -الطاعة! أجاب وهو يؤكد بنبرة أشد قوة: -الــطـاعـة، الــعـمــيــاء.
انتفضت عندما شد قبضته على خصرها تزامناً مع آخر كلمة. ظلت تنظر إليه برهبة وما عرفت الفكاك من قبضته، ولا فهمت قصده. الأمر لا يجري كهذا في أول ليلة لهم، اتفاق كهذا يحتاج مدة طويلة من النقاش والفهم. ويتضح أنه لا يريد هذا، يريد إجابة واضحة على سؤاله، يحسها بعينيه على قولها ويترقبها من بين شفتيها. -موافقة يا سكرتي ولا نرجع بيت ماما حالاً.
بدت كالمقيدة بالطبع، لن تعود لوالدتها في يوم كهذا، لكن أيًضا لا تفهم ما السر وراء كل الإصرار على الإجابة الآن. حاولت التقاط أنفاسها بصعوبة من قبضته التي تسحبها بقوة؛ لتلصقها بصدره وتضيق أنفاسها، لكن لم يكن هناك متسع للإفلات، أو حتى التفكير. بالنهاية أمامها خياران: إما أن تجاري الأمور وتمضي ليلتها الأولى بسلام، وإما أن تعود أدراجها لبيت والدتها وتعلن فشلها من أولى ساعات الزواج.
وهذا غير منصف بالمرة، وبما أنها لن تمضي عقدًا إلزاميًا بهذا، هتفت على مضض بعد إلحاحه متسائلاً: -موافقة يا سكرتي؟ -مـ... مـوافـقـه. ستة أحرف بائسة لن تنساهم أبدًا. أفلت يدها أخيرًا، ولكن ابتسامته المتوهجة اتسعت، يبلغها مدى رضاه بتلك الكلمة، قال مشيدًا بها: -عاقلة زي ما توقعتك. تعجبت من كلماته وخيل لها لبرهة أنه كان اختبارًا سريعًا لها، أو حتى دعابة لطيفة كما يعرف عنه أنه رجل النكات والفكاهة.
لم يسمح لعقلها بهدر مزيد من طاقته وقرر إبهارها بإمكانياته الهائلة في الجذب. علق عينه على بؤبؤ عينها وراح يفتح أزرار قميصه؛ ليكشف عن عضلاته بهدوء وروية كعارض يعرف حجم تأثيره. وهذا فعلاً ما يتصف به الجسد البرونزي المقسم والمفتول واللامع، يبدو كمن صرف عليه أموالاً طائلة وجهدًا طويل ليصبح بهذا التناسق. وحصل على ما أراد، الانبهار الذي انبثق من عينيها، يكاد يقرأ أفكارها، أنها تقسم بداخلها أنها لا تصدق أن كل هذا ملكًا لها.
لاحظ كيف ازدرقت ريقها وتحركت حنجرتها، وشخصت بصرها تجاهه دون محاولة حتى الإحادة أو تدخل الحرج. مما دعاه يقول بفضل: -إنتي تستحقي فعلاً إنك تنالي شرف قربي منك. حديثه محير، لكن ماذا فعلت قبل أن تدخل معه لتلك الشقة؟!
ألم يكن عقد زواج مبرم أمام المأذون والشهود وجمع الأصدقاء والأقارب. إنه جريء يقول ما يفعل، لكنه يقول بطريقة خبيثة، وكأنه يمهد لشيء ما. وعقلها الآن متوقف عن العمل، بل الحرج يتقاتل مع العقل، واللهفة مع الحكمة. تضاد المشاعر هذا سيهلكها. لولا يده التي امتدت؛ لتنتشلها من كل هذا بساعديه القويتين، لنسيت اسمها.
