صرخ عاليا بوجه والدته عندما أخبرته بذهاب نجمة لبيت أبيها فور مغادرته للقصر. -إزاي تسيبها تخرج؟ وإزاي ما حدش يبلغني بحاجة زي دي؟ لم تكترث والدته بصراخه وهتفت مبررة: -قلت لها، ما سمعتش الكلام. وبعدين أنت جايبها لنا هنا عشان تزودي علينا الحمل؟ عايز تأمر وتنهي؟ خدها معاك. عاين والدته بنظرات ثاقبة. لأول مرة تحادثه بهذه الطريقة، على ما يبدو أن وصل إليها آخر الأخبار.
سيعاقبها على هذا في وقت لاحق. عليه الآن، عليه أن يذهب للمغامرة التي قررت التمرد عليه فور مغادرته. صدق حديثه، لا أمان في جنس حواء بأكمله، وصفهم بالملاعين على حد قوله. طرق منزل والداها مرتدياً قناع الرجل المتعب الذي عاد لتو من السفر ولم يجد زوجته بانتظاره. لكن نجمة من فتحت له الباب وتواجه مع عينيها البندقية التي على الفور اتخذت نظرة حادة وواجهته بتحفز. لقد شعرت بمشاعر صادقة لكنه حطمها تماماً بهذه الكذبة.
شعرها المتلوي يرتمي على كتفيها، ذلك الإعوجاج يليق تماماً بها كإعوجاج أفعى سامة متحفزة لحمايتها. رفع يده ليمسك بطرف خصلاتها برفق وهو يسأل: -ليه مش في بيتك؟ دفعت يده بقوة وهي تهدر بضيق: -عشان مستحيل أعيش مع واحد بيسرق أبويا. لم يظهر على وجهه ملامح الصدمة أو أي اعتراض. فقط سألها بهدوء: -هو أنت زعلانة؟ عليه ولا مني؟ ردت بحدة: -أنا واثقة فيه مليون في المية، بس كنت عايزة أعرف إيه نوع اللعبة القذرة اللي لعبتها عليا؟
ظل يرمقها بعينيه الزرقاء. دائماً تبهره بخطوات غير متوقعة، ذكية لدرجة غلبت دهائه. لقد ذهبت لتتحقق بنفسها. لا يعرف هل كانت واثقة تمام الثقة في والدها أم أنها غير واثقة به، مما دفعها أكثر لأخذ هذه الخطوة. ما الذي أخطأ به حتى لا يحكم قبضته عليها ويجعل كلمته هي الأولى والمسموعة؟ ربما سفره المفاجئ هو ما سبب هذه الفجوة. -وبالنسبة الموضوع التاني، اتأكدي منه ولا لسه؟ سؤاله جعلها تشيح بوجهها بعيداً. وهتف والداها
الذي تدخل بصوت عاقل: -أهلاً يا ابني، اتفضل. ابتسم في وجهه وتجاوزها قائلاً: -شايفة الناس العسل. يزيد فضلك يا شيخ. جلس على أقرب أريكة وهو يتابع: -أنا جاي من السفر على هنا على طول وتعبان ومرهق جداً. تحدث أبوها بشيء من الضيق والعتب: -بقى دي آخرتها يا ابني؟ تسرقني أنا. مد يده في جيبه وأخرج السبيكة واسترسل:
-أنا يا ابني مش ناقص، ولا الحاجات دي تفرق معايا. أنا قبلت الهدية عشان ما أزعلكش، إنما إنك تقول لبنتي إني سرقتها، دا اللي ما أقبلش بيه أبداً. لم يشعر بالحرج أو التوتر من وضعه في هذا الموقف. بل ابتسم ونظر لنجمة وهتف بكل حسم: -لو سمحت يا عم الحاج، أنت عرفت إن الكلام دا اتقال، بس ما عرفتش ظروفه ولا أسبابه. بنتك ما قالتلكش، فمعنى كده إنها حابة إن الموضوع يبقى بيني وبينها، وأنا هحترم رغبتها. وبناءً عليه مش هتكلم.
