الفصل 19 | من 30 فصل

رواية الطبيب العاشق (2 الفصل التاسع عشر 19 - بقلم منة جبريل

المشاهدات
24
كلمة
7,549
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

خرجت تلك الكلمات من فم هشام الذي وكأنه سقط عليه دلو من الماء المثلج في أقصى الشهور برداً. مسح ريان على شعره من الأمام إلى الخلف وهو يومئ والغضب يسكن ملامحه. هتف هشام بتساؤل: -بس إزاي.. ومين.. ومن إمتى؟ هز ريان رأسه بالرفض وهو يردف بقلق وصوت مرتجف خائف: -السؤال هو هعمل معاها إيه.. هي كده هتتعذب.. العلاج هيبقى صعب عليها مش هتستحمله يا هشام.. مش هتستحمله.

أنهى حديثه بضعف وخوف من القادم، لينظر له هشام بحزن فهو لأول مرة يراه هكذا، ليضع كف يده على كتفه هاتفا بقوة: -أنت لازم تفضل قوي علشانها.. الحل دلوقتي أين؟ نظر ريان أمامه قليلاً يفكر في شئ ما، لينظر إلى هشام سريعاً ليعلم أنه وجد حلاً ما. هتف ريان سريعاً وهو يتوجه نحو جناحه وتبعه هشام:

-هاخدها الفيلا اللي محدش يعرف بيها غيرك وبيجاد وأعالجها هناك، وأنت هنا هتقولهم سافروا فجأة وقفلوا الفون ومش هيتكلموا مع حد، وكمان هتدور على اللي عمل كده وكل المعلومات توصلني أول بأول. كان يتحدث بسرعة كبيرة وهو يفتح حقيبة السفر ويلقي ملابس له ولها بها بإهمال ويمرر يده على خصلات شعره التي سقطت على عينيه يرجعها إلى الخلف.

أغلق الحقيبة وهو لا يعلم ما به حقاً، لا يعلم ماذا يفعل، ولكن سيترك كل شيء لصديقه، سيحمله هو الأثقال، وهو يثق ثقة عمياء بأنه سيكون جديراً بها ولن يخذله مهما كلف الأمر. وضع هشام يده على كتفه وهو يهتف بهدوء حتى يهدأه: -كل اللي قولته هيحصل، والشركة هخلي كيان تاخد مكانك لحد ما ترجع، وهكون وراها في كل خطوة، وكمان هعرف مين اللي عمل كده وأوعدك هحبسه في المخزن وأوريه العذاب ألوان لحد ما تيجي وتكمل عليه.

نظر له ريان بامتنان حقيقي فهو ونعم الصديق، السند، الظهر. عانقه متمتماً له بالشكر. أخذ ريان الحقيبة وخرج بها ووضعها بسيارته. ثم دلف القصر، وأتت بباله فكرة لا يعلم كيف لم تخطر على باله من قبل. دلف إلى مكتبه سريعاً ليتبعه هشام وفتح اللاب توب الخاص به وقام بفتح جميع الكاميرات لتنقسم شاشة حاسوبه لعدة مكعبات تظهر جزءاً من القصر. ظل يتابع حوراء بعينيه حتى أشار له هشام وهو يهتف: -هي تعبت وأهلك موجودين. هز رأسه هاتفا بتيه:

-آه بس لقيتها نايمة وقتها وبعدها أظهرت لي إنها كويسة وأنا الغبي صدقت إنها كويسة. ظل يتابع شاشة حاسوبه بأعين الصقر حتى وجدها تضع يدها على رأسها ودلفت إلى المطبخ وطلبت منهم إعداد فطور وكوب عصير. ولكن هناك أمر مريب في الأمر، فقد كانت خادمة واحدة هي المسؤولة عن إعطائها العصير، وقد لاحظ هشام هذا أيضاً. دلف إلى كاميرا المطبخ وظل يتابع هذه الخادمة حتى وجدها تصنع العصير لملكتها.

ولكن.. كانت تنظر حولها بريبة، ثم أخرجت كيس صغير من أسفل ملابسها به شيء أبيض. ولم يكن سوى تلك المخدرات. وضعت القليل منه في العصير، ولكن يظهر أنها ليست المرة الأولى التي فعلتها فقد كان أغلب الكيس فارغاً. ثم قلبت العصير جيداً وارتسمت ابتسامة خافتة على شفتيها وخرجت به وأعطته لحوراء. زمجر بغضب وكاد أن يخرج من المكتب ليذهب لتلك الخادمة ويقتلع رأسها من جسدها جزاء ما فعلته بصغيرته، إلا أن صوت هشام منعه. هتف هشام سريعاً

وهو ينظر إلى الكاميرا: -استنى يا ريان بتتكلم مع حد. عاد ريان سريعاً، فهو علم من الفاعل، ولكن يريد أن يعلم من المسؤول. ومن الواضح أنه سيعلم الآن. وجدها تقف في زاوية من زوايا المطبخ وتتحدث بخفوت، ولكن التقطتها مكبرات الكاميرا لتظهر وهي تتحدث. -نعم سيدتي قد فعلت مثل ما أمرتي. -حسناً سأزيد الجرعة ولكن أريد أن يزيد أجري معه.

-سيدة إيزابيلا تكلمي باحترام، فأنا أستطيع أن أخبر سيد ريان بكل شيء وسأقول بأنكِ قمتِ بتهديدي بالقتل. -حسناً حسناً، وأيضاً هناك أخبار سارة، فقد ظهر مفعول هذا الشيء عليها وبدأت تشعر بالألم في رأسها ولا تهدأ إلا عندما أعطيها جرعة أخرى منه ولكن بنسبة أكبر. -حسناً سأغلق الآن قبل أن يستمع إلي أحد ما. وقامت بإغلاق الهاتف ووضعته أسفل ملابسها وعادت إلى العمل وكأن شيئاً لم يكن.