أعادها لأحضانه التي ضاعت بها بسبب صغر حجمها أمام طوله الفارع وعضلاته الممتلئة، وكأنها ذبابة وقعت بشباك العنكبوت. واختتم بقول هامس أمام أذنها بحرارة: -ســكــرتـي. لم يخطئ في التشبيه تمامًا، كالسكر ذابت واختفت بين يديه. استيقظت بالصباح وفورًا أن فتحت عينيها، تذكرت أنها الفتاة الأكثر حظًا بالحياة لحصولها على كل هذه السعادة.
ابتسامتها طفت على وجهها فورًا، تحسست عنقها وشفتيها. لقد سمعت منه كلامًا لم يطرأ على مسامعها أبدًا وعاشت معه مغامرة لم تسمع عنها في أساطير الحب ولا قرأت عنها من قبل، بل استثناء.
وكانت كلمة "سكرتي" التي أطلقها عليها أشبه بالتعويذة. كلما حضرت، كلما تبعها سيل من العواطف والمشاعر الجياشة، والتي تزرع فيها مدى حبه وعشقه لها. لم تحلم أبدًا أن تجد شخصًا يعشقها بهذا القدر، ولا تقابل رجلاً مثل "وسيم" بكل مواصفاته هذه لها وحدها، رجلًا ينطق من الكلام ما يجعل الحجر يذوب والحديد يلين. عدلت خصلاتها وتمطت برقة في الفراش، وكأنها لم تستيقظ بعد، لتنعم بسيل كلماته العذبة التي لا يكف عن مغازلتها بها.
تحسست الفراش تبحث عنه فما وجدت إلا مكانه فارغاً. رفعت ظهرها ونهضت من نومتها لتتحقق من وجوده بالغرفة، لكنه أيضًا كان غير موجود. حاوطت جسدها بالملائة؛ وغادرت الفراش؛ لتبحث عنه بالشقة، ولكن لم يكن له أثر. حدقت بالساعة والتي أشارت للساعة الثانية ظهراً، وعادت إلى حمام الغرفة لتتحمم وتنتظره والعجب يملؤها. غريب غيابه في ثاني يوم زواجهم، لكن قيل في المثل "الغايب حجته معاه".
أخيرًا وعند الرابعة ضرب جرس شقتها، فهرولت نحوه كالمجنونة. لقد تجاهل أكثر من مائة اتصال منها حتى بات الهاتف مغلقًا ولا تعرف كيف تصل إليه وتطمئن. سرعان ما حلت الخيبة على وجهها عندما فتحت الباب ورأت أمها ماثلة أمامها. "رحاب الخضري" امرأة في نهاية الأربعين ولا تزال تتمتع بقدر فائق من الجمال. انفصلت عن والد "حلا" في سن مبكر وكرست حياتها لها ولعملها بأكثر من مجال تسويق.
سعادتها الآن لا توصف بزواج ابنتها والاطمئنان عليها بعد سنوات طويلة قضتها في قلق وتوتر من ضغط طليقها عليها ومشكلات عديدة ورثتها أزمات نفسية. عاينتها بابتسامة وهي تضمها إلى صدرها بحنان: -ألف ألف مبروك يا حلا. الخيبة التي تلقتها عندما لم تره لجمتها عن الابتسام والتفاعل مع والدتها، كانت أشبه بالدمية ليس لها أي دور. وعندما انتهت سألت والدتها وهي تنظر بالأرجاء: -اومال وسيم فين؟ أجابت "حلا" باستسلام:
-هو دا نفس السؤال اللي بسأله! فبادئ الأمر اعتقدت أنها تمزح، وبالفحص الدقيق في وجهها العابث تيقنت أن هناك أمرًا جللًا لا يمكن السكوت عنه، بل ويحتاج الكثير من الأسئلة والشرح. أغلقت الباب سريعًا من خلفها ثم جذبتها من يدها لتجلس بها على أقرب أريكة وتسأل بفزع: -حصل إيه؟ العريس راح فين؟ سؤال لم يكن لديها إجابته، لذا ردت دون تمهل: -ما أعرفش، صحيت الصبح ما لقيتوش، رنيت عليه كتير ما بيردش، وفي الآخر بقى "غير متاح".