هتف والداها محدقاً بابنته بدهشة: -دا اتهام، إزاي عايزني أعديه؟ استمر وسيم في صارمته ولوح بأصبعه ليقول: -أنا دلوقتي راجع من السفر وتعبان، هتديني مراتي ونمشي، ولا هتخليها عندك لما أفوق للكلام؟ نظر والداها لابنته والتي بدأ عليها التوتر وكأنها تخفي شيئاً، وقال باستسلام: -حقي أنا مسامح فيه، بس القرار الأخير في إيد نجمة. عند إذا نهض وسيم واقترب منها ليسحب يدها هاتفا بهدوء:
-وأنا مش هحرجك وأضطرك الاختيار، يلا بينا نروح لينا بيت نتكلم فيه. نظرت باتجاه أبيها الذي أومأ لها بالقبول، فما كانت تجرؤ على شرح أسباب محاولة انتحارها والتي لم تذكرها لوالدها بسبب ملابسات الأمر والشكوك التي ستدور حولها. وهذا الغموض البائن على وجهها جعله يدفعها للذهاب. على ما يبدو بينهم أشياء لا يعلمها. في غرفته. انتظرته ليخرج من الحمام بقلق من مواجهته الجديدة، فهو كالثعبان يلتف حولها بشكل مخيف.
خرج أخيرًا يجفف شعره بمنشفة ويرتدي روب الاستحمام ويبدو رائقًا. توجه نحوها وهو يهتف: -بقى عايزة تمشي وتسبيني؟ معقول زهقتي مني بالسرعة دي؟ تحدثت بضيق وهي تقف في وجهه: -إزاي تجرؤ تتهم أبويا تهمة زي دي؟ غرضك إيه؟ تحولت نظراته للخبث، مال بعنقه لليسار وهتف ببرود: -معقول يا روحي؟ نسيتي بسرعة أفضالي عليك؟ ليه ما قولتيليوش بالمرة إنك خدعتيه الأول؟ لم يسمحلها بالإجابة وتابع: -عمومًا لو الإجابة هتريحك اعتبري إني كنت بلعب معاكي.
زاغت بصرها بوجهه اللائق تمامًا باسمه، ويبدع في استغلاله للتأثير عليها. لكنها كانت في خضم معركة معه لا تهتم بقدر وسامة العدو. فقالت بتهجم: -أنا متأكدة إن فيه حاجة ورا الموضوع ده كمان وأنا واثقة في نفسي زي ما أنا واثقة إنك قدامي دلوقتي. رمقها بعينيه بنظرة بريئة وتحدث: -معقول مش واثقة فيا للدرادي؟ وبعدين الموضوع كان قدام عينك ولا أنا مثلًا أول مرة ليا فمش عارف أفرق.
ابتعدت عن نظراته بقدر خطوة، كانت تهرب من هيمنته في كل كلمة وكأنه ينسج شباك متينة ليحتجزها بداخلها، تراه يبذل أقصى جهده ليجذبها نحوه ويغويها بنظراته ونبرته. والآن يده التي حطت على كتفها وهمس بالقرب من أذنها هاتفا: -أنا قولتلك قبل كده عايزك زي ما انتي مش فارق معايا أي حاجة، ارجوكي قدري مشاعري. يحاول التأثير عليها بشتى الطرق، لكنها كانت تسيطر جدًا على مشاعرها، وأصعب امرأة تلك التي تتحكم بمشاعرها.