كان يستمع إليها وهناك بركان قد انفجر بداخله، لتقتم عيناه وتمتزج بشعيرات حمراء وبرزت عروق رقبته بقوة وابيضت مفاصله بسبب ضغطه عليها وثقلت أنفاسه بقوة. خشي هشام أن يفعل صديقه شيئاً متهوراً. لا ينكر أنه هو الآخر تملكه الغضب منه، ولكن.. يجب عليهم التصرف بذكاء. وأيضاً هذه إيزابيلا، ما العداوة التي بينها وبين حوراء لتفعل هذا؟!! هذا ما دار في خلده. بدأت ملامح ريان تهدأ تدريجياً بدون سبب يذكر.

عادت عيناه للونها الرمادي ولكن القاتم واختفت عروقه وهدأت ملامحه وتوازنت أنفاسه. نظر له هشام باستغراب، لينظر له ريان وسرعان ما ارتسمت ابتسامة تحمل بين طياتها كل معاني الخبث على ملامحه. ارتاب هشام من هذه الابتسامة وعلم أن هذا الذي يقف أمامه هو الذئب الخبيث الماكر. حتى هو الآن لن يصدق أي شيء يقوله. أغلق ريان الحاسوب وغادر المكتب ببرود شديد وتبعه هشام ليجده يصعد الدرج ببرود.

وبعد وقت وجده يهبط وهو يحمل حوراء بين يديه وخرج بها ووضعها بالسيارة. ليأتي هشام من خلفه هاتفا: -هتعمل إيه يا ريان؟ نظر له ريان هاتفا: -أنت اللي هتعمل.. هتاخد الخادمة دي المخزن وتعلموا عليها.. وإيزابيلا هبقى أقولك تعمل معاها إيه بعدين بس حالياً سيبها. رغم أنه لم يعلم لماذا ولكنه أومأ له واحتضنه هاتفا: -أو إوعى تضعف وتديها جرعة يا ريان مهما كان الألم اللي هتحس بيه. ثم ابتعد عنه مكملاً:

-وهي أكيد هتحاول تستعطفك بكل الطرق بس متستسلمش. تنهد ريان بقوة وربت على كتفه ثم صعد سيارته وانطلق بها بدون حرس. ليظل هشام يتابعهم حتى اختفت السيارة من أمام مرمى بصره. كاد أن يرحل ولكنه وجد غيث وليان يتقدمان نحوه وعلى وجهه ابتسامة عاشقة لبعضهم البعض. دلفوا القصر ثلاثتهم لتهتف ليان بتساؤل: -إيه ده القصر فاضي ليه وفين حوراء؟ أجاب هشام بثبات: -سافرت مع ريان. -إزاي؟ هتف بها غيث وليان باستغراب. يرد

هشام ببرود وهو يهز كتفيه: -زي السكر في الشاي.. واحد أخد مراته وسافر أي مستني يستأذنكم يعني. كاد غيث أن يتحدث ولكن قاطعهم صوت بكاء الصغيرة ليركض هشام وغيث إلى الأعلى، ولكن قبل أن يتخطى قدم غيث الجناح الخاص بريان حتى قام هشام بمنعه. ودلف هو إلى الغرفة ليجدها على الفراش تبكي. حقا هو قد نسي أمرها تماماً حتى أنه كاد أن يرحل لولا رؤيته لغيث وليان.

حملها برفق وهو يتذكر كيف قامت حوراء بتعليمه وخرج بها من الغرفة وهبط بها إلى بهو القصر. أخذتها منه ليان وحاولت تهدأتها ولكنها لم تستطع ليهتف هشام بتوتر من بكاء الصغيرة: -وهنعمل معاها إيه دي؟ دلف في هذه اللحظة أيهم والذي ما أن استمع إلى صوت بكاء صغيرته حتى ركض نحوهم وأخذها من ليان وهو يهتف بقلق: -مالها؟ -مفيش صحيت من النوم بتبكي ومحدش عارف يتصرف معاها. هتف بها هشام بهدوء.

نظر أيهم في أنحاء القصر وهو يشعر وكأن جزءاً كبيراً منه قد فُقد ليتساءل هاتفا: -حوراء فين؟ يهتف غيث بهدوء: -بيقول سافرت هي وريان. ضيق أيهم بين حاجبيه باستغراب وشعر أن هناك شيئاً ما ولكنه أومأ بخفة وطلب من إحدى الخدم إحضار حليب للطفلة وجلس يهدئ بها. دلف كيان وهي تتنهد بإرهاق مردفة: -في مصيبة في الشركة فين أبويا؟ هتف هشام سريعاً: -ريان وحوراء سافروا.. إيه المشكلة حصل إيه في الشركة؟

صدمت من معلومة سفر أخيها المفاجئ ولم يخبرهم حتى ولكنها هتفت بتعب: -الحسابات.. فيها سرقة حوالي 2 مليون. -إزاي مش إياد على الحسابات؟ هتف بها هشام بغضب وفي هذه اللحظة دلف إياد. استمع إلى حديثه وهتف بهدوء وهو يضع كفوف يده في جيوب بنطاله:

-فعلاً بس السرقة ما حصلتش وأنا مستلم الحسابات.. السرقة كانت قبل ما أستلم الحسابات بحوالي أسبوعين.. وعرفت كده لما راجعت أوراق الحسابات القديمة وعرفت من الآنسة إن محدش يعرف حاجة عن السرقة دي. هتف هشام بغضب وهو يصدق مقولة (لا تأتي المصائب مفرداً أبداً) -سليمان. خلال لحظات كان سليمان يقف أمامه ليكمل هشام بحدة: -مراد اللي كان مستلم حسابات الشركة قبل إياد خلال ساعة يكون في المخزن.