تحدثت "رحاب" دون خجل أو قلق من امتناع ابنتها عن الإجابة: -إيه اللي حصل امبارح؟ رمشت بعينيها وانعقد لسانها. اعتادت "حلا" الصراحة مع والدتها، والحديث بالقرب من هذا وأبعد، وهذا لم يكن إجابته بالصعب، بل الصعب والمحير إن قالت الحقيقة. صمتها الذي طال بعث في نفس والدتها الشك، فهبت بها: -ما تنطقي يا بنتي، إنتي هتسبيني بناري كده؟ عادت السؤال بأكثر شدة لعلها تهتم: -إيه اللي حصل امبارح خلا عريسك يمشي ويسيبك يوم صباحيته؟
نفخت بزفير وأجابت وهي تضغط على رأسها: -ما حصلش حاجة، كل حاجة كانت ماشية كويس جدًا، كان واضح في تصرفاته إنه بيحبني أوي، وقال كلام كتير أنا ما صدقتش إنه يتقالي في يوم من الأيام، وبعد كده نمت، صحيت ما لقيتوش. سكتت والدتها قليلاً كي تحلل برأسها، ماذا عساه أن يترك عروسة دون إخبارها بأي شيء؟! بدأت باللوم عليها قائلة: -طيب يا حلا، اتأكدتي إنه نام قبلك؟ نفضت رأسها وأجابت: -لا، أنا كنت تعبانة ونمت، ما دريتش بحاجة.
زفرت والدتها بحنق وهتفت: -يا بنتي يا حبيبتي، زي ما هو يديكي أديه. مش معقول بعد ما يقولك كل الكلام الحلو إنتي تنامي وتشخري. دا إنتي لازم زي ما بيسعدك تسعديه، وزي ما يقولك كلمة حلوة تقوليه. يمكن كنتي ساكتة، أو بتاخدي وما بتديش، حس إنك مش بتحبيه وعايزاه زي ما هو عايزك. ردت "حلا" على حديث والدتها بتذمر: -ماما، أنا بتكسف. شهقت والدتها واعترضت قائلة: -وحياة أمك!! أردفت محذرة:
-بقولك إيه، أنا اتطلقت وشوفت الأمرين عشان أربيكي، ما عنديش استعداد أجيلك أنتي كمان مطلقة وأبوكي وعيلته يشمتوا فيا. إنتي سمعتي بودانك وأنا بقوله على معاد الفرح قال إيه؟ -فرح إيه دي تربيتك يا رحاب، دا هتجيلك مطلقة من تاني يوم. حضرت الجملة بينهم وكأنهم يسمعونها بجهاز تسجيل. تحدثت "رحاب" وعلى فمها ابتسامة مغترة:
-وبعدين وسيم ما فيش منه اتنين، دا أهل أبوكي كانوا هيتجننوا لما شافوه، والبنات بقوا بيعضوا صوابعهم مش مصدقين إنك أخدتيه، راجل مالي هدومه مال وجمال وحسب ونسب وأشهر من نار على علم. نهضت "حلا" وقد ازدادت توترًا وتساءلت: -أنا مش عارفة إيه حصل، كلامه امبارح معايا بيقول إنه بيعشقني، اختفاؤه فجأة كده محير. نهضت والدتها هي الأخرى وربتت على كتفها لتقول مواسية إياها: -معلش، ما حدش عارف عنده ظروف إيه وهيروح فين، زمانه جاي.