ظل ينظر إليها بعدما ابتعدت لتقف عند الشرفة تحدق بالحديقة في صمت. جلس هو على الفراش بأريحية ثم قال وهو يخلل أصابعه بين خصلاته، ثم قال بتلاعب: -انت تعبتيني أوي يا نجمتي، برغم إنك مش أول واحدة في حياتي. كانت ترى انعكاسه على الشرفة الزجاجية، وردت وهي تحدق بجمود: -عارفة، وعارفة بموضوع المذيعة. اعتدل في فراشه وصاح بمرح: -أوبا بقى، حيث كده نلعب على المكشوف. استدارت إليه وقالت وهي منفعلة: -هو انت مفكر إن الموضوع ده لعبة؟
عاد يتمدد ويحدق بها، قائلاً بابتسامة: -انت غيرانة ولا خايفة تلعبي معايا؟ ضمت حاجبيها وهتفت تلومه بقسوة: -انت إزاي مستهتر كده؟ انت فضحت البنت، حتى لو كانت وحشة معاك مش رجولة إنك تفضحها. تجمدت نظراته وهتف بنبرة خالية من المشاعر: -هي اللي استفزتني. تحركت صوبه وقالت مندّدة بتصرفه المشين: -كان ممكن على الأقل تكون شهم. لم يتأثر كثيرًا بملامتها، كان يزحف ببطء نحو عمق شخصيتها. قال بهدوء خطير:
-ده كمان مصيرك، لو فكرتي تستفزيني. لا تزال تكره هذا الجانب القاسي فيه، تكره كل ما يظهر منه بكل ما يدعيه، نفضت رأسها وقالت: -أنا مش هكمل معاك. لم يتفاجأ من قرارها بل وهتف ببساطة: -ذكية. قررت استفزاز ذلك الهدوء الذي في غير موضعه، حيث قالت شامتة:
-هتفضل تنقل من واحدة لتانية، وتظلم وتفتري لحد ما جسمك هيتهد وشبابك هيختفي ووسامتك يعدمها الزمن مش هتبقى غير روحك المشوهة وقلبك المتهلل وهتعيش اللي باقي منك لوحدك لحد ما تموت برضه لوحدك. ظل محافظًا على تعابيره الجامدة رغم التفاعلات الداخلية التي ضغطت زر صافرات الإنذار. تعالت أنفاسه وكأنه يصارع في حرب داخلية، وعينه الزرقاء أصبحت كالموج الهائج المخيف.
رغم صمته الموحش ونظراته القاتلة حافظت على موقفها وانتظرت إجابته على هذا الهجوم. جاءها صوته هادئ ومتزن يقول بغموض: -الحب أكبر كذبة، مافيش ست تتحب أو حتى تطاق. هتفت مجيبة ادعاءه: -ولو مافيش حب فيه مودة وعشرة ورحمة. قال بتحدي: -العبي معايا. سمحت لنفسها لتجلس في مواجهته على طرف الفراش. وسألت بتعجب: -إيه العب معاك دي؟ هتف بنفس درجة الانضباط الذي تمسك به: -اثبتيلي إنكم صنف يتحب، وأنا لو اعترفت بحبك هطلقك فورًا.
أشاحت بوجهها عنه وقالت: -أنا مش عايزة ألعب، كان نفسي أعيش مستقرة. قال وهو يتفرس ملامحها: -انت حبيتي؟ ردت بغضب من سؤاله: -هو حرام أحب جوزي؟ اعتدل في جلسته وحدق بها عن قرب وابتسم وهو يقول: -حتى لو مش جوزك كنتي هتحبيني. هزت رأسها بيأس، وقالت بإصرار: -ما اتعودتش يخدعني المظهر. أضافت بثبات: -طلقني. ظل يرمقها بغموض، ثم هتف: -للأسف ما بحبش حد يقرر عني، فرصتك الوحيدة إنك تطلعي من هنا بكرامتك إنك تخليني أؤمن بالحب.