هتف سليمان بثقة، وهذه الثقة هي التي جعلت ريان يثق به كثيراً وأنه أيضاً لم يخيب ظنه ولو لمرة واحدة حتى: -اعتبره حصل. ثم خرج بهدوء وثقة كما دلف ليتساءل إياد عن شقيقته ليصدم عندما أخبره أنها سافرت ليهتف بدهشة: -إزاي سافروا من غير ما يقولوا لحد؟ هتف هشام ببرود: -واحد أخد مراته وسافر هيقولكم ليه. شعر إياد أن هناك شيئاً حدث لشقيقته وعلم هشام من نظرته ليهتف بهدوء حتى يخفي الشك:

-حتى هي متعرفش إنها سافرت، هو عملهالها مفاجأة علشان تغير جو. تنهد إياد بقوة واستأذن منهم وغادر ذاهباً إلى شقيقتيه وقلبه يخبره أن هناك شيئاً سيئاً سيحدث أو حدث بالفعل. بعد عدة ساعات. كان قد وضعها على الفراش وهو ينظر لها بحزن وألم وخلع حجابها، ليتمدد بجانبها وهو يمرر يده على خصلات شعرها بحنان وهو يتوعد لتلك إيزابيلا بعذاب شديد. بدأ مفعول المخدر في الزوال وكان هو يستعد له.

بدأت تئن بألم وهي تحرك رأسها في كلا الاتجاهين ثم بدأ جسدها يرتجف وتصرخ صرخات منها من الألم الذي يكاد يقتلها. أحاطها ريان بذراعيه وهو يهتف بحزن: -إهدي يا حورائي استحملي علشاني. صرخت حوراء بقوة وهي تحاول إبعاده عنها مردفة: -ابعد عني.. راسي هتنفجر يا ريان مش مستحملاه. أصدرت آه متألمة ليصرخ قلبه معها وهو يقوم بتقييدها جيداً بذراعيه لتظل تقاومه بعنف وهي تصرخ ولا تعلم سبب هذا الألم.

تركها ريان وهو لا يتحمل صراخها وذهب ليحضر إبرة مهدئة سريعا لتنهض هي وتمسك بخصلات شعرها بقوة حتى كادت أن تقتلعها من جذورها وصرخاتها تهز أرجاء الفيلا. اقتربت من المرآة وقامت بضربها بقوة بتلك الزجاجة التي كانت أمامها لتتهشم المرآة إلى قطع صغيرة ليستمع ريان إلى الصوت ليقع قلبه أرضاً وركض بسرعة إلى الأعلى. سقطت الإبرة منه أرضاً وهو يراها تمسك بإحدى الزجاج المكسور وكادت أن تمزق خصلات شعرها.

ليركض نحوها وهو يرمي الزجاج من يدها وقام بحملها تحت حركتها العنيفة وصراخها القوي ووضعها على الفراش وظل يبحث عن الإبرة بعينيه حتى وجدها عن الباب ليتركها لكي يحضرها. انحنى وأمسك بها ثم اعتدل في وقفته وكاد أن يلتف لها ولكن تحولت ملامحه إلى الألم وهو يشعر بشيء حاد يغرز في كتفه بقوة. التفت ناظراً لها ليجدها تنظر له بعنفوانية بعدما غرزت جزءاً من الزجاج الحاد في كتفه.

ليخرج الزجاجة من كتفه وألقاها أرضاً وبدأ جرحه ينزف بغزارة. كادت أن تركض خارج الغرفة ولكنه قام بسحبها نحوه رغم ألم كتفه وقام بتقييدها بقوة وأعطاها الإبرة لتبدأ حركتها في الهدوء مجدداً ثم سقطت بين يديه فاقدة الوعي. حملها رغم ذلك الألم الفتاك الذي يشعر به ووضعها على الفراش وهو ينظر لها بحزن شديد. خرج من الغرفة وبعد قليل عاد وهو يحضر أصفاد من الحديد وقام بتكبيل يديها وقدميها على حواف الفراش.

فهو يعلم أن هذه التصرفات العنيفة ليست إلا بسبب ذلك السم الذي يسري في أوردتها والألم الذي تشعر به. روحه تتمزق وهو يراها بهذه الحالة وهو لا يستطيع فعل شيء. قلبه يتلوى ويصرخ ألماً وهو يشعر بألمها أضعاف مضاعفة. آذانه تتمنى ألا تسمع شيئاً حتى لا يستطيع سماع صوت صرخاتها. عيناه تتمنى العمى حتى لا يرى من عشقها بهذه الحالة. روحه تريد مفارقة جسده بدلاً من أن يرى عذابها هذا.

تحرك بخطوات ثقيلة خارج الغرفة وقام بإحضار كل شيء لمعالجة الإدمان وليخرج هذا السم من جسد محبوبته ووضعه بالغرفة حتى لا يضطر أن يتركها ثانية واحدة. وقام بتطهير جرحه ولفه بشاش أبيض بصعوبة ثم ارتمى أرضاً بجانب الفراش وهو يرفع رأسه إلى الأعلى بألم لما هو قادم. -مالك يا بيجاد من الصبح مش مرتاح كده؟

هتفت بها صبا التي تنظر بحنق لزوجها الذي يجلس على الفراش مستنداً بذراعيه على قدميه وهو يشبك أصابعه معاً ويهز قدمه بسرعة ناظراً إلى الفراغ. أفاق على صوتها ليهتف بهدوء حتى لا يقلقها: -مفيش بس بفكر في الشغل. وضعت صبا يدها على خصرها مردفة: -نعم.. بتفكر في الشغل واحنا في شهر العسل يا بيجاد؟ نهض بيجاد مقبلاً رأسها هاتفا: -فعلاً عندك حق أنا غلطان.. بس هكلم ريان وبعد كده مش هفكر في أي حاجة.