نظرت لهيئتها والتي كانت ببدلة ذات إكمام سوداء اللون ببنطال وهتفت معاتبة إياها: -إيه الترنج اللي لابسااه ده؟ يا بنتي إنتي عروسة، البسي واتزوقي، هو متجوز لاعب كورة دلوقتي يجي يقول إيه؟! نظرت لنفسها وقالت بأسف: -ييجي إمتى يا ماما بس؟ فتح الباب فالتفوا معًا، لقد أتى ولكنه بدا عابس الوجه كمن حلت عليه مصيبة، خاصة عندما لاحظ وجود "رحاب" بالشقة. ألقى بسلسلة مفاتيحه دون اكتراث، فأسرعت "حلا" صوبَه لتعاتبه بصوت عال:
-إنت كنت فين؟ رغم عبوسه ومظهره الذي لا يوحي بأنه على ما يرام، إلا أنه رد بهدوء: -هي دي حمد الله على السلامة بتاعتك اللي بتقابلي بيها جوزك؟ تدخلت "رحاب" وأيدته في تلك النقطة بالنهاية، هو معها، فعوضًا عن سؤاله بشكل تحقيقي، التحقق من سلامته أولاً: -حمد لله على السلامة، معلش أصلها قلقانة عليك. مرّ إلى وسط الشقة بخطوات بطيئة ورد بتكلف على رحاب قائلاً: -الله يسلمك.
جلس على أقرب كرسي، وأشار إلى فمه، موجهاً بصره نحو "حلا" التي لا تزال واقفة بمكانها، وهتف: -مش هتحضري لي لقمة أكلها؟! عندها تذكرت ما نسيته طيلة اليوم، هي أيضًا جائعة وما كانت تدرك الأمر إلا عندما قام هو بذكره. توجهت صوبه لتلومه علنًا بصوت عال: -هو انت فكرت فيا ولا حتى رديت عليا؟ أنا مش لاقية حاجة في الشقة من الصبح. رمقها مستخفًا وسأل: -وما تعرفيش رقم دليفري أو تصرفي على ما أنا أرجع؟!
نظر صوب "رحاب" والتي فاتها هذا الأمر، فابتسمت له ونابَت عنها: -كانت قلقانة عليك ومش عارفة تفكر. زفر ملء صدره ورد باستلام: -مش عارفة تفكر ومش عارفة تستقبلني، وبتعلي صوتها عليا، شكلي هتعب يا حماتي. جلست بمقابلة وهتفت: -ربنا ما يجيب تعب أبدًا، دي حلا شاطرة وبنت حلال مصطفى، غير إنها عصبية حبتين. هز رأسه وبدا متفهمًا للأمر ورد: -أنا مستعد أتحمل كل ده حتى لو ضد طبيعتي، أعمل إيه عشان بحبها. حديثه جعل قلب والدتها يرقص فرحًا،
وراحت تدعو لهم بالهداية: -ربنا يهديكم على بعض ويفرح قلبكم. ابتسم ابتسامة متكلفة، ولا تزال "حلا" تجلس يدها أمام ساعده دون أن تتحرك، تريد إجابة واضحة ولن تتنازل عنها: -كنت فين؟ رفع بصره لها وظل يرسل لها إشارات غامضة كم ينوي التهامها، لكنها لم تكتراث وهتفت بقوة: -من حقي أعرف، سبتني وروحت فين تاني يوم فرحنا؟! ثبتت "رحاب" لتقف بجوار ابنتها وأمسكت بذراعها:
-مش وقته يا حلا، ابعتي هاتي أكل وبعدين اتكلموا، المهم إنه وصل بالسلامة. نهض من مكانه واتجه صوبها وأسند يداها لكتفيها براحة وابتسم هاتفا بنبرة محبة ومسالمة: -سيبها يا طنط "حلا"، دي حبيبتي وعمري ما هازعل منها أبداً، تلاقيها عايزة تطمن عليا. كانت "رحاب" تعاين حالة الحب التي تغمر بها ابنتها وقالت بسعادة: -بسم الله ماشاء الله، أفوتكم بقى بالعافية، ويا رب دايماً مبسوطين.