رفعت رأسها وواجهته بحدة وعينها تجزره بغضب: -أنا مش ساحرة عشان أخليك تقتنع بشيء انت مش مقتنع بيه، لو قلبك حجر عمر المطر ما هيأثر فيه. ظهرت علامات الإعجاب على وجهه وهو يرى النمرة الشرسة تحتل الساحة، يحب قوتها، إنها تغريه لكسرها بشكل غير مسبوق. قال مبتسمًا: -يبقى تقبلي بمصيرك، تقبلي أحبك على طريقتي وتخرجي من هنا بالشكل اللي أنا أرضى عنه. وكأنه يقدم لها تفاحتين وكلاهما مسمومتين. قالت بتحدي:
-لأ أنا هخرج بمزاجي حتى لو كسرت عضمي، فانت ما تقدرش تكسر روحي. الإعجاب يزداد ورغبته بتحطيمها باتت جنونية، ولأول مرة يكن صريح ويفضح أحد مخططاته فقط لأنها كانت استثناء. -ممكن ببساطة أقول إنك خونتيني وعندي ألف شاهد يصدقوا على كلامي، هل أبوك المسكين هيستحمل خبر زي ده؟ تجعدت جبهتها وهي تحدق به مصدومة من جحوده، وهتفت وهي تكاد أن تجن: -انت كذاب. أمسك بتلابيبها وقال بوجه سيكوباتي:
-انت اللي كذابة، كذبتي عليا وعلى أبوك، عدم كلامك عن موضوع الانتحار والسبب الحقيقي بيثبت إنك كذابة بتخدعيني وبتخدعيه، انت من نفس الصنف الملعون اللي ما يستاهلش غير الوأد. حاولت التملص منه ولكنه تركها فجأة وعدل من ملابسها بكل برود وهو يتابع: -بس خلاص انت هتثبتيلي نظرية مش موجودة وأنا هثبتلك إنكم تستحقوا الحرق، واللي يقدر على التاني.
أدركت أنه لا مفر منه، كانت بحاجة للتبرئة من شيء هي لم تفعله، مجبرة على إيجاد دليل براءتها. لا تخشاه لكن تخشى أن تكون أحد ضحاياه. نهض من جوارها وجلس على مكتبه أمام اللابتوب الخاص به، يكتب بانهماك لمدة ساعة وهو يحدق بتركيز على الشاشة، حتى وضع وصلة قصيرة داخل الجهاز ليطبع بعض الأوراق. تحرك أخيرًا ليخرجها من حالة السكون التي اعترتها مع آخر جملة قالها وقدم إليها عقد ورقي وقلم وقال بجدية:
-اتعودت أكتب عقود بالذات مع الستات، لأنهم على طول بيخلفوا الوعود، بالذات لو كانوا غير متوقعين زيك. نظرت إلى ما قدمه ببرود قبل أن يضعه في يدها عنوة ويجبرها على الإمساك به. مررت عيناها عليه سريعًا، ثم هتفت بجنون: -إيه ده؟ عايزني أوقع على إقرار بالخيانة؟ انتقلت لما يليه وتابعت باستنكار: -في حال أقنعتك بالحب تطلقني وتديني ستة مليون. ظل ينظر إليها بابتسامة لا تعكس شيئًا، واستمع لاعتراضها الثالث الذي قالته بسخرية:
-قدامي مهلة سنة، إيه الكرم ده كله؟ وضعت الورقة بجانبها وقالت بضحكة ساخرة: -انت بتراهن على قضية خسرانة، أنا حتى لو كنت جدعة معاك مستحيل أقبل بالعيط ده. تنهد قائلاً: -هتقبلي يا نجمتي، عشان أبوك وعيلتك وسمعتك. نظرت إليه مطولًا وطافت برأسها الأفكار، وعندما وجدت أن لا مفر من الفرار من أسفل قبضته، اتخذت قرارها النهائي إما تقنعه أو أن تقتله وتريح العالم منه، في الحالتين هي الرابحة. قالت بكل قوة: -أمضي بشرط. ابتسامة
عابثة علت ثغره وهو يسأل: -إيه هو؟ قالت بمقت: -ما تقربش مني أبدًا. ثبت نظراته عليها لوهلة ظنت أنها أغضبته واستفزت غروره، لكن فاجأها بنفس الابتسامة العابثة وبنبرة لعوب قال: -موافق، مع إني متأكد إنك انت اللي هتخلفي الشرط ده. رمقته بازدراء كانت واثقة من نفسها، بل ومتيقنة أنها مقبلة على الانتحار بكامل رغبتها وهذه الورقة هي آخر رسائلها للعالم. أمسكت بالقلم ووضعت إمضاءها، لا بأس بمغامرة قصيرة مع زوجها الوسيم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!