أومأت على مضض ليأخذ هو هاتفه خارجاً من الغرفة وهو يشعر بقلق لا يعلم سببه. خشي أن يكون هناك مكروه أصاب صديقيه ليقرر الاطمئنان عليهم حتى يمحى هذا القلق الذي يراوده من الصباح. ازداد قلبه مع نبضات قلبه وهو يرى هاتف ريان مغلقاً ليقوم بالاتصال على هشام وهو يدعو أن يجيبه فهو يكاد يصاب بالجنون. هتف سريعاً عندما أتاه الرد: -هشام انتوا كويسين؟ = مالك يا ابني كده اهدى.. احنا كويسين.. ليه فيه حاجة حصلت؟ تنهد بيجاد بقوة هاتفا:

-مش عارف يا هشام من الصبح وحاسس إن فيه حاجة غلط وقلق مش عارف سببه. أجابه هشام بسخرية حتى لا يشك بشيء: -يا ملك الإحساس أنت.. قولي أخبارك بقى مع العروسة. ولكن هل يخفي شيئاً عن أسد المخابرات الذي علم أن هناك شيئاً ما يخفيه عنه ليهتف بتوجس: -حصل حاجة عندك يا هشام.. وريان قافل فونه ليه... مش إمتى بيقفل الفون؟ علم هشام أنه لن يقتنع إلا بشيء مقنع جداً، ليجيبه بثبات:

-طبيعي تلاقيه مقفول ماهو كمان أخد مراته وسافر بقى وسبتوا الشغل كله عليا. ضحك بيجاد وهو يصدق حديثه قليلاً: -يعيني عليك يا ضنايا صعبت عليا.. تعالى مدريد هنا وانت هتقرر تتجوز على طول. -لا يا خويا سيبنالك انت وريان الجواز يلا سلام ورايا شغل مش فاضيلك. = أنا غلطان إني بسأل عليكم أصلاً صحبة واطية من غير سلام.

لم يجد رداً سوى صوت يدل على أن المكالمة قد انتهت ليهز رأسه وهو يبتسم على صديقه فهو إن لم يفعل هذا كان ليشعر بأن هناك شيئاً ما. ليعود إلى صبا هاتفا: -ها بقى قولتيلي إيه رأيك في الفيلا عجبتك؟ هتفت صبا بإعجاب حقيقي: -جداً وموقعها خرافي وتصميمها خيالي. تذكرت عندما فاجأها بأن له فيلا في مدريد وأنه لم يذهب إليها أول يوم لأنها كانت تحتاج للتوضيب. قبلها بيجاد على جبينها مردفاً: -احلوت لما انتي دخلتي فيها.

نظرت له بخجل ليهتف بمرح: -لا أنا اتعودت على صبا صاحبي ياريت تشيلي الفراولة دي. نظرت له بغيظ وهي تلطمه في ذراعه ليقهقه عليها ساحباً إياها إلى حضنه. لتقاومه وهي تهتف: -ابعد عني مش أنا صاحبتك. -اهدى يا بت هو فيه صاحب بالجمال ده.. دي كفاية قهوتك اللي خلتني أدمن القهوة بعد ما كنت مش بستحمل ريحتها. استكانت بين ذراعيه وهي تبتسم بعشق لهذا البيجاد وبادلته العناق مردفة: -بحبك. قبل خصلات شعرها مردفاً: -وأنا بعشقك.

ثم أسند ذقنه على رأسها وهو يتنهد بارتياح بعدما اطمأن على صديقيه ولكن مازال هناك بعض القلق. لا يعلم لما؟! ولكن هناك شعور سيء بداخله!! تزينت السماء بنجومها اللامعة وبقمرها الساطع. يجلس أرضاً بجانب زاوية من الغرفة يضم قدميه إلى صدره ويدفن رأسه بينهم ويضع يديه على أذنيه وهو يستمع إلى صراخها المتألم وهو عاجز تماماً. لا يقدر على فعل شيء لها. خرج صوت حوراء المتألم وهي تحاول استعطافه:

-ريان.. يا ريان إيدي بتوجعني.. راسي وجعاني يا ريان.. ورجلي كمان.. شيل الحاجات دي عني.. طيب شوفلي حاجة تخفف الوجع ده يا ريان.. مش مستحملاه والله. نهض ريان بسرعة البرق ولا يتحمل سماعها وهي تصرخ أو وهي تتحدث بهذه الطريقة حتى يزيل الأصفاد عنها. هذا الذي يجري في عروقها يأكل بجسدها بدون رحمة بها أو به. خرج من الغرفة وهو يستمع إلى صراخها: -ريان.. متسبنيش يا ريان. خرجت صرخة مدوية منها جعلت قلبه ينزف ألماً.

جلس أرضاً مسنداً بظهره على الباب وهو يستمع إلى ندائها له وصوت صرخاتها وهو عاجز تماماً. لأول مرة يشعر بهذا الألم الذي في قلبه وروحه. صرخاتها تصم أذنيه بدون شفقة. تردد كثيراً في إعطائها جرعة من هذا السم حتى يهدأ ألمها ولكن تراجع في آخر لحظة وهو يعلم إن أعطاها هذا السم فهذا سيصعب علاجها. ظلت طوال الليل تصرخ صرخات قوية تهز جدران الفيلا وظل هو بالخارج يتألم أضعاف ألمها. طوال الليل وهو يتعذب مع كل صرخة تخرجها.

ومع شروق الشمس. بدأ صوتها في الاختفاء نتيجة ضعف أحبالها الصوتية من شدة الصراخ ولكن ظلت تئن بألم شديد. ذلك الألم الذي تشعر به في رأسها سئ جداً لا يمكن وصفه. تشعر وكأن عقلها يحترق بنار لا تهدأ بل تزداد مع مرور الوقت. جسدها الذي لم يظل على درجته وأصبح بين لحظة وأخرى يصبح في سخونة النار، وبين لحظة وأخرى يصبح ببرودة الثلج. تؤلمها ذراعيها وهي معلقة فوق رأسها بهذه الطريقة ولا تستطيع تحريرها. ولكن هو فعل هذا خوفاً عليها.