التفت متجهة نحو الباب وابتسم "وسيم" لزوجته ببشاشة مشيراً بعينيه لتبعها، وبالفعل تبعته. رحلت "رحاب" وتركت "حلا" وهي مطمئنة أنها قد تبسم لها القدر بزوج حنون وطيب ويحبها. جلست "حلا" أمامه على الأريكة، فمنحها نظرة خاطفة بدت مشمئزة، لكنها لم تتأكد من ذلك وسألته بحدة: -إنت روحت فين وسيبتني يا وسيم؟! نظر إلى شاشة هاتفه المضيئة ولم يكترث بإجابتها أو الاهتمام بحضورها، مما دعاها أن تسحب الهاتف من بين يديه وتصيح به بانفعال:
-بص لي وأنا بكلمك. وكأنها ضغطت الزناد ليخرج طلقات من فمه لا كلمات، توالت على مسامعها: -إيه أبص لك دي؟ أنا أبصلك لما أبقى أنا عايز ومش بمزاحك، وإياكِ مرة تانية تمسكي أي حاجة أنا ما ادتكش الإذن تمسكيها، وأوعك تنسي أنا مين. تصنمت قليلاً من توارد كلماته الحادة على أذنها وأدركت أنه شن حربًا عليها، هو مخطئ بها، رددت بتهكم: -لا مش ناسيه، إنت جوزي امبارح كان فرحنا على فكرة. شملها بامتعاض ورد بنبرة خالصة الاشمئزاز:
-ويا ريتك واخده بالك إنت. لوح بطرف بنانه باستعلاء: -ده منظر واحدة فرحها كان امبارح، هو الذواق والنضافة، هو برا حلال وجوه بيتك حرام. ضحك بتهكم وهو يطيح برأسه: -هه، لأ ويقولك يا بختك واخد قمر، هه، يجوا يشوفوا القمر من غير مكياج وفلاتر، أنا أضحك عليا والله العظيم.
زاغ بصرها من هجومه الشرس وتحيرت مع من تجلس، أهذا "وسيم" الذي كان ينعتها بـ"سكرتي" أمس وكاد يلتهمها من فرط إعجابه بها، وهذا ما قالته كل جوارحه علنًا، أم أنه رجل آخر تم استبداله؛ لينتقد مظهرها وشكلها دون أدوات تجميلية. حاولت الاستيعاب للرد عليه، لكن بما تجيب إن رآها غير جميلة، فبما عساها تقنعه بأنها جميلة حقًا. إنه المرآة الوحيدة المؤثرة في حياتها، بل المرآة الأصدق بينهم. لم تجد ما تقوله سوى كلمات مدهوشة:
-إيه اللي بتقوله ده؟ أجاب دون اكتراث بملامح الصدمة التي انتشرت على وجهها: -اللي سمعتيه يا بنتي، أنا ما كنتش هتكلم لولا إنك مصرة تعملي خناقة. سألت بتأثر: -يعني أنا مش عاجباك؟ صمت قليلاً وكأنه يستكشف شيئًا ما بها ثم نطق أمرًا: -قومي اقفي. ظلت جالسة بمكانها لا تدري ماذا تفعل، لقد أحرجها وبشدة. حثها بجدية: -قومي اقفي.
نهضت من مكانها عاقدة العزم على المغادرة، فأمسك يدها بيدها ثم نقلها للأخرى وفتح ذراعيها بذراعيه. كانت أشبه بالدمية بين يديه وحجمه يفوق حجمها حتى، وهو جالس، تطالع إليه بنظرات فاترة وكأنه يريد قول شيء ما، من بعدها قال وهو يرفع شفتيه للأعلى: -جسمك رفيع أوي، أنا تقريبًا ما بحسش بيكي. إلى هنا وشعرت بالإهانة، فسحبت يدها من بين يديه قائلة بغضب: -ولما أنا مش عاجباك اتجوزتني ليه؟
وقبل أن تستدير وتنسحب من أمامه، مال بجذعه ليجذبها من خصرها نحوه، لكن هذه المرة كانت مختلفة حيث اصطدم ظهرها بصدره وهو لا يزال جالسًا بمكانه. حاولت التملص بضيق من هذا الحصار، فبعد ما قاله لن تستطيع مجاراته أبدًا في أي شيء ولا حتى النظر لوجهه. ما أوقفها عن المحاولة إلا صوته الهامس بالقرب من أذنها بـ: -عشان بــحـبـك.
أجاب سؤالها بطريقة بالغة التأثير، كادت تنسيها ما قاله من قبل. التفت بعد دقائق ساكنة كالمشلولة بين ساعديه القويتين. وهتفت لائمه وهي تحدق بفيروزتيه: -اللي بيحب حد يا وسيم بيحبه بكل عيوبه. أكد تمامًا على مقولتها واتفق معها قائلاً: -طبعًا يا حبيبتي، ومين قال غير كده؟! أنا كمان ممكن يكون عندي عيوب واحتمال إنتي تشوفيها عيوب وغيرك يشوفها مميزات. كان يأسرها بنظراته ويتحدث بلهجة فائضة التفهم والوعي:
-أنا عيوبي إني بحبك وإنتي ليكي تأثير شديد عليا لدرجة ممكن تخليني أتغاضى عن حاجات كتير مش بتعجبني. حديثه مؤثر ويبدو أن لديه مشكلة حقيقية، حيث نطق بتأثر شديد وكأنه في ورطة: -الست مش لازم تستكفي بالحب وبس عشان العلاقة تنجح، لازم إنتي كمان تأدي وظيفتك على أكمل وجهه وتكفيني في كل حاجة وتحاولي تسعديني زي ما بسعدك. ردت باهتمام وتفهم: -يا حبيبي، قولي أعمل إيه عشان أسعدك، أنا بحبك يا وسيم وكل همي إننا نبقى سعداء.
ابتسم لها وعيناه ابتسمت معه، وابتسامة عينيه شكلاً آخر: -طبعًا يا سكرتي، هنبقى سعداء طول ما كل طرف بيقدر الثاني وبيحترمه. تراجع قليلاً دون أن يتخلى عنها، وكأنه يرخي جسده المشدود وتسأل: -إنتي دلوقتي تقدري تقولي إيه مش عاجبك فيا وحالا نحاول نلاقي له حلول. ثبت نظراته على عينها منتظرًا منها أي إجابة، لكنها عندما نظرت إليه وهي تجلس أسفله قالت بابتسامة محببة:
-أنا راضية بيك يا وسيم، راضية بكل حاجة فيك، أنا مش أعرفك من امبارح، أنا عارفاك من شهور، والحقيقة إنك بتهتم بيا ودايمًا محسسني إنك أبويا، أنا ربنا أنعم عليا بيك. مدد يده على الأريكة براحة وقال بهدوء وكأنه أمر عادي لا يستحق جل هذا الامتنان: -شوفتي حبي ليكي مؤثر عليا لحد فين؟ ابتسم وحك طرف أنفه في سرعة وأضاف: -رغم إني عمري ما كنت هقبل بحد بالمواصفات دي أبدًا، بس إنتي استثناء.
تميزه لها وإخباره لها بكم عشقه جعلها تحرك يدها على وجنتها. حالة الحب بينهم متينة، وتبادل الحوار أوصلهما لنقطة جيدة استدعت ذكرياتها عندما دعته كشخصية بارزة في المجتمع واستضافته ببرنامجها "عيون على الشباب" ومن وقتها كانت الحلقة التي غيرت حياتها بالكامل. في البداية لم تنبهر بشكله كغيرها، لكن الانبهار كان بطريقته الودودة لإخبارها بإعجابه بها واستمرار علاقته بها بعد هذا اليوم.