يعلم جيداً أن بسبب هذا الألم الذي تشعر به من الممكن أن تؤذي نفسها بدون أن تشعر. عيناه حمراء كالدم بتلك الشعيرات التي أخفت لون عيناه شعره مشعث ويهبط على عينيه. نهض بإرهاق وفتح باب الغرفة ليجدها تتحرك بإرهاق وتئن بألم ليقترب منها وجلس بجانبها لتنظر له بعينيها السوداء التي يعشقها ولكنها تمتزج بشعيرات حمراء تدل على إرهاقها وتألمها. احتضنها وهو يمرر يده على خصلات شعرها هاتفا:

-استحملي يا حورائي.. استحملي علشاني يا لؤلؤي الأسود.. قلبي بيوجعني وأنا شايفك كده ومش قادر أعملك حاجة. خرج صوتها الضعيف المتألم: -إيدي بتوجعني أوي يا ريان.. مش هعمل حاجة والله بس.. بس ابعد الحاجات دي عني. ترجته كثيراً لينفذ هو أخيراً طلبها وقام بحل الأصفاد عن يديها لتخرج آه متألمة من ذراعيها التي ظلت معلقة فوق رأسها طوال الليل. ضمت ذراعيها إليها وهي تبكي بألم من كل شيء. كل شيء بجسدها يصرخ ألماً.

وهي ما زالت لا تعلم ما سبب هذا الألم إلى الآن. احتضنها ريان لتلف ذراعيها حوله وهي تتشبث بملابسه من الخلف وهي تبكي بقوة. خرج صوتها الضعيف الباكي وهي تتساءل: -ليه الألم ده يا ريان.. أنا فيا إيه؟ مسد ريان على شعرها هاتفا بصوت مختنق: -هتخفي يا حورائي صدقيني ووعد مني هخلي السبب يحس بنفس ألمك وأضعافه.. ده وعد يا لؤلؤي الأسود. ظلت تسأله عن ما بها ولما هذا الألم وكان هو متردداً في إخبارها ولكنه قرر أن يريحها وهتف:

-بسبب مخدرات كنتي تاخديها من غير ما تعرفي. صدمة.. شعرت بصدمة قوية وها هي تعلم سبب هذا الألم الذي تشعر به. ولكن.. عاد لها الألم مجدداً وبدأ جسدها يرتجف بين ذراعيه وهي تصرخ بقوة. لا تتحمل ذراعيه حول جسدها تشعر وكأن عظامها تحترق بالنار. قام ريان بتكبيلها مجدداً حتى لا تؤذي نفسها رغم حركتها العنيفة وصراخها بالرفض. يحاول التماسك وألا يضعف أمامها حتى لا تشعر بالضعف هي الأخرى وتستسلم لما هي فيه. ظلت تبكي وتصرخ بآن واحد.

صرخت بقوة واهتز جسدها بطريقة غريبة دبت الرعب في قلبه. وبدأ جسدها يتصبب عرقاً وارتفعت درجة حرارتها بشدة حتى شعر هو وكأنه يحتضن جمراً من النار. نظر لها بخوف دب في روحه وهو يراها تئن بألم وعيناها تغلق تدريجياً والدموع تهبط منها بغزارة. ظل يربت على وجنتها وينادي باسمها بفزع ولكن لا مجيب. علم أنها أُغمي عليها من شدة الألم. لا يعلم أيوقظها ويجعلها تواجه هذا الألم أم يجعلها هكذا حتى تستفيق بمفردها.

ليقرر جعلها ترتاح حتى لو كان مغشياً عليها ليقبل رأسها بعمق وهو يتمزق ألماً بداخله. استمع إلى صوت طرقات على الباب ليعلم من هذا ليخرج من الغرفة ثم فتح الباب ليظهر من خلفه هشام الذي صدم من هيأة صديقه وعينيه الحمراء. هتف هشام بقلق: -ريان انت كويّس؟ تنهد ريان بقوة وهو يومئ له بالنفي هاتفا: -مش كويس خالص يا هشام بموت بالبطيء. ترك هشام ما بيده وعانق صديقه ليعانقه الآخر وهو يحاول جمع شتات نفسه وأن يبقى صامداً. بعد وقت.

ابتعد عنه هشام مربتاً على كتفه ثم أعطاه ما كان بيده هاتفا: -ده أكل وكمان العلاج اللي طلبته ولو احتجت أي حاجة هتلاقيها هنا.. هي أخبارها إيه دلوقتي؟ أخذ منه الأكياس هاتفا: -مش كويسة خالص بتتعذب وأنا عاجز مش قادر أعملها حاجة. ربت هشام على كتفه هاتفا: -كل حاجة هتبقى بخير صدقني.. بس أنت متضعفش ولا لحظة.. خليك قوي زي ما اتعودنا عليك يا ريان.

أومأ له ريان ليغادر هشام ليدلف ريان إلى الفيلا وقام بتحضير الوجبات الصحية التي سيحرص على تناولها إياها. ثم وضع الأكلات في الثلاجة حتى تستيقظ حوراء ويطعمها. وأخذ إناء متوسط الحجم ووضع به ماء مثلج وأخذ منشفة صغيرة بيضاء وصعد إلى الأعلى ودلف إلى الغرفة وجلس بجانبها برفق حتى لا يؤلمها وظل ينظر لها بحزن ثم أخذ المنشفة ووضعها بالماء ثم أخرجها ووضعها على جبينها حتى تمتص حرارتها.

جفاه النوم طيلة الليل وهو يفعل لها هذه الكمادات ويراقب حرارتها من الحين للآخر. مر يومان. يومان تتعذب فيه ويتعذب هو الآخر معها. يومان لا يأكل إلا قليلاً، لا ينام إلا سويعات معدودة، لا يستريح. يطعمها بصعوبة حتى تأخذ علاجها. ويظل يراقب درجة حرارتها على مدى الـ24 ساعة، لا يبتعد عنها إلا عندما يشعر بأنه سيضعف أمام ترجيها وصراخها له ليخرج من الغرفة ويظل جالساً أمام بابها حتى تهدأ.

يومان وإياد قلبه يؤلمه ويخبره أن شقيقته حدث لها مكروه ما. ويزداد ألمه عندما يجد هاتفها مغلقاً ولا يستطيع التحدث معها والاطمئنان عليها. وكلما يسأل هشام يخبره بأنهم بخير وهو يتحدث مع ريان ويغير مجرى الحديث. يومان.. وبيجاد يشعر بالقلق ولا يعلم السبب. فقد كل ما يعلمه أنه لا يستطيع أن يبقى دقيقة واحدة في مدريد وسوف يعود إلى صديقيه حتى يطمئن عليهم بنفسه فحديث هذا هشام لا يقنعه.