-أنا عمري ما أنسى إنك كنت أكبر داعم ليا في إني أتقدم وأختار ضيوف يضيفوا البرنامج ونوعية الأسئلة، سؤالك ومساعدتك ليا كانت أكتر حاجة وقفتني على رجليا. نظر لها متمعنًا وسأل وثغره يبتسم: -ورغم كل اللي بتقوليه ده، أول ما فتحتك في الارتباط بعدتي أوي عني برغم إنك متأكدة من جواكي إني أكتر حد إنتي محتاجاه على وجه الأرض. ردت بخيبة: -دي أول مرة أتجوز، وزيي زي أي بنت كان نفسي في فرح، وبما إني حد مشهور أعلن في الجرايد والمجلات.
هتف مذكراً إياها لائماً: -قفلتي الباب في وشي وبطلتي تردي عليا، رغم إنك لسه قايلة من شوية إني كنت بساعدك، عشان تعرفي قد إيه ظلمتيني. أجابت متحيرة كي توضح سبب هذا الانسحاب المفاجئ: -أنا لما رفضت إنت اتمسكت برأيك، وقتها حسيت إني مش هقدر أقنعك فقررت أبعد. سألها بفضول: -كنتي بتلوي دراعي وبتشوفي غلاوتك؟! لم تجبه في هذا وتحدثت بشيء آخر: -بجد كان عندي رغبة أعمل فرح كبير. قال مازحًا وهو ينظر لها بغمزة:
-وطلعتي غلطانة أكيد، الأهم من الشو ده المضمون. عضت طرف شفتها بحرج وقد بدت بوادر الخجل تصبغ وجنتيها بالأحمر، فأمسك بطرف ذقنها وهتف: -ما أحبش الست اللي بتكسف، بضايق منها وخاصة لو الست دي كانت مراتي. نظر في عينيها ووضح مطالبه بجرأة: -ولما الست تتكسف من جوزها هتبسطوا إزاي؟ ازدرقت ريقها وكأنها تحاول إقصاء الخجل وتتعامل بحرية، كما كانت معه بالبدايات، البدايات الجميلة التي تحمل ذكريات وقصة حب خرافية الحبكة.
أمرها بابتسامة مغيراً مجرى الحديث: -يلا يا سكرتي، شوفي هنتغدى إيه؟ على ما أدخل أرتاح شوية لأحسن عينيّ بتقفل لوحدها ومش عارف أقاوِم النوم. "في المساء"
وتحديدًا بعد تناول الطعام في ساعة متأخره عاد يجلس أمام التلفاز ويحدق بشاشته الكبيرة، وهي تجلس إلى جواره. وبرغم أنها بدلت ملابسها وارتدت كل ما بدوره يظهر مفاتنها، إلا إنها لم تتلق منه الاهتمام المنشود، بل ظل كما هو يحدق بشاشة التلفاز دون إعارة اهتمام لوجودها من الأساس. وزعت نظرتها بين الشاشة وبين عينيه المصوبتين في اتجاه واحد، فلم يكن ما يعرض شيئًا هامًا ليلهيه عن وجودها، بل كان عرضًا للأسهم وأخبار طقس في دولة أوروبية بعيدة عنهم بمئات الكيلومترات.
حدثت نفسها، لربما هو متعب أو هي التي يعاريها حماس لخوض تجربة جديدة كالأمس، وهو لديه ما يلهيه عن هذا، أو أن عقله شارد بشيء آخر أهم من إدراكه أن هذه ليلة الزفاف الثانية. -وسيم. نَادَتْهُ وهي تسلط نظرها عليه، فأجاب دون أن يلتفت: -هاه. سألته بتكهن: -إنت في حاجة مضايقاك؟ أجاب وهو على نفس وضعه: -لأ. لم تجد أي شيء لتضيفه غير سؤال ماكر لترى على ماذا ينوي: -طيب أنا هدخل أنام، محتاج حاجة؟ أولاها وجهه ومط شفاه قائلاً بهدوء:
-لأ، تصبحي على خير. رغم أنه تركها على رغبتها، إلا أنها لم تتحرك من مكانها، كانت تتوقع منه أي ردة فعل غير تلك البرودة التي شعرت بها، مما دعاها تسأل بضيق: -وإنت هتعمل إيه لوحدك؟ أجاب بهدوء رغم وضوح نبرة الضيق في صوتها: -أنا مقدر إنك تعبانة، ادخلي ارتاحي يا سكرتي، وأنا لما أحتاج أنام هتلاقيني جنبك.