وضع ثيابه في حقيبة سفره بسرعة وإهمال وثياب صبا الغير راضية عما يفعله. أغلق حقيبة السفر ثم حملها هاتفا: -صدقيني هعوضك عن الشهر ده بس لازم نرجع دلوقتي. لم ترد عليه ودلفت إلى المرحاض وأبدلت ثيابها وخرجت دون أن تنظر له ليزفر هو وغادر خلفها ليجدها تجلس في السيارة تنظر أمامها بغضب. ليخرج زفيراً من فمه ثم تولى مقعد القيادة وتوجه نحو المطار بدون أي حديث.

يعلم أنه يظلمها ولكن حتى وإن ظل هنا فهو لن يسعدها سيظل شارد الذهن طوال الوقت مثل اليومين الماضيين. توقف في المطار وصعد بطيارته الخاصة لتحلق بهم الطائرة وكل هذا تحت صمت مريب بينهم. حاول قطع هذا الصمت ولكن كانت تجيبه باقتضاب. ليكف عن محاولاته وظل يعبث بهاتفه. بعد ساعات. دلف بيجاد وصبا إلى الفيلا التي قدمها له هشام هدية ليتفاجأ بها حقاً فهي كانت مبهرة وجميلة وراقية. وقد نالت إعجاب صبا بشدة. هتف بهدوء:

-هشوف هشام وراجع روحي ارتاحي انتي. لم ترد عليه وظلت تتجول في الفيلا تنظر لها بإنبهار ليذهب هو إلى الفيلا المجاورة التي بها صديقه. تفاجأ هشام بوقوف صديقه أمامه. تقدم نحوه سريعاً هاتفا بقلق: -بيجاد إيه اللي رجعك دلوقتي حصل حاجة؟ هتف بيجاد وهو ينظر له بقوة: -مقدرتش أقعد هناك وأنا حاسس إن فيه حاجة مخبيينها عليا.. حصل إيه يا هشام؟ ارتبك هشام قليلاً ثم حاول بثبات: -صدقني مـ... قاطعه بيجاد وهو يلاحظ ارتباكه هاتفا بجدية:

-متحاولش تكذب.. حصل إيه.. ريان كويس؟!! تنهد هشام بقوة ثم جلس على إحدى المقاعد وقص له ما حدث ومن الفاعل وأين صديقه الآن. صُدم بيجاد من الذي يقوله ليهتف بحدة: -وأنت إزاي متقوليش؟ خرج صوت هشام الغاضب: -وكنت هتعمل إيه يعني.. ما أنا أهو قاعد ومش قادر أعمل حاجة غير إني أوديله الحاجات اللي بيطلبها.. كلنا عاجزين ومش عارفين نساعدها في حاجة. مسح بيجاد على وجهه ثم هتف: -الخادمة دي في المخزن؟ أومأ له هشام مكملاً:

-ولسه مش عارف أعمل مع إيزابيلا دي إيه.. لولا إن ريان هو اللي عايز يعاقبها كنت من وقتها خلصت عليها. جلس بيجاد بجانبه وهو يعلم الآن سبب ذلك الشعور الذي يرافقه طيلة اليومين الماضيين. ليستمع إلى صديقه وهو يهتف: -مكنش ينفع ترجع.. أكيد مراتك هتضايق. هتف بيجاد ببرود: -هي مضايقة أصلاً.. بس تولع هي وضيقتها أنا مستحيل أسيب ريان في الوقت ده. نظر له هشام بدهشة من حديثه هاتفا: -مش دي اللي بتحبها وكنت هتموت وتتجوزها؟

-وللآن بعشقها مش بس بحبها.. بس تولع كل حاجة قصاد ريان وانت، أنت عارف إنكم أهلي يا هشام. ربت هشام على كتفه هاتفا: -عارف يا بيجاد بس متزعلهاش عشان أي حد حتى لو كان أنا أو ريان.. روح لها دلوقتي وراضي. بيجاد رأسه بالرفض هاتفا: -صدقني هزيد الطين بلة. جعله هشام ينهض وهتف بحدة: -بيجاد روح راضيها ومتعصبنيش. تنهد بيجاد بقوة ثم هتف وهو يرحل بمرح: -آه الفيلا جميلة جداً طلع ذوقك حلو وأنا معرفش يااتش. -طول عمري يا بيجو روح يلا.

هتف بها هشام بثقة ليبتسم بيجاد وذهب إلى فيلته لكي يراضي زوجته. هو لا ينكر أنه يعشقها. ولكن.. صداقته في المقدمة وبعده الحب. دلف إلى الفيلا ليجدها هادئة ليتوجه نحو الغرفة ليجدها تجلس على الفراش مربعة قدميها تضع السماعات بأذنها وهي تتناول شرائح البيتزا وبجانبها كوب من النسكافيه. اقترب منها وجلس بجانبها لتنظر هي له قليلاً ثم أبعدت بصرها عنه وظلت تأكل دون أن تعيره اهتمام. أزال السماعات من أذنيها لتنظر له هاتفة

بغيظ باللغة الإنجليزية: -بيجاد ابتعد عني فأنا لست بمزاج جيد الآن. رفع حاجبيه متحدثاً معها بنفس لغتها وهو يمرر أصبعيه على وجنتها: -وما الذي يعكر صفو صبايا الآن؟ أبعدت يده عن وجهها وهي تهتف بغضب: -أنت.. وابتعد عني. والتقطت شريحة من البيتزا وهي تأكلها بغضب ليبتسم على غضبها هذا ثم قبل وجنتها هاتفا بحنان: -انتي عارفة علاقة أضلاع المثلث الثلاثة مع بعض إزاي.. وده شيء طبيعي لما أحس إن فيه حد منهم تعبان أقف جنبه. هتفت بغضب:

-ولكن أنت الآن شخص متزوج.. يعني هناك امرأة مسؤولة منك.. أنت الآن حرمتني من شهر عسلي بسبب أصدقائك وتريدني أن أقول لك حسناً لا بأس بهذا وسأقبل بسهولة. هتف بحدة خفيفة وهو يحاول الحفاظ على ابتسامته وهتف بكلام جعلها تنظر له بصدمة:

-متنسيش نفسك يا صبا.. إذا كنتي أنتِ حبيبتي ومراتي فمتنسيش إنهم أهلي اللي أسيب الدنيا عشانهم مش مراتي بس.. ياريت تحطي الكلام ده في دماغك ومش عايز أسمع الكلام الأهبل ده تاني عشان مش هيعجبك رد فعلي. أنهى حديثه وهو يجدحها بنظرة باردة والتقط شريحة بيتزا وقضمها ببرود شديد وهو ينهض متجهاً إلى خارج الغرفة. لتوقفه وهي تهتف: -رايح فين؟ أجابها ببرود وهو يكمل سيره: -في داهية.. احجزلك معايا. ولم ينتظر ردها وخرج.

ظلت تنظر في أثره بحزن وهي تتساءل.. أحقا من الممكن أن يتركها بسبب أصدقائه؟ .. أليس من المفترض أن تكون هي أول أولوياته ويترك العالم لأجلها هي فقط.. ثم تحولت نظرتها إلى قوة في كبريائها لا يسمح لها أن تكون بالمرتبة الثانية أبداً. إما الأولى في كل شيء.. أو.. إما الأولى في كل شيء أيضاً فليس هناك خيار ثاني.

بينما هو كاد أن يخرج من الفيلا ولكنه غير مساره ودلف إلى المطبخ وقام بإعداد كوب نسكافيه وهو لا يعلم لماذا دائماً تخرج هذه الكلمات الجارحة منه. ومع من؟ .... مع من يعشقها! ولكنه أيضاً يشعر بأن هناك شيئاً خاطئ. فطريقة حديثها، وأفعالها، وتفكيرها،.. تغيرت! هي لم تكن هكذا قبل أن يتزوجها. إذا ما بها الآن؟ التقط كوب النسكافيه وهو يقرر العودة لها حتى يفهم ما بها ولما هذا التغيير السيء.

وسيحاول إرضائها أيضاً ولن يتحدث بحديث أحمق جارح. فمهما حدث.. هي محبوبتهما. إن وصل إلى باب الغرفة حتى توقف وهو يستمع إلى صوت همهمات وهي تتحدث بالهاتف وكانت تردف بهمس: -انتظرى سأرى إذا كان خرج أم لا. وكانت تنظر من شرفة الغرفة ليتحرك من أمام الباب وخرج من الفيلا بالفعل وجعلها تشاهده وكان ممسكاً بهاتفه وهو يرى انعكاس صورتها على شاشة هاتفه ليرى حركة شفتيها وهي تتحدث ليعلم بما تتحدث. وما كانت تقول سوى:

-حسناً ها هو الآن خرج. ثم دلفت إلى الغرفة. ابتسم هو ابتسامة جانبية ثم قام بالاتصال على هشام وأردف ببرود ما أن أتاه الرد: -هشام.. صديقي العزيز.. أنت عملت الأوضة السرية اللي أنا كنت عايزها. جاءه صوت هشام من الناحية الأخرى وهو يردف: -آه وكمان ليه باب سري في الفيلا من الخلف والباب على شكل الحائط بالضبط بس هتلاقي نقطة صغيرة في..... وشرح له أين الباب المتخفي ليومئ بيجاد بخفة وهو يردف بمرح:

-تعبينك معانا يااتش والله معلش بقى استحملنا. -يلا يا بابا اقفل بلا هبل سلام. وقام بإغلاق الهاتف ليهتف بيجاد ببرود: -أنت بقيت شبه ريان كده ليه يخربيتك.. أما نشوف مدام بيجاد بتخطط إيه. وقام بالالتفاف حول الفيلا وظل يبحث بعينيه عن نقطة ما حتى وجدها ليضغط عليها لتظهر أمامه لوحة إلكترونية ليضع بصمة إصبعه ليفتح الباب. ليرى غرفة مجهزة بالكامل وحوائطها من الزجاج الذي يظهر غرفته بالكامل من المرآة التي بالغرفة.

وهذا الزجاج غير قابل للكسر.. يجعل الشخص الذي بداخله يستمع لكل شيء يحدث خارجه ولا يحدث العكس.. يظهر ما خلفه ولا يظهر ما بداخله.. وهو بهذه الطريقة يستطيع رؤية صبا وهي تتحدث بالهاتف وأن يسمعها أيضاً وهي لا تراه ولا تسمعه. جذب مقعد وجعله يجلس بالقرب من الزجاج ووضع قدم فوق الأخرى وهو يرتشف من فنجانه رشفات صغيرة واستمع لها وهي تتحدث بالهاتف وأيضاً تضع المكالمة على مكبر الصوت لأنها تتناول شرائح البيتزا. هتفت صبا بضجر:

-أمي أنا أفعل ما بوسعي حتى أجعله خاضع لي ولكنه في كل مرة يذهلني برده القاسي.. لقد ظننت أنني سأجد الموضوع سهلاً وسأجعله ينفذ ما أقوله ولكن لا.. هو رغم مزاحه إلا إنه شخصية قوية وقاسي وأيضاً لا أريد خسارته. جاء صوت أمها من الناحية الأخرى وهي تهتف بحدة:

-صبا اسمعيني جيداً أنتِ يجب أن تمسكي زمام الأمور وليس هو.. لأن هؤلاء المصريون يحبون التحكم بزوجاتهم وقتل حريتهم.. مثلما كان والدك يفعل معي ولكن أنا لم أصمت وتطلقت منه.. ولا تنسي أن بيجاد عائلته هي الأولى على العالم بثروتهم وسيطرتهم الطاغية وأن تحكمتي به كأنكِ تحكمتي بالعالم حسناً. ألم تري ذلك الذئب الذي أحضر ملابس بها ألماس حر لزوجته وكأنها لا شيء. تنهدت صبا وهتفت بحزن:

-أمي أنا أحب بيجاد ولا أريد أن أفعل هذا كله أخشى أن يتركني وأنا حقاً لا أستطيع العيش بدونه دعكِ من هذه المظاهر التي أنا لا أحبها على الإطلاق.. لا تجعليني أصبح مطلقة مثلك.. وأيضاً أنا لدي أملاكي إذا لم الطمع؟ هتفت أمها من الناحية الأخرى بحدة: -اسمعي يا فتاة ليس هناك ما يسمى حب كل شيء مصلحة الآن.. ألم يحرمك من شهر العسل لأجل أصدقائه وهذا دليل على ضعف شخصيتك وأنه بدأ يتحكم بكِ وبحريتك من الآن.