أخجلها برؤيته وهدوئه، وكأنه يفهم ما تحتاجه أكثر منها، فنهضت دون إضافة شيء؛ لتتجه صوب غرفتها، رأسها يفتعل ألف فكرة، تريد أن تعود إليه وتصرخ بوجهه، لكنها لا تجد مبررًا لهذا، وما الداعي إن كان هو يريد راحتها وإعطائها فرصة للاسترخاء. يبدو أنها أفرطت في الحساسية، على الرغم من أنه يبدي حسن نواياه في كل تصرفاته ويبادر بالحب ويعطيها ببذخ.
تسطحت على الفراش واستدعت النوم، لكن لازالت تؤنب في نفسها لأنها لا تجد ما يستدعي الهجر من قبله، فهو حتى الآن أدى أفضل ما لديه وبذل أكثر من المتوقع، لذا فالمشكلة برمتها ليست لديه بل لديها هي، فهي لا ترى من جانبه ما يجعله يبتعد عنها بهذا القدر، أو أنها تبالغ بالأمر. لم تدري بنفسها إلا وضوء الشمس يسقط على وجهها، فتحت عينيها فوجدت صعوبة في التأقلم مع قوة الضوء التي اقتحمت الغرفة فجأة.
أول ما وجدته ابتسامته الصافية التي لا تعرف من جمالها أيهما أجمل، شروق الشمس أم هي؟! استندت على يدها؛ لتعتدل في الجلوس متسائلة: -هو أنا نمت كتير؟ تقدم باتجاه الطاولة القريبة من الفراش ومال بخصره ليحمل بين يديه صينية مستطيلة تحمل أصنافًا كثيرة وخفيفة من وجبة إفطار مبهرة التنسيق، وضعها على ركبتيه وهو يقول: -صباح الورد يا سكرتي. ابتسم فمها على هذه اللفتة الجميلة والرقيقة منه ونظرت إليه لتقول بامتنان: -معقول يا وسيم!!
أنا مش قد كل الدلع ده كله. ظهر صف أسنانه البيضاء وهو يقول دون تكلف: -حبيبتي إنتي تستاهلي الدلع كله، هو إنتي أي حد، دا إنتي سكرتي. أمسك طرف ذقنها برقة فتشبثت بيده وهتفت مسبلة العينين: -ربنا يخليك ليا يا حبيبي ويقدرني وأفرحك زي ما تفرحني. تمعن بها قليلاً وسألها بفضول: -تعرفي أنا ليه بقولك سكرتي من يوم ما عرفتك؟
نفضت رأسها بخفة وكأنها معتقدة أنها كلمة غزل عادية دون مدلول واضح لديه، لكنه ليس عاديًا حتى يقول شيئًا لا يدرك معناه. وضع يدها بين راحة يدها وأجاب بابتسامة براقة: -عشان إنتي الحاجة الحلوة اللي حصلت لي.
من يوم ما والدتي انفصلت عن والدي، وأنا حياتي كلها مر في مر، ويوم ما قابلتك في الاستوديو واتكلمت معاكي حسيت بحاجة حلوة بتجري ريقي، بجد عمري ما شفت حاجة حلوة زيك ولا حاجة حلت لي حياتي زيك، عشان كده بقولك يا سكرتي وإنتي فعلاً ســـكـــرتـى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!