نهضت صبا وهي تلتقط الهاتف وتضعه على المرآة وهي تقوم بجمع شعرها في كعكة فوضوية وهي تهتف: -أمي الجميع يعلم علاقة هؤلاء الثلاثة إنهم أقوى من الحديد وهذا شيء يعجبني.. أحب إخلاصهم وتمسكهم ببعضهم البعض وأيضاً أنتي تعلمين أن شهر العسل لا يفرق معي ما دام هو بجانبي. كان وجهها أمام وجهه تقريباً ولكنها كانت تنظر لانعكاسها في المرآة وهو ينظر لها ببرود صقيع. هتفت أمها بحدة:

-اسمعي يا فتاة لقد سئمتُ منكِ وإن لم تفعلي ما أخبرك به ستنسي أن لكِ أم من الأساس وستكونين بالنسبة لي ميتة هل فهمتي. ثم أغلقت المكالمة لتمسك صبا الهاتف وتقوم بإلقائه أرضاً ليتهشم إلى أجزاء وزمجرت بغضب وهي تعيد ترك شعرها لينسدل على وجهها لتظل تتنفس بعنف وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة. بدأت أنفاسها تهدأ وبدأ الضعف يظهر عليها. رغم ما تظهره للعالم من قوة وشراسة إلا أنها تظل أنثى رقيقة وهشة من الداخل. تجمعت الدموع بعينيها

وهي تبكي وتتحدث مع نفسها: -يجب أن تضعي حداً لوالدتك يا صبا.. أنتِ قوية ولا تهتمي بتهديد أحد ويمكنك الاستغناء عن أي شخص حتى لو كانت والدتك.. ولكن إياك وخسارة بيجاد فأنتي تحبينه وهو يحبك أيضاً. أزالت دموعها التي كانت معلقة بأهدابها وقامت بتمشيط شعرها ووضعت بعض المساحيق التجميلية ورفعت رأسها بكبرياء وشموخ أنثى. فهي ستظل صبا الشرقاوي ذات الكبرياء المغرور والشامخ الذي لا يضعف ولا يظهر ضعفه لأحد أبداً. وأكملت بقوة وهي

تحدث نفسها أمام المرآة: -الآن دعنا نتحدث مع والدتك ونريها من هي صبا جيداً. أخرجت هاتف آخر من حقيبتها غير الذي هشّمته وقامت بالاتصال على والدتها ووضعته على أذنها تنتظر الرد. ابتسمت بخفة وهي تستمع إلى رد والدتها التي ظنت أنها ستفعل ما تقوله. لتتحدث صبا بقوة مردفة:

-على مهلك كريستين على مهلك.. من الظاهر أنكِ نسيتي من هي صبا الشرقاوي وأن ظننتِ أن بتهديدك لي سأفعل ما تطلبينه فأنتِ مخطئة.. إذا كنتِ تريدي الابتعاد عني فلا تضعي أعذاراً حمقاء كهذه. وأنا أخبرك الآن لن أفعل شيئاً يخرب حياتي مع من أحب لكي أعود لكِ مطلقة مثلك وأكمل حياتي بيأس وحزن وندم أيضاً كما تعيشيها أنتِ. والآن إلى اللقاء كريس فزوجي على وصول ويجب أن أتجهز لاستقباله على أكمل وجه.

ثم أغلقت الهاتف وألقته خلفها على الفراش وعيناها تشع منها القوة والإصرار على عدم جعل والدتها تسيطر عليها بتلك الأفكار الخبيثة مجدداً. كل هذا تحت أنظار ومسامع بيجاد الذي كان يبتسم على زوجته ذات الكبرياء الشامخ. لم يتخيلها أن تكون بهذه القوة. لا ينكر أنه في بادئ الأمر أراد أن يذهب لها ويحطم رأسها ورأس تلك الحية التي تسمى والدتها.

ولكن بعدما رأى حزنها على ما تفعله وتصديها لوالدتها بهذه الطريقة جعله يقع بعشقها للمرة التي لا يعلم عددها. نظر إلى الفنجان الذي بيده ليراه قد انتهى لينهض ببرود شديد وخرج من الغرفة ثم التفت حول الفيلا ودلف من بابها الرئيسي وهو يلمح طيفها على الشرفة. ليكمل خطواته حتى دلف إلى الداخل ليجد شيئاً ما يتعلق برقبته ولم تكن سوى هذه صبا. نظرت له صبا بحب صادق وندم أيضاً لاحظه هو. احتضنها بخفة مردفاً: -حبيبي شكل مزاجه رايق.

هزت صبا رأسها وهي تردف: -جداً. ابتسم لها ابتسامته الجذابة وقبل وجنتها. قاطع لحظتهم صوت رنين هاتف بيجاد الذي احتفظ بخصر صبا بين ذراع والأخرى التقط بها الهاتف وهو ينظر إلى هوية المتصل. وما إن علم من المتصل حتى نظر إلى صبا ليراها تنظر له بفضول ليبتسم لها هاتفا: -واحد من الشغل هرد عليه وارجعلك. ثم ابتعد عنها وخرج من الفيلا يتحدث بالهاتف بثبات وثقة. والسَّلام. مِـنَّــــة جِبريـل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...